ألا يعود ما كان؟ ألا سبيل للماضي؟ ألا غفران يجرفنا فينتهي التعقيد الذي يض*ب مشاعرنا؟ ألا أمل أن ننسى ونجعل من زلاتنا جمرا يشعلنا؟ كم تتعاظم الأمنيات في ص*ري وأجدك كل المنى ونفسي تسأل ألف ألا وأكثر .
تسير في رواق ممتد بخطا ثقيلة وفي يدها لوح شوكولا فاخر تتذوقه على مهل بانتعاش ويدها الأخرى مفرودة على بطنها البارزة بقوة متجاهلة الألم الخفيف الذي يض*ب ظهرها وأسفل بطنها، فاليوم لديها الكثير من العمل وتحتاج الكثير من التركيز لتقسيم أيام المناوبات بما يناسب ويرضي الجميع لأن مؤمن لا يقبل بغياب أو اعتذار مهما كانت المبررات والأعذار، وصلت لجناح الأطفال الذي كانت إضاءته خافتة ومريحة للأعصاب لاقتراب موعد النوم فالساعة تجاوزت السابعة مساءً
مرت على كل سرير تقرأ التقرير النهائي للحالة وتتأكد أن الطبيب المختص مر ليتفقدهم مرتين في اليوم واحدة صباحا والأخرى مساء، كانت خطواتها هادئة لكي لا توقظ الصغار، تحركت للخارج بعد أن انتهت مهمتها فالتقت بإحدى فتيات طاقم التمريض التي اقتربت منها تقول "سيدة فتون لدينا حالة إجهاض طارئة، منزل الشيخ تواصلوا معنا وهم على وشك الوصول" سألتها فتون باستغراب "منزل الشيخ هلال! أمتأكدة؟" ردت عليها الفتاة "نعم هذا ما قاله لي قسم الاستقبال" قالت لها فتون "حسنا اطلبي من فريق العمليات تجهيز غرفة وأبلغي الطبيب، أين مؤمن؟" ردت الممرضة "كان متجها إلى قسم الحسابات"
تحركت فتون نحو المصعد وهي تخرج هاتفها وترسل له رسالة مفادها "أين أنت؟" وصلها الرد فورا "جالس في الهواء الطلق، هلّا أتيتِ؟" كان باب المصعد قد فتح فعبرت إلى داخله قاصدة الدور الأرضي بخطوات هادئة عبرت باب المركز الصحي ثم التفت حوله قاصدة الفراغ الخلفي للمركز فوجدت مؤمن جالسا على أرجوحة اشترتها مع بعض الأل**ب للأطفال ينظر بهاتفه باهتمام فقالت "مؤمن ماذا تفعل هنا؟" وقف وسحب يدها لتجلس بجواره وقال "جاءتني رسالة غريبة، انظري" أعطاها هاتفه لتجد رسالة من بشر يطلب من مؤمن إرسال حذيفة إلى القاهرة لمشفى مرفق عنوانه في الرسالة للاهتمام بحالة حرجة جدا وتخصه، فقالت "حالة حرجة وتخصه! لابد أنه أحد من العائلة، هل أخبرت حذيفة؟"
قال مؤمن "حذيفة خرج منذ ساعتين ولم يعد حتى الآن، بمجرد وصوله سأخبره" **تت للحظات ثم قالت "هل علمت أن لدينا حالة حرجة قادمة من منزل الشيخ هلال؟" بجمود قال "نعم، ابنه الجارح بنفسه بلغني بالأمر" نظرت له بتدقيق وقالت "ماذا إذاً هل ستظل جالسا هنا؟" التفت لها بوجوم وقال "وماذا تريدين مني أن أفعل؟" ردت عليه ببساطة "أن تقف لاستقبال رجال الشيخ، أنت تعلم كم يكنون لك الكثير من الاحترام والتقدير" قال لها "وأنت أين ستقفين؟" عبست وقالت "لا أفهم، ماذا تقصد؟" التفت لها حتى أصبح وجهها بوجهه وقال "الحالة تخص ذلك اللعين، إنها زوجته ومؤكد هو قادم، لا أعرف لماذا ترك كل مناطق الخدمة في مصر وأتى ليعمل ويتزوج هنا" قالت فتون بحزن "مؤمن ظننت أننا تخطينا الأمر وأغلقناه، أرجوك لا تنسَ أنه ابن عمك ولا يمكنك مقاطعته، أريد أن تسير الأمور بشكل طبيعي فكلما أثّر الماضي على حاضرنا سيكون من الصعب علينا تخطيه" نظر لها مؤمن بعذاب وقال "أنا أحاول أقسم لك، وأصبحت أرى الأمور من منظور آخر وأحمل نفسي جزءا مما حدث ف**تي من البداية كان جريمة في حق نفسي وفي حقك لكن بمجرد أن أعلم أنه سيقترب منك وينظر إليك أموت وتحيا شياطيني، كأنني أدرك أنني سأعبر كل شيء إلا وجوده قريبا منا، أصبحت أفكر في ترك المركز لحذيفة وإنشاء آخر حتى ولو أصغر وأقل تجهيزا في مكان نائي آخر ليس لدي مشكلة أبدا ما دمت ستكونين معي وبعيدا عنه، هذا الحل الأمثل أليس علينا اعتزال ما يؤذينا؟"
نظرت له فتون بذهول وقالت "نترك المركز! أنت تمزح! إنه حلمي وحلمك الذي تعبنا لسنوات حتى حققناه، تريدنا أن نتخلى عن أحلامنا لمجرد أنك لا تصدق أنني أحبك" وقف بغضب وقال "أنا واثق من حبك لكن وجوده حولك فوق طاقتي، اشعري بي قليلا" وقفت أمامه بعبوس وقالت "لماذا لا تثق أنت بي وبما بيننا قليلا، يكفي يا مؤمن، دعنا نعبر تلك المرحلة، نحن على وشك إنجاب طفل أريده أن يرى والده كجبل راسخ وليس شخصا مهزوز إلى هذا الحد، فحقا قد تعبت أغمضت عينيها بألم وقد اشتد الألم أسفل بطنها فسحبها بلهفة لتجلس على الأرجوحة مجددا وقال برجاء "فتون اهدئي وتنفسي بانتظام ….لحظات وسيزول الألم، كم مرة سأطلب منك التوقف عن العصبية، ستؤذين نفسك" ردت عليه وهي مسبلة أهدابها" وكم مرة سأطلب منك الثقة بي وتخطي الماضي؟" رفع رأسه للسماء يزفر أنفاسه بقهر ثم جثا على ركبته أمامها وأحاط وجهها وقال بصوت حنون يناظرها بنظرات أحن "أحبك"
أغمضت عينيها تستشعر الكلمة بكل جوارحها ثم رفرفت بأهدابها وقالت وهي تحيط وجهه مثلما يفعل معها تماما "وأنا أيضا أحبك وأحب أنك زوجي وأحب طفلنا القادم وهذا أهم شيء في الكون بالنسبة لي" ابتسم باتساع وقرب أنفه من أنفها قائلا "هل خفّ الألم أم تحتاجين للاسترخاء قليلا؟" رفعت حاجبيها وقالت "وهل ستترك لي الفرصة لأسترخي وأنا لم أنهي عملي؟" عبس وقال "صراحةً راحتك أهم بكثير لكنني سأقوم به عنك فلا أحب أن يتأخر العمل أو يتراكم، ثم لماذا أشعر من حديثك أنك تتهمينني بالاضطهاد؟ أنا لست مديرا متزمتا" قالت بسخرية واضحة " أبدا وهل يستطيع أحد قول كلمة خلاف ذلك؟ أنت رجل لا يتكرر" أطلق وجهها وجلس بجوارها على الأرجوحة وقال "أحبك حين تتغزلين بي، أشعر أنه ليس هناك رجل على الأرض غيري" أحاطت خصره ومالت برأسها على ص*ره بإرهاق وقالت "لأنه ليس هناك رجل على الأرض في نظري غيرك أتشك؟" قبّل رأسها بقوة وأحاطها حتى أصبحت مدفونة بين أحضانه وقال "أبدا ،لا أشك أبدا" ابتسمت وقبلت موضع قلبه وقالت "حين أسمع نبض قلبك أشعر بالأمان وب*عور آخر مريح يدفعني لأغفو فوق ص*رك" قال بعبث " ألا يوجد قبلة لرأسي؟ ما هذه التفرقة؟" لم ترد عليه وقد بدأ النعاس يتسرب إليها ولكن صوت سيارات وأصوات مستنجدة جعلهما يقفان سويا ويقتربا من بوابة المركز وكلٌّ منهما يوقن أنه كلما أطل شبح الماضي على سمائهما سيدفع أحدهما الآخر لجلب الشمس لتضيء جوانب قلبيهما وتطرد أطياف الماضي
اقترب حذيفة من المركز الطبي وعقله مشغول لأبعد حد ليُفاجأ بسيارات الكواسر تكاد تسد الطريق إلى المركز الطبي، لم يفهم ماذا يحدث ولم يكن بإمكانه الاقتراب أكثر وإلا لمحه أحدهم فأسرع يأخذ طريقا جانبيا رمليا نحو الباب الخلفي للمركز، دقائق وكان يدخل استراحة الأطباء فهي أأمن مكان لوجوده الآن وقد أصبح تحركه بالمركز شديد الصعوبة ساعة مرت وهو كالجالس على الجمر، ينتظر أي خبر ليُفتح الباب فجأة ويدخل مؤمن ومعه فتون التي كانت منهارة تبكي وتقول "قلبي يؤلمني لأجلها، اللهم عوضها خيرا" رد عليها مؤمن وقال "يبدو أن إيمانها قوي فهي لم تبكي أو تشكو، لماذا تبكين أنت؟" قالت بانهيار "أضع نفسي مكانها فلا أتحمل أن أفقد طفلي" وضع مؤمن أصابعه على شفتيها بسرعة وقال "لا تقولي هذا مجددا فليحفظكما الله" قال حذيفة وهو يقترب "ماذا يحدث؟"
التفت له مؤمن باستغراب وقال "متى وصلت؟" رد عليه حذيفة "منذ ساعة تقريبا، أخبرني ماذا يحدث في الأسفل؟" سحب مؤمن فتون لتجلس وهو يمسح وجهها وقال "لا أذكر اسم المريضة لكنها تخص الشيخ وزوجة جاسم وصلت بحالة إجهاض طارئة وصعبة ولكن الحمد لله مرت على خير" توسعت أعين حذيفة وهمس "كاسرة!" لم ينتبه مؤمن لما قاله وهو يقول له وصلتنا رسالة تخصك، هناك من يريدك أن تكون في القاهرة غدا لتهتم بحالة كما قال خاصة وحرجة وأكد على ضرورة حضورك" نظر له حذيفة بضياع وقال "من تقصد؟" رد عليه مؤمن "بشر العزايزي" **ت حذيفة للحظة والاسم وحده كفيل بأن يجعله يتحرك للقاهرة حالا فهذا الإنسان في يوم من الأيام قال له أنت منا وهذا سبب كافي ليطير إليه
في الصباح
تختلف الأحاسيس من إنسان لآخر، تختلف مشاعر الحزن ويختلف التعبير عنها، يختلف الألم وطريقة تعامل قلوبنا معه ورغم يقينه أن بالكون ملايين المعذبين غيره يشعر أن لا أحد يعاني مثله، أغلق الملف الذي أمامه بعنف ووجهه المتعب بدا كأنه حزين منذ زمن و لم يعرف الفرح يوما، لم يستطع العودة للمنزل و الدخول غرفته ليجد الجدران تبكي غيابها فأصر أن يظل في منفاه هنا في المصنع غاضبا منها ومن الظروف ومن نفسه أهون بكثير من أن يشعر برحيلها عنه، أمال رأسه فوق كفيه المفرودين فوق مكتبه ليُفتح باب المكتب فجأة ويدخل منه حيان حاملا صينية ضخمة يقول "منير، الفطور وصل" رفع منير رأسه بإرهاق وقال "وصل من أين؟ أنا لم أطلب شيئا" رد عليه حيان وهو يضع الصينية على منضدة تتوسط مقعدين متقابلين أمام المكتب وقال "أنا من طلبت من مب**كة تجهيزه حين علمتُ أنك ستبات ليلتك في المصنع"
توسعت أعين منير وقال له "وكيف علمت أنني سأبيتُ ليلتي هنا؟" رفع حيان المفرش الصغير عن الطعام وقال "الأمن بالطبع ، لا تتحرك نملةٌ في المصنع إلا وأنا على علم بها" تحرك منير نحو الحمام الملحق بمكتبه وغسل وجهه وعنقه بماء بارد لعله ينجو من دوامة الحزن التي يغرق بها وهو يقول "أتعبت نفسك إذاً لأنني لن أستطيع أن آكل شيئا، فنجان من القهوة سيكفي" قال حيان وقد بدأ يأكل بنهم "تعال افطر معي وانسَ القهوة الآن، يكفي أنني تركت زوجتي وجئت لأفطر معك" جلس منير على المقعد المقابل له ونظر للطعام بحزن وملل وقال "حقا لا أستطيع بلع شيء، اذهب وتناول فطورك مع زوجتك وأرسل لي فقط فنجانا من القهوة لأن العمل متراكم لديّ اليوم فحورية ليست هنا" كان اسمها يمر من بين شفتيه بمرارة عصيبة
نظر له حيان بشفقة فورد أخبرته بما حدث ولكنه لم يكن ليظهر له أنه يعلم، لم يكن ليحرجه ويجرح رجولته فقال "يمكن لورد أن تقوم بعملها حتى تعود إن شاء الله، إلا مقابلة العملاء وخصوصا ذلك المتحذلق ذي الابتسامة البلاستيكية سأرسله لك" رغم أن كلام حيان كان يدعو للضحك وبقوة وخصوصا تعبيراته إلا أن منير تن*د بغمّ وقال "زوجتك حامل ولا أستطيع أن ألقي بعبء العمل عليها ثم أنا ليس ورائي شيء سوى العمل، سأنجز كل شيء لا تقلق" تنحنح حيان وقال "أنا لست قلقا والحمد لله لكنني أريد بقية اليوم إجازة" نظر له منير باستغراب وقال "خير، إلى أين ستذهب؟" لم يكن من السهل على حيان الكذب كما طلبت منه ورد أن يفعل فوقف يداري توتره وقال "ورد ستذهب لطبيب في العا**ة وقد ينقضي النهار في طريق الذهاب والعودة" نظر له منير باستغراب وقال "ألست تمنع زوجتك من المتابعة لدى أطباء رجال؟"
تحفز حيان وقال "طبعا أفعل هل انقرضت الطبيبات؟ هل ينقصني أن أقف وأمامي رجل يحدثها ويبتسم لها بسماجة؟" رفع منير حاجبه وهو يشعر أن حيان يخفي شيئا وقال "ماذا حدث إذاً؟ هل غيرت رأيك؟" تجهم وجه حيان وقال "كنت سأقول طبيبة ولكنني قلت طبيبا" قال منير باستفهام "أليس لها طبيبة قريبة منا هنا؟" قال حيان "نعم أذهب معها إليها بشكل دوري" قال منير "إذاً ماذا تخفي عني؟ هل كل شيء بخير؟" هم حيان بالرد لتدخل ورد تقول باستعجال "حيان هيا سنتأخر والطريق طويل لأنك تقود **لحفاةٍ حين أكون معك" رد عليها حيان بعبوس "كنت قادما إليك"
لا يعرف كيف أدرك كل شيء من ارتباك حيان وتوتر زوجته حين رأته فلم يفكر وهو يسأل "أنتما ذاهبان إلى حورية أليس كذلك؟" لم يجِبه أحد منهما فحيان لن يكذب أبدا وورد قالت "لا ...نحن ذاهبان للعا**ة، أقصد نحن سنكون بالقرب منها ومن الممكن أن نمر لنلقي التحية" لم يحتج للكثير ليدرك أن ورد تكذب، أنفاسه تقطعت، نظر لقدميه للحظة وحيان يرمق ورد بغيظ فيما تحرك هي أكتافها بقلة حيلة فتحرك منير حول المكتب وفتح إحدى الإدراج وسحب منه بطاقة ائتمانية وناولها لحيان قائلا "أوصلا لها هذه فقد نستها معي" أخذ حيان البطاقة وقال "ستصل إن شاء الله، سنرحل الآن، أرى وجهك على خير" خرج حيان وأغلق الباب خلفه فألقى منير بجسده فوق مقعده والغضب يشع من خلاياه والعنف من نظراته ولم يشعر بنفسه سوى وهو يسحب هاتفه ويكتب لها رسالة فحواها "أنتِ قاسية لدرجة أني لم أرَ في مثل قسوتك أحدا" ثم ألقى بالهاتف فوق المكتب وهو يشعر أنه ينهار.