الفصل الرابع - ج١

3273 Words
ما أصعبك .. ما أصعب نظراتك الحائرة .. حروفك المتبعثرة المتاهة الداغرة في جوفك ما أصعب لوعتي في ابتعادك .. وما أصعب حضورك الجاسم!! ما أصعب أن أقاتل من أجل عينيك .. فأضحى القتيل!! ما أصعبك كونك أنت!! •¤•¤•¤• يوم جديد بنهار جديد، سطع على ذلك المضجع على الكرسي دون أدنى تغير في وضعه من البارحة، بكامل ملابسه بعد أن أغرق نفسه بالكحول كي ينعم بالسكينة، ولو قليلًا .. حسنًا، دكتور مايك سيكون مستاء حيال ذلك، ولكن -وللحقيقة- هو في حالة يرثى لها .. لا يتذكر ماذا حدث بعد المؤتمر سوى أنه عاد غرفته القديمة في قصر (ا***ذلي) .. منذ سنوات توقف عن عدها!! ليلة أمس كانت من أقسى الليالي التي مرت عليه على الإطلاق، ما قاله في المؤتمر من جهة، وكونه كان مجبر على المبيت في القصر بعد خروجه منه وهو إبن عشر سنوات جهه أخرى. تذكر حواره الحاد مع والده بعد انتشار خبر عودته المفاجئة صباح أمس، في حين أنه لم يخبر والده قبلها .. لم يرى والده بذلك الغضب منذ أن كان في السادس عشر من العمر، حينما اخبره بقرار سفره لألمانيا. وبطبيعة الحال، وبعملية شديدة، تصرف والده وأجرى اتصالته وفي نهاية اليوم كان قد أنقذ الموقف بعمل مؤتمر صحفي في قصره؛ حتى يتحاشى إنقلاب الإعلام ضد عائلته، وليس أدهم فقط .. وفي ظل كل هذا، لم يتخذ أدهم أي موقف لمعرفته بأن والده قد يسامح في أي شئ، إلا سُمعة العائلة .. ا****ة على سُمعة العائلة!! أراد أن يخبره بهذا، ولكنه حينما فكر مليًا في الأمر، وجده أنه أفضل لينقذ به الوضع .. من جهة يُرضي فضول الإعلام .. ومن جهة أخرى يرضي تلك المالكة لقلبه، بعدما رآه من تغيير جذري هذا الصباح تغلغل لديه شعور عميق بأنه لا يعرفها .. رغمًا عنه وصلته تلك الهالة التي تحيطها من تبلد مشاعر ولامبالاة .. هذه ليست بفريدة .. نعم، لم يتوقع أن يتحقق حلمه وتأخذه بالاحضان، لكن ليس أن تكون قادمة من القطب الشمالي هكذا!! أيا يكن، يتمنى أن يكون قد أدى رسالته وما عاد من أجله بصدق، ويتمنى أن تكتفي بما قدمه لها من إجابة، وتنتهي القصة بينهما عن هذا الحد، وأن تتوقف أسئلتها وبحثها .. هو لا يريد توريطها معه أكثر .. يعلم الله أن أكبر أمنياته هو أن تتجاوزه فريدة .. نعم، تتجاوزه وتتجاوز حياتها القصيرة معه بكل ما تحمله من ندبات .. هو ﻷول مرة -وبصدق خالص- يتمنى لها حياة طبيعية بدونه، فقط حياة طبيعية حتى لو كانت مع ذلك الكائن اللّزج مراد .. فربما هو خيرًا منه .. بغض النظر عما فعله بالصباح، وأنه بنسبة كبيرة هو من أخبر الإعلام عن وصوله مصر، ولكن لنسأل السؤال الأهم، هل فعل هذا من تلقاء نفسه، أم أن فريدة قد استعانت به .. حسنًا، يكفي أنها قد أخبرته بمحادثتهما معًا!! إسودت عينيه وهو يتخيل إتفاقهما ضده لعتصرها موقفًا تلك الصورة قبل أن تتولد منها صورًا أكثر بشاعة .. ليتذكر جلساته مع دكتور مايك ويأخذ شهيق قوي يزفر به كل الأفكار السلبية التي بعقله. بالنهاية مراد لم يتركها حتى الآن كما فعل هو!! مستعد لدفع ما تبقى من عمره في سبيل تحقيق أمنيتها التى ظلت تبحث عنها في علاقتها معه .. الحقيقة أنها ظلت تبحث عنها طوال حياتها. يتمنى أن تلقى السلام النفسي باقي حياتها!! ماذا سيفعل أو ما هي خطته القادمة .. لا يعرف .. حقا لا يعرف شئ سوى أنه سيعمل على تأمين حياتها في غيابه .. سيضمن خروجها من عالمه مهما كلفه الأمر .. هذه هي مهمته الأولى والأخيرة، مثلما أدخلها ظلامه سيضمن خروجها للنور من جديد .. فقط يأمل أن تتوقف هي عن البحث والتقصى حول ما حدث، صدقًا هذه هي المساعدة التي يمكن أن تقدمها لكليهما. أما بعد، فسيعود لحياته، لعمله، لتناقض عالميه بين رجل الأعمال النزيه، ورجل المافيا السادي .. ليس أمامه شئ ليفعله حيال ذلك، لقد حاول، وتشهد السماء بأنه كان مستعد لبذل دمائه فداء ذلك، ولكن ليتها ستنتهي حد دمائه وحده!! مسح وجهه ورتب شعره ثم نهض وارتدى سترته وجمع أشياءه بسرعة وهبط .. في هذا الوقت المبكر من الصباح كان الجميع ملتفين حول طاولة الطعام لتناول الإفطار .. ويقصد بالجميع، والده، و(سمر)، و(ريم) .. تلك الصغيرة التي عادت منذ أربعة أشهر لتستقر بجانب والدتها بعد إنتهاء فترة دراستها بألمانيا .. حسنا، لقد أشتاق لها، يجب أن يتذكر الجلوس معها قليلا لمعرفة تتطورات حياتها كأي أخ يهتم بأخته، خصوصًا وهي تتجنبه منذ عودته، بعد معرفتها بكونه كان مُختفي بمحض إرادته. - صباح الخير!! قالها أدهم سريعة وهو يقف على أعتاب الغرفة يأبي الدخول، فقط يثبت حضوره ليس أكثر .. ليلتفت له الجميع بنظرات، حسنًا، أقل ما يُقال عنها أنها تطفح تساؤلات لا نهاية لها .. تحدث والده بعملية: - صباح الخير أدهم .. تعالى واجلس!! - لاحقا، ليس لدي وقت الآن!! قالها أدهم وهو يرحل بالفعل، لم ينتظر الإجابة حتى منها .. ألقت (ريم) أدوات الطعام بغضب على الطاولة وهي ترمق طيف أدهم .. لتتبادل سمر ومصطفى النظرات فيما بينهما قبل أن تسألها سمر بنبرة حانية: - ما الأمر حبيبتي؟؟ - ألم تروا كم الاستفزاز الذي يعاملنا به؟! .. يتصرف وكأنه لم يفعل شئ!! هتفت بها ريم بسخط وهي تلتفت بكامل جسدها لوالدتها .. لترمي (سمر) نظرة غاضبة تجاه (مصطفى) ليعرف أن عليه قول شئ ليمتص غضب صغيرته: - ريم .. حبيبتي، أنظري، ما حدث لأدهم ليس بهين لذلك اعطيه بعض الوقت. - وقت!! .. هو آخر شئ يحتاجه هو الوقت!! .. اختفي بإرادته لأكثر من سنتان ونازال يحتاج ل (وقت)!! .. اعذرني أنت بابا، لو كل شخص أحب وتعرض ﻷزمة قاطع بها الجميع لسنوات، لن يعرف أحدنا الآخر!! .. بابا، لو أنت سامحته على فعلته هذه، فانا لن أسامحه على قلقي وخوفي وبحثي عنه طوال سنتان!! صبت ريم كل ما تحمل من مشاعر ساخطة تجاه أدهم وفعلته وهي تشدد على كل كلمة، دليل على جديتها في ذلك .. ومن ثم نهضت هي الأخرى. نادتها والدتها أكثر من مرة قبل أن تلتفت بغضب تجاه مصطفي الذي كان قد إلتزم الصمت: - أيعجبك هذا؟؟ - ماذا تريدني أن أفعل؟؟ أردف مصطفي من بين شفتيه المزمومتان بتملل .. لتستعر خضراوتيها بالغضب وهي تجز على أسنانها من بروده: - تصرّفْ!! .. هذا هو نهاية تعلقها بالشديد أدهم .. هذا ما كنت أخشى منه .. ابنك يؤثر سلبي على ابنتي!! - هي أخته .. لا تنسي هذا!! - ريم مازالت صغيره، والمصيبة أنها تأخذه قدوة!! - هذا من حسن حظها، وإلا لو كانت أخذتك أنتِ القدوة لكانت مصيبة حقًا .. سلام!! عضت سمر على اصابعها غيظًا ثم طاحت بالصحون التي أمامها متوعدة بنفسها: - صبرًا مصطفى، سأجعلك تموت حسرة عليه!! ● ● ● صرف (ماتيو) وأدار سيارته دون سائق أو حرس .. خرج بلا وجهة، فقط لا يطيق وجوده بهذا القصر طويلًا، يشعر بالاختناق، الذكريات تحاوطه في كل ركن منه، حتى مع التجديدات التي اجرتها تلك الأفعى مازالت أشباح الماضي تشتم طريقها إليه. زفر وهو يعبر البوابة الرئيسية للقصر ويقرر بداخله بأنه سيلهي نفسه اليوم بأي شئ ليستقل بالمساء طائرته عائدًا إلى موطنه .. كاليفورنيا، حيث بدأ كل شئ وانتهى!! نعم، هو لم يُعدّ مصر كموطنه يومًا .. لم يشعر أبدًا بذلك الحنين الجارف الذي ينتاب كل مغترب خارجها .. يقولون أن الموطن بالأصل هم الأشخاص، وليس البلدان .. وهو لم يكن لديه أبدًا أشخاص هنا يشتاقونه ويشتاق لهم .. بالع**، كان يمقت وجوده بها ﻷجل هؤلاء الأشخاص .. حسنًا، لم يعد يهم، هو راحل هذه المرة، وإلى الأبد .. حتى وإن كان لديه مَن يشتاق لهم الآن!! في جَوّف شروده، تفاجئ بسيارة تقطع عليه طريقه بشكلًا عارض، ليكبح مكابح سيارته في اللحظة الحاسمة قبل الإصطدام بها .. وبداخله تولدت شحنة من المشاعر القاتمة التي هو على وشك صبها على هذا المعتوه. ترجل من سيارته بجسد متشنج صوب السيارة وقبل أن ينبس بكلمة واحدة، كانت نافذة السيارة تتدلى وتكشف عن هوية سائقها: - أركب!! ● ● ● مرت خمسة دقائق على وجوده بجانبها في سيارتها الصغيرة مقارنة بسيارته الفارهه، وكان الذهول سيد الموقف .. حقًا صدمته بمجيئها لمنزله ومقاطعتها لطريقه هذا الشكل الغريب علي شخصية مثل فريدة!! لا يعرف لما كل هذا التوتر الذي ينتابه في وجودها؟؟ .. يمكن ﻷنها بجانبه، رائحتها المركزة في السيارة تتغلغل دون إذن لتتشعب بين كريات دماءه .. أم أنفاسها المنتظمة التي تدل على هدوء أعصابها ع** ما هو به .. أم أن أحساسه بالذنب الخالص تجاهها يؤرقه .. نعم، هو لا يحتمل الوجود بجانبها في مكان واحد، شيئا ما ينهشه من الداخل، وكأن أعضائه تحاربه كما تحارب ميكروب يخترق الجسد .. رمته فريدة بنظرة جانبية وهي تركز عينها على الطريق لتقول بعدها ببلادة: - لم تسأل إلى أين أأخذك؟؟ حقا لم يعرف بماذا يجيبها، ولكنه نظر لها بتساءل في نهاية الأمر .. لتهز رأسها بعدم إكتراث وتقول بعدها بلهجة تقريرية: - بعدما حدث من الصعب أن نتواجد في مكان عام معًا، سأذهب إلى مكان يمكننا التحدث به دون إزعاج الإعلام!! حسنًا، لمَّ كل حرف تلفظه يؤكد له بأن التي بجانبه تختلف عن تلك المرأة الني شاركها الفراش من قبل؟؟ .. خرجت منه تنهيدة مستسلمة رغم قلقه من المواجهة بينهما .. صحيح بأنه قد غضب مما حدث في المطعم أمس، إلا أن شيئًا بداخله تنفس ﻷنه لم يكمل تلك المناقشة الحادة بينهما .. لكن، الآن هو مجبر على الخوض بها، تبًا، قد ظن أنه بمؤتمر أمس قد وضع النهاية لقصتهما البائسة!! تأملت حركاته العصبية بجانبها بلامبالاة وهي تنحرف بسيارتها يمينًا، لتصعد ذلك الكوبري المؤدي إلى مكانها النشود، لتسمعه يسألها بنبرة نافذه الصبر: - ماذا تريدين الآن، فريدة؟؟ .. ألم ننتهي بعد!! هزت رأسها دون أن تنظر قائلة بنفس درجة البرود التي تستفزه: - لا، لم ننتهي .. إذا لم تنتبه، أنت لم تجاوب على سؤالي بعد!! - أي سؤال .. لقد أعلنت كل شئ على الملأ البارحة!! أوقفت السيارة في مكان شبه صحراوي ليس به إلا حافلة متنقلة للطعام سريع متوقفة على جانب الطريق .. خلعت نظارتها الشمسية وأردفت: - ماذا تأكل؟؟ تعجب من تغييرها لدفة الحديث ليطول صمته حتى أتت إليهما فتاة ترتدي قبعة وزي يحمل شعار عربة الطعام .. أنزلت فريدة نافذه السيارة لتمنحها الفتاة قائمة طعام ورقية: - ماذا تطلبان .. لدينا قائمة رائعة اليوم؟؟ قالت فريدة دون أن تنظر للقائمة: - أعطيني عصير فراولة مع (شيز كيك) إلتفتت ﻷدهم وسألته: - ماذا تريد؟؟ حدقها بنظره "هل أنتِ جادة؟؟" ثم قال بالنهاية: - قهوة سادة من فضلك! إنصرفت الفتاة لتجلب الطلبات لتقول فريدة بعد فترة صمت كانت تتخللها نظرات أدهم النهمة لملامحها .. لكل ما يخصها .. كانت تبدو هادئة أكثر من اللازم، ولكن نظراتها مع ذلك حذرة .. وكأنها تشعر بالخطر يحاوطها .. وربما جالس معها!!: - أشعر بالراحة كلما أتيت إلى هنا .. الفضاء يغذيني بالحرية. لم يستطع أن يمنع نفسه من أن يجاريها في الحديث: - من أين تعرفي هذا المكان؟؟ رمقته بحذر لجزء من الثانية قبل تشيح بوجهها للخارج: - منذ أن كنت أعرف كل شئ عن نفسي يومًا!! جلبت لهم الفتاة الطلبات في معلبات كرتونية لتشكرها فريدة وهي تناول أدهم قهوته وترتشف من عصيرها، وكأنه إ**ير الحياة .. ظهرت ابتسامة مرتاحة على وجهها، فكانت أول شئ يُدخل السرور إلى قلبه منذ .. منذ رحيلها!! رغم عنه وجد نفسه يبتسم بينما ترواده ذكرى تلك الليلة التي جمعتهما في المطعم الإيطالي، وأرادت تناول نبيذ معه ليستبدله لها بعصير الفراولة .. ودون سابق إنذار، صعقته صورة (لوكاس)، ومن بعدها إجترت الاحداث تباعًا، حتى وصل لما فعله بها فأكفهرت ملامحه وفقد شهيته، حتى في وجوده معها!! أفاق من شروده على قولها المباغت: - أنا أسمعك!! نظر لها بعد فهم، لتضيف بعد أن مضغت قطعه من الكعكة: - لا أنكر أن حديثك البارحة كان مؤثر للغاية، لكنك لم تُجب على سؤالي بعد!! زفر وهو يمسح وجهه بإرهاق بائن من عنادها .. حسنًا، ها قد عادت فريدة التي يعرفها عن حق!! .. شبح ابتسامة تجلى على شفتيه ما إن تذكر روحها العنيدة المحاربة .. غالبه شعور بأن هذه المرة ليس هناك بد من المواجهة الحتمية .. القادم بعد ذلك كله إنهيار!! شحنات متنافرة بداخله تخوض حرب شرسه، لتجد مخرجًا من هذا الموقف .. ماذا عليه أن يخبرها الآن؟؟ .. فليرحمه الله على هذا العناء!! .. هو فقط لا يتحمل رؤيتها أمامه كفيلة بتذكيره بما فعله بها، إذا كيف سيقص كل ذلك عليها؟؟ .. لا، لا يحتاج الأمر لتفكير، لا ينبغي لها أن تعرف شئ!! .. ليس لشئ سوى لخوفه عليها، من أن يصدمها من جديد، هي ليست مهيئة لذلك بتاتًا!! تنفس ليُثبت على وجهه قناع صِنديد من البرود المتاهي .. قناع أدهم رجل الأعمال الأشهر الذي لا يأبه لشئ .. أرتدي نظارته الشمسية ليضفي لنفسه مزيد من الحماية خلف زجاجها الأ**د .. سألها بلامبالاة: - ماذا تريدين أن تعرفي بالتحديد؟؟ أجابته على الفور: - ما حدث قبل الغيبوبة؟؟ جمع يديه في شكل قبضة حتى لا يكشف توتره: - تقابلنا، أحببنا بعضنا، وتزوجنا .. النهاية!! ألقت فريدة الكوب من النفاذه ليتناثر على الارض الرملية أكثر من نصفه، ثم أخذت محارم لتمسح فمها وتحدثت بعدها بنبرة غير مهتمة: - مذاقه حامض!! إستدارت له بكامل جسدها لتواجهه: - أخبرني، لمَّ لدي شعور بأنك تعرف سبب الحادث أو على الأدق تعرف مَن فعل هذا بي؟؟ .. لذلك، أنت تماطل معي الآن في الحديث!! فَصّلتْ كل كلمة بمفردها عن التي تليها .. خروجها عن طور البرود يعني أنه قد أستنفذ فرصهُ في المماطلة فالأمر .. حث نفسه على الحديث أكثر، ولكن لم يخرج منه سوى الصمت وكأنه طفل صغير أقترف ذنبًا ويخجل من الإعتراف به أمام والدته!! .. لذلك تحدثت هي بلهجة جليدية لم تخرج منها من قبل: - حسنًا، أدهم .. أنزل!! رمقها بصدمة لم تبد عليه ولكنه حقا تفاجئ .. برب السماء، مَن هذه المرأة!! .. كررت بعصبية وهي تعتدل في جلستها لوضعها السابق: - أنزل حالًا!! ● ● ● واقفا هو على قارعة الطريق مازال يحدق يطيف سيارتها مشدوها مما فعلته معه الآن!! .. هل حقا طردته من سيارتها؟؟ وهو إستجاب لها بهذه السهولة .. ظلت ملامحه متجمدة لبضع ثواني قبل أن ينتبه للفتاة التي كانت تراقب ما حدث من الرصيف المقابل له بفضول، ونن ثم انفجر ضاحكا .. ضحكات فك أسرها كما لم يحدث بعمره كله!! إحساس لذيذة من ال ***ة المنعشة التي غزت روحه فأعادت لها الإستمتاع بالحياة .. يشعر لأول مرة منذ زمن بأنه على قيد الحياة .. جديا، ماذا يحدث له؟؟ منح الفتاة إشارة ترحيب من بعيد ثم فتش بسترته على هاتفه ليخرجه ويهاتف (ماتيو) حتى يأتي له في أسرع وقت .. عبر الطريق تجاه الحافلة وسأل الفتاة بحالة مزاجية مرحة بالكاد يخفيها: - هاتِ كل ما لد*كم للإفطار!! ● ● ● - "مراد" .. أعد محادثي حينما تكون متفرغ!! بعثت فريدة بهذه الرسالة الصوتية وهي تدور حول نفسها .. لا تصدق أنه أتضح كونه و*د إلى هذه الدرجة .. صحيح بأن حدسها أخبرها بشعور سئ حينما رأته ولكن أن يرفض مساعدتها في تذكر أي شئ عما حدث!! حسنا فريدة من المفترض أن تكوني قد اعتادتي على الأمر الحياة مليئة بالأوغاد وهو واحد منهم .. فقط لا تعرف في ظل أي ظروف سوداء تزوجت شخص تخلى عنها في مرضها، ويرفض مساعدتها في محنتها!! بسرعة كانت قد أعادت ترتيب أوراقها، لن تيأس ولن تهدأ حتى تعرف ما خادث حتى لو كلفها هذا الأمر الذهاب لكل مكان خطته قدمها يوما ولو صدفها طوتل الخمس سنوات!! سحبت حقيبة سفرها من جديد، وجمعت أغلب ملابسها فهي لا تعرف أي مدة ستمكثها هناك .. نعم، لقد عقد العزم على السفر إلى كاليفورنيا .. لتكشف حقيقة ما حدث بنفسها!! ● ● ● ومع غروب الشمس جلست فريدة في صالة الإنتظار تترقب عودة مراد الذي رضخ لقرارها رغم عنه، وها هو يحاول إنهاء إجراءات سفرها بأسرع ما يمكن بعد صممت على رأيها ولم يستطع هو أو سارة إثناء عن ذلك .. لكنه لم يستسلم وهاتف والدتها وأخبرها علَّها تنجح في إثناءها عن ذلك .. وهي الآن تخوض معها معركة كلامية في هذا الشأن: - ماما، من فضلك فيما تحدثيني؟؟ انا في المطار وكلها دقائق وينهي مراد إجراءات سفري!! جاءها صوت (منى) المنفعل: - لا يهمني، عودي الآن للبيت!! .. أهذا ما جعلتيني أسافر من أجله؟؟ - لا أستطيع!! هتفت بها فريدة بحدة ثم مسحت وجهها لتهدئ: - ماما أفهميني أرجوكِ!! - لماذا كلما تنصلح بيننا الأمور تعودي لتسيئها؟؟ عاتبتها والدتها بصوتٍ مزقها من الداخل ولكنها تماسكت قائلة: - يوما سنكون مثل أي أم وإبنتها، أعدك بذلك!! .. أم الآن فلا يسعني سوى أن اخبرك بأنني مجبرة على ذلك .. مع السلامة أمي!! شارفت أكثر من ساعة على الإنقضاء ومازالت فريدة بإنتظار مراد .. هاتفته أكثر مرة لتجد الرد عليها واحد .. الهاتف مشغول!! القلق تسلل إلى أعصابها حتى أنها لم تستطع المكوث طويلا ونهضت لتستطلع الأمر، فوجدته مقبل عليها، ولكن بوجه غير الوجه!! - لمَّ تأخرت كل هذا؟؟ عاجلته فريدة بالسؤال، لتجيبها ملامحه الممتعضة بالحيرة ليستعر قلقها، ولكن بالنهاية أخرج أمام عينها تصريح مختومة بختم الجهات المختصة من الجوازات ووزارة الخارجية .. تلقفت فريدة منه الورقة وملامحها تفسر تع** ما تقرأه .. ثم رمقته برجاء لينكر ما في هذه الورقة، ولكنه هز رأسه بأسف قائلا: - أنتِ ممنوعة من السفر!! لم تبد على ملامحها انها قد أستوعبت ما قال، ليضع يده على كتفها مسترسلا: - فريدة، كل هذا الوقت كنت أحاول أن أفهم لمَّ إسمك مدرج ضمن قائمة الممنوعين من السفر، ولكن للأسف، لم أصل لشئ!! هوت بجسدها للمقعد خلفها وقد توقف عقلها تماما عن تحليل وضعها الحالي .. ممنوعة من السفر؟؟ .. ماذا يعني هذا؟؟ .. وما السبب وراءه؟؟ .. أمسك برأسها تجذبه دون إراده، لا تفهم شئ .. قالت بتخبط بين الغضب والصدمة: - كيف .. يفعلون هذا وأنا أمضيت ستة سنوات من عمري هناك أدرس وأعمل، بل وتزوجت من مواطن أمريكي!! .. كيف يفعلون هذا وأنا مواطنة أمريكية؟! علا صوتها في نهاية حديثها لتلتفت الأنظار إليهما، فسحبها مراد من ذراعها وهو يحاول تهدئتها بينما كانت فريدة تأبي الذهاب معه وهي تريد أن تتفقد الأمر مرة أخرى بنفسها على أمل أن يكون هنا لبث أو تشابه بالأسماء أو أي خطأ ينفي مصيبتها .. لكن كيف وهذا إسمها مرفقه معه صورتها .. ا****ة كيف؟! بعد قليل، كانت قد ركنت إليه وبدأت تتقبل ما حدث وتنصت لحديث المهدئ وتفكر ما قد يكون السبب .. وفي غمرة كل هذا، ولحظة خروجهما من المطار ليستقلوا السيارة عائدين للمنزل .. عبرت سريعا من أمامهما سيارة (جيب) سوداء، أمطرتهما بوابل من الرصاص الحي، ذاع صداه في أرجاء مطار القاهرة الدولي!! ● ● ● # يتبع ⁦
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD