الفصل التاسع:

1590 Words
" سأكون بخير نانا.. ما عاد شيء قادر على **ري.. من كان... انتهى من حياتي قبل عامين ونصف.. منذ حصلت على ورقة طلاقي منه.. والان عدت كارول القوية المستقلة.. كارول التي لا يمكن لاحد او شيء ان ي**رها او يؤذيها " ومنحتها ابتسامة مشعة ثم ارتدت على عقيبها لتغادر المطبخ.. الابتسامة اختفت.. وتلك القوة الكاذبة همدت.. صحيح.. ما عاد شيء قادر على **رها او اذيتها.. لكنها لم تعد كارول السابقة ولن تفعل يوماً.. دون لوغان.. غدت لا شيء... مياه الدوش الدافئة انسابت على جسدها كدواء فعال.. جفنيها المغلقين قاوما تدفق الماء فيما ينحني راسها قليلاً بأسى.. الكثير والكثير من الافكار تصارعت داخلها.. دوامة مخيفة تاهت فيها لا تعرف منها خلاص.. كيف تفعل حين يتعلق الامر بزوج وحبيب سابق؟.. بعد ستة اشهر من هجران لوغان.. حصلت كارول على وثيقة الانفصال القانونية.. وباتت حرة منه.. ومنذ ذاك اليوم في شقة جان.. لم تقع عينيها عليه ولو حتى صدفة.. رغم كل الاشتياق الذي يغمرها.. وذاك الحنين والعشق.. لم تعد ولم تستسلم.. قرار هجرانه تم ونفذ.. وها هي ذا هنا منذ ثلاث سنوات.. عادت لتعيش مع جدتها وتعمل كعارضة ازياء كما في السابق.. لازالت تتواصل مع ميغان وسارة لكن بندرة.. تعرف اخبارهما ويعرفا اخبارها.. لكن عدا عن ذلك لا شيء اخر.. لم تسال ميغان يوماً عن حال لوغان او ما يفعل.. لم تأتي على ذكره ابداً والان... ستعود!!.... أقادرة هي على فعل ذلك؟!..... زفرة مريرة غادرت ص*رها.. يدها ارتفعت لتتلمس خصل شعرها المبللة.. ثقل كبير يقبع على كتفيها فيجعلها اكثر انحناء واستسلاماً.. ان ترى لوغان من جديد؟!.. ان تنظر اليه.. تتحدث معه.. تجلس مقابلاً له.. أقادرة على فعل كل هذا؟!.. " ساعدني يا الله!! " تمتمت ببؤس.. تعتصر جفنيها وتحني راسها اكثر... تدعو وتدعو علّها حين تقا**ه من جديد يستجيب الله لدعواها فلا تشعر بالحنين اليه او الضعف اتجاهه.. *** (( ضاحية وينسترون الشمالية )) التقطت عينيها الكلمات وهي تقطع بسيارتها المستأجرة الطريق الفرعي نحو الضاحية الشمالية للمدينة.. تطلق تنهيدة عميقة وتحاول التركيز على القيادة.. فذهنها مشوش مليء بالأفكار والاسئلة.. تغلق جفنيها لثانية تستجمع قوتها فيها ثم تعود فتركز من جديد على المقود لقد فعلتها وعادت... لكن دون جدتها.. فقد رفضت الاخيرة السفر وهي بوضعها الصحي الضعيف هذا.. فوعدتها كارول بعدم التأخر بالعودة.. وطلبت من احدى الممرضات الخاصات البقاء معها خلال هذا الوقت.. رتبت حاجياتها واستغلت فترة الفراغ في عملها لتحصل على عطلة مطولة لزيارة سارة وميغان.. كانت سارة قد سبقتها الى الضاحية بالفعل.. ومكثت في منزل ميغان كضيفة لكن كارول رفضت ذلك.. سوف تستأجر غرفة في الفندق الوحيد الموجود بالمنطقة فهي لا تريد النزول كضيفة عند احد... ميغان لاتزال في المشفى لليوم الثالث بسبب بعض المضاعفات لكن سارة طمأنتها بأن صحة صديقتهما باتت افضل.. ولذلك كانت محطة كارول الاولى هي المشفى.. قادت بحذر اسفل فيض من الامطار الشتوية.. تحرص على رؤية الطريق جيداً لتعرف متى تتخذ المنعطف الخاص بالمشفى وفعلت بعد اقل من عشرين دقيقة.. خوف ورهبة كانا شريكي كارول في رحلتها هذه.. وكلما اقتربت اكثر ازداد هذا الخوف.. تفكر بلوغان وبما فعله خلال هذه السنوات.. أتراه تزوج؟. انجب اطفال؟.. ربما فعل.. وربما لا.. من يدري.. ركنت السيارة بعد عدة دقائق على جانب الطريق الخاص بالمشفى.. تتأمل الطقس الممطر حولها قبل اتخاذ القرار بالنزول.. كانت قد اختارت سترة صوفية بيضاء لهذا اليوم وبنطال اسود قطني.. ترفع شعرها الاشقر للخلف بعيداً عن وجهها وعينيها.. وتحمل بيدها معطفها الاسود وحقيبة يدها.. انها جاهزة... وستكون قوية وتواجه كل المواقف... لو مهما كانت... .... ....... " تبدين كما انت.. لا شيء تغير فيكِ رغم مرور كل هذا الوقت " تبسمت كارول لصديقتها التي بدت متعبة ضعيفة.. تستلقي في سرير المشفى اسفل غطاء ابيض اللون ولحسن حظ كارول وحيدة تماماً.. تحدثتا بإسهاب عن احوالهما.. عن تفاجؤ ميغان لرؤيتها وهي التي لم تتوقع ان تفعل.. فسارة لم تخبر ميغان بعودتها.. مضت اكثر من ساعة وهما تثرثران دون توقف.. تضحكان تارة وتحزنان تارة اخرى.. دون اي ذكر للوغان او ما يخصه.. وكأن اتفاق سري داخلي ابرمته كلتاهما.. " شاهدت الفيديو الذي صورته مع المغني مارك.. الهي.. انه رائع!! " " حقاً؟!. اعجبك؟ " " كثيراً.. وذاك المدعو مارك.. ما اجمله!.. هل هو هكذا على الطبيعة ايضاً؟. " " واجمل.. اسكتي " ضحكت ميغان لردها.. ثم **تت تبتلع ل**بها " ستبقين لحفل زفاف سارة اذاً " " اها.. سأفعل.. سأبقى في شقتها في المدينة " " هذا رائع! ستتسنى لي رؤيتك اكثر " " اجل " " اشتقت كثيرا لأيامنا السابقة.. وذكرياتنا " " وانا ايضاً حبي.. كثيراً جداً " ووهنت نظرات كارول تأثراً.. تلمح تردد غريب في عيني صديقتها.. توتر وقلق كان واضح جداً.. تسمعها تثرثر بخفوت " هنالك شيء.. امممم.. امر مهم.. اريد ان اخبرك اياه.. اعني.. " " ما الخطب ميغان؟!! " " انا... " وتوردت وجنتيها اكثر.. " مرحباً ميغان.. كيف حالك اليوم؟ " قاطع جلستهما الهانئة دخول شابة غريبة لا تعرفها كارول.. تحمل بين ذراعيها طفلة صغيرة تتعدى العام والنصف من عمرها على ما يبدو.. ذات ابتسامة محببة وخصل شعر سوداء حريرية.. **تت كارول ونظرت الى ميغان المتوترة.. الى وجهها الشاحب وفمها المضموم.. تقطب مستغربة ردة فعلها وارتعاش اطرافها... " أماندا!!.. أهلاً " اجابت اخيراً بصوت متردد " انا بخير.. كيف حالك؟ وكيف حال الطفلة؟ " " نحن بخير.. " وابتسمت الشابة المدعوة اماندا ثم القت تحية اخرى على كارول قابلتها الاخيرة بكل أدب " اهلاً " وتململت الشابة في وقفتها فتشبثت الطفلة بها اكثر... تتمتم بصوت طفولي مضحك " بابا.. ها بابا؟ " " انه قادم حبيبتي.. سيلحق بنا " نظرت ميغان سريعاً الى كارول.. تهز راسها بالرفض فعبست كارول مندهشة.. ما خطب صديقتها؟!!! " هل انت بخير ميغان؟ " " انا.. اسفة كارول.. اسفة جداً " " اسفة؟!.. على ماذا!؟ " قلبت اماندا نظراتها بين الشابتين.. تحاول سبر غور الحديث الدائر لكن ميغان لم تنطق بعدها بحرف.. ولا حتى هي فعلت... فحضور احدهم ا**ت اية كلمة اخرى... سحبت كارول انفاسها وكأنها رميت داخل حفرة نارية عميقة حين وقعت عينيها على لوغان.. حبيبها لوغان.. وهو يدلف للغرفة واضعاً هاتفه الخلوي في جيبه.. رأسه لايزال محني للأسفل فلم يراها.. لكنه وكما تلاحظ كارول لايزال على الهيئة نفسها.. قميصه ذو اللون الاسود كان المفضل لديه ولايزال.. خصل شعره تبدو وكأنها اكتسبت بعض الشيب.. فقد بات يناهز الاربعين من العمر.. مرت ثلاث سنوات!!. فكرت باختناق وعينيها لا تتركانه.. تنتظر ان يرفع راسه فجأة لتتقابل نظراتهما اللاتي كتب عليها الفراق لسنوات.. شوق وحنين قاتل اجتاح دواخلها.. لهفة للركض اليه وضمه بين ذراعيها لتخبره باكية عن كل ما عانته دونه.. عن تلك الدموع التي ذرفتها في غيابه.. والالام التي قاستها.. عن طريق شائك مرير لا وجود له فيه... وفعل..... ارتفع راس لوغان في اللحظة التالية.. وفمه الذي فتح لينطق بشيء عاد فانطبق... صدمة قاسية تلقاها بوضوح حين رأى من امامه.. شحوب ملامحه وقسوة دهشته انبئت كارول بانه مثلها.. يشعر بما تشعر به ويعاني ما تعانيه.. انه لم يتغير بالفعل... ولكن ربما هي فعلت... فالشعر الطويل الذي يحب.. بات اقصر.. والعيون التي لطالما غرق فيهما باتتا خاليتين من الحياة او الحيوية.. كبرت مؤكد فقد باتت على مشارف الثلاثين عام، لكنها داخلياً لم تتغير البتة.. وهو يعرف ذلك.. بدا لوغان كحجر متسمر.. يقف مقابلاً لها ويحدق بها كأنه لا يرى سواها والكلمة التي القت بها المدعوة اماندا لم تصل الى مسامعه او حتى مسامعها.. كانا فقط هما.. لوغان وكارول العاشقان المتيمان الذين قست عليهما الحياة واختار القدر لهما الفراق... شفتي لوغان تحركتا باسمها.. وتململ في وقفته فبللت كارول شفتيها الجافتين تشعر بروحها تخنق حنجرتها.. قلبها يخفق بعنف كما اول لقاء لهما واطرافها باردة مشلولة.. تشكر الله بانها تجلس على كرسي عند الطرف الاخر من السرير... نظرات حزينة متأثرة قابلتها نظرات مشتاقة هائمة.. سنين وسنين من العشق والسعادة ثم البعد والالم.. تراكمت كما الرمال امامهما.. والحب.. الذي جمعهما يوماً كان لايزال كما هو داخل قلب كارول.. لم يخف ولم يتوقف.. بل ازداد وتكاثف... انها لاتزال تعشقه كما في السابق ولم تتوقف ولن تفعل يوماً ذلك.. حبيبها.. انه سيظل حبيبها للأبد... " بابا!!.. بابا!! " راحت الطفلة تثرثر بلا انقطاع.. فقطبت كارول وفصلت نظراتها عنه لتتأمل الصغيرة تلك.. حدقتيها ضاقتا وشفتيها ارتعشتا.. تدقق بها صامتة وهي تمد يديها الصغيرتين باتجاه لوغان تطلب ان يأخذها ثم تهمهم من جديد " بابا!! " نار حامية قاسية كما قبضة حديدة لطمت جسد كارول.. ثم الم عميق مميت انقض على قلبها واوقف انفاسها.. تشعر ببرودة فظيعة تض*ب اطرافها وجفاف شديد يصيب حلقها.. حالة من عدم التصديق اصابتها فشخصت حدقتيها تحاول تبين ما يحصل هنا.. تفكر بذهن مشوش لعلها تعرف الخطب!. حتى فعلت اخيراً.. لوغان ظل مسمر في مكانه يتأمل وجودها وحين عادت اليه بعينيها كان بانتظارها.. في ملامحه عذاب واسف واضحين.. فكه مشدود بقسوة وعضلة وجنته تنتفض بلا توقف.. ابنتك!!.. انها ابنتك!!. حدثته عينيها فسحب انفاسه بصعوبة.. مطلقا اياها بتنهيدة مختنقة مسموعة... ولم يجبها.. ظل يحدق بها دون اية اجابة.. عينيه لامعتين غامقتين وفكه مقبوض.. اجترعت كارول ل**بها الجاف.. تبحث عن اية طريقة لاستيعاب ما يحصل هنا.. لوغان لديه ابنة... لوغان لديه ابنة!!!!. ظلت تكرر الكلمات حتى تقتنع بها وتقنع عقلها المتوقف عن العمل.. لكن دون جدوى.. لا.. تباً.. لا يمكن للوغان ان يحظى بطفلة.. لا... فهو لن يفعل ذلك دونها.. هو لن يفعل حتى لو طلبت ذلك منه.. لانه يحبها هي ويريدها هي.. ويستحيل ان يخنها مع امرأة اخرى.. يستحيل ان ي..... وانقلبت معدتها لمجرد التفكير بذلك.. لمجرد تخيل انه قد يكون مع اخرى جسدياً... شحوب طغى على وجهها واحتل المرض السقيم ملامحها.. لا تنصت لنداء ميغان بل تقف سريعاً مبعدة عينيها عمن كان يوماً يدعى زوجها.... لتهرب.. عليها ان تهرب.. ان تهرع خارج هذا المكان.. وهذه المدينة.. الى بعيد.. بعيد جداً.. لتداوي جراح خيبتها مما حصل.. " كارول!!. كارول توقفي " لكنها لم تفعل.. امسكت بمعطفها وحقيبتها سريعاً وهبت باتجاه الباب.. تتجنب ان تلامس اي جزء منه وهي تمر بقربه.. ترى كيف ارتد ليلاحقها بعينيه وهي تهرب.. لا يوقفها ولا ينطق.. فهو مثلها مصدوم متأثر... سارت بخطوات مبعثرة في الممر الفارغ.. تتنفس بلهاث وترتعش.. قلبها يخفق بعنف شديد كما لم يفعل يوماً قبلاً.. تريد الابتعاد عن مكان تواجده فقط.. الهرب ولو حتى الى الجحيم.. وتوقفت بقرب المصعد تطلبه.. تضغط الزر لعدة مرات وبقسوة ثم تقف ناظرة الى الباب الحديدي بعيون جافة قاسية... بابا!!.. لوغان لديه ابنة!!...
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD