الفصل العشرون

1405 Words
في مسجد ليس ببعيد عن المشفى كان بشر غارقا في شكواه لرب العالمين رافعا يديه والماء يقطر من وجهه وذراعيه ولا يكف عن الصلاة والدعاء، لا يكف عن التضرع لرب العالمين والتقرب إليه بضعف عبد يعلم أن نجاته وسعادته ورضاه بيد الله، انقضى الوقت ما بين سجود وركوع، ما بين رجاء وابتهال، ما بين تذلل وتقرب، ودعوته الوحيدة العالقة بشفتيه يدرك جيدا أنها منهارة على بعد شارعين منه في المشفى الذي أخبره بعنوانها نزار لم يستطع أن يبتعد ويتركها ولم يستطع أن يقترب ويؤذيها لذلك قرر أنه أن يظل مكتوف الأيدي حتى لو كان لها كملاك حارس لن يظهر أبدا ولكنه سيظل يحوم حولها في الخفاء حتى يحين الوقت المناسب للاقتراب منها، هو لن يتخلى عنها فمن يتخلى عن نور عينيه؟ عن أنفاسه؟ وعن عبق الحياة وجمالها؟ يريد أولا أن يراها ليطمئن قلبه وبعدها سيتأكد من أن يلازمها في كل خطوة تخطوها وأهم ما يجب فعله هو التواصل وبأسرع وقت مع مؤيد الجوهري فعنده يكمن حل المسألة، رفع كفيه مكبرا لصلاة أطال بها ومضى بعض الوقت قبل أن يرتدي قبعة لتخفي ملامحه وفوقها قلنسوة سترة رياضية وليخرج متحركا تجاه المشفي . كانت كجثة هامدة على فراش المشفى وقد بلغ منها الانهيار والتعب مبلغهما، دموعها تسيل من تحت جفنيها المطبقين وشفتاها جافتان متشققتان لسوء الغذاء فقد أصبحت تعيش على المحاليل، تكاد لا تستيقظ صارخةً حتى ينطلق المهدئ في أوردتها فتعود نائمة مجددا باحثةً في عالم الأحلام والخيال عن حياة أخرى حتى ولو كانت ض*با من الوهم فستكون أفضل من واقعها بكثير، يكفيها أنها لا تشعر بما يدور حولها، لا ترى الحياة بدون عادل ولا تشعر بالوحدة والضياع بعدما نبذها أهلها ولا بعدما علمت أن تولين ستظل ميتةً ولا حياة لها مهما حدث، كانت في عالم اللاوعي تهرب و لكن يحلق فوق رأسها خيال يقول "انظري يا صغيرتي إلى أين أخذتنا الحياة، انظري لحالك وحالي ألا نهاية لهذا العذاب؟ ألم يحن الوقت لنرتاح؟ لماذا أنت مصرة على ت***ب نفسك وت***بي معك؟" **ت يجلس على طرف السرير وهو يقول "كل ما يحدث لنا سببه الفراق، فكلٌّ منا بمفرده في هذا العالم كقشة في مهب ريح، عواصف الحياة تتلاعب بنا لكننا معا سنكون أقوى وأسعد" تن*د بإرهاق وأكمل "معا سنعود كما كنا، أتذكرين يا توتا كيف كنا؟ كنا حماسا منطلقا وضحكة محلقة وجنونا مطبقا، كنا نحيا وهذا ما يجب أن نفعله الآن يجب أن نعيش" صعدت كفه لشعرها البندقي وقال "سامحيني لأنني سأسلبك حق الاختيار لكنك لا تدركين أين مصلحتك، أنا لن أصبر هذه المرة لتصبح رؤيتك أوضح وتُزاح الغشاوة من عينيك وعقلك بل قررت أن آخذ القرار الصائب لأجلنا وأدرك أنك مهما غضبتِ ستدركين قيمة ما فعلته عاجلا أو آجلا" وقف يقول بحماس "انظري ماذا جلبت لك، مثل الأيام الخوالي، نحن بصدد عملية هروب" تحرك بسرعة وخفة يسحب ببطء وحرص إبرة المغذي من يدها ثم أخرج إحدى ستره ورفعها عن السرير وألبسها إياها وأدخل شعرها بأكمله فيها فأصبحت كطفل غارق في ملابس لا تخصه، أراحها فوق السرير ثم مال يتأكد أن لا شيء يظهر منها وتحرك ناحية الباب وفتحه ليقا**ه هدوء الممر فعاد إلى الغرفة وحملها وهو يقول "كنت أتمنى أن تشاهدي ما يحدث، حبيبتي نحن نهرب" فتح الباب ليُفاجأ برجل طويل لا يظهر من وجهه شيء يسد طريقه فتأمل هيئته التي تدل على أنه زائر أخطأ الغرفة، فقال "أفسِح الطريق من فضلك، أخي يحتاج لتحاليل عاجلة" لم يستطع بشر رفع وجهه لوجه الواقف أمامه خوفا من أن يتعرف عليه أحد لكنه لمح جسدا ناعما قد يكون لمراهق غارق في سترة رياضية فتراجع للخلف يخرج هاتفه ليتأكد من رقم الغرفة، نظر للهاتف والباب ليجد الرقم متطابقا، رفع رأسه للرجل المتجه للمصعد يتابع خطواته ،خطوة والثانية لتتحرك قلنسوة السترة من فوق رأس أخيه الذي يحمله كاشفةً عن شعر بندقي يحفظ خيوطه كخطوط كفه، فتحرك المصعد ليظهر وجه الرجل بوضوح في انعكاس المرآة فتتوسع أعين بشر بفزع وتثور حروبه ويتحرك ولكن باب المصعد كان له قرار آخر. لستُ مهتما أبدا بكوارثي ودماري فكم تهيأتُ في بعدك على الإصرار، كم صرت أعاند حتى في وجعي ولن أتركك مهما حدث ومهما تيقنتُ أنك فنائي ومراري، قولي بربك كيف أترك يدك وأنا من هتف بحرقةٍ لسنوات أعشقك يا محتلاً قرر استيطان مهجتي واستعمر أنفاسي. لا شيء يدوم، إنها سنة الحياة تعلم ولكن السؤال الصحيح لماذا لا شيء تحبه يدوم ويبقى؟ لا تعلم لمَ غرق عقلها في ذكريات الماضي وغاص في سنوات ألم تجاوزتها فأصبحت تعدد آلامها التي لن يصدق أحدٌ أبداً أنها مرت بها، فمن ينظر لها لا يرى سوى فتاة صغيرة جميلة منطلقة فكم هي المظاهر خادعة، فكم هي الحياة خادعة أو ربما لا، أليست دار الشقاء إذاً ليس هناك مخادع سوى نفسها التي توهمها أن هناك أملا أن تجد يوما سعادتها أو تهدأ وترتاح أخذت نفسا عميقا ويدها على ص*رها تستشعر ألم قلبها ليأتيها صوت هادئ يقول "جاهزة لنبدأ؟" هزت رأسها موافقة بهدوء فتكلم قائلا "استرخي أكثر وافصلي نفسك عن ألمك قليلا لأنه سيقيدك، انفصلي عن الواقع بأكمله، أطلقي العنان لروحك قليلا وخذي لنفسك وقتا مستقطعا خارج حدود الوجع، كوني حرة، عودي طفلة، أو اذهبي حيث تشائين، لا قيود ولا ماضي، فقط انطلقي" أغمضت عينيها وجسدها يسترخي على أريكة مريحة وحاولت أن تهرب، أليست سيدة الهروب؟ إذاً لتهرب من حدود الوجع ولكن إلى أين كانت تعبر؟ إلى دهاليز مظلمة؟ فقال الجالس أمامها بصوت هادئ "أنت تهربين من الوجع، تجنبيه، لا تعبري بقدميك لذكرى مؤلمة، ابحثي عن السعادة" كان يراقبها، ملامحها تعبس بقوى متفاوتة ثم تفر دمعة من عينيها المغلقتين ولم يقاطعها للحظات حتى لاح شبح ابتسامة على شفتيها ملأ عينيه بالشفقة تجاهها فهمست "وصلت" قال "أين؟ أخبريني" **تت قليلا ثم قالت "غرفة جدي رأفت، إنها دافئة رغم الثلوج المتساقطة في الخارج، نجلس سويا فوق سريره الضخم وأمامنا صندوق صغير يحتوي على العديد من الصور القديمة، صور جميلة جدا أنظر لها بانبهار" **تت وبدأت ابتسامتها تتسع بهدوء فسألها "أخبريني عن الصور" قالت "صورة جدتي منال، إنها جميلة، عيناها حنونتان وابتسامتها هادئة تمس القلب، جدي كان لا يتوقف عن الحديث عنها وإبهامه يتحرك فوق الصورة برقة، إنه يحبها" **تت وقد تشنجت ملامحها للحظة قبل أن تسترخي وتكمل قائلة "كان يقول لي كنتِ تملكين جدةً تحرك القلب وتسلبه، انظري كم هي جميلة كنت أظل أتأمل ملامحها بقوة لأدرك ما بها يسلب القلب ويحركه ولكن بسنوات عمري السبعة لا أصل لحل اللغز" استكانت للحظة ثم قالت "صور كثيرة تجمعها بجدي وأبي وأعمامي وهم صغار، كانوا أسرة جميلة ولكن ما يلفت نظري هو الفتاة التي تشبهني ولكنها تفوقني جمالا فأسأل جدي من هذه الفتاة، هل كان لد*ك ابنة سوى أبي وعمي محسن وعمي سالم فيبتسم بهدوء ويقول نسيتِ عاصي، فأصر بعنادٍ بأنّ عاصي أخي" **تت وابتسمت بشجن ثم أكملت "لم يرد حينها وظل يحدق في الصورة للحظات قبل أن يقول، إنها أسمهان والدة بشر " أعبس بشدة وأقول "هذه الصغيرة والدة بشر! مستحيل! فيسألني جدي لماذا مستحيل؟ فأقول بعبوس إنها صغيرة وبشر كبير فكيف تكون أمه؟" **تت كأنها تستشعر اللحظات مجددا ثم قالت "فيمد جدي يده داخل الصندوق ليسحب ظرفا قديما ممتلئا بالصور ليقول هذه صورتها وهي صغيرة لكن انظري هنا، فتتوسع عيناي بانبهار وأنا أرى تلك الفاتنة التي تتوسد أحضان رجل وسيم خالط الشيب لحيته وترتدي ملابس وقبعة التخرج وتبتسم باتساع فسألته باندفاع من هذا يا جدي لينظر لي جدي بتعجب ويقول إنه هاشم والد بشر وهذه أسمهان والدته، فسحبت الصورة من بين أصابعه وقلت بحماس إنه وسيم جدا، لماذا بشر ليس وسيما مثله؟ فيبتسم جدي ويسحب الصورة من بين يديّ ليقول حين تكبرين سيكون بشر وسيما لا تقلقي، كان يخرج الصور واحدة تلو الأخرى وأنا بعقل طفلة لم أجد وصفا لما أراه أمامي سوى أنه الأمير الذي تزوج الأميرة وعاشا سعيدين للأبد في المملكة البعيدة البعيدة جدااا، سألت جدي وأنا أشاهد صورة لهما في إحدى قاعات الرقص تحيط بهما المرايا اللامعة متشابكي الأيدي بحركة رأيتها في فيلم سندريلا والأمير، أين هما الآن؟ ليرد جدي بحزن صعدت روحاهما للسماء، عبست برفض وقلت ولكن المملكة البعيدة على الأرض ماذا يفعلان في السماء؟ ليردّ جدي ذهبوا للجنة، فيتجهم وجهي وأقول وهل الجنة أجمل من المملكة البعيدة؟ فيرد عليّ جدي بل أجمل من كل شيء، سألت بانبهار إذاً لماذا لا نذهب إليهما؟ شرد وأجابني لا يمكن أن نذهب إليهما إلا بموعد محدد والله سبحانه وتعالى من يحدد هذا الموعد ونحن فقط علينا الانتظار، كنت أعيش حالة طفولية من الخيال، مددت يديّ والتقطت صورة وقلت لجدي بتأكيد سأذهب أنا وبشر لهما ولكن قبل ذلك سنذهب للمملكة البعيدة جدا لم يرد جدي وقد شرد بصورة تجمعه مع صديق عمره" **تت كأنها تعاني من صعوبة لإكمال الذكرى فسألها "أما زلت في غرفة جدك؟" أجابته "نعم ولكن لم نعد بمفردنا لقد فُتح باب الغرفة وعبرَ منه، التفتَ له جدي يرحب به فاستغللتُ الموقف ودسست إحدى الصور بين ملابسي الثقيلة، ثم شعرت بيده الدافئة تدفعني بلطف وهو يصعد على السرير خلفي تماما ثم يسحبني لأجلس بجواره وذراعه يحيطني كأنه يبث الدفء بي ويده الأخرى تسحب الغطاء فوق أقدامي ويقول ماذا تفعلين هنا؟ ألن تتوقفي عن هذه العادة؟ كل يوم أسحبك من غرفة أحدهم"
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD