الفصل الثالث

1347 Words
. - في الغياب.. تُصبح وجوه الجميع واضحة، مَنْ اشتاق، مَنْ ترك الحنين في روحه أثرًا وأيضًا مَنْ لم يشعر من الأساس بالغياب. غيمُ يجمع بلونه الرمادي، ليُزيل اللون الأزرق الهادئ للسماء، وكأنه قرر أن يُزيل معه هدوء قلبي وسكينته، مُعيدًا عليه انتكاساته وذكرياته المريرة. رعدٌ رجَّ السماء فأتبعه إنهلال الوَدقُ على السُبل، كاضطراب بحر هاجَت أمواجه العاتية. تبعه اختلاط المطر بالثرى ليصنع بركًا من الوحل بالطُرقات، لكن المؤسف أن البِرل تجاوزت الطُرقات والأزقة فأصابت قلبي الذي تحوَّل لبركة من وحل الذكريات. ذكرياتُ شتاءُ مضى ليأتي آخر مُعيدًا إياها. شخصُ غادر تاركًا في كل بقاع حياتي ذكرى له، الأماكن، الطرقات، حتى ليالي الشتاء الباردة لم تخلُ من ذكراه. هي ليلة شتاء حزينة أخرى لا تخلتف عن سابقاتها في شيء، حتى ذكرياتها تُعاد كما هي بأمطارها التي أرى فيها مُواساة لقلبي، وكأن السماء تبكي ليلاها على ويل قلبي الذي قُتل اشتياقًا لغائب ضلَّ طريق العودة. صوت فتاة أنهت شرودي بابتسامتها العذبة ووجهها الذي يُضاهي جمال القمر مُتحدثة: _مرحبًا سيدي، ما هو طلبك؟ _أحضري لي كوبًا من الشاي إن تفضلتي. _أوامرك سيدي، ثوانٍ ويصبح بين يد*ك. _شكرًا جزيلًا. سجلت النادلةُ طلبي في تلك الورقة التي بين يديها ثم غادرت تُلبي طلبات غيري من المتواجدين. عُدت إلى سابق عهدي أسير ذكريات، ماضٍ حزين، رغم علمي أن تفكيري لن يُغير منه شيئًا. تنهيدةُ خرجت من أعماقي حاملة معها اشتياق روح لباريها، كعاصفة تقتلع كل ما يعترض طريقها. جستُ بعيني الطريق خارج تلك النافذة بجواري، أُراقب تلك الأقدام التي تُهرول عائدة إلى بيوتها هاربة من الأمطار، حتى وقعت عيناي على طفلين يتراقصان تحت حبات المطر، وكأنهم يعزفان على سيمفونية بإبداع موسيقار. فلم ترى عيني فيهما الجمال حتى أخذت منهما الذكريات، فأصبح كل شيء تقع عيني عليه يُصر على استرجاع ذكراي. ذكريات تلك التي وقعت من قلبي موقعًا لا عوض له، وكأن العالم دونها أصبح فارغًا من الجميع حتى وإن تواجد الآلاف. _أسرعي يا حنين علينا المُغادرة، الأمطار تتضاعف وكأن السماء انفجرت بما فيها. فتاةُ عشرينيةُ العمر تتحرك بشغف تحت الأمطار كطفلة في عامها الخامس، تتراقص تحت السماء بفُستانها السماوي كحورية من الجنة هبطت للتو على الأرض، نظرت بمُقلتي طفلة مُشاغبة: _أرجوك، لنبقى قليلًا هُنا. _كُفي عن تصرفات الأطفال تلك، أنتِ فتاة جامعية. أُنظري إلى ذ*ل فستانكِ؟ تحوَّل إلى الرمادي من الوحل وحركاتك الطفولية تحت المطر. _أرجوك يا مصطفى، هو يومًا لن يُعوض، أنهينا محاضراتنا فدعنا نستمتع بالمطر قليلًا، لا أحب في حياتي أكثر من ليالي الشتاء وتعلم ذلك. نظرت لها بابتسامة أب تترجاه طفلته على المغادرة لللعب مع أطفال الجيران قليلًا، وبعين أخ يرتجف فؤاده على أن تغيب من أمام مُقلتيه فتُصاب بمكروه يؤذي فؤاده: _لن تكبُري أبدًا يا حنين، طفلةُ مشاغبةُ لا تُلقي لأحاديث الناس بالًا، لا تترك فرصة للمتعة إلا واقتنصتها. _لا أفعل ما يؤذي غيري أو يغضب ربي، إذًا فليتحدث كل شخص كما يُريد، أأُخبرك سرًا؟ _أخبريني يا نجمتي عن سرك؟ توقفت للحظة ب**ت ناظرة لي بابتسامة زيَّنت ثغرها الهادئ، وزادت من جمال وجهها جُزءًا إضافيًا، **تُ شعرت من إطالته أن أمر سيئ قد حدث، لكن لوهلة تحركت بعيدةَ عني مُتراقصة تحت الأمطار، تدور في حلقات دائرية حول نفسها، صانعةُ بفُستانها تنورة مُببلة الوحل مُتحدثة: _نجمتي! أدري أنها وقعت من فؤادي موقعًا بليغًا! أستعذب منك هذه الكلمة يا مصطفى. وكأن نسرًا حملني بمخالبه وطار بي عاليًا إلى أرضًا زُرعت الياسمين. حقًا هي نجمتي ودُنيتي وعمرٌ جميل فوق عمري. _أعلم ذلك، لكن ما السر الذي أردتي إخباري إياه؟ توقفت عن الدوران للحظة، فاردةُ كفيها متساقطًا فيهما المطر، حتى استجمعت في كفيها قليلًا منه وألقتهم نحوي بمشاغبة وملامح ظهر عليها لمحة من حزن، أجابت: _أخشى أن يأتي يومًا لا تكُن أنتَ بدايته ونهايته، أخشى أن يُذكر اسمك في حديث أحدهم فيتألم قلبي شَوقًا لرؤياك أو محادثتك. وكأن وقع كلماتها له صدى على قلبي عظيم، كأن نفس النسر الذي حملني عاليًا إلى السماء نزع مخالبه عني ليتركني أسقط أرضًا. ران على كلينا **تُ وكأن ل**ني سُجِن بفمي وكُبِّل بقيود من فُلاذ لتعود مجددًا بابتسامتها، مُنهية ال**ت الذي بدأته متحدثة بمرح: _على أي حال، حتى لو أتى هذا اليوم فاعلم أني سأظل أُحبك إلى الأبد، إياك أن تنسى ذلك. هيا لنلتقط بعض الصور ونُغادر، لكن بهاتفك، كما تعلم أخاف أن يُصيب التلف هاتفي بفعل المطر. حتى أن ذكرياتنا تأتي عند اللحظات السعيدة وتنتهي مثل أحلامنا تمامًا. فقطعت النادلة شرودي بإحضارها ما طلبت: -أتأمُر بشيء آخر سيدي! _لالا، شكرًا جزيلًا لكِ. وضعت المشروب على الطاولة وغادرت، عُدت بعيناي مجددًا إلى النافذة المتواجدة بجواري، ناظرًا إلى الصغار الذين يلهون تحت حبات المطر بفرحتهم تلك التي تنضح على وجوههم، ملابسهم التي أصبح من الصعب تمييز لونها من الوحل الذي غطاها بأكملها تقريبًا. أنفاسي الباردة التي صَنَعت مع حبات المطر رذاذً خفيفًا على الزجاج. فلم أشعر إلا وأنا أخط بإصبعي فوق النافذة لتتخلل أحرفي رذاذ المطر المُخلَّفِ فوق زجاجها حروف (حنين). ابتسامة ساذجة رسمتها شفتاي وهما يرددان: "حقًا إن لكل شخصٍ من اسمه نصيب، لكن يبدو أن نصيبك من الحنين أصابني أنا يا عزيزتي، يبدو وأن لوعة الحنين إليكِ أشعلت نارً بقلبي ما زالت لم تنطفئ حتى وإن مرَّ على اشتعالها سنة كاملة. سنة من الحنين والحزن الأليم. حنين لتلك البسمات التي كانت تُزيِّن ثغرك الجميل، حنين لمُقلتيكي السوداوين وشعرك البُني الذي نال من لون الشمس وقت المغيب نصيبًا. حنين إلى أنين قلبك، حنين حتى إلى نقاشاتِنا التي ما كانت تنتهي إلا بسخط أحد منا على القرار النهائي فيها. حنين إلى مشاغباتك الطفولية. وكأن نصيبك من اسمك أصابني أنا دونك". تنهيدة خرجت بأسى كاد قلبي يُقتلع من موضعه لشدتها، مُحاولًا إنهاء تلك الذكريات التي لا تكُف عن العبث بي أينما حللت، لا تكف عن وضعي بين فكي كماشة حديدية يكاد فكيها ينطبقان عليّ، أحدهم يحمل من الماضي مساوءه والآخر يحمل من القادم مخاوفه. حتى أصبحت أقصى درجات سعادتي في أن يهدأ عقلي قليلًا عن التفكير، يصاحبه هدوء قلبي عن الحنين. أخرجت من جيب سُترتي عقارً يُسكن صداع رأسي ولو قليل، هذا الصداع الذي يُصر على البقاء معي، وكأنه أدمن البقاء، فرفض الرحيل مهما كانت المقاومات، أشرت إلى النادلة لإحضار الفاتورة للمغادرة. اقتربت فمددت يدي في جيب سُترتي مُخرجًا النقود.. _أمازلت تُحبها! أجبت بلا مُبالاة وأنا اُكمل ما أفعل: _كما يقولون أُحبها حتى يفنى العالم بأسره، أُحبها كـحُب شخص ضالً في الصحراء مُهتدي بنجوم السماء. حقًا كانت نجمة سمائي. _كانت! _نعــ.... للحظة توقفت الكلمات في حلقي، حاولت بلع ريقي، رامقًا بمُقلتاي تلك الواقفة أمامي، وكأنه ل**ني تجمَّد فـعجز عن الحديث، فكانت نظراتي كفيلة بقول كل تلك الأسئلة التي تتخبط برأسي. أجابت مُجددًا بابتسامة يتجلى لها القمر في السماء: _لمَ كل هذا التوتر، لا تخف، أعلم ما يدور بعقلك الآن. لكن من الوهلة الأولى لدلوفك المكان، لم يغب توترك عن عيناي، نظرات إلى الصبية تحت الأمطار، يداك المرتعشتان وعيناك اللتان ينضح منهما الحزن، حتى ذاك الاسم الذي خطته أناملك على النافذة بجوارك. (حنين)، يا له من اسم رائع. نظرت بعيني سريعًا إلى النافذة لأرى حفر الاسم ما زال موجودًا، محيته بكف يدي سريعًا عائدًا بمُقلتاي إلى تلك التي ما زالت واقفة: _ماذا تُريدين! _لا شيء، فقط الحساب، لكن إن اعتبرت الأمر فضول، فما الذي يُخيفك إلى هذا الحد! أأصبح الاعتراف بالحب جريمة يُحاسب عليها البشر! إن كنت تحبها هكذا لمَ كان الفراق إذا! ما زالت مُقلتاي مُعلقة على وجهها، لا أدرى من أين أتت بتلك الشجاعة في الحديث، فأنا الذي يخصه الأمر بت عاجزًا عن الحديث عنه، ابتعدت بمُقلتاي عنها ثم أجبت: _أتعلمين! ليلةُ الغياب الأولى تلك كانت هي المرةُ الأولى التي يشعر فيها قلبي بالنقص، المرةُ التي شعر بها أنه أصبح غير كافيًا لشيء، وكأن شبابه تحوَّل بين طرفة عين والأخرى إلى شيبة عجوز ظهر على ملامحه عبث الدنيا. لكن كطبيعة البشر كُنا فترات في حياة بعضنا البعض، رغم أننا تعاهدنا على السير معًا، أقسمنا على البقاء، تعاهدنا على أن تكون الاستثناء الوحيد من تلك القاعدة وندوم إلى الأبد. لكن الكلمة العُليا كانت للقدر. ابتسمت ثم حملت النقود وتحدثت وهي تغادر قائلة: _ليس على قلبك أن يبقى حبيس ذكراه. أعلم دائمًا أن هناك بصيصًا من الأمل ينتظرنا، بصيص يفتح لنا آفاقَ جديدة مُواريًا عنا الأحزان المُتثاقلة. مازلت تُحبها، انهض فإنك تستحق أن يتواجد في حياتك شخصٌ كلما يراك تسقط يمد يد النهوض والمساعدة لك، شخصُ يتحملك حتى في أسوأ حالاتك النفسية وانتكاساتك الحزينة، ومن حنينك لها فوالله إنها لأهلُ لذلك. أنهت جملتها وأكملت سيرها في المُغادرة لإكمال أعمالها، وددت لو كان بإمكاني إيقافها للاستماع بعذب حديثها، وكأن كلماتها مرَّت على أركان روحي المُتهدمة وأعانتها الأحرف على إقامة بنائها من جديد. تحركت مُغادرًا المكان كذاك الذي قُيِّدت يداه خلف ظهره ثم فُتحت أمام عينيه آفاق الدنيا بأكملها، فبات قدر المسافة بينه وبين حريته كتلك المسافة بيني وبين ما أُريد.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD