بعد مرور أسبوعين استقرت حياة إيزابيلا ولكن الجميع قد لاحظوا أنها أصبحت كثيرة الابتسام والشرود وأنها أحياناً تتكلم مع نفسها وكأن هناك شخص ما أمامها يحدثها
كما أن تعاملها أصبح حاداً وكأنها بهذه المعاملة تجعل الناس ينفرون منها ويبتعدون عنها وقد نجحت في ذلك بالفعل، فالموظفون بالشركة قد كونوا فكرة خاطئة عنها وصاروا يتجنبونها ويتعاملون معها بحذر، الأمر الذي أعجبها وأشعل ثقتها من جديد،،،
هي تريد أن تدفع الجميع بعيداً عنها
أن تظل متوارية عن الأنظار حتى تخفي نفسها داخل قوقعتها الخيالية الوهمية
حتى جون أصبحت فجأة هكذا لا تطيقه، وكأنه تحول لعدو لها بعد أن كان صديقها المقرب
تغيرها المفاجئ أثار تعجب الجميع ولكنهم لا يعلمون أنها دخلت بمرحلة جديدة من مرضها
فقط ديفيد من استنتج ذلك لأنه يراقبها عن كثب دون أن يدري أحد، هو لم يحدد ما هو مرضها بالضبط
استشار أكثر من طبيب نفسي ولكنهم لم يفيدوه بشئ
هل هي تعاني من ازدواج في الشخصية؟
أم اضطراب نفسي!؟
هل هو خوف شديد؟ رهاب ما!؟
ما هي مشكلتها؟
يخشى أن تحدث لها انتكاسة وهو لا يدري ما بها بالتحديد
رفع سماعة مكتبه وطلب حضورها
استدار بمقعده منتظراً قدومها
وعندما دخلت وأغلقت الباب وراءها أسدل الستائر بالضغط على زر في مقعده ثم نهض ليقف خلف مكتبه
"أنتَ طلبتني؟!"
ولكنه التقط مفاتيحه بسرعة ثم سار نحوها جاذباً إياها من ذراعها خلفه ليخرج من مكتبه ومن الشركة بأكملها بعد أن استقل المصعد وهي مازالت محتجزة بقبضته التي لم تتركها إلا بعد أن دفعها بسيارته وقاد نحو وجهة مجهولة بالنسبة لها
لاحظ خوفها الذي لم تستطع السيطرة عليه من اهتزاز جسدها، فهي كانت ترتجف ومع محاولاتها بمنع حدوث ذلك إلا أنها فشلت
أوقف السيارة لتجد نفسها أمام عيادة نفسية للأمراض العقلية
أجبرها على السير معه للداخل حيث الطبيب الذي كان على علم بحضوره، ليطالعها بنظرات فاحصة
"تفضلا بالجلوس"
جلس ديفيد ورأى أنها لا تنوي الجلوس ليرميها بنظرة تحذيرية حادة جعلتها تجلس بخضوع
"أخبريني آنسة إيزابيلا
لما تحاولين دفع الناس بعيداً عنكِ؟!
وقبل أن تجيبي عليكِ الوثوق أن لا كلمة ستقولينها ستخرج لخارج حدود هذه الغرفة
والسيد ديفيد يعلم عن اضطراب وضعك النفسي بالفعل وقد كان دائم التواصل معي حول تصرفاتك"
حولت عينيها لديفيد بصدمة ثم أردفت وهي تومئ برأسها ببطء وعينيها لم تتزحزحان عن ديفيد الذي كان يحدق بها بانتظار بدوره
"أنا أكرهكم بشدة"
ليردف الطبيب بتساؤل
"من تقصدين؟!"
أبعدت عينيها عن ديفيد لتنظر للطبيب بأعين حارقة إثر ما يعترم ص*رها من مشاعر مقيتة ونيران ساخطة بائسة
"أنتم البشر، حفنة ح*****ت مجردة ساقطة"
ابتلع الطبيب ليام بصعوبة وسط غرابته من حالتها غير المسبوقة
"تتحدثين وكأنكِ لست من هؤلاء البشر"
"أنا حالة خاصة ولدي عالم آخر أحبه حيث من يستطيعون فهمي ودعمي
أنتم فقط محدودي الفكر والأفق وأنا أشمئز منكم وأرغب بالاختفاء داخل عالمي"
"ترغ*ين بالاختفاء داخل عالمك الوهمي غير الحقيقي؟!"
"هذا أفضل من الاندماج في عالمكم القذر الذي لم أجن منه سوى البؤس والإحباط والخيبة والحزن والبكاء ليل نهار، لا مكان لي بعالم كهذا"
"يبدو أنكِ عانيتي بما فيه الكفاية لتكوني هذه الأفكار الغريبة"
ابتسمت بحزن شاردة
"صدقني لم أكن هكذا، كنت طبيعية وعلى فطرتي ولكن مع الوقت أدركت أن هذه الفطرة لا تتناسب مع البشر، لقد تم نبذي بقسوة، وأنا عجزت عن التأقلم والتكيف"
"وكيف تم نبذكِ!؟"
نظرت له بأعين غائمة من الكراهية والحقد الخالصان لتردف بنبرة متألمة
"كان لدي بالروضة معلمة تكره نشاطي الزائد، فكنت مشاغبة في بعض الأوقات لتعاقبني بالضرب والإهانة وكانت تخبر أبي بأمور كاذبة عني، وكان هذا لا يزيد أبي سوى كرهاً لي، وكان يخبر أمي أنني فاشلة مثلها لتضربني بقوة بعد رحيله وتقوم بحبسي كالفئران بغرفة مظلمة لأيام مع معاملتها الحقيرة، ولم يكن هناك من يدافع عني، فهي كانت تدعي أنها تقوم بتربيتي بهذه الطريقة الصارمة متناسية كوني مجرد طفلة صغيرة لا حول لها ولا قوة
ولم تكن تسمح لي بأي شيء
كانت تمنع اختلاطي مع أصدقائي بل مع الجميع وتخوفني من كل شيء حتى أنها هددت بحرقي أكثر من مرة، كانت تشعر بالخجل من أن أسئ التصرف
لقد أفسدت تشكيلي"
"هل هذا يعني أن أمك هي سبب اضطرابكِ!؟"
"لا، ليست وحدها في هذا، هي لم تكن سوى طرفاً فيما عانيته"
صمتت ناظرة لديفيد الذي توتر فكه فجأة لعلمه أنه كان طرفاً مشاركاً في تدميرها لتستأنف حديثها بأعين لامعة مبللة
"في طفولتي، أتذكر أنني بإحدى المرات كنت ألعب مع نفسي بإحدى غرف المنزل فأردت ببراءة أن أغير غرفتي لغرفة أخرى فأخذت أخرج أغراضي من أماكنها استعداداً لنقلها بالغرفة الأخرى وصادف أن يزورنا عمي جوناثان وابنيه ديفيد ورودلف
وعندما رآني عمي لم يعجبه ما أقوم به ليسخر مني أمام والداي وينعتني بالمجنونة
قد تظن أنني سخيفة لتأثري بذلك ولكنني كنت وقتها طفلة تعاني من انعدام الثقة كفاية لأتاثر بأي شيء وما زاد الأمر سوءاً هو التداول المستمر لتلك الكلمة وخصوصاً من ديفيد الذي لم يكن ينادي عليّ سوى بتلك الكلمة الحقيرة حتى والداي وأصدقائي، الجميع كانوا يظنوني مجنونة ومعتوهة بسبب سذاجتي الزائدة في طفولتي،،،
ومع ذلك كنت أظهر أمامهم لا مبالية وغير مهتمة ولكنهم لم يشاهدونني عندما أصبح منفردة ووحيدة في فراشي بظلام الليل ودموعي تغرق وسادتي كل ليلة حتى أصبت بالجفاف وتقرحت عيناي من فرط البكاء،،،
كانوا يلقبونني بالمجنونة غريبة الأطوار لتصرفاتي البريئة بينما أقابلهم بالابتسام وادعاء القوة
حتى صرت غير واثقة بأي كلمة أقولها حتى وإن كانت صحيحة كي لا أقابل نظرات السخرية والاحتقار تلك
فقررت أن أبقى صامتة وأن أبتعد قدر الإمكان
لقد فقدت الثقة بجميع البشر حتى صرت أخافهم بشدة"
"أنتِ حساسة للغاية"
ابتسمت بسخرية لترتخي في مقعدها وتسترسل بأعين حمراء إثر حبس الدموع
"وبصفي الأول في المدرسة
أصبحت هادئة وانطوائية وغير اجتماعية
أتجنب الجميع
ولكن كانت صدمتي شديدة عندما سمعت بالصدفة حديث إحدى المعلمات عني ونعتها لي بالمريضة
كانت تظن هي أيضاً أنني مجنونة أو مريضة نفسياً
لأشعر أنها على صواب، فهي قد خمنت ذلك دون أن تدري سبب انعزالي، وبمرور الوقت أطلقوا علي أنني مجردة من المشاعر لأتعرض للتنمر من الجميع حتى من عائلتي التي كان من المفترض أن تدافع عني
حتى هذا الو*د ديفيد كان يستمر بإهانتي أمام الجميع لدرجة أنه اتفق مع أصدقائه ذات مرة على فعل مقلب بي لإفزاعي ليقوم بحبسي بمخزن المدرسة المهجور بآخر الرواق وسط الخفافيش ثم غادر ناسياً أمري،،،
والمشكلة أنني عاجزة عن نسيان تلك المواقف وكأنها حفرت عميقاً بذاكرتي اللعينة التي ترفض النسيان حتى كرهت الحياة وأ**دت كل الطرق بوجهي لأفكر بالانتحار
وحتى الموت، فشلت به
فبعد أن ابتلعت العديد من الأقراص تم إنقاذي لأمكث في الفراش لفترة ولم ينقذني أحد من صراخ أبي الدائم وضربه لي بحجة أنه كان من الممكن أن أموت فعلاً مسببة فضيحة للعائلة لأنني مت منتحرة وهذا بالطبع سيؤثر على خلفتيه في الأوساط المرموقة،،،
وبعد تلك الحادثة ساءت معاملته لي لدرجة أنه كان يشتري لي الأل**ب ثم يحطمها بغضب أمام عيناي وسط بكائي وفزعي باليوم التالي،،
لقد حظيت لطفولة مأساوية ترفض مغادرة ذاكرتي
حياة بائسة حزينة دفعتني للهرب لعالم وهمي من نسج عقلي المضطرب
والمضحك أن الناس كانوا يفسرون انطوائي على أنه غرور مني وتكبر وأن والداي قد أفسداني بالدلال والرفاهية،،،
أظن أن هذا يكفي لليوم أيها الطبيب"
أومأ لها بهدوء
بينما اعتصر الإحساس بالندم والذنب قلب ديفيد ليشعر بغصة حارقة في حلقه تكاد تمنعه من التنفس،،،
✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️✳️