الفصل الثالث - ج٢

3512 Words
ربما تجمعنا أقدارنا ذات يومًـا بعدما عَـزَّ اللـقاء!! -حافظ إبراهيم- •¤•¤•¤• - أنا لا أوافق على هذا الهراء!! قالها مراد بسخط مُستعرّ وهو ينهض ويتركهم جالسين إلى طاولة الطعام .. مازالت الوجوه واجمة، والألسنة عازِفة عن التحدث .. ليس هناك ما يُقال بالأساس، فقد صدمهم ما سمعوا عن حق .. وبالأخص فريدة، فكان لها نصيب الأسد من تلك المحادثة، وآثرت أن تسمع آرائهم بدلًا عنها!! بعد أن تأكدت سارة من دخول أخيها للشرفة حتى إلتفتت لفريدة لتضم يدها وتهمس: - أنا ايضًا لا أوافق على لقائك به وحدكما .. انا لم أقل ذلك أمام مراد حتى لا يزدد تعنّتًا، ولكني حقًا أخشى عليكِ من هذا اللقاء!! ظلت فريدة ساهمة الملامح لا تُعطي أي انطباع .. لا تفكر بحديثهم وحسب، بل مازالت تحت تأثير تلك الرهبة التي بزغت بداخلها فور أن سمعت صوته .. بحةٌ صوته الأجش بينما يهمس بإسمه بتلك الطريقة الفريدة التي لم تسمعها من أحدًا قبله، وفي تلك اللحظة شيئًا بداخلها أخبرها بهويته قبل أن يصعقها هو بها. شيئًا يسري كالكهرباء في الجسد حينما تناهى إلى مسامعها صوته، بل إسمه الذي لم تكن تدرك الهيبة التي يمتلكها إسم مجرد كهذا، سوى عندما لفظه هو.. أدهم ا***ذلي!! عندما استعادت انتباهها كانت (رجاء) تحدث سارة بنبرة هادئة: - اتركيها سارة تفعل ما تريد .. لا أحد يتدخل باختياراتها!! - ماذا الذي تقوليه؟؟ .. كيف لا نتدخل؟! .. إنه أدهم!! .. زوجها السابق!! .. أنسيتوا ماذا فعل؟! جأر بها مراد الذي آتى مرة أخرى على حديث والدته، ليجهم الجميع من جديد .. وهنا راحت تفكر فريدة .. ماذا فعل أدهم؟؟ .. هي لا تعرف حقًا ماذا فعل!! .. لقد أختفى لأكثر من سنتان وتركها عالقة في وحل مرضها .. هذا ما تعرفه، وعلى الأدق هذا ما تتذكره، لكن هناك ما لا تتذكر ولا بد أن تعرفه!! نظرًا لإحتدام الأجواء في هذا الوقت، كان قرار الإنسحاب هو خير حل .. لذا نهضت عن طاولة الطعام مستأذنه من الجميع ذاهبه لشقتها .. ما إن أصبحت مقابلة لباب الشقة حتى نداها مراد بحزم، فتوقفت وهي تتمنى ألا يصر على حديثه معها الآن .. ولكنه فاجئها حينما طلب من سارة أن ترافقها الليلة، وحينما نظرته وجدته يرمقها بنظرة دافئة استشعرت منها خوفه عليها، بعدما رآها تلك الليلة، ولكنها تعللت بحاجتها للإختلاء بنفسها ليوافقوا على مضض. ● ● ● انبلج نهار جديد دون أن يغفل لها جفن .. قضت ليليتها أمام تلك اللوحة التي عملت على تجميع ما بها من أوراق وصور على مدار شهور؛ لتعرف مَن هو أدهم ا***ذلي .. والآن، خطتك قد نجحت فريدة، لقد خرج من جُحره وبزغ لكِ كيفما أردتي .. الو*د كان يختبي بإرداته الحرة، دون قيد أو شُبهه جنائية .. حسنًا، هذا يفسر الكثير، يفسر لمَّ أوقف والده حملة البحث عنه، تلك الشمطاء زوجته بالتأكيد كان لديها علم .. حدسك كان على صواب فريدة!! مسحت وجهها بإرهاق بالغ ثم اتخذت قرارها في ثواني، وهي تجذب هاتفها وتطلب هي رقمه هذه المرة .. لم يتعدى الرنة الأولى حتى جاءها الرد وكأنه لم يذق النوم مثلها .. دون أن تلقي عليه حتى تحية الصباح قالت بتصميم: - أين ألقاك؟؟ ● ● ● ساعة رملية موضوعة على تلك الطاولة تناثرت حباتُها برتابة الواحدة تلو الأخرى لتختلط بخلجات قلبه، بينما ينتظرها بهذا المطعم .. ثواني وتواترت بأذنه إيقاع نعلها العالي لتُنبأه بمجيئها .. عينيه تعلقت بمفارقة قدميها للفتحة الجانبية بثوبها الأ**د الطويل، ليتدرج إلى أعلى عابرًا جسدها الممشوق، والذي كان من الواضح أنه اكتسب وزنًا عن ذي قبل، ليقابل شمس عينها المشرقة والمبددة لعتمة هذا الليل .. تدلت شفتيها بابتسامه عذبة ناعمة لا تليق سوى بملاكًا مثلها لتقول: - مرحبًا!! لم يستطع أن يجيبها، لم يستطع أن يُصافح يدها .. لم يستطع سوى أن يخطفها بين أذرعه، ليسكنها حبيس أضلاعه، فيدفئ بها ثنايا قلبه الحزين!! ياللحب .. مُوّجِع ومَوّجُوع إلى الأبد!! كجسدٍ ميت دبتْ به الحياة .. تنفس عبيرها، تلّفْح بأنفاسها، سَكنتْ روحه بوجوده داخله .. هل بُعث للحياة من جديد؟؟ انحدرت شفتيه لتعانق شفتيها بعد طول غياب، يحلقا معا في سماء العشق .. إنغمس بين أنفاسها برحابه، وتهلل قلبه لكل ما تعطيه له بنفسٍ راضية، وحينما ابتعد ليُشبع روحه من نور عينيها، كانت المفاجأة .. شفتيها مُدمية، ليس فقط شفتيها، بل ملامحها كلها مُدمية، شاحبة وكأنها فقدت حياتها بين يده .. تمتمت له بصوتٍ أجش لا يشبه صوتها: - ماذا فعلت بي أدهم؟! فُزعَ من رقدته، بعدما غفا على مقعده دون أن يدري، وقد هزمه النوم بعد عناء ليلقيه في جحيم كوابيسه، وليستيقظ على صوت هاتفه الذي بدأ في الرنين لتوه والصدمة أن المكالمة منها. تهادتْ نبضات قلبه وهو يسمع صوتها من جديد لتخبره باستجابتها له .. هل هذه إحدى أحلامه؟؟ .. إبتلع بتوتر وهو يخبرها عن موقع مطعم صغير في إحدى المدن المتطرفة حتى لا يجذب الأعين له .. خاصة وهو لم يُعلن حتى الآن عودته. عَا**ت توقعاته ووافقت بخفوت، وهي تخبره بأنها ستكن هناك خلال الساعتان القادمتان، ليشرع من فوره في إرتداء ملابسه حتى ينطلق هناك ليكن بانتظارها هناك. ● ● ● لم يتوقع أن يصل بهذه السرعة، ولكن نظرًا لقربه من موقع المطعم فكان هناك خلال دقائق .. انقضت ساعة وأكثر، بينما بقيت عينه معلقه بمدخل المطعم .. عَزَفَ التوتر على أعصابه مقطوعة بالغة التعقيد، في حين كانت أفكاره تموج داخله في حربٍ عاتية .. ماذا سيقول لها؟، وبماذا ستجيبه؟ دارت بداخله جميع السيناريوهات المحتملة ولكن لم تَرقّ له واحدة .. جميعها عَطِبة وعقيمة، ساذجة، لا تليق بعقلية فريدة .. كان يود لو يخبر دكتور (مايك) أن المواجهة التي نصحه بها على وشك أن تبدأ خلال دقائق، ومازال لا يعرف ما عليه فعله حقًا .. هو في موقف لا يُحسد عليه، وكل ما يستحوذ على تفكيره عليه هو أنه سيقابلها .. ﻷول مرة .. بعد تلك السنوات .. روحه لا تهتم لما سيقول وما سيحدث، لا تهتم سوى لأنها ستتحد أخيرًا بتوأمها المفقود. ركز هدفه في على شيئًا واحدة، وهو جعلها بعيدة عن دائرته المظلمة بأي طريقة، وبأي ثمن .. حتى لو كان سيخبرها بالحقيقة مباشرة!! .. حياتها الآن تفوق فداحة جُرمه بحقها، وتفوق حتى كبريائه العتيد .. ليس هناك ما هو أكثر أهمية منكِ فريدة!! هذا ما ردده بعقله قبل أن يلمح طيفها بالخارج وهي تترجل من تلك السيارة .. ترتدي تنورة ثلجية طويلة يعلوها قميص أزرق شاحب، ترفع شعرها في ذ*ل فرس وتغطي عينيها بنظارة شمس لها نفس لون القميص .. وقفت لثواني تعاين المطعم من الخارج دون أن تقع عينيها عليه ومن ثم دلفت بحذائها الرياضي. خلعت نظارتها لتمرر عينها في ساحة المطعم، لم يكن هناك الكثير من الطاولات، فقط خمسة طاولات لا يفصلهم مساحة كبيرة لصغر المطعم، تطل جميعها على الطريق، وفي هذا الوقت المبكر من النهار كانت جميعها خالية من المرتادون إلا طاولته .. تشابكت أعينهما معًا في لقاءٍ مُتوتر بينما بدى التردد عليه ليقف من موضعه في تحية لوجودها هنا .. لترى أنه يرتدي قميص من الكتان الأبيض وسروال من الجينز، ليلائم طلته الوسيمه بشعره الكثيف اللامع ولحيته المشذبة. توقف في انتظار اقترابها وخلايا جسده تصارعه لتلتحم بجسدها وتنفذ حلمه الأخير على أرض الواقع .. لكن في الواقع يختلف كل شئ، حتى أيديهما لم تتلاقى سوى في عناق سطحي لم يدم لثانية، وانقضى مع إلقاءها لتحية فاترة **لامها!! .. هذا فقط!! جلست مقابله له ليجلس هو الآخر وتزداد الاجواء بينهما توترًا .. مضت لحظات وكلاهما يحدق بالآخر ويشبع عينيه منه، من تفاصيله وهفواته، وأنفاسه .. حتى غمغم أدهم وكأنه يحدث نفسه: - لا أصدق حقا أنكِ هنا، معي!! تجعد جانب شفتيها لجزء من ثانية قبل أن تجيبه بجفاء: - آوه .. دعنا من هذه الأقاويل العاطفية، فنحن لسنا بعاشقان!! صُدم .. حقا صُدم من جفاوة ردها القاسي .. عجز عن الرد لينقذه مجئ النادل ليأخذ طلباتهما .. فأمره بتلقائية: - اثنان قهوة سادة!! - واحدة فقط من فضلك!! قالتها فريدة لتقطع عليه طلبه، فنظرها لتفسر بعد رحيل النادل: - الأطباء منعوها عني من مدة!! إزدادت ملامحه جهامة .. هذا هو حاله كلما تعرف إلى حالها .. لم تفت عينه الخبيرة الرعشة التي برقت بأصابعها لتُخفيها سريعًا بضم يديها معًا في حزم وهي تقول بنبرة أشعرته بمدى المساحة الجافية التي أصبحت بينهما: - لنختصر هذه اللقاء الموتر وليعرف كلًا مننا ما يريده من الآخر ونرحل!! .. بالنسبة لي فأنا لا أهتم ﻷين كنت؟؟، ولا كيف ظهرت البارحة فجأة؟؟ .. كل ما يهمني هو شئ واحد أسعى لمعرفته .. هو ماذا حدث لي قبل أن أفوت بالغيبوبة و... قبل أن تكمل توقفت عدة عربات أمام المطعم مباشرة وهبط منها أناس عديدة يحملوا بأيديهم كاميرات تصوير ومعدات تسجيل، وبثواني كانوا يقتحمون المطعم عليهما ويحاصرهما ليقف أدهم ويجذب جسد فريدة إليه ليتص*رها بعد ذلك بحماية، بعدما انهالت عليهما الأسئلة والكاميرات من كل صوب: - أين كنت أدهم ا***ذلي؟؟ - هل حقا تعرضت للخطف طوال السنتان؟؟ - فريدة، هل لكِ يد في خروج أدهم للضوء مرة أخرى؟؟............... ...................... العديد والعديد ومن الأسئلة التي حاصرتهم وأصبح من الصعب عليهما مفارقة المطعم الصغير بعدما احتشد بهذا الجمع الغفير. وفي يخضم إمتناعه عن الرد، كان يفكر في طريقة للخروج من هذا المأزق بفريدة دون أن يمسها سوء، والأهم يفكر بمَن وضعه به، فلا أحد يعلم بعودته لمصر، أعني لا أحد!! .. فُوجئ بها تسحب يدها بغلظه من يده، ليبتعد بمدى عينه أكثر فيري مَن يسحبها هي شخصيًا!! تجمد الدم في عروقه وهو يري مراد يغوص بين الجمع ويُفسح لها الطريق للخروج، وما إن حاول اللحاق بهما حتى تكاتل عليه المراسلين أكثر ولم يهتموا لرحيل فريدة في وجود أدهم ا***ذلي بنفسه أمامهم!! ومن بعيد، فتح مراد لفريدة سيارته سريعًا لتدخل ويديرها بسرعة .. وآخر ما لمحته من هذا اللقاء، كانت ملامح أدهم الواجمة بذهول!! ● ● ● توقفت السيارة على بعد أمتار من المطعم، لتهبط منها فريدة بسرعة وهي تنفض ملابسها بطريقة ثائرة، ليلحق بها مراد محاولا تفقدها .. كانت تمسح على شعرها باستمرار عنيف وكأنها تبحث عن الهدوء بداخلها بيأس .. ما إن وضع مراد كفه على كتفها حتى انفجرت به صابه جُمَّ غضبها: - ما الذي فعلته بحق الحجيم؟! تراجع مراد خطوتان قبل أن يستنكر منها: - ماذا فعلت؟؟ .. لم استطع تركك تواجهيه بمفردك .. رغما عني عندما رأيتك تخرجين بالصباح تتبعتك .. صدقيني لم أشاء التدخل وانتظر بالخارج، لكن لم أستطع أن ابقى كذلك حينما رأيت سيارات المراسلين تحاصركما!! منحها نظرة أخبرتها بأنه قد خاب ظنه بها قبل أن يضيف: - لم أتوقع حقا انكِ ستقابليه دون علمنا .. كيف تفعلين هذا فريدة؟؟ ألم نتفق بالأمس؟؟ .. ماذا حدث؟؟ توقفت الكلمات في حلقها بعد أن كانت على مشارف أن تعطيه محاضره في إلتزام حدوده ظنًا منها بأنه وراء تسريب خبر عودة أدهم للاعلام .. زفرت مُخرجة كل الضغوط والإحباطات المتراكمه بداخلها، لتتراخى قدميها وتهبط جالسه أرضًا وتريح ظهرها إلى خلفيه السيارة .. لتتحدث بعدها بصوت مختنق أرهقه ما حدث: - كان على وشك التحدث .. كان على وشك أن يخبرني بكل ما أنا على استعداد أن أموت لأعرفه!! لاذعت حدقتيها الدموع الساخنة لتعصرها بقوة كابته إياها عن الافراج .. جثى مراد أمامها ليضع يدها على ركبتها، متوددًا إليها بالحديث اللين: - فريدة .. ما تفعليه بنفسك يفوق قدرتك على الإحتمال .. أنتِ تُحملين ذاكرتك فوق طاقتها وتضغطين عليها بشكلٍ سئ، وهذا خطأ!! .. ماذا إذا كان ما حدث يمثل صدمة كبيرة لكِ؟؟ .. ماذا إذ لم تتحميلها .. أتريدين أن تنت**ي مرة أخرى؟؟ .. أتريدين العودة للمعاناة التي كنتِ عليها؟؟ .. أهذا ما تسعين إليه؟؟ ضغط على ركبتها ليستحثها وأضاف: - أرجوك فريدة فكري بعقلانية، أنتِ عانيتي لتخرجي من صدمتك، حتى ولو دون ذاكرة، لكنك تعافيتي الآن .. لمَّ العودة للوراء الآن ونبش الماضي؟! .. ماذا ستجنين من هذا؟؟ هبطت دموعها دون رادع لتفارق عين واحدة وهي ترمقه بإن**ار وقلة حيلة لم يراها عليها من قبل: - وماذا إذا كان عقلي يأبي ذلك؟؟ .. ماذا إذا كان في كل مرة أغمض بها عيني يحاصرني بذكرياته العنيفة وينهش روحي، ليحضني على التذكر ولا شئ يفلح معه ليثنيه عن ذلك .. ماذا إذا لم يبق أمامي خيار سوى أن أتذكر ما يرغب بإخباري به وإلا سأجن!! تساقطت دموعها حتى أغشت عينيها ليحتضنها مراد دون أن يدري انه يفعل هذا .. طالما كانت دموعها تمثل نقطة عمياء أمامه، لا يرى بعدها .. الحقيقة الخالصة أن فريدة ذات نفسها تمثل هذه النقطة العمياء بكل ما تحمله من حب وألم وشقاء .. هو الآن على إستعداد لفعل كل ما يتراءى لها حتى ترضى، وليتها ترضى!! أراد أن يخبرها بهذا الوقت، أن ذلك الذي يسمى بزوجها السابق ما هو إلا مجرم ضليع في الإجرام .. إذا كانت تريد التذكر حقًا، فهو على إستعداد أن يذكرها بذلك اليوم الذي لم ينساه أبدًا .. ذلك اليوم الذي عاد به بعد أن قابلها بأمريكا يلطم قلبه الإن**ار .. إن**ار لا يساوي أبدًا مقدار ما رآه بعينها ذلك اليوم .. ليستيقظ بعد أسبوع على خبر حادثها الشنيع، والمسبب في ذلك مجهول للجميع .. إلا هو!! أراد أن يخبرها بكل هذا، ولكنه إرتأى أن من الحماقة تذكيرها بما حدث، حتى ولو كان بذلك ي**ن ثقتها، ولكنه قد خسرها مرة ولا يريد أن يخسرها الثانية .. لن يقوى على رؤيتها في عمق الحطام الذي كانت عليه طوال سنتان .. حطام أنثى، دهستها الحياة، ومن قبلها الحب!! رفعها لتنهض ومن ثم ساعدها في العودة للسيارة، ليقودها عائدين للبيت، غارقين في صمتٍ يتخلل أنفسهما الشاردة. ● ● ● في المساء.. بالرغم من علو صوت التلفاز الذي يبث امامها تفاصيل كشف الإعلام لعودة أدهم، وتفاصيل اقتحامهم اليوم للمطعم إلا أنها لم تكن تسمع لأي من الأشاعات الساذجة التي يتناقلوها .. ذهنها أخذها لتلك اللحظة التي خطت بقدمها في المطعم ورأته يقف بهيبته أمامها .. رأت الوجل بعينه، الرهبة والتردد من لقائهما .. ولولا ذلك -لولا ما رأته- لما إستطاعت التقدم والثبات أمام عينيه الداكنتين!! عينيه التي خطفت ذهنها منذ الوهلة الأولى في رحلة أشد وطأة على قلبها .. رحلة غاصت بها في أدغال كوابيسها اليومية .. رحلة سريعة كالبرق ضربت ذاكرتها وأنعشتها في ثواني قالها له همسًا: - "انه هو!!" لكن بإختلاف النظرات.. نظراته كانت تختلف عن تلك القادرة على تجميد الجحيم برفة جفن!! نظرات تشوش ذهنها وتخبرها أن هناك خطبًا ما ولا بد أن تعرفه .. لا بد أن تعرف أيهما تصدق، ما تراه أمامها أم ما رأته يوميًا بأحلامها؟؟ خرجت تن*دية حارقة منها نفضت بها تشتت روحها وعادت للتلفاز مرة أخرى لترى أن المشهد قد تبدل وهو يعرض الآن مؤتمر حصري من داخل قصر ا***ذلي الكبير بمصر .. والآن يعتلي أدهم المنصة ببزلته الكحلية التي تبرز جسده المعضل، ويقف على يمينه (مصطفى ا***ذلي) والده، وإلى يساره كل من (سمر) و(ريم) أخته .. دق الميكروفون أمامه مرتين ليهدء صخب الجميع ثم تحمحم قائلًا برزانة: - مرحبًا .. بالتأكيد يعلم الجميع اليوم سبب هذا المؤتمر .. لن أُطيل عليكم وسأدخل صوب الموضوع .. الجميع يريد مني إجابة على سؤال واحد وهو .. أين كنت طوال السنتان الماضيتنا، وما هو سبب الاختفاء؟؟ زفر أدهم من وطأة هذا الحديث على لسانه، ص*ره يضيق ويأسر أنفاسه .. ترقب عيون الحضور التي تنضح بالفضول النهم ثم استكمل: - من سنتان، تعرضنا أنا وزوجتي لحادث.. توقف ليأخذ نفس ليبتلع ما يموج بص*ره، بعدها قال بصوتٍ قوي لا يهتز: - حادث شطر حياتنا لنصفين .. الجميع يعرفه ولا داعي لذكره .. لكني أقف أمامكم الآن وأعلن للجميع مسئوليتي عن ذلك الحادث .. مسئوليتي عن ضياع زوجتي، حبيبتي، المرأة التي بددت عتمة قلبي بوجودها!! نظر للكاميرات بتصميم وشيئًا بداخله يدفعه دفعًا ليقول هذا: أعلن لكِ فريدة أنني كنت السبب في كل ما حدث لكِ!! تقطعت سبل الحديث به هنا وتوقف لبرهة ليراقب بها الضجيج الذي عم القاعة بعد إعلانه ذلك .. قبل أن يكمل بصوت غلب عليه الإختناق من بعد قوة: - لم أستطع حمايتك كما وعدت .. آسف، أنا خذلتك!! أخذ شهيق حاد لينقذ بها روحه الملتاعه وهو يقطب حاجبيه ليغالب مشاعر الثائره كالتنور من اعترافه بتلك الحقيقة المظلمة .. سامحًا لنفسه بالتحرر أخيرا على مشهد من هذا الجمع: - تلك الفكرة، قتلتني لسنوات .. لسنوات لم أستطع أن أسامح نفسي، إحساسي بالذنب، كان ومازال يعاقبني بقسوة .. لذلك، لم أستطع أن أستمر معكِ في علاقة واحدة .. لم استطع أن أرفع عيني إلى ذهبيتك الزاهية وانا أمتلئ بالتقصير .. لم أستطع انا اراكِ تعانين مما أقترفته بحقك .. ولم أقوى على الاستمرار في ذلك العمل الذي أفقدني أعز ما أملك.. شهيق آخر حارب به دموعه التي احتقنت بها حدقتيه، وهو يسمع الهمس الدائر بين الحضور، ما بين تأثر وصدمة: - لذلك تركت كل هذا وابتعدتْ .. ابتعدتْ لأنني لم أكن أهلٌّ بك،ِ ولأنني كنت أحتاج أيضًا للتعافي مما حدث .. أعلم أنني بدلًا من الإنسحاب المخزي كان يجب أن أكون أول الواقفين إلى جانبك، لتستندي إلى في رحلة مرضك .. أعلم أنني خذلك مرة أخرى .. آسف على ذلك أيضًا .. لكني أحببتك بالقدر الذي منعني من أن أظل بجانبك!! .. واليوم .. اليوم حينما رأيتك بهذا الكمال الذي اعتادت عينايَ أن أراكِ به .. عرفت بأنكِ أقوى إمرأة في الوجود .. عرفت بأنكِ لستِ بحاجة إلى أي شخص بجانبك .. حتى أنا .. تلك هي إجابتك التي سألتيني عنها صباحًا .. وأتمنى أن تكوني دائمًا وأبدًا بخير!! ضجت القاعة فور إنتهائه ما بين تصفيق حار وتهافتت الأسئلة من فم المراسلين .. رفع أدهم يده في وجه العدسات وهو يرحل وسط مجموعة من الحرس تحاوطه، أبرزهم كان (ماتيو): - أعتذر، لن أستقبل أي أسئلة .. هذا المؤتمر كان ﻷجيب تساؤل أهم شخص في حياتي فقط!! سقطت فريدة على الأريكة، وسقط معها شيئًا بداخلها .. لا تعرف تحديدًا ما هو، تغلف مشاعرها طبقة من البلادة تعيق فهمها لما يحدث بداخلها الآن .. ما قاله، حسنًا، بالرغم من انها كانت بحاجة لسماعه إلا إنها لا تعرف لمَّ لم يعد يعنيها في شئ؟؟ .. تشعر بأنه قد تأخر على تقديم ذلك الاعتذار الواهي، حتى وإن كان على مجهره من الناس، يظل شيئًا بداخلها يرفضه ويخبرها بأنها لم تعد بحاجة له. في وقتًا سابق، وفي أحلك مراحل حياتها عتمة، كانت في حاجة مميتة لتلك الإجابة .. أن تستيقظ ذات صباح وتكتشف فقدانك لخمس سنوات من حياتك ناهيك عن السنة التي رقدتها في غيبوبة، إلى جانب الشلل الذي أكل روحها قبل وجهها.. إنها لقمة البؤس!! لن تنسى أبدًا تلك المرحلة مهما إنقضى عليها الزمن .. ذلك لأن وطأ الاكتئاب الذي غام على روحها مازالت ندباته بائته داخلها حتى الآن .. مضى عليها شهور شعرت فيها بأنها حبيسة داخل جسدها، وكأن أحدهم قد سحب الكهرباء من حياتها .. قدميها ترفض التحرك، ووجها يرفض الاستجابة لها والتحدث .. مازالت تذكر حتى الآن عجزها حتى عن التوجع. الجميع يتحدث من حولها، الجميع يحاول أن يُسرّي عنها .. الجميع يعيش حياته، ولكن حياتها هي من جُمدت عن الحركة .. توقفت بطاريتها وفسدت كمياؤها .. يأتي نهار ويعقبه ليل، ليأتي نهار آخر يشبه كل أيامها. قد بدت للجميع هادئة كجثة تتنفس، حتى جفونها لم تَنكزها للحركة .. كانت تشعر بتعاطفهم وشفقتهم من أجلها، وللحقيقة كان هذا أسوء ما تعرضت له .. أنها عبئ ثقيل على أكتافهم، يحملون هَمّ يومها كل صباح .. لم تكره نفسها أكثر من هذا الوقت الذي كانت تعتمد عليهم، حتى في فتح جفونها التي كانت ترفض الاستجابة لها كل صباح .. كانت تُمسي وتُصبح على سؤال واحد لم يبرح خاطرها.. لماذا حدث كل هذا؟؟ الشعور الوحيد الذي وصلها من إختفائه في عِز محنتها .. أنها لم تعد صالحة بعدما حدث .. لم تعد صالحة له أو لغيره .. لم تعد صالحة حتى للحياة .. وهذا ما أودى بها لحالة اكتئاب جسيم، كان أشد قسوة من مرضها الجسدي .. جعلها توقن في بعض اللحظات أنها النهاية .. لما عليها أن تخوض حربًا كل يوم كيلا تستسلم ليأسها وتقتل نفسها .. عسى أن تنعم روحها بالسلام. لكن اليوم، اليوم هي تجاوزت كل ذلك .. اليوم أصبح ما حدث ماضي يثبت لها صدق قوله الآن .. أنها قوية .. وأي قوة تلك التي تكتسبها بعد ضعف!! .. قوة تجعلها ممتنة للمصائب التي منحتها إياها، وتمتن أكثر للأشخاص الذي صنعوا تلك المصائب .. وعلى المُمتن رد الدين!! ● ● ● # يتبع ⁦
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD