bc

ذكريات من حافة قلب

book_age12+
28
FOLLOW
1K
READ
bisexual
lighthearted
serious
bold
alien contact
harem
poor to rich
school
war
like
intro-logo
Blurb

لا تبالغوا بالعشم فكل مَنْ بالغ في الحزن صُدم وكل من تعشم بالقُرب هُجر ومَنْ يتعشمون يتأذون.

أصيلٌ بدأ يحِّل بتواري قرص الشمس الذهبي ليسقط في منتصف مياه البحر الزرقاء.

هدوء الطرقات، تكاد تخلو من أقدام المارة مع إعلان أذان الإفطار الأخير لشهر رمضان، لا صوت يعلو على صوت أمواج البحر الهائجةِ، كأنها مُسلطة على إيقاظ أوجاع قلبٍ يبحث عن ملجأ آمن مِن أُناس كانوا مأمنه الأوحد.

ديجور بدأ يحل كاسيًا الأجواء بظلمته، جالسةُ على رمال شاطئ حمل شكوى الكثير من المُتألمين حتى باتت رماله تشكو هي الأخرى من كثرة الشكوى، جالسةُ بجسدٍ تكوَّر في موضعه من الصَرِّ وشدته، أنامل تخترق حبات الرمال، تخُط فيها أسماء وذكريات، ذكريات هلع لأساها القلب وانهار منها الجسد.

ذكريات لأُناس، وجودهم وحده كان هو الملجأ الأوحد من بشاعة حياةٍ لا تترحم على ضعيف قوم ولا تعترف إلا بأقواهم.

حياةُ بين بشر لا يختلفون كثيرًا عن ح*****ت الغاب، قانونهم البقاء دائمًا للأقوى، إلا أن قانون البشر الأسوأ، فأصبح لا بقاء للأنقى قلبًا، لمُحب الخير، بل أن البقاء للأندل خُلقًا، للأب*ع طبعًا، للخائن والمنافق.

حياةُ فقدت عُذريتها فاغتُصِبت من الأهل في حق أبنائهم ومن الأبناء في حق آبائهم.

chap-preview
Free preview
الفصل الاول
أنت لا تعرف شيئًا عن الليالي التي بكيت فيها وأنا أدفن رأسي في وسادتي كي لا يسمع أحدُ صراخي.. عن الأيام التي نهشني فيها الخوف والإنتظار والوحدة.. عن مرارة لحظات الفقد التي تجرعتها كمدًا، ولازالت ذكراها ترجف قلبي كلما مرت عليه.. عن الأوجاع والخيبات والهزائم والخذلان الذين تكالبوا ع روحي في وقت واحد حتى مزقوها لأشلاء وشخصيات عدة يتقاتلون داخل عقلي، وكادوا أن يدفعوا بي في العديد من المرات إلى حافة الموت أو الجنون.. ... (لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) إن التحدي الأصعب هو أن تكون نفسك في عالم يحاول فيه كل شخص أن يصبح شخصًا آخر. كـ أن تحافظ على كيانك ومبادئك في مجتمع يتلون فيه الناس بلون الأقوى، حتى وإن كان على حساب أُناس ليس لهم أي ذنب في شيء سوى أن الله خلقهم هكذا. هي كلمات أخبرني بها حين كنت طفلًا، وقتها لم أكن أعلم ماذا يقصد أو معنى تلك الكلمات، إلا أني اليوم مدين له بالكثير، اليوم وفي سن الثلاثين علمت إلا ما كان يقصد والدي. لكني لم أكن أهنئ بلحظة فرح واحدة، سواءًا أ كان في البيت أو المدرسة. كنت أُعاني كثيرًا من كون بشرتي سمراء وسط مجموعة من الوجوه البيض سود القلوب. أولًا قبل أن أقص عليكم حكايتي، أعرفكم عن نفسي. اسمي زين مالك، أعيش في ضواحي العا**ة المصرية القاهرة. عمري الآن ثلاثون عامًا، طبيب جراح. هذا تعريفي إلى حدٍ ما حتى لا أُطيل عليكم. من المؤسف أن أقول إني أحد الأشخاص الذين عانوا التنمر بشتى صوره هُنا. سواءًا كان التنمر اللفظي أو التنمر الجسدي أو حتى الإلكتروني. أتذكر أنه في عمر الثالثة عشر كانت أشد الأوقات عليّ من المعاناة والأسى من هذا الأمر، كنت أعاني التنمر من أصدقائي في المدرسة، هذا وإن صحَّ عليهم لقب الأصدقاء إلا أنهم لم يكونوا ينتمون له بأي صلة. أتذكر يومًا كنت جالسًا موضعي في الفصل فـ أتاني أحدهم برسالة كُتبت على ورقة، ابتسم كـ الأ**ق بفرحة طفولية، للمرة الأولى ذاك الشخص لا يسبُني أو يُلقي على مسامعي أدنى ألفاظ التنمر. فتحت الورقة بابتسامة رُسمت بحرفية على ثغري، لتذوب وتتبخر بشكل تدريجي بعد قراءة العبارة المتواجدة في الورقة. كانت "الأفضل لك أن تغادر فصلنا أيها الز**ي". دون أن أتفوه بأي شيء نظرت له بعينين قرر الدمع أن يزورهما لوهلة فـ أصبح على مشارف جفونهما. كان يقهقه هو ومجموعته بشكل جنوني، وكأنه انتصر في حرب مثلًا أو حصل على درجة الإمتياز في المقرر الدراسي. أما عني فـ كانت تؤلمني تلك الدمعة التي تُوشك على السقوط لكن كبريائي يمنعُها من ذلك، تلك الدمعة التي تأتي في **ت، وتعود أيضًا في **ت من القهر والحزن. فـ مُنذ متى يحتاج الألم إلى الحديث الطويل! حاولت استجماع جُل قواي المتبقية ومن ثم نهضت مُغادرًا الفصل، عائدًا إلى البيت، تاركهم في قهقهتهم، في غرورهم، في عجرفتهم. أتذكر أنه كان أصعب أيامي في تلك الفترة، رغم أنه لم يكن اليوم الأول أو الأخير في أن أحصل على مثل هذه المعاملة أو الطريقة القاسية في التعامل بسبب شيء ليس لي علاقة به. لكنه حقًا كان اليوم الأصعب، حين عُدت إلى المنزل حطمت كل شيء كان يعترض طريقي. كل شيء كانت تطوله يدي يُحطَّم دون أي تهاون. أما عن أبي فـ كان يكتفي بالنظر إلي دون أن يفعل أي شيء أو يمنعني مما أفعل. هدوءه الذي كان ينظر لي به كان سببًا في أن أُهدئ من روعي أنا الآخر. جلست أرضًا في إحدى جوانب البيت وضع القُرفصاء، واضعًا رأسي بين قدماي، محتضنهما بذراعي بقوة، لوهلة بدأت أدمُعي في الهطول كـ سماء ظلت متماسكةُ لسنوات عجاف دون أن تمطر، وبين طرفةُ عين والأخرى هطل ماؤها وكأنها تبكي بحرقة. اقترب مني والدي ليجلس بجواري مستندًا بيديه على ركبتاي بحنان قائلًا: الأمر المعتاد! أمأت برأسي إيجابًا وأنا بحالتي تلك، لوهلة شعرت بتنهيدة والدي التي خرجت من أعماق قلبه حزنًا وألمًا على حالى ذاك، لكن سُرعان ما عدل من حاله ليتحدث بابتسامة رسمها بإحترافية على وجهه قائلًا: أليس من المفترض أنك تعودت على مثل تلك التصرفات العدائية يا زين! نظرت له بحالتي الباكية ثم تحدثت: وما ذنبي في تحمل ما يحدث لي! وما ذنبي في أن بشرتي سوداء! لما لم أُخلق مثلهم ببشرتهم، تعبت وأنا أراهم في كل يوم يهجروني لبشرتي. يستهذئون بي لقبح لوني. ماذا عساني أفعل وأنا أراهم يفعلون بي كل ذلك! انظر يا أبي، انظر ماذا أعطاني عمرو اليوم! انظر ماذا كتب لي؟ يخبرني بأن غادر المكان أيها الز**ي. كنت أرى الحزن الدفين الذي يتواجد في عيني والدي، لا يعلم هو الآخر ماذا عساه أن يفعل ليهون عليّ، ابتسم ليتحدث: أ هذا ما يُزعجك بهذا الشكل! يا صديقي نحن هنا في أفريقيا جميعًا ز**ج إلا القليل، نحن هُنا ببشرة قمحاوية في الأغلب، فلا يزعجك قولهم فهم لا يفقهون، عساك يومًا أن تكون خيرًا منهم، عساك يومًا أن تكون أفضلهم. لا تحزن يا بُني، أعلم أن الأمر يسبب لك الكثير من الحزن والألم، إلا أني على يقين أن حزنك هذا في زوال مهما طال، كُف عن البكاء كـ الفتيات وأنهض. انهض وسر في حياتك دون الالتفات لأحدهم، أكمل طريقك وإن حاول الجميع إيقافك أكمل. لا تكترث لأمرهم، جاهد خلف حُلمك حتى تشعر بمذاقه حين تصل إليه، طعمه الخاص ورونقه الذي لن يضاهيه حينها جمال. كُن أنت دائمًا، لا تكن كما يريدونك هم، كن أنت في كل شيء، كن مختلفًا. اجعل من كيانك استثناء من كل شيء، كن استثنائي في فرحك، فلا تُفرط فيه حتى لا يُزعجك. كُن استثنائي في حزنك فلا تسمح له بالبقاء طويلًا حتى لا يؤلمك. كُن استثنائي في معاملتك مع من حولك، فـ تصبح دائمًا ذكرى لا يُمكن نسيانها، كُن استثنائي معهم حتى تطيب سيرتك حين تأتي ذكراك في ال*قول أو على الألسنة. انهض، كفى بكاءًا أو عويلًا كـ الفتيات. فور أن أنهى حديثه نهض ليقف أمامي ماددًا يده لي، نظرت له بعينين توقفا عن الدمع، قلبُ خجل مما يفعل من هذا البكاء المستمر، عقل تغيَّب تمامًا عن التفكير في أي شيء سوى كلماته البسيطة التي ألقاها على مسامعي منذ لحظات. وكأنها أتت كـ قطعة من الخشب اقتربت لشخص يصارع الغرق، فانتشلته من موتة الغرق تلك التي اقتربت من بين طرفة عين وأخرى. مسحت أدمعي بساعدي ومن ثم مددت يدي له لأنهض مُبتسمًا. زادت ابتسامته هو الآخر ردًا عليّ ثم تحدث: ما رأيك إن تناولنا عشاءنا اليوم بالخارج! هللت فرحًا، هي من المرات القليلة التي نخرج للعشاء بالخارج بسبب ظروفنا المادية التي لا تسمح بهذا، أجبت: أوافق وبشدة، هيا بنا الآن. تحدث بمكر: لكن بشرط. ظهرت على وجهي علامات التمعض وأنا أستفسر منه عن الشرط، فقال: شرطي هو أن تحقق العلامات الكاملة في مقررك الدراسي وأن تصبح طبيبًا ماهرًا. ابتسمت ثم تحدثت بشيء من المرح الطفولي: لك ما تريد يا والدي، الآن هيا فـ أنا جائع. أجاب بابتسامة: هيا يا صديقي الصغير. أتذكر أنه منذ هذا اليوم، تغيرت حياتي بشكل كامل، تفكيري في الأمور أصبح مختلفًا بشكل كان واضح جليًا إلى والدي، حتى أنه كان واضحًا إلى تلك المجموعة التي لم تكُف يومًا عن العبث معي بشتى الطرق. بت أستقبل كل تصرفاتهم بشيء من الهدوء، متذكرًا حديث أبي، يجب علي أن أكون الأفضل، يجب أن أكون الشخص الاستثنائي، سأُكمل طريقي أيًا كان من يُحاول إعاقتي. في عامي الأخير للثانوية العامة، وقبل أن تظهر نتيجتي بأيام قليلة، سقط أبي مغشيًا عليه، بعد أن تم نقله إلى المشفى، أخبرني الطبيب أن لديه مشكلة في القلب ويجب التدخل الجراحي بأقصى سرعة. في غضون دقائق قليلة كان كل شيء مُعد بشكل سريع للتدخل الجراحي وبعد ساعة أو أقل خرج علي الطبيب يخبرني أن العملية بائت بالفشل، توفى والدي بعد تدخل جراحي كان فاشلًا. حينها تحول كل شيء في عيني إلى السواد الداكن، اللون الأ**د هو الذي يسيطر على كل شيء تقع عيني عليه، فقدان والدي كان بمثابة ض*بة قاضية أتت على رأسي فأسقطتني أرضًا لا حراك. فقدان أمي في عمر مبكر ومن ثم الآن والدي! توقف عقلي تمامًا عن التفكير في أي شيء سوى في ذكراه. تلك الذكريات القاتلة، تلك الذكريات التي تظل محفورةً بداخلنا مهما حاولنا نسيانها. تلك الذكريات التي وإن كان وقع آلامها لا يُنسى إلا أنها تبقى ذات رونق خاص في القلب. بعد أيام قليلة ظهرت نتيجتي، فـ الأمر المُفرح أني حققت العلامات الكاملة في مقرري الدراسي. أما المُحزن أني لا أجد من أخبره بذلك ليفرح معي، فقد سرق الموت كليهما، أمي ومن بعد ذاك الذي وعدته بأن أحقق ما وصلت إليه الآن. تحدثت لنفسي: "لك عهد مني يا والدي، مها طال بي العمر أو قصر، مهما تكاثرت عليّ الأوجاع أو اندثرت، سأبقى على عهدي معك، لن أترك في يوم للحياة بأن تهزمني". في تلك اللحظة قررت أن ألتحق بكلية الطب، تحديدًا قسم جراحة القلب. قررت أن أكون من أفضل الأطباء في هذا المجال، عاهدت ربي ونفسي أن أبذل قُصارى جهدي في سبيل عملي، مهما كلفني الأمر ألا أدع أسرة تفقد شخصًا منها بسبب عملية جراحية فاشلة، أو خطأ من طبيب. تخرجت من كليتي والتقديرات النهائية، بدأت حياتي العملية كما يجب أن تكن، خمس سنوات من العمل وأنا أحافظ على عهدي، لم أدخل عملية واحدة وأصابني عدم التوفيق. كنت أحمد الله على هذا التوفيق الذي كان يلازمني طوال عملي، حتى أصبحت أحد أشهر الأطباء في جراحات القلب في وقت قصير جدًا بشهادة من أساتذتي ومؤسسات كُبري. يومًا كان لدي مؤتمر هام سيتم تكريمي به على مجهوداتي في جراحات القلب بأحد الجامعات الكُبرى بالولايات المتحدة الأمريكية، هو مؤتمر انتظرته لوقت طويل، أستعد له بشكل كبير حتى أُكون بهيئة تليق. أنهيت حقائبي وشرعت في المغادرة إلا أني توقفت بسبب رنين هاتفي. نظرت إلى شاشة الهاتف، هو رقم المشفى الذي أعمل به، ابتسمت بهدوء متحدثًا لنفسي: لا سفر، من المؤكد أن هنالك مريض ما يحتاج إلى تدخل جراحي. أجبت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أجاب المدير قائلًا: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلًا بك زين، أعلم أنك مُغادر إلى أمريكا الآن، وأعلم أن اتصالي في وقت غير مناسب، لكن هنالك حالة حرجة لمريض، الأمر يتطلب تدخل جراحي بأقصى سرعة. :- لا أسف جناب المدير، لا يهم السفر، دقائق وسأكون بغرفة العمليات. :- شكرًا جزيلًا على كل ما تفعله يا زين، حقًا خير مثال لطبيب يُضحي بأموره الشخصية لجُل عمله، منزلك قريب من المشفى لا تتأخر. :- لا تقلق سيدي، سأصل بأقصى سرعة. أنهيت محادثتي تاركًا حقائبي، مستقلًا سيارتي متجهًا إلى المشفى. فور أن وصلت كانت غرفة العمليات قد جُهزت بشكل سريع، طلبت من أحد الممرضين أن يُطلعني على أوراق المريض أو حالته. لحظات ومن ثم أحضر لي حالته الصحية، إلا أن الأمر كان بالنسبة لي هو شيء يعجز ا****ن عن وصفه، عياني متشبثة بالاسم رافضة قراءة أو رؤية شيء آخر غيره "عمرو الصافي". أنا لا أحلم، ليس تشابه في الأسماء، هو حقًا ذاك الطفل الذي كان يُبرِح قلبي شتى أنواع الت***ب اللفظي بالتنمر على بشرتي! تلك الذكريات الصامتة في وتين القلب، الألم الذي لا يُمكنه مغادرة القلب! سريعًا ارتديت معطفي الطبي ثم دلفت إلى غرفة العمليات، أتذكر أن تلك العملية كانت الأصعب في حياتي، لا أعلم ما سبب تعقدها، رغم أني فعلت مثلها الكثير والكثير، إلا أن ذي تحديدًا طال وقتها بشكل لا يوصف. لا أعلم أهي الذكريات التي لا ترفض مغادرة عقلي! أم أمانتي في عملي الذي أقسمت قسمه وعاهدت أن أبذل قصارى جهدي به. بعد ما يقارب من ثلاث ساعات انتهت العملية بنجاح، أما عن فرحتي بإنقاذ عمرو تضاعفت حين رأيت فرحة والديه بعد علمهما بنجاح العملية. لم أكن أعلم حينها أي الشعورين يسيطر عليّ. شعور فرحتي لنجاح عمليته، أم تذكري لذاك المؤتمر الذي كان من المفترض تكريمي فيه، لكني لم أذهب. على أي حال لم أترك لنفسي الوقت الكبير للتفكير في الأمر، فقط ما كان عليّ فعله هو انتظار عمرو حتى يستعيد وعيه ومن ثم الاطمئنان عليه ومغادرة المكان عائدًا لبيتي. ساعات قليلة قضيتها جالسًا في مكتبي حتى أخبرني أحد الممرضين أن عمرو أفاق وأصبح بحالة صحية جيدة، ابتسمت بشكل لا إرادي مقررًا الذهاب إليه لرؤيته. لحظات بسيطة كانت كفيلة بوصولي إلى غرفته. :- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أجاب والده بفرحة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، إتفضل يا دكتور. اقتربت من الفراش ثم تحدثت: كيف حالك يا عمرو، أرجو من الله أن تتماثل للشفاء سريعًا. نظر لي بعينين حدّقتين، وكأنه يحاول التذكر أين رآني قبل ذلك، لكن من الواضح أنه بعد أن استسلم بعدم التذكر تحدث بصوت مرهق: أهلًا دكتور، شكرًا لك على ما فعلته معي، أدين لك بحياتي. لكن أشعر وكأني رأيتك قبل ذلك، لكن عقلي أبى أن يتذكر متى وأين. ران علينا **ت خفيف، قبل أن أقطعه متحدثًا بتلك الجملة التي لم تغادر عقلي ليومي هذا: "من الأفضل لك أن تغادر المكان أيها الز**ي". أتتذكر تلك الجملة يا عمرو؟! تجحظتا عيناه بشكل ملحوظ، عيناه تترمقني من أخمص قدماي حتى أعلى رأسي ثم تحدث بصدمة: زين مالك؟! ابتسمت له بهدوء وأنا أغادر المكان متحدثًا: نعم، الطالب الز**ي يا صديقي، على أي حال، حمدًا لله على سلامتك يا صديقي، لا تُرهق نفسك بالحركة الكثيرة تحتاج إلى بعضٍ من الراحة قبل أن تغادر، إن أردت شيئًا أرسل لي مع أي من الممرضات، أراك في وقتٍ لاحق. أنهيت حديثي ومن ثم شرعت في التحرك حتى أوقفني صوته الهرم ذلك قائلًا: سامحني يا صديقي، أعلم أنني أسأت لك كثيرًا، أعلم أني وإن تحدثت ليل نهار لن يغفر لي بشيء، لكن سامحني. استدرت مبتسمًا: لا داعي لمثل هذا الحديث يا صديقي، نحن أصدقاء حتى وإن اختلف لون بشرتنا، نحن أصدقاء حتى وإن اختلفت طباعنا. خُلقنا لنكمل بعضنا، أليس كذلك! :- نعم هو كذلك، لكن ليتني كنت أفقه ذلك، أسأت إليك كثيرًا، لعلهم يفقهون، لعل الجميع يفقه ويعلم ما علمته الآن، ذاك الطفل الذي لطالما آذيته، هو من أنقذ حياتي. ابتسم الأب ليتدخل في الحديث هذه المرة قائلًا: لعلهم يفقهون يا عزيزي إن اختلافنا هو كمال لنا وليس عار علينا. لكن قبول الاختلاف أصبح فينا مجرد غلاف، يرون أن اختلاف اللون يؤذينا، اختلاف الشكل يؤذينا، اختلاف الدين يؤذينا. حتى اختلاف الج*س لم يُفلت من آذانا، لذلك يحاولون اغتيال كل اختلاف فينا، تحولنا لبعضنا سُم عُزاف. فـ للأسف يا بُنى أصبحنا مُجتمع أ**ق لا يبالي، مجتمع أصبحت قضيته التنازع على التفاهات والترهات والخرافات رافضًا الغوص في العمق. ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ ليتنا نفهمهم ..- هل أنت مستعد؟ أراك متوترًا بعض الشيء يا دكتور آدم! التفتُ مبتسمًا إلى معدّ اللقاء وصاحب العبارة الممتلئة بالقلق، فلاحظت حول عنقه وشاحًا ضخمًا من الصوف. قلت له وأنا امازحه: بلا شك، أنت تخشى البرد يا أحمد! - بل أخشى المرض يا دكتور آدم، كما أنت تفعل بارتدائك لمعطفك الرمادي الطويل الذي وبشكلٍ عجيب زادك طولًا! ص*رت مني ضحكة قصيرة؛ فقد برع بإخراجي من حالة التوتر التي نادرًا ما تصيبني لأني اعتدتُ على هذه اللقاءت الأدبية والندوات العلمية، ومع هذا لم يستطع أن يخرجني بالكامل؛ مازال التوتر متشبثًا بي.. هذه المرة القصة تمس طرفًا من حياتي، بل هي جوف ولب حياتي. اعتليتُ المنصة بعد تعريفٍ موجزٍ بي، وبالتزامن مع تصفيق الحضور استلمتُ (الميكروفون)، بدأت الحديث بعد إلقاء السلام الذي نطقته بتوترٍ واضح: في الحقيقة حاولتُ إخفاء توتري ولكن كما ترون.. لم أنجح، ولعل السبب يعود إلى أنّ كتاب "الذاتوية الوجدانية" مختلف عمّا سبقه؛ ففي كل مرة كنتُ أستعرض مشكلة نفسية لستُ طرفًا فيها.. أما هذه المرة فأنا كنتُ أحد الأطراف التي كان مركزها.. أخي أنس. حرصتُ على قدومه لهذا اللقاء؛ لأثبت له فخري به. ولا أظن أني أحتاج إلى التعريف به، فهو يشبهني كثيرًا بالرغم أني أسنّ منه، فقد تركت عوادي الدهر أثرها على ملامحي، فمثلًا نحن نتشابه في لون الشعر ونعومته إلا أن الشيب تمكّن مني، نمتلك نفس بريق العين الأ**د ولكن التجاعيد بدأت تخطّ حول عيني، وبالرغم من توارثنا حتى لاعوجاج الأنف إلا أنه امتنع مشاركتي الشفة الأرنبية المزيفة؛ فهذه الندبة الواضحة لكم حصلتُ عليها عندما كنتُ في عمرٍ لا يُسمح لي بالسهر لوقتٍ متأخرٍ، هذه الندبة التي أصبحتُ دائما ألمسها عند التفكير العميق، التي في كل مرة أراها أتذكر ماضيها، أتذكر ماضينا القاسي سويًا.. أنا وأنس. لن أقص عليكم بداية اللقاء بل**ن دكتور آدم الناضج، بل بل**ن الطفل آدم المشاغب الذي كان محور الاهتمام حتى قدم أخاه أنس البليد للحياة، أو هكذا ما ظننت! كنت في الثامنة عندما رُزقنا به، أحببتُه واهتممتُ به بالبداية ولكن انقلب كل هذا إلى الكره، جميع المشاعر أصبحت لا تعرف طريقها إلى أنس، وكيف لا؟ وقد أخذ جُلّ الرعاية، بل ولم يكتفي عند هذا الحد! ففي الخامسة من عمره بدأ احتلاله على والديّ يزيد، وكأنها دمية في يديه! حدثني عقلي بالتخلص منه ليسترد قلبي حقه في الحب. في أحد الأيام استعار دون استئذاني أقلام كنتُ لا استخدمها بل مللتُ منها، ومع هذا تضايقتُ عندما رأيتها بين يديه، صحت عليه فلم يتجاوب معي بل وتجاهلني، مرة أخرى.. وكأني أصيح على حائطٍ لا مشاعر له! فصفعته دون أدنى رحمة مني. لأصدقكم القول.. لا أعلم ماذا دفعني حينها لصفعه! الغضب؟ الكره؟ الغيرة؟ على أي حال.. حدث ما لم اتوقعه، وبدون سابق إنذار صرخ أنس، تحرك بشكلٍ مريب في أنحاء الغرفة، ألقى بكل ما تصل إليه يده على الأرض، ثم أخفى رأسه بين ذراعيه، واضعًا كفيه على أذنيه، أما أنا أنظر إليه مبتسمًا؛ هاهو الهدوء الذي كان يرسمه بمخيلتنا ينقلب إلى مشهدٍ درامي! أنس يا له من ممثلٍ بارع، أنس الذي استطاع بكل بساطة سرقة كل ما كنت أملكه. تركته على حالته، وعدتُ لغرفتي الفوضوية فتعرقلتُ بأحد أل**بي، لأسقط على مزهرية والدتي التي أخذتها بالخلسة، كما دخلت الشظايا بخلسة إلى وجهي، لتستقر اطولها في شفتي، وكأن الألم يقول لي: تذوق أنت الآخر بعض الشئ مني. لا أتذكر هل بكيتُ حينها؟ أم ذعرتُ ؟ لكني أتذكر بوضوح نظرة أنس لي الذي بالتدريج بدأ يهدأ من تلقاء نفسه.. كانت نظرته ولأول مرة لا تبدو فارغة، خالية من المعاني، شعرتُ بداخلها قلقٌ ص**ح، شاهدتُه يتحرك في الغرفة بينما يردد صائحًا: ماما، ماما. أتى كلًا والديّ على صوت صراخنا، ثم بعد فترة ظهر الطبيب الذي فضّل علاجي بالمنزل، أعطني بعض الحقن المسكنة وأظنه زاد الجرعة حتى يتمكن من خياطة وجمع أجزاء شفتي معًا! طيلة هذا الوقت كان طيف أنس لا يفارقني، حتى بعد رحيل الطبيب، كان ساكنًا في إحدى زوايا الغرفة، يرفض الحراك ويصرخ كلما حاول أحدهم حمله إلى غرفته. بدأ تأثير المسكنات، بدأت أفقد الوعي بالتدريج، وقبل أن أسقط نائمًا رأيتُ أنسًا يقف في مكانه دون حركة، يكرر اسمي بصوت منخفض، بإستمرار وكأنه يحفظه! وعندما استيقظتُ كان أول شيء أراه: أنس بجوار أمي التي أخذت تطمئن على حالي، حاولت مناداته ليقترب مني لكني لم أستطع، عندها التقت عيناه بعينيّ، نظر إليّ بنظرته المألوفة الخالية من كل شيء، ثم خرج بهدوء. هذا الهدوء، وهذه النظرة الباردة هي سبب كرهي الشديد له، وها هو بعد كل ما حدث مازال يحتفظ بأدائه التمثيلي… كنتُ طفلًا أ**ق فلم أفهم حينها أن هذه التصرفات الغريبة الصادرة منه ليست إدعاء أو تمثيل. لكني أيضًا كنتُ طفلًا بريئ، فكل هذا الكره تبدّل تمامًا عندما عاد مرة أخرى، وفي يده ورقة، أرانيها بلا اهتمام كعادته، كانت رسمة بسيطة، نحن فيها. نظرتُ لها لأتفاجأ بابتسامة صغيرة على ثغره. هذا الموقف حضوري الكريم أثر للغاية في، هذه الرسمة التي أصبحت مهمة بالنسبة لي هي نفسها غلاف كتابي الذي رأيتموه جميعًا. بعد "الذي رأيتموه جميعًا" هذا الكتاب الذي يحوي معظم حياتي، يتحدث عن طفولتي الرعناء ووعي القاصر إتجاه مرضى التوحد، وإن كنتُ لا أراهم مرضى، فهم أشخاص مثلنا طبيعيون إلا أن الله أصطفاهم بهذا الأمر، و"ليتنا نفهمهم" لما كانت نظرة المجتمع لهم شبيةُ بنظرتي لأنس في السابق، الكثير من التنمر والقليل من الإحترام، ولكن.. ماذا أقول فالأمر يبقى حبيس التمني لا أكثر، فلا يمكن قول شيء ما دامت ال*قول مغلقة تفكر في نفسها أولًا. وهذا الأمر تحديدًا الذي جعلني أتخصص في هذا المجال الذي قد يراه البعض بلا قيمة؛ خاصةً في البيئة التي عشتُ فيها، بيت بسيط في ضواحي القاهرة، وأفراد لا يفهمون معنى الطب النفسي، فكل ما يعلمونه عن الطبيب هو من يحمل السماعة ويخيط الجراح. على أي حال هذه كانت نظرتي للأمر في السابق، وهكذا بدأت أول فصل في الكتاب، بدأته بكُرهي لأخي، بإعتقادي الخاطئ، ومشاعري المتحجرة، ولولا والدي الذي انتبه لمعاملتي العنيفة مع انس وأخذ يُقنعني بمرضه لفترة طويلة لما كنتُ هنا الآن، ولما كانت مشاعري كما هي الآن. هكذا هو مرض الذاتوية أو باللغة الدارجة "التوحد"، الذي أصاب أنس وربما الكثير من اطفالنا وأيضًا شبابنا، هذا المرض الذي يجعلهم لا يقبلون العلاقات الاجتماعية إلا في أضيق الحدود، حتى أنه يظهر في سلوكهم المضطرب تجاه الاشياء وصعوبة اللغة. وختام مقدمتي لكم وقبل أن نبدأ في النقاش على محاور الكتاب، أود القول أني مدين لكل ما تعلمته في حياتي، سواء على المستوى الشخصي أو الاجتماعى لأخي.. الفريد أنس.

editor-pick
Dreame-Editor's pick

bc

Ice Shards

read
1.1K
bc

إمرأة من نار

read
1K
bc

I'm not your alpha

read
1K
bc

بروحى فتاة(معشوقه اليل)

read
2.0K
bc

الوحش الثائر.. ج3... من أحفاد الجارحي... للكاتبة آية محمد

read
1K
bc

عائلة الشيخ رجب

read
1K
bc

الفا مملكه الهجناء

read
6.1K

Scan code to download app

download_iosApp Store
google icon
Google Play
Facebook