الفصل السابع عشر

3875 Words
ماله يشعر أن النهاية تقترب وأن ألمه الحالي ليس سوى نفحة ظلام من جحيم قادم؟ ارتعاش عبر خلاياه وقطع أنفاسه وهو يتصور أن يفقدها، أن ينفصل عنها، كيف وهي كيانه؟ إنها حياته رغم كل مساوئه وخطاياه يحبها لا ما علاقة ما يشعر به تجاهها بالحب؟ هو منها وهي منه، لا وصف أكثر دقة يصف إحساسه نحوها، ففقدها كالبتر الذي ستكون نهايته الموت ولا شيء آخر كانت تقترب، تقدم قدما وتؤخر الأخرى وإحساسها بأنها على حافة جرف عميق يجعلها ترتجف بحزن شديد وهي لا تستطيع رؤية أحد بهذا المجلس سواه، يقف بطوله الفارع يناظرها بأعين تتحدث كثيرا كثيرا لدرجة توهنها، فقد أفنت سنوات لا تذكرها في عشق هاتين العينين كانت ومازالت وستظل تعشقه مهما لاقت من عشقها، رفع منذر رأسه يناظر أخاه بأعين دامعة م**ورة وهو يقول "كنت أشعر أنها لن تغفر، لن تعطيني فرصة ثانية، لقد طلقتها! أي جحيم هذا؟" ربت صفي على ظهر أخيه بعقل مغيّب فصدح صوت الشيخ جعفر يقول "اقتربي يا بنتي" في هذه اللحظة تمنى لو كان بإمكان خلاياه أن تتمدد وتصبح **دٍ يحول بينها وبين أي بشر ولكنها مرت من أمامه داهسةً آماله تحت قدميها وللحظة التقت عيونهما في لقاء محتد هادر لكنها قطعته وهي تعبره نحو المقصلة فلم يشعر صفي بانسحاب منذر وهو يلتفت إليها فأصبح يقف خلفها ببضع خطوات فقال له الشيخ "اقترب يا بني" اقترب منها ليس راضخا لأي أمر سوى أمر قلبه فتوازى كتفه مع كتفها والمسافات تفر بخجل من عينيه، فلأول مرة تراه المسافات مبتعدا ولا يملك أن يثور كان سالم يجلس بحسرة أب تطلقت ابنته والثانية على وشك الطلاق، م**ور النفس ولكنه رافع الرأس بتماسك واهٍ ينظر لهما بخيبة أمل وحزن، فقال الشيخ "أخبريني يا بنتي لماذا تريدين الطلاق؟" تحركت عيناها بضياع للحظات فشجعها الشيخ قائلا "تكلمي لا تخافي أبدا، سأفعل لكِ ما تريدين ولكن الطلاق أمر عظيم ويجب أن يكون له أسباب قوية، ولعلنا نستطيع أن نجد للصلح طريقا فنطرد الشيطان الذي يفرق بين المرء وزوجه ونستعن بالله" أسبلت أهدابها وشددت ضم نفسها وقالت "أريد الطلاق" نظرات جعفر إليها المتفحصة أخبرته أنه شتان بين تلك الواقفة أمامه وأختها التي خرجت برأس مرفوع من مجلسه من دقائق كأنها انتصرت في حرب، فحثها على الكلام قائلا "ماذا فعل بك هذا الرجل لتطلبي الطلاق منه؟" **تت للحظات دمرت أعصاب صفي الواقف بتحفز بجوارها وجعفر أعطاها كل الوقت لتتحدث بنفسها فقالت "أريد أن أتطلق لأنني لم أعد أستطيع البقاء معه، قلبي يؤلمني منه وقد سئمت الألم، سئمت العذاب، ألا يحق لي أن أرتاح؟ أشعر أنه مُتلفي" **تٌ عمّ المجلس فيما انقبض قلب صفي وكفاه بحرقة لكنه وقف ب**ت يسمعها تكمل حديثها وتقول "عذاب، كل شيء منه عذاب، قربه اهتمامه حبه كأنه سم حلو المذاق ورغم يقيني أنه يؤذيني كنت له زوجة مخلصة مُحِبّة" ارتجفت شفتاها فانتقلت حمى الارتجاف لجسده وجعفر يراقب ب**ت، وقالت "تحملت الكثير منه، تسلطه عصبيته غيرته وتحكمه وطمسه لذاتي وكياني بص*ر رحب، لم أشتكي أو أرفض بل قايضت كل حقوقي وسعادتي بحبه وسعادته وفي النهاية أكتشف أنه خائن، خائن بشكل لا يوصف، اكتشفت أن كل ما يفعله بي كان تسديدا لأمر لا أعلمه، أنني فقط نعجة أُخذت بذنب النعجة التي تسبقها، ولم يكتفِ بذلك لا بل خانني مجددا" صرخ صفي برجاء ولم يعد يحتمل "بلقيس أرجوك لا تتكلمي هكذا" التفتت له بغضب وقالت "أليست الحقيقة أم أنني أكذب؟ ضع نفسك مكاني وتخيل أنني أنا الجانية وأخبرني ماهية شعورك وماذا ستفعل إن علمتَ أنني ألقيتُك لسنوات في الجحيم لأنتقم من رجل آخر فيك ثم لم أكتفي بهذا فخنتك" هدر بأسى "لا تنطقيها، أرجوك اسمعيني" ردت عليه بسخرية "مؤلمة الكلمة أليس كذلك؟ والأكثر ألما و إيلاما هو أنني استسلمت لك بكل هدوء غير عابئة بأن أبحث خلف تحولك الغريب من سنوات كأن كل ما يأتي منك أجمل من أن أرى عيوبه، ساذجة أنا وغ*ية ومغيبة وأستحق كل ما فعلته بي" صاح بها بحرقة "كفاك جلدا لنفسك، ارحميني، أنا أقف أمامك وكلي يحترق، أقسم لك أن ما حدث في الماضي خطأً…زلة وخرجت منها حاقدا على نفسي لا عليك، كل ما بدر مني تجاهك كان خوفا من فقدك ،خوفا من أن أكون لا أستحقك، كان رعبا أن تعلمي ما فعلت فتكرهينني، لم أقصد أن أتسلط أو أتجبر، لقد قادني خوفي وعش*ي لك فعُميتُ وفي النهاية كل ما خشيته وأكثر قد حدث، لكن أقسم أني في الماضي عُميتُ منقادا وراء حبي لك وخوفي من فقدك وفي الحاضر لم أخنك أبدا أبدا لم أفعلها" صرخت به بغضب "لقد رأيتك بعيني، هل تريد تكذيب عيني أيضا؟ كفى تجبرا على روحي كفاك كذبا، أنا أتألم منك" وضعت يدها على قلبها تبكي بانهيار فمدّ يده يلتقط كفها ويقول "أقسم أني أشعر بك ومن يشعر بك غيري؟ هذا " ض*ب على قلبه بعنف وقال "صدىً لهذا" أشار لقلبها وتابع "نحن واحد مهما حدث ومهما ابتعدنا مهما أخطأتُ ومهما ثُرتِ سنظل كيانا واحدا، ليس لنا انفصال أو نوى، افعلي بي ما شئتِ، عاقبيني كيفما يحلو لك حتى تشعري بالرضا، أعلم أنني أستحق لكنني لن أتركك أبدا أبدا يا بلقيس أبدا" كان كل شيء يدور أمام ثلاثة أزواج من الأعين ولكن الموقف كان أكبر من أن يجعلهما يشعران بالمكان والزمان، تراجعت للخلف خطوة وقلبها المهزوم ينوح وقالت "مجددا أنت من يقرر، مجددا أنت من يتحكم، أرجوك كفى، أنا لن أستطيع" اقترب و أمسكها من كتفها بقوة يقول "أنا اعلم كم أن الأمر صعب، أشعر بجرحك صدقيني لكنه سيطيب أقسم لك، مهما طالت الأيام سأظل أسعى نحوك حتى تطيب جروحك ولا يبقي لها أثر، معا سنتخطى كل شيء لكنني بدونك أموت وأخشى عليك مما سيحدث لك إذا افترقنا، لن أستطيع أقسم بالله لن أستطيع" دفعته في ص*ره وقالت "بل ستفعل كما استطعت خيانتي، كما استطعت جرحي، ستستطيع أن تبتعد" أمسك كفها وعيناه تحولتا لبركتي دماء كعينيها تماما وقال "هل تصدقين ما تقولين؟ هل تشعرين بما أنت بصدد فعله؟ أنت توشكين على نزع لحمي عن عظامي" عبست بألم لا تستطيع تخيل ما يقوله فأكمل قائلا "بل تقودينني للأسوأ، تقودينني لموتي" شعرت بالوهن فتهدل كتفاها ليسارع هو قائلا بحرقة "بلقيس أنا أحبك، أرجوك سامحيني" انفلت النبض وعيناها تغرقان في ملامحه بهيام لا يناسب اللحظة، تعشقه رغم كل ما فعل و كل ما مضى، تحبه فلا وجه أحب إليها من هذا الوجه ولا صوت أغلى عندها من هذا الصوت، للحظة كانت ستتنازل وتلقي نفسها بين أحضانه تطلب منه أن يحتويها ويطيب جروحها فهي على يقين أنها لن تجد الراحة سوى بين أضلعه لكن بقايا تعقل جعلتها تنتشل نفسها من هوة غرامه وتلتفت للشيخ بوجه خائب وعيون ضائعة لتقول "طلقني منه يا شيخ" نظر لها صفي بصعقة وقال لها برجاء "بلقيس أرجوك لا تنطقيها أبدا" تجاهلته وهي تضم نفسها مجددا تكاد لا ترى أمامها سوى خيالات غير واضحة فالدمع المتدفق لا يترك لها فرصة لتمييز ما هو أمامها، قال جعفر وقد انقبض قلبه لمرأى صفي الذي ذكره بسنوات انفصال نعمة عنه وقال "زوجك نادم يا بنتي فلتسامحيه وأنا بنفسي سأقتص منه لأجلك حتى ترضي" انتفض جسدها بشهقة عنيفة وصفي يسارع قائلا "أقسم أنني نادم يا شيخ وكلي تحت أمرها، فما تريد سأفعله حتى لو طلبت روحي ثمن سماحي لن أتأخر" هزت رأسها برفض وقالت "لا" **ت كئيب ملأ المجلس ف*نهد جعفر وقال "هل هذا كلامك الأخير يا بنتي؟ إن كنت تحتاجين وقتا للتفكير خذي كل الوقت واعلمي أنني معك وسأنصرك مهما كان قرارك" شهقت بقوة وهي تقول "يا شيخ أريد أن أتطلق منه أرجوك" لم يعد هناك ما يقال فقد أُغلقت جميع الأبواب، نظر الشيح للمأذون وحرك رأسه بإشارة أن يستعد ففتح المأذون دفتره تحت أعين صفي المذهولة وسالم المقهور وقال جعفر "طلقها يا بني، يبدو أنه لم يعد هناك حياة بينكما" **ت صفي وأسبل أهدابه فقال المأذون "أعطني بطاقة هويتك" لم ينطق صفي أبدا فناظره جعفر للحظة يحاول أن يستشف ما يدور برأسه ولكن اللحظة طالت وطال ال**ت فقال جعفر "يا بني أعطِ الشيخ بطاقتك وألقِ اليمين" رفع صفي رأسه وأمارات من الجنون تطفو للسطح وقال " لن أفعل هذا أبدا ولو كان الثمن موتي، إذا أرادت أن تتحرر مني فلتساعدها على أن تحصل على لقب أرملة لا مطلقة" شهقت بلقيس بعنف فيما هدر الشيخ بغضب "هل تخالف أوامري؟" قال صفي بغضب "اعذرني يا شيخ لكنها ستظل زوجتي لآخر العمر ولن أطلقها مهما كانت العواقب" وقف الشيخ جعفر وقال "هل تتحداني؟" سارع سالم يقول "هو لا يقصد يا شيخ، سامحه، الأمر فقط " قاطعه صفي يقول "بل أقصد يا عمي، أنا لن أطلق زوجتي" توسعت أعين بلقيس وهي تدرك أي جحيم يلقي صفي نفسه بداخله، قال جعفر بغضب "إن لم تعتذر حالا وترمِ يمين الطلاق سترى مغبة غضبي وصدقني لستَ مستعداً له أبدا" قال صفي كأنه أيقن أنه يستحق أن يكتوي مثلما فعل بها "أنا أعتذر عن أي شيء بدر مني لكنني لن أطلقها مهما حدث" صاح جعفر مناديا رجاله ليدخل المجلس أربعة رجال أشداء وقال "خذوه إلى مكان يستطيع فيه تعلم الأدب واحترام أوامر الشيخ" كبل اثنان منهما صفي وسحباه نحو باب المجلس تحت أعين بلقيس المنهارة التي أسرعت تختبئ في حضن والدها وهي تشاهد صفي يحاول التملص من قبضتهما وهو يصرخ "بلقيس سامحيني" لحظات واختفى من أمام عينيها لكن صوت صراخه مازال يصل لأذنيها ويحيل الدنيا حولها لظلام والدفء إلى برد، بكت بقوة وهي تشعر أنها تتمزق لأجله وتتمنى أن تعدو خلفه وتخلصه من أيديهم ثم تضمه بقوة ملقية أثقالها فوق ص*ره ثم تبوح له بقهرها فلا ملجأ لها بعد الله سواه لحظة مرت قبل أن تسأل نفسها هل حقا تستطيع أن تبتعد عنه؟ أن تتطلق منه وتحيا وهي ليست زوجته وهو ليس لها؟ كانت الأفكار كعذاب أليم والإجابة جاءت كصدمة لا انطلق سالم بسيارته عائدا للمنزل وصوت بكاء بلقيس الذي يعا** جمود أسمهان يخنقه، هل كُتب عليه ألا يرتاح أبدا؟ لماذا يحدث لأبنائه كل هذا؟ نظر في المرآة لابنتيه فوجد أسمهان تضم أختها المنهارة وعيناها شاردتان في الفراغ كأنها منفصلة كليا عن الواقع وضائعة في متاهتها الخاصة، زفر أنفاسه بقهر وهو يتمتم "لا حول ولا قوة إلا بالله، لله الأمر من قبل ومن بعد، وإنا لله وإنا إليه راجعون" دقيقة لا أكثر وكانت سيارته تقف أمام المنزل ليتفاجأ بسيارة الشباب تقف ويقف بجوارها بشر يحمل ابنته وبداخلها ليل فترجل من سيارته ليقترب من بشر قائلا "أين أسد ونزار؟" لمح بشر نزار القادم من خلفه وعاصي المندفع نحوهما يقول "ماذا حدث يا أخي؟ ماذا فعلتم عند الشيخ؟" التفت سالم إليه وقهره بارز في عينيه وقال "وما تظننا بفاعلين؟ لقد تطلقت أسمهان ...وصفي قد احتجزه الشيخ لأنه عارضه ورفض الطلاق، لماذا يحدث لكم هذا؟ لا أصدق أن بعد هذا العمر تتفرقون بهذا الشكل، بعد تعب السنين وبعد أن جمعناكم تحت سقف واحد وعلمناكم أن تكونوا عصبةً وكيانا واحدا يبدأ كل شيء بالانهيار" صدمة توسعت لها الأعين وعمّ ال**ت للحظات قبل أن يقطعه نزار وهو يقترب من بلقيس المنهارة ويضمها قائلا "لماذا تسرعتما بهذا الشكل؟ ذلك اليوم لم يحدث شيء، لم يعرف أحدٌ منا أن الحفلة ستتحول فجأة، أقسم لم نكن نعلم" كانت أسمهان ترفع رأسها بجمود وقالت "نزار، أنت تعلم أن الحفلة ليست السبب الوحيد، دعنا لا نتحدث في هذا الأمر، ما حدث قد حدث ولا مبررات ستغير منه، لكن كل ما أريده وأرجو ألا ألقى منكم رفضا هو عدم سفري والبقاء هنا، سأتولى إدارة أحد الفروع وأستقر مع ابني هنا" شعر بشر بما يعتمر بص*رها فقال "كنت أفكر في نفس الأمر، أظنه الوقت المناسب لتغيير الكثير" التفت له سالم وقال بغضب "أهذا كل ما لد*ك؟ كنت أظنك ستثور حين تعلم بما حدث" قال بشر بهدوء وتجريح سالم له ترك في نفسه شيئا صعبا "يا خالي، أسمهان اتخذت قرارها وهي مقتنعة بما تفعل، هي ليست طفلة لأحاول ثنيها أو أثور عليها ومنذر أيضا طلقها رغم أنه كان يستطيع أن يرفض مثلما فعل أخوه لكن كما ترى، أنا لن أختار لكل واحد منهم طريقه ولن أفرض على أحد منهم مالا يطيق، أنت تعلم أن الوقت قد حان لتكون لإرادتهم الخاصة مكان فاجتماع الشيخ لم يكن هباء، العالم بأكمله تغير من حولك وكلٌّ أصبح يسعى نحو اختياراته إلا أنا مكبل لأبعد حد وقلبي يتهاوى في ص*ري بألم يفوق ألم الجميع لذلك أرجوك دعني أقودهم نحو سعادتهم، لقد وليتني أمرهم لذلك دع الأمر لي فمهما فعلت لن يعود شيء كما كان" نظر سالم له بغضب وقال "أخشى أن تضيعهم لأنك ضائع يا بشر، ضائع منذ سنوات وليس لك مرسى ولا بر، كيف أترك لك السفينة بعد الآن؟ كنت أظنك تتحكم في ضياعك لكن يبدو أنني كنت واهما" تدخل عاصي وهو يسحب تولين المتعلقة بعنق والدها ويعطيها لنزار ليبعدها عن النقاش ويقول بحزن من تحامل سالم على بشر "يا أخي، بشر لم يقصر معنا يوما، إنه يحمل همومنا جميعا كأنها همومه وينسى همومه الغارق فيها ويسعى بكل اتجاه لأجلنا فيكفي تحاملا عليه، أنت تعلم أنه وإن قصر يوما ففي حق نفسه وليس في حقنا إطلاقا" قال سالم "إذاً أنت موافق أن أترك له قيادة أموركم حتى وإن تفرقتم؟ أسمهان وبلقيس تتطلقان وسمراء تتزوج من خارج القصر والله أعلم ماذا سيحدث بعد" اقتربت أسمهان تقول بقوة تكاد لا تع** ولو جزءا بسيطا مما يدور بداخلها "يا أبي أرجوك كفاك تحكما وإطلاق أحكام، أنت تعلم أن وحدتنا ليست بسقف يجمعنا بل نحن عائلة وهذا وحده سبب أقوى من أي شيء، أنا وإخوتي لن نفترق، منذر " **تت تلتقط أنفاسها ثم أكملت تحاول السيطرة على دموعها "لم يعد زوجي لكنه أصبح كأسد ونزار تماما، كياننا يستلزم منا أن نتمسك به بإرادتنا لا أن نضطر للتمسك به تحت أي سبب" أسبل سالم أهدابه وقد شعر بوهن فظيع فنظر لهم جميعا وقال "افعلوا ما شئتم، فليختر كلٌّ منكم الطريق الذي يريحه لكنني لن أسامحكم أبدا إن تفرقتم أو أضعتم تعبي وتعب إخوتي وتشتتتم" التفت لبشر وقال "أنت كبيرهم وأنت المسؤول أمامي ولن أحلك من وعدك بالمحافظة عليهم حتى ألقى الله" تحرك سالم للداخل ليتركهم خلفه يرتجفون من هول الأحداث المتتابعة على رؤوسهم، فقال لهم بشر الذي شعر أنه حُمِّل أثقال الدنيا "نزار أدخل تولين واستدعِ سمراء وعزيزة وأسد، نحتاج جميعا أن نتحدث ونضع النقاط على الحروف" هز نزار رأسه وانسحب لداخل المنزل فيما اقتربت سيارة ونزل منها رجلان ليقترب واحدٌ منهم قائلا "جئنا لنأخذ بنات الشيخ" ثواني فقط مرت قبل خروج غفران وتبارك وسمراء وبداية البحث عن أسد وعزيزة اللذين اختفيا تماما تحت شجرة قريبة من المعارك التي تحدث ولكنها بعيدة جدا بالنسبة للواقفين أسفلها المعزولين عن العالم وعن كل البشر، كانت المشاعر بينهما كأنها انفجارات يحاولان تداركها ولكن لا سبيل لذلك، شعور مختلف لأول مرة تحياه عزيزة وهي تدرك أنها بحضرة رجل تعشقه قد طلبها للزواج وليس إنسانا محرم عليها حبه والنظر له، قلبها كان يتقافز كطفل، وجنتاها تتزينان بحمرة جعلتها أبهى نساء الأرض في نظر أسدها الذي ينظر لها نظرات تقطر حبا وهو يقول "أتعبتني وأهلكتني وأشعلت جنوني يا بطة، كيف تظنين أنني قد أرى أنثى غيرك؟ وهل للأسد سوى بطته؟" رفرفت بأهدابها تناظر وجهه شديد الوسامة بخجل وحب وقالت "كدتُ أموت ذلك اليوم لماذا كنت تقف وسط أولئك الوقحات هكذا؟ ألا تعلم أنني أغار جدا بل قلبي يحترق إذا رأيتك بجوار أنثى؟" قال بلهفة أشعلت وهجا في حدقتيه "أطال الله بعمرك يا وجعي لتحيي وتبقي روح الأسد التي لن تفارقه حتى الممات، أقسم لك أن ما حدث ذلك اليوم كان محض صدفة لعينة وكان يجب أن تثقي فيما بيننا، انهيارك يومها زلزلني وأثار شياطيني ورحيلك أمامي كان الض*بة القاضية، فلم أدرِ ماذا أفعل سوى أن أحمل حجرا ضخما وأض*به بالسيارة تحت عيون الجميع" ضحكت عزيزة ورفعت كفها الصغير لتخفي شفتيها وهي تقول "كنت كوحش ثائر، ذكرتني بالرجل الأخضر" عض على شفتيه وقال "ستجدينني الرجل الأخضر والأحمر وجميع الألوان إذا ضحكتِ بهذه الطريقة مجددا" ضحكت مجددا وقالت "ماذا حدث بعدما رحلنا؟ هل قبضت عليك الشرطة؟" قال بحنق "وهل يستطيع أحدهم ردعي عن اللحاق بك؟ حاولنا الانطلاق خلفكن ولكن السيارة كانت متأثرة بالض*بة التي نالتها ولم نلحقك بكن لكننا بحثنا عنكن بكل مكان وكأنما انشقت الأرض وابتلعتكن" أمسك كفها ثم قال "متى سنتزوج؟" سحبت عزيزة يدها من كفه وقالت بصوت متأثر "أسد" رد عليها وهو يقترب أكثر "نعم يا زوزوه، يا وجعي، يا قلب الأسد وست البنات نعم" قالت بخفوت "أنت تحبني أليس كذلك؟" حرك رأسه برفض وهو يعض شفتيه بطريقة أشد وقال "بل أنا بركان عشق متفجر وأنتظر قربك لنحترق سويا في حممي" أمسك كفها مجددا وقال "لماذا لا تقتربي؟" شهقت بخجل وفزع وسحبت يدها ونظرت حولها وقالت "أسد تأدب" حرك رأسه بطاعة وقال "أنا مؤدب" طالعها بشوق ولهفة وهو يقول "أنت امرأة خطرة، أكاد لا أصدق كل ما حدث لي معك، كل ما مررنا به سويا، أتذكر البدايات فأشعر أنني أعشقك منذ عقود"هامت عيناها بعينيه فأكمل قائلا "كأنني كنتُ أبحث عنك في كل امرأة، كنت أبحث عن كمالي معك وعن دفء قلبي بجوار قلبك" كانت في هذه اللحظة كمن تعيش حلما لا تريد أن تستيقظ منه، اقترب بوجهه من وجهها حتى صار على بعد سنتيمترات منه بدت له كأنها أميال ليقطع كل هذا فجأة صوت نزار وهو يصرخ "أسد أين أنت؟ بشر يريدك حالا" ابتعدت عزيزة عنه وهي تشهق بخجل فأُجفل هو منتبها لما يحدث والتفت ينظر لنزار الذي يقترب باحثا عنهما فض*ب جزع الشجرة بعنف وقال بصراخ "أنا قادم" دقائق وكان بشر يقف أمام إخوته المجتمعين في ساحة خضراء وراء المنزل داخل دائرة من المقاعد البلاستيكية، أصر بشر على انضمام ليل لهم ليصبح أسد وعاصي ونزار وليل وأسمهان وسمراء وعزيزة وبلقيس يحيطون به فيما وقف هو وقد رفع أكمام قميصه وحاول التظاهر بالقوة ولكن الإرهاق والان**ار كانا يقطران من نظراته وقال "أعلم أنه ينقصنا حضور منذر وصفي ولكن كان علينا أن نجتمع لنضع قواعد المرحلة القادمة وهذا لأجلنا جميعا ولأننا كيان واحد منفصل متصل وهذا لن يتغير أو يهتز" **ت ينظر في وجوه من حوله بتدقيق ثم أكمل قائلا "أنا سأترك لكم اختيار طريقكم في الحياة وما يسعدكم لأنني متأكد أن الحياة لا تستقيم وقلوبنا تهوي في الجحيم، ولكن أتمنى أن يكون كلٌ منكم واثقا من قراره بالقرب أو بالبعد فهذه القرارات سيُبنى عليها عمركم القادم" نظر له عاصي بتوتر وقال "بشر، كن واضحا أكثر أرجوك، أشعر أن لد*ك الكثير" تن*د بشر ودلك موضع قلبه وقال "نعم لدينا الكثير لنتحدث به، وأوله أن أعرف لماذا أصرت الشيخة على رحيل تولين وأكدت على عدم ذكرها أو تذكرها ولو بشكل عابر؟" نظر للفتيات اللاتي توترن فقالت سمراء "بشر، تولين فعلت لأجلنا الكثير، فعلت ما لم يستطع أعتى الرجال فعله، إنها من سعت لفض المكاتيب وأجبرت الشيخ جعفر على الرضوخ لمطالبنا ومقابل هذا كان الثمن أن تظل ميتة لا أثر لها، ستبقى حور لبقية حياتها متخلية عن حقها فينا وفي أن تكون بين أحضان أسرتها، متخلية عن هويتها وقد رضخت لأجلنا" قال أسد بذهول "إذاً كل ما حدث كانت هي السبب به" ردت عليه عزيزة قائلة بحزن "وكأن قلبها كان يعلم عندما أدركت أن لا أحد يتذكرها فأصرّت أن نقدمها للجميع باسم حور وكصديقة للعائلة وهذا ما أنقذ حياتها فلو انتشر خبرٌ أنها على قيد الحياة لأصابت العائلة فضيحة ستدمرنا جميعا" أمواج عاتية ض*بت إدراكه وقلبه وقصفت بقايا واهية من قوة عالقة تجعله يستطيع الوقوف على قدميه فاستدار يخفي دمع عينيه عن الجالسين فأسرع عاصي يقول بصدمة "ما معنى هذا؟ هل سنتركها؟" قالت أسمهان بجمود "من أجلها يجب أن نبتعد وأن تقتصر علاقتنا بها على اتصالات سرية غير معلنة وهذا إذا سمحت الظروف، الأمر منتهي، تولين ماتت ولكن ليس ذلك اليوم الأ**د بل ماتت ذلك اليوم الذي وصلت معنا به إلى هنا و دماؤها كانت صك حريتنا" قال نزار بحرقة "و كأنها عادت لأجلنا لا لأجلها، لقد أصابتها سهام الظلم مجددا، قلبي يحترق من أجلها" صاح أسد "من المؤكد لن نتركها حتى ولو بالخفاء، لن نتخلى عنها" ردت عليه سمراء "أرجو هذا لكنني أشك أن تتقبل منا أي شيء، قبل رحيلها كانت تودع الجميع بنظرات تفيض خذلانا، كم هو قاسي هذا الشعور" كان يستمع لهم و أوردته تتقطع من شدة الألم، كان يموت بكل ما تعني الكلمة وأقدامه باتت لا تحمله وروحه تئن من وطأة الكلمات وثقلها، نادته بلقيس المنهارة "بشر، أأنت بخير؟" أخذ نفسا قويا ومسح وجهه بعنف والتفت لهم يقول "أنا بخير وكما قال أسد نحن لن نتركها حتى ولو بالخفاء، ولو أنكرها الجميع نحن لن نفعل، إنها جزء منا لا يمكننا بتره أو التخلي عنه مهما حدث" قالت أسمهان "نعم هذا ما يجب أن يحدث" قال بشر "أولا لأعلم كيف ستسير الأمور، من سيسافر ومن سيستقر وما هي طريقة توزيع العمل؟" قالت أسمهان "أنا سأبقى ومعي محسن، يمكنني تولي أمر الفرع الجديد في المدينة الساحلية، سأشرف عليه حتى ينتهي وبعدها سأتولى إدارته" قال عاصي برفض "أسمهان، أنت لن تبقي في محافظة أخرى بمفردك، هذا كلام غير منطقي" ردت برجاء "إذن دعوا إدارة فرع القاهرة لي فأنا لن أسافر" ردت سمراء قائلة "أظنه حلا معقولا جدا" قال بشر "معقول! كيف؟ ففي القاهرة أيضا ستظل بمفردها، الأمر لم يحل" قالت سمراء بعملية صدمت الجميع "بل على الع**، كنا نفكر أنا وليل في شراء منزل كبير هنا، يمكنها أن تبقى معنا وسأؤمن لها مكانا منفصلا لحفظ خصوصيتها لكن وهي معنا" التفت ليل لها بصدمة فنظرت له ببرود وقالت "هذا بعد زواجنا طبعا، هل لد*ك مانع؟" كشر عن أنيابه في ابتسامة شريرة تحت أعين الجميع وقال "ليس لي كلام بعد كلام صاحبة المنزل" قالت له بعملية كان يعلم أنها تقصدها لتزيد حنقه "تحدث مع فخر واطلب منه البدء بالبحث عن منزل مناسب وأنا سأرسل له المواصفات" حك م***ة رأسه ببلاهة وبداخله ألف شعور وانفعال يكبتهم احتراما للجلسة التي تقيده فنغزه أسد وقال بهمس "لا تليق هذه الابتسامة البلهاء على عضلاتك المفتولة، منظرك منفر" تجهم وجه ليل وبشر يسأل سمراء بقوة "إذاً أخذتِ قرارك؟" ابتسمت ابتسامة شجن وعذاب عشرة سنوات مرت وبدت أمام سعادتها كوهمٍ لم يكن له وجود وقالت "أظن ذلك، في النهاية لم أكن لأقبل أن تُختم القصة بغير ذلك، أظن أننا جميعا نستحق أن نسعد" قال بشر متجاهلا سؤاله الملح عن نصيبه في السعادة وقال "أتمنى أن تتذكري أنه لن يكون هناك انفصال في العمل عنا" همت سمراء بالرد ولكن أسد قاطعها يقول "بما أن شركة ليل تحولت ملكيتها لك فهذا يعني أن سمراء وليل سيصبحان جزءا من كيان العمل" نظر له بشر بصدمة وقال "لم أفهم، ملكية شركة ليل نُقلت لي؟" قال ليل " ليست ملكية الشركة فقط بل وأراضٍ وأموال طائلة وكل ما أخذه جدي من والدك، لقد أعطيت كل الأوراق والأموال للشيخ جعفر وكان سيقيم مجلسا ليخبر رجال العائلة بأني أعدت كل شيء وعدتُ لكنف العائلة ولكن كما ترى الأمور تعقدت" **ت بشر يفكر بذهول وهل تنقصه الأموال؟ وهل ينقصه أراضٍ وأملاك؟ لماذا يأخذ من هذه الحياة كل شيء إلا ما يريده؟ قال عاصي "ما شاء الله، منذ سنوات لم أكن أحلم أننا سنتوسع بداخل الوطن لهذا الحد، أظن أن سمراء تستطيع دراسة وضع الشركة وتولي أمرها مع ليل، وأسمهان وإياد سيتوليان فرع القاهرة، إذا ً من سيتولى إدارة الفرع الجديد؟" **تٌ ملأ الأجواء قطعه بشر قائلا "أنا سأفعل، فأنا سأبقى هنا ولن أعود" نظر له الجميع بصدمة فقال "لم أعد أستطيع العودة ورغم تفرقنا سنظل دائرةً متصلة كما نحن وسنجتمع على فترات متقاربة من أجل الأطفال، لا أريد أن يؤثر البعد على علاقتهم ببعضهم، أريدهم جميعا إخوة مثلنا تماما" رد أسد قائلا "طبعا، هذا ما يجب أن يحدث، إذا ً من سيعود؟" نظر بشر لهم وقال "مؤكد عاصي والباقي سنعلمه حين تخبرني عزيزة بقرارها بشأن زواجكما" رد أسد ببهجة "زوزة موافقة وأكدت لي أنها لم تكن لتفكر أبدا ولكن إحراجها منعها من الاندفاع أمام الجميع لتصرح بالموافقة" احمر وجه عزيزة بشدة فنغز ليل أسد هامسا "أخجلت الفتاة، ماذا تظن نفسك فاعلا؟ أفقدت عقلك؟" قال بشر "لن أقتنع بهذيك حتى أسمع موافقتها بأذني" فز أسد واقفا وقال لعزيزة "لما أنت صامتة؟ أسمعيه" قالت عزيزة بخفوت "موافقة" صرخ بها أسد "ارفعي صوتك وأسمعيه" نظرت عزيزة لبشر بخجل وتوتر وقالت "موافقة" قال بشر "هذا رائع مبارك للجميع، إذاً عاصي وأسد ونزار سيعودون ومنذر سيبقى معي في الفرع الجديد" قالت أسمهان برفض "ولماذا لا يعود معهم؟" قال بشر بهدوء "لأنه أب ولن أرضى له أن يسافر ويترك ابنه يا أسمهان، أظن أنك أكبر من هذا وقرارك اتخذته عن اقتناع" **تت أسمهان فسألت عزيزة "وماذا بشأن صفي وبلقيس؟" نظر بشر لبلقيس وقال "لتجيبك هي فالأمر بيدها الآن" التفتت الأنظار لبلقيس التي قالت بتوتر "أنا سأسافر معهم" سألها بشر بهدوء "بمفردك؟" انهارت باكية وقالت "لالا ،أريد صفي" صفق بشر بيديه بجمود وقال "أظن أن الامور جميعها باتت واضحة الآن، سيكون لنا اجتماع آخر قريبا جدا ولكن بعد إقامة أفراح العائلة وقبل سفركم وحتى هذا الوقت أنا مضطر للسفر إلى العا**ة، سأبقى في شقة أسد وإذا حدث أي جديد أو استدعى أي أمر حضوري سأعود، كما أن تولين ستكون مسؤولة منكن حتى عودتي" لم يسأله أحد عن السبب فالسبب واضح، لم يكن لهم بعد أن مهد لسعادتهم الطريق سوى أن يتمنوا له المثل حتى ولو كان مستحيلا، تحرك بشر بخطا تكاد تغور في الأرض تحته من ثقل أكتافه المحملة بالهموم ليودع ابنته وينطلق نحو سياج جنيته المحرمة..
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD