1
(( المُقَدَّمَـــةُ ))
يُقال أن لا يزال الإنتقـام هو الشكل الأضمن للعدالة، تقازفت جمرات الإنتقام أمامهم، لـ تبدأ ترجمهم بقسوة على أفعالـهم التي أرتكبوهـا في حقهم وفي حق عشقهم الجارف الذي أقسـم أن يكون أبدي، لـ تعود جمرات العشق بثقة، فـ يُصبح ويكتمل المعنى الحقيقي لـ جمرات العشق والإنتقام.
************
(( الفَصْلُ الأَوَّلُ ))
أشتعل المكان بالضجيج، وأصبح الجميع يهرول يمينـًا ويسارًا عقب أنتشار الخبر بـ سُرعة البرق، حيث أنتشر خبر وصول صاحب أكبر مصانع اللحوم في الشرق الأوسط، فقد عاد من إحدى البلاد الأوروبية، وقف الجميع بـ ثبات مُنتظرين لحظة دخولـهُ، دخل "آسر الألفـي" المصنع بخُطوات ثابتة واثقة لا تخشى، تلقى تحيـاتٍ كثيرة من قبل الموظفين والعاملين بالمصنع، سـار بـ هدوء متوجهًا صوب مكتبـه الفخم، فتح السكرتير "هيثم" الباب وهو يُلقي عليهِ السلام بإحترام لـ يدخل بـ ثقتـهُ المُعتادة، جلس على المقعد الجلدي ثم فتح حاسوبـهُ الشخصي لـ يتلقى بعضُ الرسائل التي وردت لـهُ أثناء فترة غيابــهِ في المصنع والبلاد، تفحص الرسائل الواردة لـهُ بـ دقة لـ يظل هكذا لبعضُ الوقت .
******
في إحدى مزارع الألفـي، وقف الطبيب الذي يُدعى "محمد" يتأمل تلك المواشي وهي تتحرك بـ نشاطها المعتـاد، شعر بـ تعب يغدو جسدهُ، فـ جلس على المقعد الذي أحضرهُ أحد العاملين بالمزرعة، فهو رجل في مُنتصف ال*قد السادس من عُمره، تابع تأملـهُ العميق في تلك المواشي، فقد عاش في تلك المزرعة أكثر من نصف عُمرهُ، ولكن الآن أصبحت حالتـهُ الصحية لا تسمح بأن يواصل عملـه بـ مُفردهُ كما كان من قبل، فقد أنهك صحتـهُ في علاج تلك المواشي، خرج من تأملـهِ وشروده حينما أستمع إلى صوت أحدهم يسألـهُ بإهتمـام :
-مالك يا دكتور محمد ؟؟.. بقالك فترة سرحـان وبتفكر !!.. في إيـه ؟؟..
ألتفت بـ رأسه مُجيبًا بـ هدوءٍ :
-مفيش حاجة، أنا كويس الحمدلله .
سألـهُ مرَّة أُخرى بـ لُطف :
-طب تحب أخلي "حسن" يعملك كوباية شاي ؟؟..
هزَّ "محمد" رأسـهُ نفيـًا مرددًا :
-مليش نفس .
نفخ "محمود" بـ ضيق، ثم سحب نفسـًا عميقـًا وهو يقول :
-في إيه يا دكتور محمد ؟؟.. قولي إيـه إللي بتفكر فيه ومخليك سرحان كده !!.. يمكن أقدر أساعدك أو أقدر أتصرف !!..
نظر لـهُ بـ عُمقٍ قبل أن يقول بـ تبرم طفيف :
-مفيش كُل الحكاية، هو إني خلاص صحتي مابقتش قادرة تستحمل الشُغلانـه دي، فـ مش عارف أعمل إيـه ؟؟.. وكمـان مقدرش أسيب الشُغل ده، أنا عشت تلات تربع عُمري في المزرعة دي .
أجابــه بـ هدوءٍ :
-عندك حق .
**ت للحظة قبل أن يسألـهُ بإستغراب :
-أومـال إنت عاوز إيـه بظبط ؟؟..
ردَّ بعد أن أطلق تنهيدة :
-ماهو ده إللي أنا بفكر فيهِ، مش عارف أعمل إيه !!..
حك م***ة رأسـهُ وهو يقول :
-مش عايزك تشيل هم الموضوع أبدًا، وأنا أوعدك إني هفكر وهجبلك الحل في أسرع وقت مُمكن.
نظر لـهُ وهو يومئ رأسه مرددًا :
-ربنا يحلها بقى من عندهُ يا محمود .
هتف بـ جدية :
-إن شاء الله هيحلها، المُهم أنا رايح دلوقتي لـ "آدم" باشا، لأنـهُ زمانـهُ جه عشان يشقر على المزرعة .
هتف بـ لهفة :
-آآه روحلـهُ بسُرعة، ده مُمكن يسمعك كلمتين ملهُمش لازمة، وإنت مش ناقص .
******
-إيـــه !!.. آسر رجع من السفر إمتى ؟؟..
هتف بهـا "آدم الألفـي" لـ مُدير الحسابات الخاص بهِ وهو يهب واقفـًا من مكانـهُ، هزَّ رأسـه بـ هدوء وهو يؤكد لـهُ على ما يقولـهُ :
-أيوة يا آدم بيـه، الخبر لسّه واصلي حالاً، وصل المصنع من حوالي ساعة كده .
عقد ما بين حاجبيـهِ بـ تفكير، في حين سألـهُ مُدير الحسابات بـ حذر :
-حضرتك هتروحلهُ ولا إيــه ؟؟..
حرك كفيـهِ وهو يُجيبـهُ :
-أكيد طبعًا، ده إبن عمي !!.. أروح أسلم عليه وفي نفس الوقت أطمن عليه بعد الغيبة الطويلة دي !!..
حرك رأسـهُ بإيماءة خفيفة قائلاً :
-تمام يا آدم بيـه، تروح وترجع بالسلامة .
ضيق حاجبيـهِ وهو يقول :
-إن شاء الله، لو في حاجة حصلت تبلغني على طول، مفهوم .
-مفهوم يا باشا.
سحب هاتفـهُ وسلسلة مفاتيحـهُ ثم سار نحو الخارج بخُطوات مُتعجـلة، أغلق مُدير الحسابات باب المكتب بـ هدوء ثم التفت لـ يرى أنـهُ غادر من المكان بسُرعة البرق، أستقل "آدم" سيَّـارتـهِ مُنطلقـًا نحو مصنع الألـفي .
******
"آسـر إبراهيم الألفـي"، في بداية ال*قد الرابع من عُمره، طولـه الفارع يجعلـه بـ نظر الأخرين ما هو إلا عملاق متوحش، عريض المنكبين، يتميز بالبشرة البيضاء، وعينيهِ السوداءُ العميقة كالظلام الدامس، بهـا نظرة شرسة، والشعرُ الأ**دُ الكثيف الناعم كالدُب، قوي العضلات، ذراعاه متكدستان بالمنحنيات، ذو يدين بضَّتين دقيقتين، وشفتـاه تفترَّان عن إبتسامة ساخرة، ومن عينيهِ تُشِع نظرات شـرسة وحادة في ذات الوقت، ملامحـهُ مليئة بالجدية والصرامة، يمتلك مصنع لحوم من أكبر المصانع في الشرق الأوسط .
"آدم إسماعيل الألفـي"، في أواخر ال*قد الثالث من عُمره، يتميز بالبشرة البرونزية والملامح الجادة والحادة، قاتم العينين، بالرغم من لونهما العسلي، يُشبـه أبن عمـهِ في الكثيـر من الصفات، هو شخص عُرف عنـه بالهيبـة والقوة بسبب عملـه الذي عاش في أغلب أوقاتـهُ وحياتـه، وهو الصَّديق المُقرب لـ "آسر الألفي"، فـ سنوات طويلة قضياها سويًا، كتفيهما في أكتاف بعضهما، أن مال أحدهما يسانده الآخر وهكذا، يمتلك أكبر مزارع المواشي والعجول .
******
في أحد الأماكن الراقيـة بـ القاهرة، وقفت فتـاة أمام المرآة تُعدل ملابسهـا بـ هدوء لـ تبدأ بعدها بـ وضع مُستحضرات التجميل، تأملت ذاتهـا بـ حُزن عميق ثم أستدارت بـ بُطء لـ يقع بصرها على صورة فوتوغرافية مُعلقة على الحائط، إبتسمت إبتسامة صغيرة وقد ألتمعت عيناها بدموع ولكن حبستها بقوة، شعرت بدقات قلبها تتزايد وهي تتذكر حينما كانت معـهم وحينما كانت تحتضن والدها بـ قوة وهي تبكي، فـ مُنذ وفاتـه ووفـاة والدتها وهي أقسمت أن لا تبكي، هتفت بـ صوتٍ خفيض حزين :
-الله يرحمك يا بابي ويرحمك يا مامي .
أغمضت عيناهـا وهي تُتابع :
-وحشتونـي أوي، كان نفسي تبقوا جنبي دلوقتي .
فتحت عيناها لـ تشعر بـ ضيق بعدها وهي تقول :
-أكبر غلطة عملتها يا بابي هو إنك وصتني على أخوك ومراتـهُ، وإني أخليهم يعيشوا معايا يتمتعوا بالخير إللي بنيتـهُ طول عُمرك .
ثم قالت بعد أن أطلقت تنهيدة :
-بس أعمل إيه في حنية وطيبة قلبك دي ؟؟.. يالا ربنا معايا في الهم ده .
هتفت تلك الكلمات الأخيرة وهي تُلقي نظرةً أخيرة على ذاتهـا عن طريق المرآة، لتدلف للخارج بخُطواتٍ ثابتة، هبطت من على الدرج بـ هدوء وهي تعبث بـ هاتفها، كادت أن تخرج ولكن تصلبت بـ مكانهـا حينما أستمعت إلى صوت عمهـا الذي قال بـ خشونة :
-رايحـة فين يا أميرة ؟؟..
ألتفتت إليهِ بـ ثقة وهي تشير بـ ذراعيها :
-هكون رايحة فين يعني ؟؟.. رايحة أقابل صاحبتي وأشوف هعمل إيه في موضوع الشُغل ده ؟!..
حضرت زوجـة عمها وهي تقول بـ حدة :
-هو لازم يعني موضوع الشُغل، ما إنتي عندك ملايين ملهاش أول ولا آخر، إيـه لازمتـهُ الشُغل بقى ؟؟..
شعرت بالضيق وقد عبس وجهها وهي تقول بـ حدة :
-أولاً يا أنطي بابي الله يرحمهُ تعب سنين لحد ما عرف يكون الثروة دي، إنما إنتي وأنكل ضيعتوا الفلوس إللي كانت في إيدكوا في القُمـار وفي الحرام، أكيد كان لازم يحصلكُم كده، ثانيـًا مش من حق حد منكُم يقولي أعمل إيـه، دي حياتي أنـا، ولو مش عاجبك يبقى تقدري تتفضلي من البيت ده وأنا مش هقولك بتعملي إيه، سلام يا.. يا أنطي .
قالتها بـ سُخرية وهي تُغادر من المكان بأكملـهِ، شعرت بـ نار تشتعل بداخل جسدها من كلماتها تلك، فـ أستدارت نحو زوجها الذي كان واقفـًا كالصلب وعينـاه تلتمعان بالشر الدفين قائلـة بـ صوتٍ عالٍ :
-إنت لازم تربي البت دي من أول وجديد، أخوك معرفش يربيها يا فؤاد، إنت لازم تطردها من القصر ده عشان تتأدب وتعرف هي بتتعامل مع مين !!..
ظل صامتـًا لعدة ثواني قبل أن ينفجر ضاحكـًا بـ قوة على ما قالتـهُ، توسعت عيناهـا من صدمة ردة فعلـه، والتي ظنت أنـهُ سيثور غضبـًا كالأ**د التي ستبدأ بـ محاولة الإنقضاض على الفريسة، ظل يضحك لـ دقائق حتى توقف تمامًا، نظرت لـهُ بـ غضب وهي تسألـهُ :
-مُمكن أعرف بتضحك على إيـه ؟؟..
أجابها بـ ضحك :
-هكون بضحك على إيه يعني ؟؟.. بضحك على الكلام إللي قولتيهِ عن بنت أخويا .
أشـارت بـ يدها وهي تغمغم :
-وإيه إللي يضحك ؟؟..
تحدث بـ جدية قائلاً :
-هقولك يا ستي، أولاً أميرة من حيث التربية فهي متربية كويس أوي وإلا مكنتش خلتنا نعيش معاها في بيت واحد، كان مُمكن ت**ر كلام والدها وهو مش هيعملها حاجة لأنـهُ مش معانا، ثانيـًا وده الأهم أطردها إزاي وكل الثروة دي والقصر مكتوب بإسمها ؟؟.. يعني إحنا إللي مُمكن نطرد مش هي !!..
شعرت بالغيظ يأكلها، فـ هتفت بـ غضبٍ جامح :
-هو ده إللي ربنا قدرك عليه تقولـهُ ؟؟.. أنا عاوزة أخلص منها، بأي شكل من الأشكال، من غير ما نخسر ولا حاجة .
هتف بـ هدوء مُريب وهو يقول بغموض :
-سيبي الموضوع ده عليا، أنا عامل تخطيط حلو أوي، لو نجح يبقى هناخُد كُل الثروة دي لينا إحنا، إحنا وبس !!..
******
"أميرة أشرف شاهين"، في السادسة والعشرين من عُمرها، هي فتاة ذات أمر وسُلطان، فارعة القوام، ذات خصر مُستدير، ويدين بضَّتين، وقدمين دقيقتين رقيقتين، وكان لها تحت شعرها الأ**دُ القاتم وجهٌ فائق البياض، وأنفها مستدَقٌ صغير، وشفتاها مُمتلئتان، وعيناها سوداويان، ساحرتان وسط الرموش السوداء، يشعُ منهما شموخ وكبرياء."
******
"فؤاد شاهين"، في أوائل ال*قد السادس من عُمره، رجل طويل، جسده ضخم، عيناه واسعتان، شعرهُ غزير بُني أختلط باللوَّن الأبيض في أغلب رأسهُ وسوالفـهُ، أضاع ثورتـه في القمار وما حرمـهُ الله، دائمًا يشعر بالحقد الشديد على ش*يقـهُ الذي جعل ثروتـه الضعف بـ فضل عملـهُ وأجتهادهُ طوال حياتـهُ، هو شخص كالشيطان، ذئب في جلد رجل."
******
ترجل من سيارتـهِ صافقـًا بابها بـ قوة، وقف لوهلة وهو يراقب المصنع من الخارج من أسفل نظراتـهِ الرُمادية ذات الزُجاج الفاتح، ثم نظر لـ ساعة يده قبل أن يدخل المصنع بـ خُطوات هادئة ع** ملامحـهِ تمامًا .
******
دخل السكرتير عقب أستماعـه أذن بالدخول، أقترب من مكتب رب عملـه بـ هدوء، وقبل أن يهتف بـ أيَّ شيء، كان الأخير يسألـهُ بإقتضاب :
-إيـه يا هيثم، في حاجة ولا إيـه ؟؟..
ردَّ بـ صوتٍ خشن :
-أيوة سيادتك، آدم باشا إبن عمك عاوز يقابل حضرتك .
نظر لـهُ بحدة قائلاً بـ صوتـه الرخيم :
-دخلـهُ طبعًا، وفي أيَّ وقت جه المصنع يدخُل على طول من غير إذن .
أومأ "هيثم" رأسه قائلاً :
-تمام سيادتك يا فندم، عن إذنك .
أشـار بإصبعيه بـ الإنصراف، فتحرك الأخير بـ هدوء صوب الباب، أمسك بالمقبض وأدارهُ فـ أنفتح الباب ليدلف للخارج، ثوانٍ وكان يدخل "آدم" المكتب بخُطوات هادئة متوجهًا نحو إبن عمـهِ، نهض "آسر" من على المقعد الجلدي، لـ يتحرك نحوهُ ثُم وقف أمامـهُ لـ يحتضنان بعضهما البعض بشدة، ربت "آدم" على ظهره وهو يخبرهُ أنـهُ سعيد كثيرًا لرؤيتـه، لحظات وكان يتراجع "آسر" لـ يجلسا معًا .
غمغم "آدم" بـ قلق طفيف :
-هَـاا يا آسر، أخبارك إيه دلوقتي ؟؟..
أطلق تنهيدة قوية نابعة من قلبـه وهو يُجيب :
-أحسن الحمدلله يا آدم، أنـا كنت محتاج فترة أبعد شوية عن المشاكل، والفترة دي فرقت معايا جامد .
إبتسم إبتسامة صغيرة وهو يهزَّ رأسـه إيجابيًا :
-الحمدلله، طب ناوي على إيه الفترة إللي جايـة ؟؟..
حك جبينـهُ بـ تفكير قائلاً :
-مش عارف، أنا سيبها على ربنا .
عقد حاجبيهِ بـ تبرم وهو يقول بـ عدم إرتياح :
-بقولك إيـه أنا مش مرتاح لـ مُديرة مكتبك إللي إنت مشغلها دي .
رفع حاجبيهِ للأعلى وهو يسألـهُ بـ توجس :
-ليـه ؟؟.. هي عملت حاجة في غيابي ؟؟..
أجابــه بـ بساطة :
-مش عارف، بس مش مرتحلها، طريقة كلامها معايا مش عجبانـي، ولبسهـا مش كويس .
أحتدت نبرتـهِ وهو يسألـهُ من جديد :
-بالنسبة للبس، فـ أنـا هاشوف الموضوع ده، إنمـا الطريقة إللي مش عجبـاك فـ إزاي يعني ؟؟..
أجـاب بـ تبرم :
-مش عارف أقولها أو أوضحلك إزاي ؟؟..
هبَّ من مكانـهُ وهو يقول بـ حدة :
-يبقى خلاص، في شُغلنا مينفعش نستخدم إحساسنا، إذا عملت غلطة هتتحاسب وهتتعاقب عقاب شديد عشان متكررش الغلطة، تمـام يا آدم ؟؟..
حرك رأسـه بـ ضيق قائلاً :
-تمام يا إبن عمي .
******
بعد أستمتاعها بـ مُشاهدة صفحة النيل الفسيحة وقت غروب شمس، أتجهت "أميرة" نحو ميدان التحرير في وسط القاهرة لـ تناول وجبة الغداء مع صَّديقتها في أحد المطاعم المُحيطة بالميدان، وفور دخولها المطعم، أتجهت مُباشرة نحو آخر طاولة في الرُكن البعيد بـ صالة الطعام، وجلست على مقعدها معطية ظهرها للحائط ووجهها للمتواجدين في الصالة .
دقائقٌ.. وكانت صَّديقتها تدخُل بـ شموخ، سـارت بـ بُطء وثبات وأتزان دون أهتزاز أو تمّوج في جسدها، سحبت مقعدها لـ تجلس عليهِ بعد أن وضعت حقيبـة اليد الخاصة بها على الطاولة، ألقت عليها التحيـة ثُم قالت بـ جدية :
-هَـاا يا أميرة، أخبـارك إيـه ؟؟..
أجابتهـا في شئ من الضيق :
-زي ما أنـا، وإنتي ؟؟..
ردّت بـ سُخرية على كلمتهـا :
-نفس الكلام .
ثم أضافت بإبتسامة حانية :
-أميرة حاولي تخرجي من إللي إنت فيـه، إنتي فـ مرة مش هتقدري وهتنفجري من كُتر إللي إنت كتمــاه .
أحتدت نظراتها قائلة وهي تُضيق عيناهـا :
-حبيبة هو إنتي شيفاني مبسوطة وأنا شايفة نفسي كده ؟؟.. أنا نفسي أرجع زي الأول بس مش عارفة، ده مش بإيدي !!.. أفهميني يا صاحبتي الوحيدة لأن محدش بيقدر يفهمني غيرك .
أبتسمت بـ حنوٍ مُثير قائلة :
-فهماكي طبعًا، لو مش هفهمك هفهم مين يا بنتي ؟؟..
بادلتها إبتسامة رقيقة قائلة بـ تأثر :
-ربنا يخليكي لياا يا بيباا .
أجابتهـا بـ تأثر أكثر :
-ويخليكي لياا يا حبيبتي .
تذكرت شيئـًا، فـ سألتها بـ ملامح قلقة قائلة بـ توجس خائف :
-آه صح، عاملة إيه مع مرات عمك وعمك ؟؟..
أمتعضت ملامحها وهي ترُدَّ بتأفف :
-ليـه بس بتفكرينـي .
**تت لحظات لـ تقول بعدهـا بـ عدم رضا :
-أكبر غلطة بابي عملها في حياتـهُ بجد، أنـا مش عارفة هُمـا ليـه كده ؟؟.. يعني إبنهم حتى طالع زي بابا من ناحية الأخلاق والطيبة، ليــه هُمــا كده ؟؟..
حدقت فيها بـ جديـة وهي تقول :
-عندك حق، أنا أتعاملت معـاه أكتر من مرة، وكان في مُنتهى الأحترام ودمـه خفيف جدًا !!.. بس لو حد منهم بيضايقك، حاولي تتصرفي وتخليهم يعيشوا في أي مكان .
ردت عليهـا بـ سُخرية :
-دول مش معاهم ولا جنيـة، ومش بس كده، دول كمان باعوا كُل إللي معاهم حتى البيت إللي كانوا عايشين فيها عشان يسددوا ديون بتاع القُمار، إنتي مُتخيلة ؟؟..
تتن*دت وهي تردد :
-الله يكون فعونك يا أميرة، ربنا معاكي يا حبيبتي .
**تت "أميرة" لـ دقيقة قبل أن تُضيف بـ تفكير عميـق :
-طب والله جتلي فكرة .
هتفت "حبيبة" بـ حماسٍ :
-طب قوليلي، إيـه الفكرة ؟؟..
ردَّت بـ تفكيـر :
-بفكر أشتري شقة حلوة كده وأكتبها بـ إسمهم، يعيشوا فيها هناك، ولو باعوها يبقوا يدوروا على أي مكان يعيشوا فيـه، وأنا هقولهم على الموضوع الشقة ده لما يرجع إبنهم من السفر، إيـه رأيـك ؟؟..
أشتعل الحماس أكثر بـ داخلها وهي تخبرهـا :
-حلوة الفكرة دي جدًا، على رأي كامل، نهر الأفكــار .
إبتسمت وهي تقول :
-خلاص أنا هنفذ الفكرة دي .
هتفت "حبيبة" وهي تعتدل في جلستهــا :
-طب يالا شوفي هنشرب حاجة على السريع، ولا ناكل .
أجابتهــا بـ صوتهـا الجـاد :
-لأ خلينـا ناكل أحسن، أطلبي إنتي المرة دي .
هزت رأسهـا بـ خفة مرددة :
-تمام .
******
"حبيبة كمال الشناوي"، في السادسة والعشرين من عُمرها، تميزت بالبشرة البيضاء والمشربة بـ حُمرة يسري وديعة فـ يزيدهـا جمالاً، وتميزت بـ عينان واسعتان فاتنتـان لونهما عسلي تومضان وتتلألأن حين تبتسم، وبالشعر الأ**د اللون القصير، فتـاة طيبة ذو قلب نقي ومارحة، تكن المحبة في قلبهـا لـ جميع المخلوقـات على الأرض، وهي صَّديقـة "أميرة" المُقربة مُنذ أيـام الجامعة."
******
أصر "آسر" أن لا يُغادر من المصنع قبل أن ينهي جُزءٍ كبير من عملـه الذي تراكم في فترة غيابـه، شعر "آدم" بالضيق من تصرفات إبن عمـهِ ولكن أخبره أنـهُ سينتظرهُ في القصر .
كانت الساعة الثامنة عندما كان جالسًا أمام مكتبـه، وقد أنتهى أخيرًا من عملـه لـ ينهض وهو منهمكـًا في جمع بعض الأوراق لـ يقوم بـ مراجعتها عندما يعود إلى قصره، سحب سلسلة مفاتيحـهُ وهاتفـه المحمول الثمين، وأمسك حقيبة عملـه بعد أن وضع كافة الملفات والأوراق التي تحتاج إلى المُراجعة مرَّة أُخرى، أتجه صوب الباب ثم أمسك بـ مقبض الباب وفتحـهُ، لـ يتحرك مُسرعًا نحو الخارج .
خرج من المصنع ثم أستقل سيَّارتـه في مقعد القيادة مُنطلقـًا بها نحو قصره حيثُ ينتظرهُ إبن عمـه الوحيد .
دقائـقٌ معدودة.. وكان يدخل القصر، حيتـهُ كبيرة الخدم، فـ تقبل تحيتها بـ هدوء لـ يأمرها بالإنصراف وعدم الإزعاج، لم يشعر بـ نفسـهُ إلا وهو يتجـه نحو الأريكة لـ يرمي حقيبة عملـه ويلقي بـ ثقل جسده عليها، حدق لـ برهة في الفراغ أمامـه، أغمض عينيـهِ محاولة أن يأخذ بعضُ من النشاط، سحب نفسًا عميقـًا، ثُـمَّ زفرهُ بـ قوة دليلاً على إرهاقـهُ، عاود فتح عينيـهِ السوداء، وضع كلتا يديـهِ على فروة شعره لـ يمر أصابعـه في خُصلات شعره الغزير، أستجمع قوتـه ثم نهض من مكانـهُ ليصعد إلى الأعلى متوجهًا نحو غُرفتـه، دخل الغُرفة ثم بدأ بـ خلع سترتـه وبفك أزرار قميصـه، سـار صوب المرحاض لـ يأخذ حمامًا باردًا يزيل بـهِ آثر التعب والإرهاق اليومي الذي واجههُ، بعد فترة وجيزة كان يخرج من المرحاض متوجهًا بخُطوات ثابتة رغم إرهاقـه خزانة ملابسـهِ والتقط أحد القمصان القطنية ذات الماركات العالمية باللوَّنُ الكُحلي وبنطالاً من اللوَّن الأ**دُ، وأرتداهم سريعًا، كاد أن يجلس على الفراش لـ يمدد جسدهُ ولكن أستمع إلى صوت طرقات هادئة على الباب، فـ أذن بالدخول، دخل إبن عمـه وسـار نحوهُ لـ يجلس على طرف الفراش وهو يسألـهُ بإبتسامة مليئة بـ الإستغراب :
-إيـه ده إنت وصلت من إمتى ؟؟..
أجابـهُ بإرهاق :
-من نُص ساعة كده، إنت عرفت إزاي إني وصلت ؟؟..
ردَّ بـ بساطة لـ يقول بعدها عن سبب تأخيرهُ :
-واحدة من الخدامين قالتلي أنك فوق، أنا كُنت فاكرك هتقعد أكتر في المكتب، عشان كده روحت أعدت شوية في المزرعة وبعدين قولت أروح عشان تعبت من الأعدة .
حرك رأسـه بإيماءة خفيفة وهو يقول بـ تعب :
-ماشي يا آدم، معلش مش هقدر أستوعب أي حاجة دلوقتي، لأني عاوز أنــام !!..
هزَّ رأسـه مُتفهمًا قائلاً بـ هدوءٍ :
-ماشي، لو عوزت حاجة قولي على طول .
تراقصت إبتسامة مرهقة على شفتيهِ قائلاً :
-ربنا يخليك يا آدم .
بادلـهُ إبتسامة صغيرة وهو يردد :
-ويخليك يا إبن عمي، يالا تصبح على خير .
-وإنت من أهلـهُ .
أنتهى من جملتـه تلك لـ يسترخى أكثر وهو مُغمض العينين، فقد كان مُتعبًا من السفر والأجتماعات المتواصلة حتى المساء، نهض "آدم" بـ هدوء لكي لا يزعجـه ثم دلف خارج الغُرفة، نظر لهُ نظرةً أخيرة قبل أن يغلق الباب بـ حذر، سار صوب غُرفتـه وهو يتمتم بآسى :
-ربنا يريح قلبـك يا آسر .
******
صدح صوت آذان الفجر وهي مازالت مُستيقظة، وكأن النوم قد خا**هـا، كان التفكير يأكُل رأسها بالرغم من أنها تحاول أن تترك كُل شيء على الله ما دامت فعلت ما عليها، أغمضت جفنيها بألم على فُراق والدها والدتها الذين توفوا في حادثة طائرة التي كانت عائدة من باريس، تذكرت حينما فقدت وعيها عقب علمها بهذا الخبر، كانت قد دخلت في غيبوبة لمُدة أربعة أشهر غير واعية على ما يحدث في الواقع المرير، بل تحاول أن تعيش في ذكرياتها، لم يقف بـ جانبها أحد سوى صَّديقتها الوحيدة "حبيبة"، كانت صَّديقة بمعنى الكلمة وصَّديقهـا "كامـل" .
ظلت مُغمضة العينين لـ تبدأ تستعيد جُزءٍ بسيط من الذكريات المؤلمة التي حفرت بـ داخل عقلها، وبدأت تستعيد من جديد شعورها المُحطم في ذلك الوقت الذي عاشتـه..
******