الفصل الرابع

2220 Words
الفصل الرابع .. وإنطلقا إلى المشفى ، وبعد ساعات من عذاب صغيرتى التى تحملت الألم بكل شجاعة ، رغم عدم فهمها لما يجرى حولها ، كنت أبكى صبرها وقلقها على طفلتها ، وهى تسألنى طوال الوقت عن نبض الجنين ، وعن ما يخفيه عنها الأطباء ، كنت أمسك يدها وأقبلها ، وأهمس في أذنها ، بكل عبارات الدعم التى كانت حبيبتى تستمع إليها بحب ، إلا حين أن تباغتها ذروة التقلصات وإنقباضات الرحم ، فعندها تبدأ بالدعاء إلى الله أن يحفظ طفلتها ، كانت تهمس لى ، بأن ارعاها جيدا إن أدت هذه الولادة إلى وفاتها ، فكنت اطلب منها ألا تفكر في هكذا أمور لن تحدث ، وبعد مرور ست ساعات ، سمعنا أول صرخة لطفلتنا الجميلة ، تلك الصغيرة الساحرة التى كانت نسخة عن أمها في كل شىء ، عانقتها وقبلتها ثم وضعتها في حضن سولاف ، التى كانت تبكى وهى تردد : - " أهى جميلة حبيبى ؟ أتشبهك ؟ " - " بل تشبه صغيرتى وتماما كما تمنيت ، " - " لا تحزن حبيبى ، أعرف بأنك متألم لأنى لست أراها ، لا تحزن ، يكفى أن تصفها لى ، فعيناك بصرى ، أنا تعودت أن أرى من خلال عينيك وأحب ذلك أيضا ، " - " أحبك سولاف ، شكرا لهذا الكنز الذي منحتنيه ، أحبكما معا ، " وهكذا مرت أيامنا وليالينا مع ضيف*نا الجديدة ، تلك الساحرة الهادئة المطيعة ، تلك الملائكة التى لم تزعج والدتها ولم تصعب عليها مهمة رعايتها ، كانت تنام على ص*ر سولاف بعد أن تشبع من حليب أمها ، كانت سولاف خلال رضاعة رؤية تحاول لمس كل ملامح وجهها حتى تحفظها بينما كنت أنا اجلس لأتأمل مشهد الرضاعة الساحر هذا ، كنت أحيانا أنام على الجهة الأخرى من ص*ر سولاف ، غيرة من طفلتى ورغبة في سماع أصوات مصها النهم لحليب أمها ، كانت نغمات تمثل سيمفونية لإكتمال الأمومة والطفولة ، مرت الأيام ورؤية تلقى رعاية لا توصف من سولاف ، التى تعلمت في أيام قصيرة كل مهام الأمومة وببراعة فائقة ، شاركتها تغيير حفاظات رؤية ، وتحميمها الذى ساعدتنا فيه والدتى ، مرت تلك التجربة التي خلناها مرعبة ، بسلاسة وهدوء ، إلى أن بلغت رؤية عمر الأربعة أشهر ، وحينها جاءت المربية لتساعدنا في مهمتنا ، وذلك لأنى رغبت في عودة سولاف للدراسة بأسرع وقت وبالفعل عادت ، وفى أثناء ذلك أعادت سولاف فتح موضوع الجراحة من جديد ، ولأننى لم أشأ **رها وافقت ، وتمت الجراحة بعد إتمام سولاف لعامها الثانى بكليتها ، ونجاحها بإمتياز ، كانت حينها رؤية قد بلغت عامها الأول ، خضعت سولاف للجراحة ثم تلتها أخرى ليزرية ، صبرنا بعد لفترة لتأتى النتيجة بما لم نكن نتوقعه ، فصغيرتى لم تستعد الرؤية كليا ولكنها بدأت في تمييز الأشياء والخيالات والظلال بسهولة ، أكد الأطباء بأن العصب البصرى سليم تماما ، ولكن عدسة العين والشبكية بهما أضرار مستعصية ، ووعدنا الفريق الطبى بأن تطور العلم يمنحنا أمل كبير بتحسن حالتها مع الوقت ، تقبلت صغيرتى النتيجة بسعادة بالغة ، فعلى الأقل أصبحت قادرة الآن على تمييز حركة الناس من حولها ، وأصبحت قادرة على الركض خلف رؤية من مكان لآخر ، وهكذا مرت حياتنا معا ، مسيرة تعلمت فيها من صغيرتى ، بأن النجاح يولد من رحم المعاناة ، وأن الفشل لا يكمن إلا في عقول العاجزين ، وها أنا اليوم أجلس إلى مكتبى ذاته الذى بدأت منه كتابة حكايتي ، ولكن بعد مرور خمس سنوات على زواجى ، من اجمل إمرأة فى الكون ، زواج أثمر عن طفلة رائعة الجمال ، تدعى رؤية وطفل شبيه أبيه ، يدعى أحمد ، وذلك إكراما لذكرى والدى ، الذى فارقنا منذ عامين ، وقبل ولادة سولاف لأحمد بشهرين ، أما الليلة فتوافق ليلة حاسمة ، فغدا سأناقش رسالتى للحصول على درجة الدكتوراة ، بينما كانت حبيبتي المجتهدة منكبة على أوراقها ، تراجع فقرات المقدمة لرسالتها لنيل درجة الماجستير ، - " حبيبتى كفاك تعبا ، تعالى لتهتمى قليلا بزوجك القلق من يوم غد ، " - " ولكننى لست قلقة ، أعلم بأنك ستنالها مع مرتبة الشرف ، " - " أتعلمين بأننى خائف من هروبك ، بعد إنتهاء المناقشة ، " وعندها انفجرت ملاكى ضاحكة قائلة : - " وهل سأهرب بطفلين معى ؟ ألن يكون صعب قليلا ؟ " - " وما أدرانى ، لقد أصبح هذا الخوف إرتباط شرطى بما فعلته بى ، " - " حبيبى إنسى ، لقد أصبحت قدرك الذى لا مفر لك منه ، هل أرحل الآن ، وقد بدأت أميز ملامح الوجه الذى لا استبدله بكنوز الأرض ؟ " - " مازال العلم في تطور ، لن نيأس حبيبتى ، سيأتى يوم وتريننى فيه بكل وضوح ، أنا وطفليك ، " - " عيناك بصرى حبيبى ، لست أحتاج لعينى مادامت مرشدى ، " عانقتها ثم نظرت إلى النافذة وهتفت : - " سولاف إنها تمطر في الخارج ، ألم تشتاقى لعناق تحت المطر صغيرتى ؟ " اشتاق وبشدة يا عمري ، ابتسمت سولاف وهي تترك المذكرات علي المنضدة أمامهما وترك فارس فنجان قهوته من يده وأغلقت سولاف وفارس الحكاية ، وسألها فارس بابتسامه ، ما اجمل حكايتهم ، ولكن حقا حبيبتي كيف صديقتك وهي ، افهمك حبيبي فسولاف الأخري اكبر مني عمرا ولكنها تظل صديقه الطفوله ، والتواصل الدائم ، وما هي المقاطع التي كنتي تخبئينها عني ، ابتسمت وقالت فارسها يوصف مشاعره ولا يصح أن يطلع عليها رجلا اخر ، عذرا يا فارسي فكل الفرسان تغار وبشدة ،ابتسمت قم تذكرت شيئا فقالت له . حبيبي ما سؤالك الآخر الذي كنت تريد إجابته ، ارتبك قليلا ، حتي أنه داعب م***ة عنقه ، فهمت سولاف بأنه محرجا ، هيا حبيبي ما هو ، تردد ثم قال ، ما هو شعورك الان اتجاه فاطمه ، هل تكرهينها ؟ ام حاقدة علي فعلتها ؟ ابتسمت بسعادة حقيقيه وقالت ، شعور العرفان ، اندهش وقال ، العرفان ، كيف يعني ؟ قالت وهي سارحه في ملامحه ويدها تداعب ذقنه بحب ، شعور العرفان لها ، بأن ما فعلته جمعني بك علي خير حبيبي ، وهو ما اوصلنا لهذه اللحظه من السعادة ، ادعو الله ان يديم سعادتنا ، وأن يكتب لهم السعادة دائما وابدا ، فقبل رأسها قبله تقدير وحب وامتنان ، داعيا الله ان يدوم وجودها في حياته . وفجاءه سمع أصواتا تاتي من الخارج فقال لها : ما هذه الأصوات سولافي استمعت قليلا و أجابته : أنه جدي يهلل ، ما به ، ماذا حدث ، فقاما معا ليعرفوا ماذا يحدث فنظروا من شرفتهم فوجدوا الجد يوصي صابر قائلا ، هيا يا صابر اهتم بالذبائح وأكثر من الهدايا واعتنوا بها انت والرجال حتي تصل لقصر الاغا خليل بأمان ، احتفالا بحفيده الجديد من قرة عينه وابن أخيه ورفع عينه لسولاف وفارس وكأنه يسمعهم لكلامه ويتمني لهم ذلك ، ثم قال لصابر وأبلغ سلامي للتوأمين وانني ساتي لهم في القريب العاجل ، نظر لها فارس مبتسما وقال هل فاتني الكثير ، اري ان جدي أصبح صديق الاغا ، منذ مني هذا الحب ، ضحكت وقالت سامحك الله جدي دائما يحب الجميع ، نظر لها وقال أنفك أصبح طويلا سولافي ، ضحكت وقالت ، ها ، انت الان تقلدني ، و فردت يدها بطريقه مسرحيه وقالت ، ولكني دائما الافضل ، وساقول لك السبب ، ابتسم لها وقال هيا الان لنسلم علي امي اسماء وبعدها سنذهب انا وانتي لمشوار قريب وبعدها سنعرف السبب وايضا الحكايه ، شهقت بخضه ، وقالت الم تشبع من الحكايات بعد ، قال لها اريد أن اعيش ماضي سولافي وحاضرها ومستقبلها ، واعرف عنها ما لم اعرفه من قبل وتعرف عني ما لم تعرفه هي من قبل كما أني اريد التعرف عليك بطريقتي الخاصه وايضا احب كثيرا أن تتحدثي امامي كثيرا ، كما أن حكايتها نحن لم تنتهي بعد ، خجلت وفركت عنقها وقالت انت تحرجني الان ، ابتسم بجانب فمه وقال لماذا الآن هل لأنني اقطف الفراوله خاصتي كلما تحدثتي أكثر ، سأظل هكذا دائما وابدا ، هل من اعتراض ، هزت راسها بلا وقالت ولكني ساقول لك السبب فقط ، احتضنها وقال بهمس مثير ، والحكاية أيضا فأنا مشتاق ولدي طرقي في الإقناع ، رفعت ذراعيها واحتضنته وقالت ، وبماذا ستقنعني ، هز رأسه بتفكير ، حفله المعهد الخاص بيكي التي ستقام في اسطنبول سنقوم بالذهاب إليها وايضا ستقضي يومين عسل مع عسلي الخاص بي ، فرحت كثيرا وقالت هيا هيا لامي الان ، رد عليها متحمسا افهم من هذا الحماس أنني ساسمع الموضوع والسبب عند العودة ، نعم ستسمع ولكن اين هو مشوارنا بعد امي ، فمسك يدها وقال لها حبيبتي ، ستزور امي وبعدها سنذهب للطبيبه ، لنعرف ماذا يحدث معك مؤخرا من أعراض كالدوار والآلام المعدة وايضا شهيتك لا تعجبني ، حبيبي انا بخير صدقني ، هز رأسه وقال نعم نعم ، اعلم ولكني اريد الاطمئنان ، تمام سافعل ذلك لاجلك فقط وذهبا للقصر للاطمئنان علي امهم اسماء ومن ثم الذهاب للطبيبه ، وعند الطبيبه قاموا بالفحوصات اللازمه والكشف الطبي وأخذا موعد آخر لمعرفه النتائج والأسباب ورجعا معا للبيت ، فقال فارس هيا نبدا من اين ، قالت له هل تريد البداية أن السبب ، قال لها ابدئي بالسبب لاني حقيقي اريد أن أعلم متي حدي والآغا وصلوا لهذه المحبه ، ارتسم الحزن علي ملامحها وقالت ، منذ أن مرض الاغا وأصبح ملازم الكرسي المتحرك دائما ، منذ المحن تتقرب القلوب يا فارس ، حاول تهدأتها وقال ، شفاه الله وعفي عنه ، ولكن لماذا كل ذلك ومتي حدث ، قالت له فلتطلب له الرحمه وليس الشفاء فهو قد توفاه الله منذ فترة ولكن قبل وفاته بفترة طويلة كان مريض وكان جدي علي علاقه طيبه معه ، فلنبدء من البداية ، فنظر لها باندهاش وقال ، رحمه الله رحمه واسعه ، ولكن انتظري ومن اين علمتي الموضوع ، قالت له من سولاف ، اندهش بل أنصدم هل من سولاف أخري ، ضحكت وقالت سولاف يا عمري الم يقولون أنه يخلق من الشبه اربعون ، ولكن لكل منا حظها ، هل تخيلت يوما أن تبحث عن اشباهك الاربعون ولكنها أيضا ، ورقه شجر مقاتله ، وبشدة يا فارس وبشدة ، هي أيضا شبيهتنا ربما واحده من الاربعين أو ربما ليست في الشكل ولكنها في الكثير من المعاناه والصدمات وايضا الحب ، هذه البلد يا فارس بها الكثير من الحكايات والكثير أيضا من المقاتلات وورقات الشجر ، شوقتني ولكن هيا سأحضر لكي كوب عصير وقهوتي ونبدا معا ، وبالفعل بدأت من قصر الاغا خليل وابنتاه وزوجته المتوفيه ، وفي صباح اليوم التالي ، وتحديدا قصر الاغا خليل في مقاطعه خطاي وعلي سفرة الافطار وفي غرفة جلوس قصر الآغا الكبير - صباح الخير خليل آغا ، الإفطار جاهز في الشرفة الأمامية كما طلبت سيدى ، - سلمت يداك فخرية ، اذهبى وأبلغى البنات ، تعلمين لا استطيع تناول لقمة إن لم تشاركننى الطعام ، - سأنادى على ايلاف هانم وسولاف هانم أما السيدة الصغيرة فكما تعلم ، - أعلم أعلم ، طارت مغادرة البيت باكرا ودون إفطار كالعادة ، نيسا ، انتظرك في الشرفة ولا تنسى إحضار جريدة الصباح من المدخل عندما تعودين ، غرفة ايلاف وابنتها - صباح الخير ايلاف هانم، هل تحسنت الصغيرة عن البارحة ؟ هل انخفضت حرارة طفلتى ؟ - آه فخرية لا تسألى جنم لقد كانت ليلة صعبة جدا، لم أتوقف لحظة عن قياس حرارتها ولا عمل الكمادات الباردة لها، لقد نامت منذ ساعة فقط تقريبا ، - أعلم يا ابنتى، كان قلبى عندك طوال الليل، كنت أراقب ضوء غرفتك من نافذتى وأدعو لك ولحبيبتى دينيز طوال الليل، ولكن ، كما تعلمين لم اجازف بزيارتك ليلا حسب قوانين خليل آغا ،. يعنى نحن لم نعد مثل ال ،. اقتربت ايلاف من فخرية التى لم تكن تعنى لها ولأخواتها مجرد مشرفة منزل أو مربية عاشت بينهم وفى خدمتهم لسنوات ، وإنما كانت لهم بمثابة خالة حنون أو بديل عن أم رحلت حديثا ومازال جرح فراقها في قلوب بناتها ينزف ، عانقت ايلاف فخرية واحتضنت جسدها الممتلىء الدافىء الذى يذكرها بحضن افتقدته كثيرا ولكنه لم يعد موجودا : - لا تقولى هذا فخرية، أنت والعم جميل أفراد من العائلة وأبى في حياته لم ينظر لكما بنظرة أخرى ، إنه يحبكما كثيرا ويحب كرم كذلك رغم كل ما ، - رغم تجاوز ابنى لحدوده أعرف ، تهوره بأن تطلع لأعلى من مستواه اعترف ، اعرف كزم أن بهار هانم حلم أبعد من منال ابنى بكثير ،و أعلم بأن محبة الآغا لنا لا تنفى مكانتنا الحقيقية هنا ، كونى خادمة وطباخة هذا المنزل وأن زوجى سيظل دائما سائسا لخيول الآغا وفقط ، - فخرية لا تفكرى هذا ، أرجوك ، كما وأن بهار هى ،. - بهار احبت ابنى بصدق أعلم ، ولكنه هو من سمح لها بذلك ، لو كان صدها من البداية لما تعلقت به ولما اضطر ابنى للسفر بعيدا عنا الآن ، ولما تغير الآغا في تعامله معنا ، - آه لست أدرى ما أقول الآن، لا أريد التأخر عن أبى الذى ينتظرنى على السفرة ولكن ، ولكن أريدك أن تعرفى شيئا واحدا فخرية ، نحن لا نختار الحب وإنما الحب هو من يختارنا ، لو كان بأيدينا لأخترنا الأنسب والأضمن والأكثر أمانا ،ولكنه لا ينجح ، لأن قلوبنا ليست ملكنا ، إنما هي ملك لخالقها ، يزرع فيها حب من يشاء وقتما يشاء ،وأحبابنا هم قدرنا الذى قد يكتب لنا أن نعيشه سعداء ، أو تفرقنا الأيام ونبتعد ولكننا حينها لا نفترق كقطعة واحدة ، بل أشلاءا، لأن ذلك الراحل سيأخذ معه قطعة من روحنا ويترك فينا قطعة منه لتسكن فينا إلى الأبد ، كما ستكون تلك القطعة ملكه هو إلى الأبد ، عندها بكت فخرية أكثر ، حزنا على قلب ابنها الم**ور وقلب بهار المشتاق وقلب ايلاف المعلق ما بين أرض وسماء ، ما بين طفلة عليها أن تمنحها كل الحب والرعاية ، وما بين حاجة الأنثى المعذبة المحرومة التى بداخلها ، تلك الأنثى التى وجدت نفسها يوم زفافها الحزين تعانق ذراع حبيبها فراس الذى لم يخفق قلبها يوم لسواه ليسلمها سعيدا سعادة الأخ بزواج أخته إلى يد زوج بارد القلب وميت الروح لم يعاملها كأنثى لحظة واحدة ولم يعطها المجال لتحبه مهما حاولت .
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD