متنسوش الفوت ☆
سلسلة (وتيّمه الهوى) بقلم إسراء الزغبى
الرواية الثانية: لك أنتمى
الفصل ١
بأحد الأحياء الشعبية القديمة حيث تسكن تلك العائلة الوحيدة البسيطة
استيقظ ب**ل وضجر مستغفرا ربه يستعد ليوم جديد بلا أى تجديد!
خرج من غرفته متجها للمرحاض الصغير .... توضأ وأدى فريضته داعيا الله
بالصلاح
أنهى صلاته فاتجه لغرفته يرتدى ملابسه البسيطة
استعد للخروج ولكن وكالعادة أوقفته بكلماتها السامة المتكررة:
_ رايح فين يا ساجد
تن*د عدة مرات محاولا الهدوء ... ابتسمت شفتاه دون عينيه:
- رايح شغلى
اتسعت شفتاها بأمل تردف :
- يا حبيبى ما أنا قولتلك حلها إيه .... إنت اللى مش راضى تسمع كلامى
حاول الهدوء لكن لم يستطع ... ضغط تلك الحياة ووالدته التى لا تمل من طلبها لا بل قهرها له ... أردف بنبرة خرجت حادة دون إرادته:
- أسمع كلامك فى إيه .... إنتى عايزة تدمرى آخر جزء فيا
لاح الحزن بعينيها وتطلعت إليه بعتاب:
- بقى كدة يا ساجد .... أنا عايزة أدمرك
قال غاضبا:
- أيوة .... طول عمرك كدة ..... طول عمرك ضعيفة ومستسلمة
انكمشت ملامحها ضيقا من كلماته الجارحة:
- عشان عايزة مصلحتكم أبقى ضعيفة
ارتفعت ضحكات القهر لتفوهها بتلك الكلمات المثيرة للسخرية برأيه:
- ههههه مصلحتنا ..... قصدك مصلحة بناتك ..... عمرى ما هنسى إنك خلتينى أتنازل عن ورثى كله لأخواتى ..... ورثى اللى كنت هفتح بيه مشروع يعيشنا فى عيشة أحلى ..... مشروعى اللى بحلم بيه من وأنا صغير
جحظت عيناها غير مصدقة أنانيته برأيها:
- إنت عايز تعيش على حساب أخواتك ..... قولتلك إجوازهم هيطلقوهم لو مجابوش فلوس
كاد يصرخ غاضبا فضغط على أسنانه حتى لا يفقد أعصابه أكثر:
- عشان مش رجالة ... مفيش راجل يعمل اللى بيعملوه ... لأ وبعد ده كله عايزانى أبيعلهم الشقة ... أبيعلهم الحاجة الوحيدة اللى حيلتى وأعيش أنا وإنتى فى الشارع
انقلبت نبرته من الغضب لقلة الحيلة والعجز:
- ولا أنا وإنتى ليه ... ما إنتى أكيد هيعيشوكى معاهم ... مش إنتى برضو اللى بتجيبلهم الفلوس من العيلة ولا إيه
أردفت متهمة إياه:
- إنت راجل تقدر تتصرف ..... لكن هم بنات
ارتفعت شفته العليا بق*ف واشمئزاز من كلماتها القاسية:
- قولتلك هم فى ع**ة رجالة ..... طلقيهم وأنا هراعى كل واحدة منهم
تحدثت بلهفة محاولة إقناعه عله يفعل:
- طب ما تبيعلهم البيت واجوازاتهم يراعوهم
هنا وكفى ... صاح بها غاضبا وعروقه تكاد تنفلت مع أعصابه المدمرة:
- إنتى مسمية دى بيعة ... عايزين يشتروا بيت بعشرين ألف وتقولى بيعة ... دى سرقة ... إنتى عارفة إن بيتنا ما يتباعش بأقل من ١٠٠ ألف وعايزانى أبيعه بعشرين بس
نهضت تقترب منه بهدوء تربت على كتفه متحدثة بنبرة حانية تستعطفه:
- يا حبيبى هم مش معاهم غير عشرين وبعدين افتح بالعشرين دول محل ولا سوبر ماركت ت**ب منه
خرجت ضحكة صغيرة غير مصدقة والذهول بعينيه:
- إنتى إزاى كدة ...... إزاى بالضعف ده ..... عايزة إبنك خريج الهندسة يفتح سوبر ماركت
ابتعدت مردفة بتهكم غير عابئة بكلماتها التى أصابته بمقتل:
- وهو خدنا إيه من التعليم ياخويا ..... وبعدين ما إنت بتقف فى المطعم بقالك سنين وبتشتغل باليومية ...... جت على دى يعنى
تطلع إليها بخذلان وخزى وقد امتلأت عيناه بالدموع سرعان ما تمسك بها
استطاع أخيرا اقناعها بالبقاء بعينيه
تلك حالته دائما ... لا حنان ... لا حب ... جمود فقط بحياته بأكملها .... ما ذنبه ليولد بعائلة ضعيفة الأم حقودة الأخوة وبالطبع جفاء الحبيبة !
استغفر ربه سريعا وخرج كأن شيطان يلاحقه فيتهرب منه
________________________
تركت غرفتها مسرعة ما إن استمعت لصوت ضحكاته العالية
هرعت للخارج لتتشبع عيناها برؤيته وهو يضحك ولو لثانية واحدة
تن*دت بعشق ما إن رأت وسامته بتلك العيون السوداء الفريدة ..... يجلس على الأريكة يشاهد إحدى المسرحيات ويأكل من طبق المقرمشات محتضنًا إياه بقوة وكأن أحدا سيختطفه !
تقدمت بمرح مصطنع كى لا يكشف نظراتها الهائمة
جلست بعنف على الأريكة مما أفزعه فسقط الوعاء بما يحتويه
لكزها بخفة وإمارات الغيظ على وجهه:
- فلوس أهلك هى عشان تبعتريها على الأرض
ابتسمت بسماجة تعشق أن تغيظه:
- أيووون فلوس أهلى وبعدين .... هيييييح براحتشى
تطلع إليها بق*ف مصطنع متقززا:
- براحتشك ؟! وأنا اللى قولت البت دخلت تجارة عشان تشتغل فى شركة ... أتاريكى دخلتيها عشان تبيعى فى السوق ... ما هو ده أصلك يا ..
نظرت إليه بتهديد وتحذير ولكنه لم يهتم ليكمل قائلا:
- يا مايْصين
ارتفع صراخها المزعج وانقضت تبرحه ض*با قدر المستطاع:
- آاااه يا حيوان يا متخلف يا ....
وضع يده على شفتيها لتسكن بمكانها كقطة وديعة وتتطلع إليه بتيه حتى أفاقت على تنهيدته:
- يخربيتك فرهدتينى .... إيه برطمان شتايم اتفتح فى وشى
حولت ملامحها ببراعة للحزن والبراءة:
- إيه ده إنت زعلت .... متزعلش يا .... تميمة النحس
قالتها وفرت هربًا لغرفتها لينطلق خلفها بسرعة يسبها وسط صراخها الفزع
خرجت والدتهم من الغرفة وكادت تصرخ على ابنتها حتى خرج زوجها بضجر:
- بقولك إيه يا زينب فكك أنا زهقت براحة شوية وريحينى
تطلعت بضيق تارة إليه وتارة لمن صرخاتهما الممزوجة بالضحك مرتفعة:
- يعنى يرضيك قلة الأدب اللى بنتك بتعملها ... ينفع تصرخ كدة والجيران يتكلموا
قلب عينيه بملل زافرا بضيق:
- كل أما نزعقلها نلاقى البيه أخوها يشخط وينطر
تضايقت من كلماته لتتحدث:
- ما تتكلمش على الواد كدة
تن*د زوجها وهو يدلف لغرفته:
- أنا مش ناقص عايزة تعملى مشاكل معاها روحى بس متدخلونيش بينكم ... أنا داخل أنام وصحينى كمان ساعة
تأففت بضجر وهى تستمع لأصواتهما العالى
______________________
جالسة أعلى فراشها الضخم بغرفتها الواسعة والفخمة تنظم كتبها وأقلامها
حتى انتهت فض*بت كفى يديها ببعضهما ضاحكة بفرحة طفولية:
_ وأخيرا حلمى اتحقق ومن بكرة هروح الكلية
قاطع كلماتها الفرحة دقات الباب لتأذن بالدخول
دلف رجل أربعينى وأغلق الباب خلفه متقدما من ابنته يتحدث بحنان:
- حبيبة بابا بتعمل إيه
اتسعت ابتسامتها تتحدث بسعادة واضحة للعيان:
- بجهز حاجتى عشان أروح الكلية بكرة يا بابى
جلس بجانبها وقبل أعلى رأسها قائلا:
- عايزك تتجدعنى يا روح بابى .... هندسة مش سهلة
أومأت له تطمئنه برقة:
- متقلقش بإذن الله خير
كاد ينهض حتى التفت لها مجددا يتساءل:
- ها يا حبيبتى جهزتى نفسك للحفلة
تن*دت قبل أن تجيبه بأسف:
- أيوة بس إيه لازمتها ما إحنا نتبرع بفلوسها للغلابة أحسن
ضحك فى نفسه بسخرية على براءتها وسذاجتها .... آااه لو تعلم ما يحدث !!
لاحظت شروده لتتحدث منبهة إياه:
- بابى روحت فين
أفاق لي**ت لثوان قبل أن يجيب:
- معاكى بس لازم الكل يعرف إن بنت نادر الصقر بقت مهندسة ومتقلقيش أكيد هتبرع بفلوس للغلابة برضو
أنهى عبارته مبتسمًا بتهكم
تنفست عدة مرات بعمق حتى أردفت مستسلمة:
- أوكى يا بابى اللى تشوفه
- أيوة صح أنا كلمت مدير المطعم اللى بتحبى تاكلى فيه وطلبت منه يجيبلى اللى شغالين عنده عشان الحفلة
دق قلبها بعنف وأحست بوجهها يتوهج احمرارًا ممزوجًا ببعض العرق من حرارة مشاعرها
تتمنى وجوده تمتع عينيها برؤيته وبنفس الوقت تتمنى ألا يكون من ضمنهم حتى لا يشعر بالمذلة فنظرة الحزن بعينيه تقتلها قبل أن تقتله
توترت قليلا حتى أردفت بحذر:
- كل ....كلهم هييجوا الحفلة
همهم لها مجيبا على سؤالها الغريب:
- أيوة المدير قالى هيبعتهم كلهم ..... المهم أنا رايح الشركة
- أوكى لا إله إلا الله
- محمد رسول الله
خرج وهى تنظر لأثره حتى تمددت أعلى فراشها مبتسمة بدلال وعشق جارف لا يناسب أنثى سواها هى ... سديم الصقر
_____________________________
بإحدى المنازل الراقية
لاحظت خروج ابنها من غرفته يرتدى كامل ملابسه المنمقة:
- إنت رايح فين يا حبيبى
التفت لوالدته يجيب:
- رايح لمياسين يا أمى
تن*دت قبل أن تضيف معاتبة إياه:
- بص يا صلاح يابنى ... مياسين زى بنتى يعنى بلاش تجرحها ... على الأقل اعمل حساب إنها بنت عمك
ابتسم ولم تصل لعينيه مختصرا النقاش:
- يا ماما أكيد يعنى مش هأذيها
هنا وتدخل الوالد بقساوته وجموده المعتاد:
- ولا تأذيها .... براحتك يا واد إنت راجل تعمل اللى عايزه
تطلعت لزوجها عاقدة الحاجبين بضيق:
- دى بنت أخوك إزاى تقول عليها كدة
صرخ بها يض*ب الطاولة بقبضة يده:
- جرا إيه يا ولية ومن إمتى وأنا بحب أخويا ولا هو بيحبنى وبعدين تلاقيه متكاد مننا عشان أبويا كتبلى الورث وإداله شوية فكه
تن*دت بحزن بينما خرج صلاح بلا مبالاة
دقائق بسيطة وخرج عا** هو الآخر متجها لعمله
لتتحدث تلك الجميلة أخيرا:
- متقلقيش يا ماما مهما عملوا هتلاقى تميم واقف قصادهم ... مش هيسمحلهم يضروا أخته أبدا
تن*دت ثريا متمنية ذلك حقا:
- يارب يا شريفة
________________________________
هبط مما يسمى ب (ميكروباص) وكاد يدخل المطعم ليعمل حتى رن هاتفه
ما إن رأى اسم محبوبته وابنة خالته حتى أجاب فورا مبتسما بحب:
- إزيك يا حبيبتى
وصله صوت أنثوى لتجيب نيرة بخفوت:
- كويسة يا حبيبى ... مش هنخرج بقى ولا إيه
ابتسم لها وتحدث بسعادة:
- أكيد يا روحى اؤمرينى
ظهرت ابتسامتها أخيرا تجيب بلهفة:
- عايزة أروح مطعم ------- زميلتى منزلة صورها مع خطيبها هناك
وضع يده خلف رقبته بحرج شديد ناظرًا لأسفل كأنها تراه حتى حمحم خاجلا:
: احم إنتى عارفة يا روحى إنى ... إنى يعنى ...
احتل التهجم معالم وجهها:
- م**وف ليه ... ما تقول علطول إنك مفلس ومعكش فلوس
ابتلع غصته حتى أردف باحراج من كلماتها:
- يا حبي ...
لم تستطع التحكم بأعصابها ليحل الغضب محل الهدوء:
- بص يا ساجد من الآخر كدة ..... أنا بقيت ولا طايقاك ولا أمى طايقاك إنت حتى الدبلة مش معاك تمنها لإنك خيبة وضعيف ومش راجل وعمرك ما هتكون راجل طول ما إنت تحت طوع أمك وإخواتك ..... إنت أكتر واحد متخلف ..... مفيش حد بيتنازل عن أملاكه لأخواته ال*قارب وأنا ياخويا مش حمل غم وق*ف ..... بقالنا تلات شهور مخطوبين وقلت بكرة تتعدل وتجيب قرش بس إنت زى خيبتها ..... أنا اتقدملى عريس ظابط ملو هدومه حاجة تشرف وأنا وافقت ..... هأ ابقى تعالى خد دبلتك اللى مجبتهاش
أغلقت دون سماع رده غير عابئة بأثر كلماتها عليه
تطلع للهاتف بصدمة قبل أن ينظر لأسفل وقد سقطت دمعة من قسوة الزمن ومن يحيا به
لما يعتبرون كرمه ونخوته وبره بوالدته ضعف؟! ... إذا كانت الرجولة أن تتخلى عن أهلك وذويك ... أن تسحق والدتك تحت قدميك .... فتبًا للرجولة وتبًا لمن يتحلى بها
أزال دمعته يقسم بداخله أن يندموا جميعا .... لن يرى سوى نفسه فقط .... سيكون كل شيء لنفسه لن يفكر بغيره بعد الآن .... وذلك القلب الأ**ق سيغرس به سكين كرامته .... سيقطعه إربًا حتى يقضى عليه تماما
نظر لأعلى يناجى ربه ثم اتجه للمطعم حيث يعمل ومص*ر رزقه الوحيد عله ينسى
دلف بحزن مانعًا نفسه من البكاء كطفل صغير وحيد
جفل على صوت متهكم من شخص خلفه:
- أهلا أهلا .... أصل المكان مكانك تيجى فيه وقت ما تحب
تطلع ساجد إليه بقلة حيلة ليتحدث طلعت مالك محل عمله بانتصار:
- مخصوم منك نص يوم
جحظت عيناه متحدثا بدفاع عن نفسه:
- نص يوم إيه .... أنا غيبت هى ساعة بس
نظر طلعت إليه باستعلاء مغرورا بنجاح مطعمه:
- إحنا مش أى مطعم ... ده أكبر مطعم فى القاهرة ... غياب الساعة عندنا بتفرق ... يلا يا بيه على شغلك
جاء ليذهب فتراجع مرة أخرى قائلا:
- على العموم الفلوس اللى انخ**ت هتعوض أضعافها
انهاردة بالليل فى حفلة فى فيلا نادر بيه الصقر عشان بنته وكلكم هتروحوا
أومأ له دون أن تبدو عليه السعادة حتى فقد تجمد وجهه على العبوس والحزن فقط
يتحمل كلمات والدته السامة ... يتحمل فراق حبيبته منذ الصغر ... لكن نظرات الاحتقار والاستعلاء التى سيراها فى الحفل كالعادة
لا لن يستطيع التحمل أبدا
ولكن وهل له الخيار ؟!
____________________________
بإحدى المناطق المتوسطة الحال حيث تتحدث نيرة مع والدتها ببعض الحزن:
- خلاص يا ماما كل حاجة انتهت
أجابت عايدة متن*دة راضية:
- أيوة كدة يا حبيبتى ربنا يرضى عنك يارب
زفرت نيرة معاتبة حالها ووالدتها:
- بس صعبان عليا أوى يا أمّا
ربتت على كتفها تردف بعقلانية تقنع ابنتها أن ما فعلاه هو الصواب:
- ميصعبش عليكى غالى يا حبيبتى ... احنا صبرنا عليه كتير وهو خيبة ولا بيقدم ولا بيأخر ... وبعدين الواد قصى ظابط وبياخد ماهية قد كدة وهيستتك
ياختى ده كفاية اسمه لوحده حاجة تشرح
ضحكت على كلمات حتى أدفت بتعب:
- أنا هدخل أنا أريح شوية بقى عايزة أنام
رفعت والدتها كفيها داعية لها:
- ربنا يسعدك ويجعل قصى من نصيبك قادر يا كريم ... ادخلى ارتاحى شوية يا قلب أمك على ما أجهز الأكل
دخلت نيرة غرفتها شاردة فيما حدث تتحدث داخلها:
- تؤ مكنش ينفع تحرجيه برضو يا بت ... بس ما هو اللى بيفضل لازق ... يلا مش لازم كدة أحسن كل واحد يشوف حاله ونصيبه
___________________________
#لك_أنتمى
#وتيمه_الهوى
#إسراء_الزغبى