الفصل 1
_رجعت دهب تجر اذيال الخيبة كما يقولون رجعت بذاكراتها لصباح هذا اليوم، فقد طردها صاحب المحل بعد ان اشهرت أمام وجهه مديتها الحادة النصل وهي تسبه وتنظر له بازدراء وتقول
"ليس كل الطير يؤكل لحمه يابغيض الوجه واللسان"
ارتجف الرجل رعبا وهو ينظر لنصل مديتها الذي كاد ان يخترق احدى عينيه وقال بصوت مهزوز وتلعثم واضح
" حسنا حسنا، ابتعدي انت ومديتك عني، لن اقترب منك مرة ثانية ستأخذين بقية حسابك وترحلين من هنا على الفور، هيا ابتعدي يافتاة قبل ان يطول السلاح وتندمين"
وبحركة احترافية اغلقت دهب مديتها وهي تقول ساخرة
" ان كنت ساندم حقا فسيكون من اجل اني لم اخلص العالم من بغيض مثلك "
تن*د الرجل بأريحية وهرول مسرعا ليخرج من مخزن المحل، ثم اشار لها بيده بعد ان تبعته هاتفا بغيظ..
" اللعينة كادت ان تقتلني "
وتابع الاشارة بيده ناحية المحل وهو يصيح بغضب
" اخرجي من محلي، لا اريد رؤية وجهك مرة ثانية اخرجي "
اقتربت دهب ناحيته بحركة هجومية وهي تقول بصوت حاد قوي
" لن اخرج قبل ان اخذ بقية حسابي "
مال الرجل برأسه ونظر للفتى الذي يجلس وراء المكتب وصاح بعد اصابته الرجفة مرة اخرى
" يامحمود اعط لدهب بقية راتبها واجعلها توقع على خلو طرفها من المحل "
نظرت له دهب باحتقار قبل ان تتجه للمكتب وهي تقول..
" رجال لا يأتون الا بالضرب فوق رؤوسهم والعين الحمراء "
وقفت أمام المكتب وعقدت كلتا ذراعيها أمام ص*رها وهي تقول للفتى
" اسرع انت الاخر اريد ان ارحل من هنا "
نظرت دهب للفتاة التي تقوم بترتيب الملابس بجانب بعضها داخل المكان المخصص لذلك وقالت لها بصوت قوي
" نصيحة لك ولا اعلم اذا كنتي ستأخذين بها ام سترمين بها عرض الحائط.. اياك يافتاة والتفريط في نفسك ولو حتى ستموتين جوعا، العمل ولو كخادمة افضل بكثير واشرف من الاستسلام لبغل مثل هذا "
ارتبكت الفتاة حتى وقع مابيدها ارضا
ولم يمضي الكثير من الوقت حتى وجدت دهب نفسها تسير هائمة على جانب الطريق تتطلع لنوافذ المحلات الزجاجية العريضة تبحث عن أي ورقة مكتوب عليها اعلان عن طلب فتاة للعمل، خاب املها عندما لم تجد غايتها، وشعرت بالالم يسري بكامل ساقيها من كثرة السير فقررت ان ترجع الى شقتها وهي تدعو بداخلها ان لا تقابل صاحب الشقة ويطالبها بالاجر المتاخر عليها
مدت يدها بالمفتاح لباب شقتها ولكنها شهقت بعد ان تفاجئت بمن يفتح الباب معترضا اياها من الدخول تراجعت خطوة للوراء ثم تبدلت ملامح وجهها الجميل الى وجه غاضب متجهم وصاحت بصوت حاد
" ماذا تفعل ابها الرجل داخل شقتي؟؟ "
كتف الرجل ذراعيه امام ص*ره مستندا بهما فوق بطنه المترهلة، وتعمد ان يرسم فوق شفتيه ابتسامة سمجة وقال ساخرا
" منذ متى كانت شقتك يافتاة ؟! من باب اولى ان تدفعي ماعليك من ايجار متاخر وساعتها سيكون لك الحق ان تتكلمي"
مد يده امامها وفرد كفه الغليظ واستطرد قوله بنبرة حادة
" هاتي، هيا ادفعي ماعليك الان "
نظرت دهب لكفه المفرود ثم رفعت عينيها لوجهه شعرت ولو انها تقف امامه كالتلميذة المعاقبة التي نست كتابها وتنتظر ان تنزل العصا فوق ظهر يدها عقابا لها، ازدردت ريقها وقالت بتلكؤ
" ولكنك،، ولكنك قلت انك ستصبر علي شهر اخر "
سمعت منه ضحكة خافتة وهو ينزل بيديه جانب جسده الممتلئ وقال بتشفي بعد ان تبدلت بسمته السمجة الى بسمة انتصار خسيس.
" هذا يا حلوة الملامح قبل ان ترفضي عرضي للزواج بك، بعد ان اغلقتي الهاتف بوجهي بكل صفاقة وتبجح"
تقدم ناحيتها خطوة ومال براسه نحوها وهو يكمل قوله
" لو كنتي وافقتي على الزواج مني، كنت كتبت لك تلك الشقة باسمك ووضعت لك مبلغ كبير من المال في البنك، ولكنك وجه فقر.. غرورك وتكبرك علي انا، كانت نتيجته انه جعلك امامي الان تستجدين عطفي لاسمح لك بدخول الشقة "
رفعت دهب اصبعها امام وجهه البغيض وصاحت به بعد ان ضربت كتفه بقبضتها.
" اخرس ايها الو*د، ا****ة عليك وعلى شقتك ومالك، من انت لاتزوج واحد مثلك، الافضل لك ان تذهب لتربي احفادك او تشتري كفن يلائم جسدك المترهل، ابتعد..ابتعد عن طريقي، سادخل لاجمع ملابسي وحاجياتي واترك لك شقتك البغيضة التي تشبه وجهك "
ترنح قليلا ولكنه استطاع ان لا يتحرك من امامها انش واحدا، كان يريد ان يضربها ولكنه وجد ان تلك المعركة ستكون لصالحها فهي تمتلك جسد مع انه غض مثير ولكنه قوي، فصاح بها بعد احمر وجهه غضبا مما سمعه.
" ملابسك وكل حاجياتك جمعتهم بحقيبة ولن تاخذيها الا بعد ان تدفعي ايجار الشهرين، والان اغربي انت عن وجهي، ستقضين الليلة بالشوارع مثل القطط الضالة "
امسك بمقبض الباب وشده بقوة ليغلقه، نزل درجتين من السلم ثم توقف والتفت ناحيتها وقال بنبرة حادة
" لا اريد ان ارى وجهك الا ومعك نقودي"
اختفى عن ناظريها، فلم تجد نفسها الا وهي تشعر بالمهانة والذل همست قائلة بنبرة صوت يشوبها بعض اليأس
" الى متى يا دهب؟؟؟ إلى متى ساتحمل كل ما يحدث لي؟ "
امتلئت عيناها بالدموع ونزلت بجسدها ارضا تجلس فوق ركبتيها، وغمرت وجهها بكفيها الصغيرين واجهشت بالبكاء بعد ان فاض الكيل بها، لم تتوقف عن بكائها الا بعد ان سمعت صوت قوي يقول
" انت توقفي عن البكاء "
سكنت تماما ورفعت وجهها الباكي عاليا لترى من هذا الذي يأمر بصوت قوي..حجبت غلالة الدموع عنها رؤية هذا الشاب الفارع الطول والذي يبدو انه يتسم بضخامة الجسد ايضا
استندت بيدها على الحائط لكي تقف، وما ان وقفت حتى سمعت صوته القوي يقول
" لماذا تبكين وتجلسين هكذا كالشحاذين؟! "
مسحت دموعها وقالت وهي تحاول ان تمر من جانبه لتنزل السلم
" لا شيء، سارحل "
اعترض طريقها ليمنعها من النزول وقال بعد تجهم وجهه
" لن ترحلين من هنا قبل ان تجيبي عن اسئلتي "
لم تجد امامها الا ان تصيح بوجهه فقد فاض الكيل بها عن حق يكفيها ما واجهته بيومها منذ بداية الصباح، يكفيها ما واجهته منذ ان اصبحت وحيدة في مثل هذا العالم الموحش حتى ختم بمالك الشقة الذي طردها شر طردة
" قلت لك لا شيء، ثم ماشانك انت كن بحالك واتركني بحالي، دعني امر واغرب عن وجهي "
لم تهتز به شعرة واحدة وبوجه يتسم بالبرود التام قال دون ان يتحرك قيد انملة من امامها
" هل انتهيتي من صراخك ؟ والان وكما قلت لك سابقا انا لن اتركك قبل ان تفصحي عما اريد ان اعرفه منك، ومن الافضل ان تتادبي وانت تتحدثين معي "
نظرت لوجهه ذو الملامح الجامدة والحيرة تملا عينيها من ثقته الزائدة التي يتحلى بها والتي جعلته يتحدث معها وكانه ولي امرها.. لا تعلم لما استسلمت لتلك الهالة التي تحيط بشخصه فزفرت بضيق واستسلام، ولكن بداخلها شعرت ببعض الامان ناحيته قالت والنحيب يلازم صوتها بعد ان اشارت ناحية باب شقتها.
" لقد طردني مالك الشقة لاني تاخرت بدفع الايجار واحتجز عنده حقيبة ملابسي وبقية حاجياتي، والان ليس امامي الا ان اقضي هذه الليلة بالشارع كالقطط الضالة كما قال لي هذا الو*د "
كان يستمع لها متمعنا بقسمات وجهها الجميل وبعد ان انتهت مما قالته سالها دون ان يحيد بنظره عن عينيها
" هل تريدين حقيبة ملابسك الان؟ "
نظرت له ببلاهة واضحة وقالت..
" ماذا ؟!!!! "
تن*د بقوة امام وجهها وكرر سؤاله بصوت قوي
" هل تريدين حاجياتك وحقيبة ملابسك الاااان؟؟ "
هزت راسها بنعم وهي بنفس حالة البلاهة التي انتابتها من سؤاله المباغت.
اشار لها ان تبتعد عن الباب وتقف بعيدا عنه، وبدون ارادة منها استجابت له.. شهقت بصوت عال بعد ان راته وهو يرفع قدمه ويضرب الباب بقوة جعلت قفل الباب الضعيف ين**ر بسهولة، التفت سيف لها واشار ناحية الباب الم**ور وقال لها
" ادخلي واتي بحقيبتك وبقية حاجياتك، وانا سانتظرك هنا "
كانت تنتقل بعينيها بين الباب وبين هذا الشاب الغريب فهزت راسها بالايجاب ودلفت مسرعة داخل الشقة وبعد برهة من الوقت خرجت وبيدها حقيبة ملابسها وبيدها الاخرى دورق زجاجي صغير بها سمكة صغيرة ملونة تتحرك بكامل ارجائه، نظرت له والابتسامة ترتسم فوق شفتيها بوضوح ثم قالت بامتنان
" شكرا لك، ولكني اقسم لك عندما يتوفر معي مبلغ الايجار المتاخر، سآتي واعطي صاحب الشقة حقه.. انا لا اكل حق الغير ابدا والله ثم انت شاهدا علي "
مال بجذعه امامها قليلا ومد يده ليمسك عنها حقيبة ملابسها وما ان لمست اصابعه ظهر كف يدها الصغير حتى شعر الاثنان وكان ماس كهربائي قد انتشر بجسديهما سويا.. تسمرا بمكانيهما وظلا ينظران لبعضهما لوقت لا يعلما كم مر منه، حتى تنحنح سيف وقال بعد ان امسك بالحقيبة وادار لها ظهره صاعدا السلم امامها
" اتبعيني "
ظلت متسمرة بمكانها وصاحت بصوت عال متسائلة..
" من انت؟ ولأين تريد ان اتبعك ؟؟ "
توقف فوق درجات السلم والتفت براسه اليها وقال بصوت قوي..
" سيف بدر الدين فتوة هذه المنطقة، والان انت قد اصبحتي تحت حمايتي لا تخافي ولا تساليني سؤال اخر فقط اتبعيني "
رفعت دهب حاجبيها بتعجب واضح على ملامح وجهها وقبل ان تتبعه كما امرها، بحركة لا ارادية كادت ان تغلق الباب ولكنها تذكرت مالك الشقة الذي طردها، ففتحت الباب على مصراعيه نكاية بالمالك لعله يأتي ويجد محتويات الشقة بكاملها مسروقة، وبقوة تشبثت بكلتا يديها جيدا بالدورق الصغير واسرعت تصعد السلم خلف هذا الرجل الذي لا تعرف عنه شيئا غير ان اسمه سيف ويطلق على نفسه فتوة المنطقة فهمست لنفسها
" وهل يوجد فتوات حتى الان ؟!!"
امسكت دورق السمكة بحرص بعد ان صعدت وراءه سلم طابق واحد فقط، وجدته يمشي بممر طويل ضيق يوجد بنهايته باب خشبي من الطراز القديم ..اسرعت بخطواتها لتلحق به وهي تقول
" انتظر من فضلك، الى اين تاخذني ؟ "
لم تسمع اجابة لسؤالها ولكنها وجدت نفسها بعد ان عبرت الممر الضيق وذلك الباب الخشبي وكانها قد انتقلت من بناية الى بناية اخرى ولكنها اصغر كثيرا، نظرت خلفها لذاك الباب وهي تظن انه باب مسحور وعاودت النظر امامها فوجدت نفسها امام بيت صغير يبدو انه متهالك ولكن احجاره الكبيرة تجعله يبدو من البيوت القديمة والمتينة بنفس الوقت كان يتكون من طابقين فقط، ويبدو ان كل طابق به شقتان..نظرت ورائها تارة وامامها تارة لا تعرف كيف تتصل تلك البنايات القديمة ببعضها هكذا ولكنها اخذت تدور بعينها ارجاء المكان، لتستعب تلك الهندسة البنائية القديمة..حتى انتبهت على صوت سيف وهو يقول بقوة
" انت ياحضرة السائحة هل سانتظر كثيرا ؟ "
وجدته واقفا امام سلم البيت الصغير منتظرا اياها لتصعد معه..تاففت بدورها من عنجيته الواضحة، وقبل ان تقف بجانبه لتساله وجدته يسبقها للمرة الثانية صاعدا السلم.. كان دورق سمكتها يعوقها لتلحق به خوفا من ان تسقط مياه الدورق ارضا وتضيع معه سمكتها الذهبية، صديقتها الوحيدة بالحياة بعد ان تخلى عنها اقرب مالديها
وقف سيف امام باب الشقة العتيق ومد يده بالمفتاح وما ان فتح الباب حتى وجد من تجري وتتعلق بساقه وهي تقول
" ابي، ابي لماذا تاخرت؟ لقد جعت كثيرا "
جثى سيف على ركبته ارضا بقبالة ابنته الصغيرة وابتسم قائلا
" الم اقل لك قبل ذلك الا تنتظريني وتاكلي انت، ساسامحك هذه المرة ..ولكن المرة القادمة ساغضب منك حقا "
تعلقت البنت برقبة ابيها وقالت بصوت باك
" لا لا ابي لا تغضب مني ساسمع ما تقوله، واذا تاخرت المرة القادمة لن انتظرك، وسااكل طعامي كله "
..احتضن سيف ابنته بذراعه وهمس لاذنها بصوت هادئ وهو يقف بها
" هذه هي ابنتي الحلوة التي اعشقها "
اتسعت عين دهب بشدة وشعرت بقلبها يرتج برجفة حنين قوية لما تراه وتهفو اليه همست لنفسها
"اخذني لبيته يااللهي ماذا سيفسر الامر لزوجته، من المؤكد ستطردنا نحن الاثنان "
كادت ان تلتف للناحية الاخرى لتهرب بعيدا ولكنها فوجئت بمن يناديها قائلا
" انت، الى اين تظنين نفسك ذاهبة ؟ "
التفتت براسها ناحيته فوجدته يشير لها براسه ان تتبعه
دلف سيف داخل بيته والقى السلام على من تجلس امامه فوق الاريكة القديمة تمسك بيدها مفرش ابيض دائري وبيدها الاخرى ابرة رفيعة تدسها داخل خيوط المفرش الصغير لتطريزه.. صاحت صاحبة المفرش قائلة
" وعليكم السلام حبيب امك لماذا تاخ......"
انقطع استرسال السيدة بالكلمات فور رؤيتها لتلك الفتاة التي دلفت وراء سيف تحمل بين يديها دورق صغير تلكئت دهب وهي تنطق بصوت خافت
" ال... السلام عليكم سيدتي "
تبسمت تلك السيدة وردت السلام وهي تعتدل بجلستها وتنظر للفتاة مليا من اخمص قدميها حتى شعر راسها المنساب بنعومة فوق كتفيها
انزل سيف ابنته ارضا برفق وعاود وقوفه ثانيا وهو يقول ويشير بيده لها
" تفضلي بالدخول "
ثم نظر لوالدته وقال
" أمي.. انا وضيفتنا جائعين فارجو الاسراع بتحضير الطعام "
وضعت الام مفرشها جانبا بعد ان ارتسمت البسمة فوق صفحة وجهها، واشارت لدهب ان تتقدم ناحيتها وهي تقول
" تفضلي ابنتي، مرحبا بك في بيتنا تعالي اجلسي ساذهب واقوم بتحضير العشاء، تفضلي حبيبتي تفضلي "
ظلت دهب متسمرة بمكانها وشعرت بالامان المشوب بالحذر ولكنها لم تشعر بأي خوف على الرغم من ذلك بعد ان نزع سيف حذائه التفت يبحث بعينيه ارجاء البيت واستطرد قوله متسائلا
" اين فاطيما ؟ يااللهي لا تقولون انها مازالت نائمة منذ امس "
اهتزت يد دهب فور سماعها لاسم فاطيما ولكن اهتزازة يدها زادت عندما وجدت من تشد اسفل طرف فستانها، نظرت لاسفل فوجدتها تلك البنت الصغيرة تنظر مليا للدورق الصغير، نزلت اليها دهب لتكون متساويان طولا ونظرت اليها متعجبة من جمالها الذي يبدو وانه جمال غربي فالطفلة تملك عينين زرقاوتين وشعر ذهبي ناعم.. همست البنت الصغيرة قائلة..
" ما اسم سمكتك الصغيرة ؟ "
ابتسمت دهب لها وهي تتمعن بملامحها وبداخلها يقول
" يبدو ان والدتك بارعة الجمال "
انتبهت دهب لتساؤل الطفلة مرة ثانية عن اسم السمكة فقالت وهي تنظر للسمكة الصغيرة
" اسمها نونة "
عاودت البنت قولها بهمس طفولي
" هل لي ان اخذها والعب معها ؟ "
اقتربت دهب من اذن الطفلة الصغيرة وهمست لها ..
" ما رايك بان نلعب معها سويا ولكن بعد ان نطعمها هل تساعديني باطعامها ؟ "
قفزت البنت فرحا وصاحت بصوت عال تشوبه البهجة
" نعم نعم، ساساعدك "
بحثت دهب بعينيها عن منضدة لتضع فوقها دورق السمكة، والطفلة الصغيرة ملتصقة بها، وبعد ان وضعت دهب الدورق فوق المنضدة حملت الطفلة لتجلس بجانب الدورق ثم نزعت حقيبتها الصغيرة من فوق كتفها واخرجت منها كيس صغير يحوي طعام للسمكة، وضعت قليلا منه بكف الصغيرة وقالت لها
" ما اسمك يا جميلة ؟ "
تخضبت وجنتا الفتاة الصغيرة واجابتها
" اسمي جونير "
رفعت دهب حاجبها تعجبا للاسم الذي تسمعه لاول مرة ولكنها استطردت قولها
" اسمك جميل، هيا جونير اطعميها ارمي ببعض الحبات الصغيرة داخل الدورق "
اتسعت ابتسامة جونير وقامت باطعام السمكة حبة تلو الحبة
كان سيف ووالدته يراقبان بشغف مايحدث دون النبس بكلمة، ضحكت دهب وهي ترى الطفلة الصغيرة ترمي بالحبات، ولكن توقفت ضحكتها عندما لمحت بعينيها من تزيح الستارة الصغيرة التي تفصل بين الصالة وبقية حجرات البيت، التقت عين دهب بعين تلك الفتاة المنتفخة البطن قليلا، اذدردت دهب ريقها بصعوبة استعدادا لمواجهة تلك الفتاة، وما كان سوى ان قابلتها تلك الفتاة بابتسامة مشرقة تزين وجهها الجميل القسمات، ثم وصل لسمعها صوت سيف وهو يقول موجها حديثه لتلك الفتاة المنتفخة البطن قليلا
" وها هي ظهرت الاميرة النائمة يجب ان نحتفل جميعا باستيقاظك والحنو علينا اخيرا بالجلوس معنا ومشاركتنا وجبة العشاء "
..زمت فاطيما شفتيها امتعاضا مما سمعته ورددت بصوت هادئ
" مرحبا اخي، اشتقت كثيرا لمشا**تك اللطيفة معي"
التفتت فاطيما ناحية دهب وكادت ان تتحدث معها ولكن سيف اسرع بقوله بنزق
" غريب امرك، انت اليوم لم تساليني عن مصطفى، ماذا حدث ياترى ؟!!! "
تن*دت فاطيما بياس ورددت بصوت هادئ..
" تعلم اخي اني لن ا**ر لك كلمة وان الامر كله بيدك، تصرف به كيفما تشاء "
وقفت فاطيما قبالة دهب باسمة الوجه ثم مدت يدها واستطردت قولها
" مرحبا بك ببيتنا المتواضع، انا فاطيما اخت سيف "
أخذ تعجب دهب يزداد مما يحدث حولها فمدت يدها لتصافح فاطيما وترد التحية بصوت خافت
" مرحبا بك، انا دهب وشكرا على استضافتكم لي "
كادت ان تحترق اعصابها انتظارا لظهور زوجته وتبرير وجودها ببيتها، ولكنها فكرت سريعا ان تبادر بما ستقوله لعل زوجته تسمعها، فواجهتهم جميعا بقولها
" اعتذر عن اقتحامي لبيتكم هكذا، ولكن السيد سيف"
وما ان نطقت بكلمة السيد سيف حتى صدحت اصوات ضحكات جميع من حولها عاليا
انتقلت بعينيها لهم جميعا بتساؤل وتعجب، هز سيف راسه يمينا ويسارا ثم اتجه ناحية غرفته بالداخل وهو يتمتم بكلمة
" السيد سيف "
هتفت فاطيما ساخرة بقولها
" ابدل ملابسك بسرعة ياسيد سيف "
ثم تحول نظرها ناحية دورق السمكة الملونة فاخذت تمسد باصبعها فوق زجاجه وتضحك هي وجونير معا.. اتجهت والدة سيف ناحية دهب التي توقفت مكانها لا تعي مايحدث، فامسكت بمرفقها واتجهت بها ناحية الاريكة وهي تقول
" تعالي ابنتي اجلسي بجواري "
ثم رفعت راسها ناحية فاطيما وقالت
" فاطيما اذهبي للمطبخ وقومي بتحضير العشاء "
هزت فاطيما راسها بنعم، نظرت الوالدة لدهب وقالت
" ما اسمك ابنتي "
" دهب "
تبسمت الوالدة بوجهها واشارت بيدها ناحية باب البيت المفتوح وقالت
" انظري ابنتي الى هذا الباب، هذا باب بيت الحاج (بدر الدين) ابو سيف رحمة الله عليه، هذا الباب دائما مفتوح لكل من ياتي يلتمس الامان او المساعدة، كم من الناس سواء من اهل حارتنا او الحارات المجاورة او حتى غريب ليس من هنا جاء لهذا البيت ووجد به مايسعى اليه على قدر استطاعتنا وكله من فضل الله علينا حبيبتي، والان ابنه سيف، حماه الله من كل شر يكمل مسيرة والده، لذلك انت هنا حبيبتي يجب ان تضعي بإعتبارك انك وسط اهلك "
نظرت دهب لتلك السيدة بتعجب وقالت
" ولكني بالنهاية فتاة غريبة عنكم، فتاة غريبة دخلت بيتك دون ان تعرفي اي شيء عنها سيدتي "
ربتت السيدة فوق كتف دهب ورددت بوجه باسم
" انا لست سيدتك انا خالتك نازلي "
اتسعت عين دهب وكادت ان تفلت من بين شفتيها ضحكة خافتة من تلك الدهب الغريبة التي تسمعها، استطردت الخالة نازلي قولها وقالت
" هل تعلمين ان منذ اكثر من ثلاثون عاما دخلت انا هذا البيت دون ان يعرف اهله عني شيئا مثلك تماما، ومن يومها لم ابرحه ابدا كما ترين، عندما تعتادي الجلوس معي ساروي لك حكايتي انا والحاج بدر الدين "
انتبها هما الاثنان على صوت فاطيما وهي تقول بعد ان انتهت من ترتيب الاطباق فوق المائدة
" هيا امي هيا قبل ان يبرد الطعام، اقسم اني لن اقوم بتسخينه مرة اخرى "
تفاجئت فاطيما بمن يضربها فوق مؤخرة راسها ويتوعدها قائلا
" لا تتوعدي و تقسمي علينا مرة اخرى ايتها الحمقاء "
مسدت فاطيما بيدها فوق راسها برفق وهي تقول
" اخي كف عن طريقتك هذه. راسي سيحدث لها ارتجاج، لو ليس حرصا علي، بل.افعلها لوجه الله تعالى حرصا على ابن اختك المسكين القابع ببطني "
..ضحكت والدتها ووقفت وهي تمسك بيد دهب تحثها على السير بجانبها ناحية المائدة، ولكن تسمرت دهب مكانها فنظرت لها الوالدة وهي تقول..
" هيا دهب هيا ابنتي لنأكل معا حتى يكون بيننا عيش وملح كما يقولون "
هزت دهب راسها بلا وقالت بتلعثم وخجل واضح على ملامح وجهها ونبرة صوتها..
" لا انا، انا لست جائعة خالتي، شكرا لكم، تفضلوا انتم "
شدت الام على يد دهب بقوة لتسير بجانبها وهي تقول
" لا تتعبيني معك ايتها الفتاة العنيدة وتعال واجلسي"
استجابت دهب مستسلمة لها وجلست بجانبها هز لها سيف رأسه وعلى وجهه ابتسامة هادئة ولكنه احب ان يشا**ها وهو نفسه لا يعرف سبب لذلك فقال وهو يجلس على الكرسي المقابل لها
" كيف لست بجائعة وها انا اسمع من مكاني هذا عصافير بطنك تصرخ جوعا "
ضحكت فاطيما وجونير اما والدته نازلي ضربت كتفه موبخة اياه قائلة عندما رأت وجنتي دهب تخضبت باللون الاحمر خجلا
" دع الفتاة وشانها يا ولد واكل طعامك وانت صامت "
بدأت دهب تتناول طعامها بلقيمات صغيرة ثم قالت موجهة حديثها ل سيف متسائلة بتعجب..
" هل انت فتوة بالفعل كما قلت لي ؟!!!! ولو انك تبدو ليس....."
قطعت دهب كلامها فأكمله سيف بقوله وهو مبتسم الوجه
" لا ابدو كماذا ؟!!! اكملي كلامك ذهبية"......