الفصل التاسع عشر

1331 Words
تتحرك في الشقة التي خلت إلا منها مذ نُقلت تولين للمشفى وهي تشعر بالقهر، ولم تعتد أن تبكي أو تضعف لكنها حقا منذ أن رحلت عن أرض العزايزة وشعرت أنها كمن يُنفى من وطنه وهي ضعيفة جدا وبأمس الحاجة إليه، لكنه لم يسأل، لم يهتم أو حتى يثرْ ويوبخها، بل **ت وكم كان **ته قاتلا انتظرت منه أي شيء لكن لم يصل لها سوى رسالة منذ ساعات أشعلت الجمر في ص*رها، أيتهمها بالقسوة؟ ماذا عنه؟ أيتهمها أنها أقسى من عرفهم؟ ماذا عنه؟ وهو الذي لم يسأل عنها أين ذهبت ومع من بقيت، آه كم تريد الصراخ بوجهه وإلقاء نفسها بين أحضانه، سالت دمعتها ببطء فمسحتها بقوة وهي تتحرك نحو المطبخ لتجهز ضيافة بسيطة لورد التي أخبرتها أنها على وشك الوصول، دقائق وطُرق الباب فأسرعت نحوه لتجد سيد يقول باحترام "سيدة حورية هناك امرأة ورجل يسألان عنك" قالت له بهدوء "السيد حيان والسيدة ورد زوجته إنهما شركائي في العمل، فليتفضلا" تحرك سيد للأسفل وماهي إلا لحظات وكانت ورد تصعد السلم وهي تمسك ظهرها وخلفها حيان يقول موبخا "هل ارتحتِ الآن؟ ماذا كان سيحدث لو أبطأنا السيارة قليلا؟ ها قد وصلنا" التفتت له ورد بإحراج وقالت "حيان نحن لسنا بمفردنا، لا يصح أن توبخني خارج المنزل" رد عليها بعدم اقتناع "وماذا سأستفيد إذا أصابك مكروه؟" كان سيد يصعد خلفهما لعدم وجود رجل في المنزل سواه فقالت ورد لحيان "أنا بخير لا داعي لغضبك، نحن لسنا بمفردنا" رد عليها بغضب "وهل كان هناك داعٍ للسفر وأنت بهذه الحالة؟ صداقتك لتلك المرأة ستضيعك" توسعت أعين سيد فيما ابتسمت حورية وما يحدث أمامها أصبح لعينيها شيئا مألوفا بل ومضحكا أيضا في ظروفها القهرية هذه فقالت بترحيب "أهلا وسهلا، أنارت القاهرة" اقتربت منها ورد تضمها بقوة وتقول "اشتقت إليك، كيف حالك؟" بابتسامة مرسومة بإتقان قالت حورية "الحمد لله أنا بأفضل حال، تفضلا" قال حيان "لا أستطيع الدخول مادام لا يوجد رجل في الداخل، سأنتظر في الأسفل مع هذا الأخ، أمامكما ساعة وبعدها سنرحل، سأرسل لها طعاما من الأسفل وتأكدي من تناولها لدوائها" تدخل سيد قائلا "طعام ماذا الذي سترسله وأنتما ضيوف لدينا؟ هذه إهانة بحقنا يا رجل، سأرسل زوجتي لها بغداء متين وسأؤكد عليها ألا تتركها حتى تأكل وتأخذ دواءها، تفضل معي" قال له حيان "شكرا يا أخ أدام الله الكرم" رد عليه سيد قائلا "أخوك سيد سائق نقل ثقيل" مد له حيان كفه في سلام خشن ثم التفت لورد وقال بعبوس "لماذا تقفين هنا؟ اذهبي لتجلسي وترتاحي" أسرعت ورد تدخل الشقة وخلفها حورية التي شعرت بالغيرة تحرقها وتؤلم قلبها جلست ورد مقابل حورية تتأمل الحزن الساكن حدقتيها وقالت "أتمنى أن تكوني بخير، منير أرسل لك هذه" ناولت ورد البطاقة لحورية التي التقطتها بأصابع ترتجف وقالت "هل هو بخير؟" هزت ورد رأسها وقالت "لم يعد للمنزل منذ رحيلك، يبيت ليله في المكتب وإن رأيتِه ستقولين أنه كَبُر خمسين عاما من الحزن، إنه يشتاق لك أنا أعلم" تن*دت حورية بألم وقلبها كأوراق الشجر في فصل الخريف حين تتهاوى من الفروع يابسةً لتصطدم بقسوة الأرض ...كان قلبها يتهاوى وقالت "وأنا أيضا أشتاق له وبشدة رغم أنني أعلم أنه يراني مخطئةً حين تدخلت في أمور العائلة وأخفيت عنه ما فعلت، كنت أعلم أن الموضوع لن يمر بسلام، كنت أعلم أننا قد نقف على مفترق طرق بسبب ما أفعل، يظنُّ أنني أنانية مستهترة لكنني فقط لم أستطع أن أ**ت، عليه أن يدرك أنها طبيعتي و أنني لم أكن لأفعل أي شيء يفرقنا ولكن تحتّم على أحدهم التحرك لإنقاذ هؤلاء الفتيات" زفرت ورد وقالت "لا تحمّلي نفسك فوق طاقتها، عاجلا أو آجلا سيعرف ويسامحك فهو يحبك" قالت حورية بحزن "أعلم أنه يحبني لكنني مسستُ جزءا بداخله كان يجب ألا يُمسّ، شعور منير بالاستقرار معي قد زعزعتُه بالماضي ورغم أنني وعدتُه ألا أتدخل في أمور العائلة أو أضعنا في موقف قد يفرقنا لكنه كان دائما متخوفا من القادم كأنه كان يشعر أنني سأخذله" اقتربت منها ورد وقالت "أنت لم تخذليه يا حورية بالع** لقد فعلتِ الصواب وعالجتِ فكرهم ال*قيم، لكن لكل دواء أعراض جانبية وما حدث لكما عارض وسيمرّ بإذن الله وحينها سيكون كل شيء بخير، أنا متأكدة أنه غاضبٌ بسبب رحيلك، أي خلاف كان سيمرُّ وأنت بجواره لكنه الآن يعاني، اعذريه وتفهمي غضبه، على الأقل هو صامتٌ ألم تري حيان وهو غاضب قد يشعل في فورة غضبه الأخضر واليابس" قالت لها حورية بقهر "انتظرت منه على الأقل مكالمة أو زيارة ،أي شيء ولكنني لم أجد سوى البطاقة الائتمانية واتهاما بالقسوة ض*ب قلبي، كيف استطاع وهو من كان لا يستطيع أن تمر ساعة بدون أن يحدثني أو يراني؟ هل قسا قلبه؟" ردت عليها ورد بتأثر "من رأيتُه اليوم رجل مجروح لل**يم، لا تدعي لل**ت مكانا بينكما، إذا لم يسأل اسألي أنتِ ولا تتركيه لأفكاره لتعذبه، وضّحي له ما حدث، اشرحي له موقفك فالبعد يولد الجفاء فلا تتركي هذا يحدث" طرقاتٌ على الباب اضطرت حورية للتحرك لتجد فرحة تبتسم بهدوء وتقول "غداء ٌ لك وللضيفة، سيد فاجأني ولم أكن مستعدةً لكنني اليوم أعددت هذه الأكلة الشعبية ستعجبكما جدا" ابتسمت لها حورية وقالت "أتعبناكِ معنا ثم كل ما يأتي منك جميل، تفضلي" دخلت بفرحة ببشاشتها المعهودة وروحها الخفيفة واندمجت معها ورد تماما لتسحب حورية الهاتف وتكتب بأصابع مغتاظة "القسوة للقاسيين، فويلٌ للقاسية قلوبهم " لم أتمناك يوما، لن أنقص من قدرك وأساويك بأمنياتي، فأنت أعظم من هذا، أنت قدري وسر وجودي وجزء من ذاتي، كم أتعجب حين أقف أمامك فاقدا للتعبير فكلام البشر محدود وأنت لا حدود لك مكتئبٌ غارقٌ في حزنه، في صدمته وفي لوعته، هل كان ينقصه ألم؟ هل كان ينقصه وجع ؟ إنه إنسان وُلد في وجعٍ لم يبرأ أو ينجو منه حتى الآن ….الغرفة غارقة في ظلام لا يشعر به فبداخله الظلام أشد، لا يذكر متى كانت آخر مرة أكل أو شرب أو سأل عن ابنته، انعزل فجأةً عن العالم الخارجي متخليا عن كل غالٍ عليه بعد ما علمه، غ*يٌّ هو حين ظنّ أن الماضي رحل مع رحيل حشاد الأحمدي، مع موت الشر، و كم هو قاسٍ أن يكتشف أن الشر رحل تاركا أذياله في حياته، أذيالا من جحيم ،زفر رائف دخان السيجارة التي بيده فأعطاه الدخان خيالا بوهيميا في الظلام فرفع إصبعه بوهن يتلاعب في اللاشيء كأنه يرسم أشكالا لن تراها إلا عيناه وعقله وهمس بضعف وقد أحاط السواد حول عينيه لقلة نومه وأكله "رائف وتولين ورحيل كل العالم بل أجمل عالم" أمال رأسه قليلا يتخيل أن يجمعهم منزل واحد فابتسم وعيناه تكاد تنغلق ليهمس مجددا "تولين، هل تشعرين بي؟ أنا مرهق" رفع عينيه لصورتها الكبيرة التي تتوسط جدار غرفته لكنه لم يرَ شيئا في الظلام فتحرك بوهن والدوار يلفه نحو زر الإضاءة وأشعل الضوء لتشرق ملامحها في ظلام قلبه فيبدأ خافقه في ضخ الدم والتمسك بالحياة، اقترب من الصورة ووقف يتأملها ب**ت قطعته طرقات نفيسة لتقول بحزن "سيد رائف السيد عصام يريدك" لم يرد عليها كأنه لم يسمعها فعادت تطرق بشدة وتقول "سيد رائف أرجوك أجبني" لم يأتها رد ثانيةً فالتفتت لعصام الذي يقف خلفها بعبوس وقالت "كما ترى لا يجيب ولا يخرج من الغرفة، لا أعرف ماذا أصابه، أخشى أن يفقد وعيه من سوء التغذية ويموت دون أن أعرف" فزع عصام لحديثها واقترب من الباب يقول بغضب "رائف افتح أريدك" لم يتحرك رائف فقال عصام "افتح لأجل رحيل التي لم تتوقف عن السؤال عن عودتك" لم يأته رد فطرق الباب بغضب وقال "إذاً افتح لأجل فتاتك التي توفي زوجها وأصابها انهيار عصبي حاد وهي الآن في المشفى لا أدرك ما حالتها" لم يأته رد أيضا فخبط على الباب قائلا بغضب "أقصد تولين أو حور أو أيا يكن اسمها، إنها منهارة، زوجها توفي، هل تسمعني؟" مرت لحظة قبل أن يُفتح الباب بشكل مفاجئ ليطل رائف قائلا "ماذا تقول؟" رد عصام بغضب "أقول فتاتك التي تراقبها توفي زوجها وهي الآن في المشفى نتيجة انهيار عصبي حاد" صرخ به رائف "متى حدث هذا؟ ولماذا لم تخبرني حينها؟" رد عليه عصام باستنكار "ومتى خرجت أنت من سجنك هذا لنتحدث؟ حدث هذا منذ يومين وحاولت أن أخبرك حينها ولكنك رفضت لقائي أكثر من مرة" قال رائف بحزن عميق "أعطني عنوانها بالتفصيل، أنا ذاهب إليها" قال عصام "لكنني بحاجة للتحدث معك" دخل رائف غرفته ليبدل ملابسه وهو يقول "ليس الآن" أغلق رائف باب غرفته بوجه عصام ونفيسة ولا يشغل عقله سوى أنه قد حان موعد الهروب الذي خطط له في الماضي، حان الموعد ليأخذها بعيدا وهذه المرة ليس مضطرا لانتظار أي شيء فالوقت لا يأتي سوى بالصدمات والمصائب وهو لن يغرق بدوامة ما عرفه، لن يستسلم بل سينظر للأمر على أنه إشارة من القدر تؤكد له أنها ملكه وتخصه هو ولا أحد سواه
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD