الفصل الرابع

1533 Words
كنت أظن أن صديقتي التي لا تعبّر لي عن مشاعرها دومًا لا تُحبني بنفس القدر. كنت أعتقد أن صديقتي تلك لا تشعر بشيء لأنها لا تبكي مثلي عندما تمر بموقف ما. كنت أظن أن فُلان لا يحب فُلان بنفس القدر لأنه لا يفعل كذا وكذا! ثم أدركت أن البشر مختلفون! صديقتي تُحبني كثيرًا لكنها تعبُر عن ذلك فعلًا وليس قولًا. صديقتي التي لا تبكي تكتم بداخلها وهذا أسوء بكثير من البكاء. فُلان يحب فُلان لكن له طريقته الخاصة في التعبير. لا يُوجد كتاب محدد أو طريقة مُعينة للتعبير عمّا نشعر به. كوني مُختلف عنك لا يعني أنّي لا أحبك. أنا فقط أحبك بطريقة مختلفة عن طريقتك. سيصلك حُبي إن أدركت أنه سيصل بأي طريقة حتى وإن كانت مختلفة عنك. لا تبالغوا بالعشم فكل مَنْ بالغ في الحزن صُدم وكل من تعشم بالقُرب هُجر ومَنْ يتعشمون يتأذون. أصيلٌ بدأ يحِّل بتواري قرص الشمس الذهبي ليسقط في منتصف مياه البحر الزرقاء. هدوء الطرقات، تكاد تخلو من أقدام المارة مع إعلان أذان الإفطار الأخير لشهر رمضان، لا صوت يعلو على صوت أمواج البحر الهائجةِ، كأنها مُسلطة على إيقاظ أوجاع قلبٍ يبحث عن ملجأ آمن مِن أُناس كانوا مأمنه الأوحد. ديجور بدأ يحل كاسيًا الأجواء بظلمته، جالسةُ على رمال شاطئ حمل شكوى الكثير من المُتألمين حتى باتت رماله تشكو هي الأخرى من كثرة الشكوى، جالسةُ بجسدٍ تكوَّر في موضعه من الصَرِّ وشدته، أنامل تخترق حبات الرمال، تخُط فيها أسماء وذكريات، ذكريات هلع لأساها القلب وانهار منها الجسد. ذكريات لأُناس، وجودهم وحده كان هو الملجأ الأوحد من بشاعة حياةٍ لا تترحم على ضعيف قوم ولا تعترف إلا بأقواهم. حياةُ بين بشر لا يختلفون كثيرًا عن ح*****ت الغاب، قانونهم البقاء دائمًا للأقوى، إلا أن قانون البشر الأسوأ، فأصبح لا بقاء للأنقى قلبًا، لمُحب الخير، بل أن البقاء للأندل خُلقًا، للأب*ع طبعًا، للخائن والمنافق. حياةُ فقدت عُذريتها فاغتُصِبت من الأهل في حق أبنائهم ومن الأبناء في حق آبائهم. ذكرياتٌ أدمى لها قلبي حزنًا، ذكرياتُ كان فيها أبي هو مُتعبي، ظالمي، مُحطم كياني، دمعٌ تساقط من عيني على غرة مني ليختلط برمال الشاطئ. عالَم أصبح خاليًا من حولي، هذا ذهبَ لقضاء آخر فطور من رمضان مع أبيه وأسرته، وهذي ذهبت لتستعد لأُولى ليالي العيد بأحضان والدها، أما أنا فأكتفي باحتضان نفسي بعد أن غادرت منزلي في يوم كهذا مُجبرة على أمري. حسرةٌ تنهش في قلبي بمخالب ذئب انتظر تخلف شاه عن القطيع فانقض عليها. فإلى أين المُلتجأ إن كان المهرب مِمَنْ كان المأمن؟ فأين النور في حياة بائسة كحياتي وإن كان مُظلمُها أبي؟ عقلُ لا يكف عن الغوص في تلك الذكريات التي تهلع لها القلوب القاسية.٠ _اسمعيني جيدًا يا بيتونيا، في الغد سنذهب إلى الشهر ال*قاري لتتنازلي عن ميراثك في والدتك. بعد أن كانت وجهتي لتحضير الفطور، تسمَّرت قدماي بالأرض وكأنهم جُمِّدا عن الحركة تمامًا، عائدةُ بمقلتاي إلى والدي متحدثة: _إلى أين؟! حَدَّجني بنظراته، يتطلع إليّ من أخمص قدماي إلى أعلى رأسي ثم أخرج من جيب سترته سيجارً وأشعله دون أن يُبالي بسؤالي، وكأني مجرد زجاج شفاف لا أهمية له. عُدت تجاهه بخطوات مُتثاقلة ثم أعدت سؤالي مجددًا، نهض من على كُرسيه نافخًا دُخان سيجاره في وجهي مُتحدثًا بصرامة: _لم يكن في حديثي طلاسمٌ ليصعُب فهمه. كأن الرعب والتوتر وَجدا قلبي ملجأ أمن منه فاستقرا به: _لا أقصد يا أبي، لكن لمَ؟ _دون سؤال، أنا والدك وأعرف جيدًا ما هو الخير لكِ. بتي مُقبلة على الزواج، ميراثك هذا سأشتري به بيتًا يكون لكِ وأيضًا يتم تجهيزه حتى إن أتى نصيبك سكن به. ابتسامة ساذجة رُسِمت على وجهي دون وعي: _ماذا؟ أليس من المفترض أن تكون هذه الأشياء على الزوج؟! _نعم، لكن لن أقبل أن تتزوجين بعيدًا عني، سأجلب لكِ بيتًا بجواري، أخاف أن يحدث لكِ مكروه وأنتِ بعيدة. غصنت حاجبي مُتحدثة بتعجب: ج_خوفًا عليّ إذًا؟! وليس لخدمتك وخدمة زوجتك؟ لن أقبل بذلك، هذا ميراث والدتي وهو مِلكي، لن أتزوج مِن أحدهم أنا مَنْ أجلب له سكنًا. ابتسم لي ثم اقترب جهتي بهدوء لم أعهده منه، ران علينا **تٌ للحظات، سيجاره الذي بفمه، عيناه اللتان يكادا يوقدا شرارً من حدتهم. مدَّ يده جهتي بثبات، ليُمسك بكف يدي، حاملًا سيجاره من فمه مُطفئه بقبضتي: _أنا لا أحاوركِ، هذا أمرٌ. أما عني فكانت صرخاتي تتوالى واحدة تلو الأخرى ألمًا، دمع تجمع بعيناي ليتساقط **ماء أمسكت عن المطر سنوات عجاف ثم انفجرت باكية. يقف بثباته، صرخات ألمي تلك التي يلين لها الحجر لم تهز شعرة واحدة منه، وكأنه شخص خُلِق من طينة غير طين البشر، وضع مكان قلبه حجر صوان لا يلين مهما اشتدت الطَرقات عليه. أنهى حديثه ثم غادر المنزل غير مُبالي بأمري، تلك الندبة الحمراء التي تواجدت بكف يدي، هذا الحرق الذي يشدد دمعي في الهطول كلما زاد ألمه. للمرة التي ليس لها عدد تمنيت وجود والدتي بجانبي، لكن هذه المرة كان الأمر أشد احتياجً، هذه المرة بلغ مني الألم ما بلغ، فبت غير قادرة على تحمل المزيد. ألم قلبي الذي يشتد يومًا عن سابقه لكل ما يفعله معي، ألم فاق الوجع الجسدي الذي أتعرض له يوميًا، وكأنه ابتاعني من سوق الرقيق والعبيد؛ لأكون عبدة وخادمة له ولزوجته تلك التي لا تكف ولا تمل من زرع الكراهية لي في قلبه. أبُ أخذ حديث زوجته وأوامرها دربه ومسلكه، فوضع الله على عينه غشاوة لا يرى منها نهاية طريقه. تلك الواقفة إلى باب غرفتها، مُربعة يديها إلى ص*رها، ابتسامة وكأنها تحمل في طياتها جُل أنواع الشماتة والفرحة فيما يحدث لي، وكأني عدوة لها في حرب لا تقبل القسمة على اثنين، تحدثت لي بغرور وهي تعود إلى غرفتها: _اقترب الإفطار عليكِ الإسراع في إعداد الطعام. فور أن أنهت جملتها دلفت إلى غرفتها مُغلقة الباب خلفها. رُسِمت على وجهي ابتسامة ساذجة لم أعيها، أُحَدِّث نفسي إلى مَنْ الفطور؟ إلى مَنْ كان يشرب سجائره منذ قليل لا يُبالي بحرمة ما يفعله؟ أَم إلى تلك التي لا تعرف إلى الله مقامًا؟ حتى أني أشك أنها تعلم عدد الفروض اليومية! بين اللحظة والأخرى لا تجد عيناي ملجأ إلى أن تعود وتنظر إلى تلك الندبة المؤلمة في يدي، ليست الأولى فكل جسدي يُعاني من مثيلاتها، وليست الأشد ألمًا، بجسدي منه الأشد عمقًا، لكنها كانت نقطة ماءً في بحر تعالت أمواجه، كالبحر هذا، وكأنه يزحف على الشط بموجه محاولًا الوصول إليّ لمواساتي. دائمًا ما نصل إلى جزء في نقطة في حياتنا تكُن هي الفاصلة في كل شيء، نقطة يصاحبها تغيُّر الحياة تمامً، فيها نُعلن التمرُّد بعد أن يفيض الكيل. يظنونا عبيدًا لهم من فرط حُبنا، مُعتقدين أننا فقدنا عُذريتنا في إبداء أي ردة فعل عمَّا يفعلوه معنا حتى نُجبر على التمرد، فيصبح العصيان ورفض الواقع هو حقُنا الأصيل في إنهاء كل تلك المُعاناة. فلم يجد عقلي مفرًا واحدًا في إنهاء كل هذه المعاناة إلا اللجوء لمُغادرة المكان. دلفت إلى غرفتي مُحاولةً في جمع أشيائي الهامة، ثم تسللت خلسة مُغادرةً للمكان دون أن تشعر تلك البغيضة. غادرت ولا أعلم لقدماي مرسى أو مُتجَه، فقط قلب يرتجف خوفًا ويهلع رُعبًا من الماضي الذي لم يكن به أي شيء يبقى ذكرى جميلة، ومستقبل بات مُبهمًا ليست له أي ملامح. وكأن أُمنية قلبي الوحيدة باتت في أن يتم توزيع البشر على القلوب من جديد بشكل عادل. وكـأن نصيب قلبي من البشر كان في الأشخاص القاسية قلوبهم. انتهى بي دربي إلى هُنا، إلى رمال هذا الشط بموجه، حزن على حال قلب للعيد الأول لم يعد له ملجأ. دموع تتساقط دون توقف، فلم أشعر إلا بيد ذاك العجوز الذي جلس بجواري، وجه ظهرت على ملامحه عبث الحياة، انحناءة ظهر لشقاء الدهر، ابتسم لي مُتحدثًا بصوتٍ هَرِم: _والله إن هذه الدموع لا تهون على الله، فما أبكاكي! نظرت إليه دون حديث بمُقلتاي اللتين أُهلِكا من التعب ثم عُدت بنظري إلى اللاشيء أمامي. تحدث من جديد: _أتعلمين، يبدو أننا مُتشابهان إلى حدٍ كبير. لم أستطع منع فضولي هذه المرة فنظرت له مُتحدثة: _وما الشبه بيننا؟! _بذاك الحزن الذي أحب المقام بقلوبنا، أولئك الأشخاص الذين مَرُّوا بنا فلم يتركوا لهم ذكرى إلا ندبات شوَّهت قلوبنا. أأخبركِ سرًا؟ _ماذا؟ _يومًا فقدت طفلتي وزوجتي في حادث سير، حينها انطفأ قلبي وشعرت أن الحياة أسدلت ستارها الأ**د عليّ فانتهت الفرحة من كل بقاع الأرض وسكن الحزن أجزاء قلبي، مرَّ أربعون عامًا على تلك الحادثة، حين رأيتكِ أحسست أنكِ شبيهة بابنتي. **تَ لوهلة مُحاولًا ترتيب أنفاسه ثم أكمل: يومًا تُجبرنا الحياة على أن نصل إلى النُضج رُغمًا عنَّا، نتجاهل ما يعكر صفونا، ما يؤذي فؤادنا، نبتعد عن أي تعلق لن يجلب لنا إلا الأذى. نظرت له باسمة، حديثه هذا الذي لامس الروح، مُعاناته، حقًا كأن هنالك شبه بيننا، هو فقد طفلته وزوجته بالموت، لكني فقدت أمي موتًا ووالدي حيًا. _لكن فقدان الحي يا سيدي أشد ألمًا، ذاك الذي تُصبح غير قادر على اعتباره ميتًا تتراحم عليه، أم حيًا تدعو له بالهداية. _الرحمة تجوز على كليهما يا بُنيتي، قصي ما بكِ. تن*دت بأسى ودون أن أشعر وجدت قلبي ينتفض بما فيه للمرة الأولى، كأنه وجد ملجأه، يقص ما حدث بدمع سبق الكلمات، عيني العجوز لم تفارق عيناي وأنا أقص ما حدث لي، شيء غريب بهما يُشعرني بأمان لم أجده بوالدي، فور أن أنهيت حديثي نظر لي بابتسامته التي لم تفارقه قائلًا: _لم يُمكننا العودة إلى الوراء وتغيير ماضينا، ولكن يُمكننا أن نبدأ من جديد، أتينا إلى هذه الحياة فقط نتعلم ودائمًا ما يُعطينا الله فرصة جديدة للبدء. **ت للحظة ناهضًا من موضعه، ماددًا يده لي: _هيا انهضي. نظرت له بعدم فهم: _إلى أين؟! _إلى بيتي، هو قريب إلى حدٍ ما من هُنا، أنا في عمر جدك، ستكونين ضيفتي إلى أن يشاء الله، أو ابنتي إن لم يُزعجكِ الأمر! _لكن... قاطعني بابتسامة: _دون لكن، هيا انهضي، غدًا أول أيام العيد، علينا تحضير بعض الكحك، أم أنكِ لا تُجيدي صُنعه؟ نهضت من موضعي ممسكة بيده، فتحدثت بابتسامة خرجت من قلبي للمرة الأولى منذ زمنٍ بعيد: _ يبدو أنك تود الذهاب إلى المشفى مُتسممًا بعد تناول صُنعي. تحرك بخطوات هَرِمة ضاحكًا: _ لا لا أرجوكِ، أنا مَنْ سيصنعه بنفسي.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD