كل شيئا يمكن ان ينسى ..
إلا خيبة قد اصابت عمق الوريد !
•¤•¤•¤•
لا تتذكر كيف قضت تلك الساعتان قبل ان يتحركا ، وكيف ارتدت ملابسها وكيف حتي استقلت السيارة؟؟ .. كل ما تعرف انها كان تركز جل تفكير بما سيحدث بعد اقل من ساعة .. كيف ستقابلهما؟ ، وماذا سيقول ؟ بماذا ستخبرها فريدة لتبرر خطأها؟؟ .. لم ترد مناقشة ادهم بذلك حتي لا يزداد توترها .. قررت ترك هذا للموقف ، علي تصور بأنها لن تصل الي تلك النقطة ، التي تعطيها بها والدتها المساحة للتفسير والتبرير .. ذكري حديثها المؤلم معها تلهب قلبها .. تشعرها بالغضب والخذلان .. تشعر بانها ليس مضطره لفعل ذلك ، ليست مضطرة لاسترضائها .. تلك المشاعر السلبية التي ظلت تراودها طوال فترة طفولتها وحتي مراهقتها الي ان تعافت منها خلال سنوات دراستها بالجامعة .. تعافت منها ولكن بقي بؤس معايشتها ينبض داخلها كلما فتح الامر من جديد .. لهذا كانت اكثر من حريصة علي تجنب الحديث عنه او حتي مناقشته مع احد .. حتي والدتها حاولت العديد من المرات ، ولكنها وجدت الرفض القاطع من فريدة ، والذي تنهيه دائما بابتسامة ضعيفة وكلمة ساذجة تخدع نفسها بها "كل شيئا علي ما يرام" .. حتي "بن" فشل بذلك ، ولكنه اكتفي بإرشادها من بعيد للصواب ، علها تكتشفه بنفسها .. كانت ردها عليه بكل مرة "نستطيع ان نسامح كيفما نشاء .. لكن يبقي دائما شيئا داخلنا يرفض تقبل خذلان الاخرين لنا ، وقت احتياجنا لهم "
لم تنتبه لوصولها وتوقف السيارة امام العقار الذي تقطن بها .. لم تنتبه حتي ليد ادهم التي كانت تضغط علي يدها بشده .. تقابلت نظراتها معا قبل ان ينحني ليقبل جبينها بعمق ، حريصا علي ان تطول القبل قدر المستطاع ، لتزيل عنها كافة توترها وقلقها .. همس لها وهو يجذبها لص*ره : لا تخافين شيئا فريدة بوجودي معك ، وثقي بي !
اومأت له فترك يدها ليهبط وما ان كاد يهبط حتي جذبت ذراعه مره اخري ، وهي تقول بارتباك بينما تنظر للشارع ومحل شقتها : ادهم انا مازالت مصره علي انه من الافضل ان اقابلها بمف...
قبل ان تنتهي من جملتها كان يزجرها بنظره غاضبة وحاده لم تراها منذ فترة .. اشار لها بطرف عينه الي الباب ، وهو يفلت ذراعه ويفتح الباب ويهبط .. لم تجد مفر من مواجهه الامر .. معه .
● ● ●
نظر لها عادل فوجدها منجذبه لحديثه وطريقته الدرامية فقص الحكاية عليها .. تعلم ان ما يقوله حقيقة وليس مجرد حكاية .. تعلم انها حكايته الخاصة الحقيقية ، ولكنها فضلت ان تدعي انجذابها بالقصة ، لا الابطال .. شيئا بنفسها اخبرها بأنه لن يكون سعيدا بتعاطفها معه ، الحقيقة انها لا تعرف كيف يمكن ان تفعل ذلك التعاطف ! .. هي لم تكن من أولئك الذين يعبرون عن مشاعرهم بسهوله ، هي لا تعترف شيئا بالمشاعر بعدما اصبحت مشاعرها حطاما لا يذكر .. لذلك استمعت منه باهتمام ، لا تعاطف !
اكمل بعد ان رأي بعينها نظره تحثه علي ذلك :
"قد انفجرت السيارة وازداد لهيبها ، حاولت جذب هيلينا بعيدا عن الحريق بصعوبة ، لكنه النار كان لها رأيا اخر .. اصرت علي ترك تذكار واضح لنا ، وكأن ما حدث بتلك الليلة لا يكفي .. اصاب الحرق وجه هيلينا بعده اماكن .. كان حرقا قويا من الدرجة الثانية ، وبمنطقة الانف كان من الدرجة الثالثة .. كان مؤذيا لدرجة جعلتها ترتد ارضا معي ، وعندما سقطت كانت قد فقدت الوعي وانتهت تلك الليلة بالنسبة لها .. اما انا فأبت تلك الليلة ان تنتهي .. عندما اتت النجدة تم نقل والدتي معي بسيارة اسعاف .. قبل ان يقوموا باستخراج جثمان "علي" من السيارة المتفحمة ، او بالمعني الاصح بقايا جثمانه .. كيف مضت الليلة وكيف مضت الليالي التي تلتها ، لا اعرف .. ما اعرفه انني لم ابكي بذلك الوقت .. ولا بأي وقتا بعدها .. جزءا مني قد انتزع بعنف حينما غطي التراب جسد "علي" .. الجميع كان قلقا بشأني ، كنت اشعر ان ما امر به ليس حقيقيا ، "علي" لم يمت .. كل ما كنت افكر به ، انني لن استطيع العيش بدون يوما واحد .. ولكن الغريب بالامر انني قد عشت ، عشت لسنوات ليليان .. مررت بأيام كنت اتمني بها لو انه موجودا معي .. تخيلت كيف سيكون ان كان هنا .. كنت اعتقد ان ما حدث هو الشئ الاصعب ، والاكثر ألما علي الاطلاق .. ولكن لا ، لقد مررت بأيام اصعب من لحظة فراقه ليليان .
بعد عده ايام من دوامة حزنه ، نظرت حولي ، ولم اجد احدا سوي جدتي 'ماثا' .. هيلينا ظلت بالمشفي تعالج من حروقها لاكثر من شهران ، بعدها خضعت لخمسة عمليات ترقيع للجلد بوجهها ، ولكن عظمة انفها التي قد اذيبت الي حد ما قد سببت لها عائق بعد ان فشلت عملية التجميل بها مرتين .. استطيع تفهم الامر بأنه كان صعبا ومفزع بالنسبة لها .. ولكن ماذا عني ؟؟ .. بعد تلك الاشهر الطويلة التي قضتها هيلينا بين عيادات التجميل والجراحة لم تنتبه لجرحا اخر لم يندمل داخلها .. جرح فقدان "علي" .. رفضت العودة لعملها بعد انقضاء اجازتها ، لمده طويلة صاحبتها كوابيس عن الحادث ، وبكائها المستمر الذي لم يكن ينقطع .. تبدلت علاقتنا تماما ، اصبحت لا تطيق رؤيتي أمامها ، كانت تصاب بنوبه عصبية ما ان تراني او تسمع صوتي بالجوار .. اتهمتني بأنني السبب بموت "علي" ، ظلت تردد انه كان يجب علي انتشال اخي قبل ان اخرج من السيارة ، وانني اناني لا استحق الحياة ، كان يجب على ان اموت معه .. وبأحدي المرات حاولت خنقي ، والغريب بالامر اني كنت مستسلم تماما .. تدخلت جدتي قبل ان تفعلها ، وعندما عرضتها علي الطبيب حولها الي استشاري امراض نفسية ، وهناك تم تشخيصها بأنها مصابة باضطراب اكتئاب ذهاني ، اي اكتئاب عقلي وليس نفسي ، حاد يصاحبه هلاوس وضلالات .. اودعت احدي المصحات العقليه لاكثر من سنة .. خضعت بها انا ايضا للجلسات النفسية للتأكد من مدي تتضرري نفسيا اثر ما حدث .. هذا كان اكثر شيئا قد فادني وانتشلني من بؤرة ضياع كادت ان تلتهمني .
بعد تلك السنة خرجت هيلينا تحت تعهد من 'ماثا' بالرقابة لحالتها .. نصح بعدم رؤيتها لي نظرا لخطورة ذلك علي صحتها العقلية .. ولكن مع الوقت اشارة طبيبتها الخاصة بامكانية هذا تحت اشراف .. بالرابع عشر من آذار ، وعند عودتي من المدرسة ، لم تكن جدتي بالمنزل لشراء بعض الاغراض .. كان محرما علي دخول غرفة والدتي ولكن صوت بكائها الحار جذبني .. لم يكن صوت البكاء ينبعث من غرفتها بل من غرقتي .. عندما دخلت كانت تمسك بصورة تجمعنا ثلاثتنا ذات يوما قضيناه بالملاهي .. قد اخرجت الصورة خارج البرواز .. وبدأت تقبل صورة "علي" بجنون .. عندما شعرت بوجودي التفتت لي بسرعة ، فتراجعت وانا افكر بالهروب .. ولكن صوتها الحاني جعلني أتيبس بمكاني ، انحنت لتجلس ارضا وهي تشير لي اشاره ودية بالاقتراب ، قالت بصوتها الحاني الذي كنت قد افتقدته : لا تخف مني عادل ، لن اؤذيك .. كنت انتظر عودتك .. انا اسفة علي ما فعلته ، اعذرني عزيزي ايضا علي ما سأفعله .. اعلم جيدا انني مضطره لذلك بني .. انا طماعة عادل ، كما اردت المال سابقا ، اردت ان احصل عليكما انتما الاثنين ، لم استطع تقبل فقدان احداكما .. واعتقد انني لن استطيع ذلك .. اما انتما الاثنان ، واما لا احد .. وبما انني لن استطع التخلص منك ، وجعلك تلحق بأخيك ، اعتقد انه كان لزاما على قتل نفسي ، حتي اتخلص من ذلك الشقاء .. من اجل هذا ارجوك سامحني .... طوال فترة حديثها كانت غير متزنة ، مترنحة وعينها زائغة ، ومع انتهاء حديثها كانت قد افلتت يدي وسقطت ارضا مسبلة عيناها بذبول .. انكببت عليها احاول افاقتها ، بالطبع لم يخطر ببالي انها قد تناولت اكثر خمسون قرصا من انواعا مختلفة من الادوية .. لم يخطر ببالي او ببال احد انها قد انت**ت بمرضها مره اخري .. لم يخطر ببالي انها الان امامي قد انتحرت .. قد ماتت .. للمرة الثانية عانيت من آلام الفقد ، ولكن هذه المرة مختلفة .. كنت قد اصبحت اكثر رشدا واكثر وعيدا بما حدث وبرودا واقل تأثرا .. بالاساس لم يشكل الامر فارقا ، فقد اعتدت فراقها منذ وفاة 'علي' .. الامر الذي شكل فارقا ، هو ذلك الغل والحقد الذي نمى داخلي تجاه سببها بالانتحار .. لقد فضلت ان تحرمني منها علي ان تبقي بجواري ترعاني .. كان من الافضل بالنسبة لها ان اموت علي ان اعيش واذكرها ب 'علي' .. تبا لتلك الايام ، لم تكتفي بعد جعلي اتجرع مرارة الفقد !!
بعد سنتان ، توفت 'ماثا' وفاة طبيعية .. فقط بأحدي الايام تأخرت بالنوم والاستيقاظ للمدرسة ، وعندما استيقظت بوقتا متأخر اكتشفت حقيقة موتها .. نفس الطقوس الرتيبة ونفس المراسم لكن بهذه المرة بكيت .. بكيت حقا ، بحرقة ، بألم ، بكيت لادركي اخيرا لحقيقة موت 'علي' ، وموت هيلينا ايضا .. بكيت لانني قد اصبح وحيد بدون عائلة .. بكيت لان "ماثا" كانت اخر شخص يذكرني بأن هناك مازال احدا يهتم لامر .. بعدها تم وضعي باحدي مراكز الرعاية للاطفال ، بما انني كنت تحت السن القانوني ، لم يكن لي اقارب يمكنهم التكفل برعايتي .. تم ابلاغ السفارة المصرية بضروره استدعاء عبد الرحمن البال لاستلامي من هناك .. احتاج الامر اسبوعا كاملا لكي يأتي .. علم بموت علئ وموت هيلينا ، والحقيقة انه كان متأثرا يمكن اكثر مني .. عندما عدت الي مصر لم امكث بها لاكثر من ثلاثه اسابيع .. انا حتي لا اتحدث العربية ، بدا الوضع مريبا .. بالبداية اتي بي الي شقة لا يمكث بها احد سوي خادمة .. كان يحاول ان يظهر تعاطفا معي ومعي حالتي النفسية بطريقة اثارت غثياني .. لم اتقبل فكرة تخليه عنا طوال تلك السنوات .. لم اصدق انه لم يستطع العثور علينا .. كنت مشحونا بطاقة غاضبة وحاقدة علي كل شئ ، ومع ذلك لم اعاتبه بالرغم من المرات الكثيرة التي كان يجالسني بها ويتحدث لساعات عن مدي حبه لي وافتقاده لنا انا واخي وانه الي الان لا يستوعب موته .. هراء ، مجرد هراء .. اخبرني انه يعمل لفترة طويله تجعل من الصعب عليه المبيت معي وللحق .. كان هناك بعض الليالي قد امضاها معي ، واخذني بعده جولات ليعرفني علي بلدي كما يدعي .. الا ان جاء بيوما واخبرني بأنه قد تزوج من سنوات وله اطفال اكبرهم بالثانية عشر من عمره اي اصغر مني بثلاث سنوات مما يعني انه قد تزوج ومضي بحياته بعد رحيلنا بسنة واحده تخيلي .. كيف امكنه ذلك هذا العاهر !! .. بدون ان افعل اي شئ جمعت اشيائي وعودت الي ألمانيا من جديد .
امضيت تلك السنة متخفي من الشرطة الي ان وصلت للسن القانوني واستطعت العمل واستلام املاكي .. الحقيقة انها لم تكن املاك بالمعني الاصح ، كانوا مبلغ 100 ألف دولار بالبنك باسم والدتي .. والمنزل الذي قمت بالتخلص منه وشراء شقة صغيرة .. عشت فترة تسكع فارغة لا معني لها .. الجدير بالضحك بالأمر انني اتخذت بعض الوقت لافهم حقيقة اختلاف ديانتي كمسلم عن ديانة جدتي وامي كمسحيين .. اتخذت وقتا طويلا لاستوعب الاختلاف بينهما .. عائلتي لم تكن متدينة تذهب للقداس .. ولكني بعد عده سنوات قررت ان افعل .. قررت ان اختار ديانتي بعدما كفرت بالاشخاص .. قررت ان اري اي الطرق يمكن ان يوصلني للرب .. سلكت نهج كل الديانات السماوية وغير السماوية حتي وصلت لدرجة الالحاد ، وعشت سنوات كثيرة تائها ، لا اعرف رب .. كنت شديد الاقتناع بما غذي لدي من معتقدات ودلائل عن إلحادي .. قرأت بالفلسفة والمنطق لاعرف كيف ارد علي افكار المجادلين بالحجج .. حتي اصطدمت بشخصا عادي بل اقل من عادي ، استفذه حديثي باحدي الحانات عن حقيقة وجود الرب .. وجدته يستدير لي دون سابق حديث ويقول : اثبت لي انت عدم وجود الاله ، بما انني لا استطيع اثبات وجوده !! .... ومن هنا بدأت صداقتي مع ادهم .. ذلك الشاب الكادح ذو 19 عاما "
● ● ●
عندما توقف بهما المصعد بالطابق الرابع ، تيقنت بأن المواجهة باتت علي بعد خطوات منها .. الحقيقة ان ادهم لم يكن يمسك بيدها بنفس القوة التي كانت تفعل هي .. ألهذه الدرجة هي خائفة من رؤية والدتها ؟؟! .. انفاسها تصعد وتدخل بقوه ، بكل المرات التي كانت تأتي بمثل تلك الزيارة الي والدتها ، لم يكن هذا ابدا شعورها .. كانت تكاد تطير فرحا ولهفة .. ماذا سيحدث فقط لو تخيلت انها احدي تلك المرات ؟؟
قبل ان يمتد ترددها اكثر من ذلك ، وجدت يد ادهم تسبقها وتضغط علي جرس المنزل ، ولم يحتج ليفعل ذلك مرة اخري لان الباب قد فتح من اول مرة !!
● ● ●
اعتدل بوضعية نومه ليري اثر حديثه عن ماضيه ، علي ليليان التي تقبع بحضنه ، ولكنها نوعا ما اصابته بالاحباط ، ما ان رأها تغط بنوما عميق وانفاسها الناعمة تداعب عنقه .
شرد من جديد بملامحها الهادئة ، لم يكن يتخيل ابدا انه سينجذب يوما لأمرأة .. والاكثر غرابة بالامر انها لا تحبه .. لا يعرف كيف حدث هذا ولا حتي متي .. كل ما يعرفه هو انها بطريقة ما تجذب شيئا بداخله ، اعمق من مجرد شهوة عابرة .. يريد ان يراها دائما بخير ، يريد ان يصلح ما افسدته الايام بحياتها .. كلما رأها تنغمس بالخطيئة يوما عن يوم ، يشعر بغضب مكبوت لا مثيل له .. من اجلها رفض العمل بتجارة الرقيق ، والتجارة البشرية بصفة عامة .
عندما رآها اول مرة بمكتب جاستن ، استطاعت ان تحرك بداخله جانب انساني ، اعتقد طويلا انه انعدم .. حديثها مع والدتها الع***ة ، قوتها وشراستها ، حتي تحديها الاعمى امام قوه لا تعرف حدودها .. كل هذا جذب بشده اتجاهها .
علم جيدا ان باللحطة التي سيتركها لمصيرها ، سيرسم الموت نهايتها .. ذلك الشعور استولي علي كيانه ولم يترك له مجالا حتي للتفكير .. اثارت بداخله جانب الحماية والمسئولية ، وهذه اشياء لم يكن يعلم شيئا عنها من قبل .. اعتقد انها بحاجة الي فرصة لتحي حياة تليق بزهرة نضرة مثلها ، بعيدا عن الوحل التي انغمست به .. لو كان بحياته يؤمن بشئ ، فهو يؤمن بان كلا من يستحق الحصول علي فرصته كاملة .. فرصة تعيد حياته الي مسارها الصحيح من جديد .. تماما كما كان هو بحاجة الي فرصة يوما ما .
بتلك اللحظة التي اقتحم غرفتها وهي علي وشك نحر عنقها .. تبادر الي ذهنه نفس المشهد القديم .. مشهد انتحار والدته .. ما لم يعترف به لاحد يوما ، ولا حتي لنفسه .. هو انه يحمل نفسه ذنب موتها وموت اخيه ايضا !
تري ماذا كان سيحدث ، اذا اخذت والدته فرصتها في الحياة بشكلا اخر .. اذا كان انضح حينها ليستطيع اخراجها من محنتها ، الوقوف بجانبها بدلا من التسليم بالواقع كونها مريضة ميؤس من شفائها .. تري ماذا كان سيحدث اذا اخذ اخيه فرصته في الهروب من الموت ، في النجاه ، فرصته في الحياة !! .. بالتأكيد كانت ستتبدل الكثير من الامور .
لم يفهم يوما مشيئة الرب في ان يراقب من علياءه عباده بينما يعانون ، ويتعذبون ، ويموتون ، بينما بمقدوره انقاذهم !! .. لذلك اتخذ علي نفسه عهدا ، بمنح من يستحق فرصه في النجاه ، مادام يستطيع ذلك .. ولكن هل هذا فقط ما حدث جمعه ب ليليان ؟!!
● ● ●
عندما فتح الباب اطل من وراءه "احمد" ، شقيق فريدة وعلي وجهه ابتسامة مبتهجة تكاد تصل الي اذنيه .. يبدو عليه التغيير كثيرا ، لحيته البنية الداكنة قد نمت قليلا ، وجسده قد ازداد عرضا واكتسب وزنا .. لقد اصبح الفتي المراهق الذي تركته بالعام الماضي شابا يافعا ووسيم .. لولا نظراته الطبية العتيقة ، والذي لم يتخلى عنها يوما ، لم تكن لتتعرف عليه !
اول شئ تفوه به بحماس بالغ وعينه تتعلق بفريدة التي تقف وهي ترسم ابتسامة متوترة ولكنها سعيدة : فريدة !!! .. ثم انتشلها فورا بين ذراعيه بحضنا حار ودافئ يحمل حنين وشوق اكثر من عاما .. كان يدمدم لها ببضع كلمات ما بين الشوق والعتاب لم تتبينهم فريدة مأخوذه بحرارة اللحظة
بعد ثواني لم تحصيها ابتعد عنها بصعوبه وهو يتفحص وجهها عن قرب بأهتمام بالغ ولهفة .. ثم تمتم لها : كدت اموت خوفا وفزعا عليكي .
ردت عليه بشوق وخجل وهي تمسك بيده وتتأمل لحيته التي نمت فزادته وسامه : بخير احمد .. كيف حالك انت ؟؟
اتسعت ابتسامته وهو يجبها : انا بخير حبيبتي .. استدار بعدما وجدها تواري وجهها وعينيها التي تفيض بالدموع ، لينظر لادهم الذي يقف بتحتفظ مكتفي بمراقبة هذا المشهد الدرامي : ا/ ادهم !!! .. اعذرني ، لقد غفلت عن الترحاب بك .. انا لست بحاجة لدعوتكما للداخل .. قالها وهو يغلق الباب ، ويتلقف يد ادهم الممدوده بسلام ودي .. بسبب تلك الحركة فضلت فريدة ان تنحسر خلف ادهم ، ولكن يده التي ألتفت حول خصرها دفعتها بجانبه لتمنعها من ذلك .. وكأنه يفهم جيدا ما يدور بذهنها .
قال أدهم ما ان اصبحوا بصالة الاستقبال : من فضلك ادهم فقط .. لا داعي للتكليف ، نحن عائلة واحده .
اومئ له أحمد بسعادة ولم يفكر كثيرا فقد توجهت انظاره مره اخري لفريدة التي تطالع كل شيئا حولها بعينا متسعة مترقبة ، كنت فريدة تتقدم ببطئ وهي تتأمل الشقة والتعديلات الاخيرة التي جدت عليها ، وقد رأتها من قبل بمكالمتها المرئية معهم .. تغير لون الطلاء من اللون الكريمي للون الفضي وبعض الاركان كانت تتخذ اللون النحاسي .. لم يكن يبدو علي الشقة الثراء ، ولكن كانت مرتبة وعصرية بشكلا بسيط وانيق .. الحقيقة انها الان افضل من اخر مرة قد تركتهم بها ، حتي الاثاث قد تبدل ولكن ترتيب الشقة لم يتبدل .
علم أحمد حينها انها تبحث عن شيئا ما .. اقترب منها بثانية وقبل ان يوشك علي اخبارها بشئ قبل ان يسمع صوت والدته التي تناديه وهي قادمة بخطوات سريعة اتجاههم .
ما ان عبرت ممر الغرف واصبحت تقف بصالة الاستقبال حتي وقعت اعينها علي فريدة التي تقف بارتباك بجوار أحمد ورجلا اخر .. انزعجت ملامحها وهي تطالع ادهم سريعا ثم تعاود نظرها لاحمد مرة اخري وهي تقول بعتاب وتوبيخ بينما تتقدم نحو فريدة سريعا : لما لم تخبرني بمجيئها ؟؟
سمعت فريدة طنين ضربات قلبها وصداها بين اضلعها يعلو ، وهي تستعيد رباطة جأشها وتأهبت للرد سريعا ، حتي تتجنب المشادة التي وشك الحدوث : ماما من فضلك اناا...
لم تكمل جملتها بسبب وصول والدتها لها ، وجذبها بشده الي احضانها وهي تتمتم بشجن ممزوج بالشوق واللهفة : فريدة حبيبتي انتي هنا !!
كان الجو مشحونا بأجواء من فوضي المشاعر المتوترة لذلك تنحي ادهم بعيدا ليتسني له فرصة مراقبة اعين فريدة افضل
● ● ●
تردد صوت انفتاح الباب بقوة بين ارجاء الغرفة الواسعة المظلمة ، والمكتومة .. مما جعل من تلك المتكومة ارضا مثالا حي للفأر المذعور عند الامساك به بين اسلاك المصيدة .
دخل بأشمئزاز للمكان وهو يأمر رجاله بإنارة الغرفة والوقوف قرب الباب .. ضاع الضوء الاصفر الباهت بين ضباب عطن الغرفة ووسعها .. تقدم بضع خطوات يهبطهم بتأني يزيد من نفضات تلك المذعورة ارضا وكأنها موصله بتيار كهربي .. عندما اصبح علي مقربة منها زحفت بجسدها للخلف وهي تص*ر انين متألم بسبب تهشم عظامها علي مدار يوما كامل من التعذيب والضرب .
ادار عينه بتأفف وضيق وباللحظة التالية كان يمسك بشعر المشعث بين اصابعه ويرفعها بغلظة : اثبتي ايتها الوضيعة !!
صرخت عاليا بصوتا ضعيف ومبحوح ممزق من كثرة البكاء ، ومن ثم امسكت يده التي تقبض علي شعرها بينما تعتدل لتركع امامه بفزع وهي تتمتم : ارجوك جاستن .. ااا سيدي اعتذر .. ارحمني .
حقا لم يكن عليها ان تتفوه بتلك الكلمة .. ما ان فعلت حتي لحقتها صفعة قاسية اطاحت بوجهها وجعلتها تبثق الدماء من جديد ، وتشعر بأن هناك زوجين من اسنانها قد تهشما هذه المرة لا محالة .
زفر بقوه وهو يعتدل بعد ان نفضها من يده باشمئزاز .. هز رأسه بينما يهدل كتفيه لتتبدل ملامح الغضب التي كانت تحتل وجهه ، بأخري اكثر برودا وهذا ما زادها ارتعابا .. تكلم بهدوء مميت وهو يخرج منديلا من معطفه ويمسح به يده جيدا ، وكأنه قد تلوثت بجرثوما ما : تبدين بحاله مريعة .. اذا لما اخبروني بأنكي ترفضين التحدث؟؟ .. حسنا بالنهاية هذا اختيارك ، ولكن اعلمي بأنني سأصل الي مكانه ، سواء اخبرتني ام لا .
اعتدلت بصعوبة وهي تحاول التحدث من بين الدماء التي تتدفق من فمها دون توقف : ارجوك .. ليس له ذنب .. انه مازال رضيعا .. اضافت بالنهاية بعد ان يأست من تحريك شيئا بداخله : انه طفلك !!
ابتسم ابتسامة واسعة مبطنة بالغل والشراسة وهو يقول بحماس مصطنع : اوووه .. لدي لكي مفاجأة .. لأجل هذا السبب اريد قتله .. لانه طفلي !
صرخت بفجع وهو تنتفض من مكانها : لا .. لا لا .. ارجوك .. اقتلني انا .. انا من اخطأت .. انا من يجب قتلها ، ليس هو .. ارجوك .
انحني عليها وهو يجذبها برفقا مرعب لتواجهه من جديد ، بينما يقول بلامبالاه بحالتها وكأنه يحدث طفل : هل تعلمين حقا خطأك "مارلين" ؟؟ .. هل تعلمي مدي فداحته ؟؟ .. اخبريني "مارلين" ما هو خطأك !
هزت رأسها بفزع وهي تهمس دون انقطاع : ارجوك
بقسوة كانت اصابعة تعدل وترتب خصلات شعرها المشعث والممزق .. وتمسح بخشونه خط الدماء الذي سال عن شفتيها متعمدا ايلامها .. قال بينما يفعل ذلك بفحيح يبدو ظاهريا انه مرتخي : لا لا .. لا تخافين .. اخبريني حقا ما هو خطأك ؟ .. لاي سببا لعين انا احتجزك هنا ؟؟
ازدادت شفتيها ارتعاشا ، بينما نوعا جديد من البرودة تدب به .. بروده من اوشك علي الموت وليس هناك مفر .. علت شهقاتها بشكلا يبدو انه ازعجه واصابه بالملل ، فتن*د بنبرة نافذه الصبر وحاده مميتة : انتي تستهلكين صبري بطريقة حمقاء .. لذا ، وحتي لا اتسرع بقتلك الان ، سأعود للتحدث لكي لاحقا ، حينما يأتوا بذلك اللقيط .. اعتقد حينها ستنفك عقدة لسانك !
استقام بسرعة وبخطي رشقية كان يبتعد عنها وهو ينفض يديها التي تمسكت به بغلظة .. ويرحل غير عابئ بتوسلتها التي تتدفق من لسانها **يلا لا ينضب .. وما ان اوشك علي فتح الباب للخروج ، تلفظت بأسوء جملة كانت ينتظر سماعها منذ ان امر بالبحث عنها
" آسفة .. لم يكن علي اخبارها بأمر انجابي لطفلا منك !! "
اغمض عينه ببطئ ليحتوي تلك الكلمات وليجعل اثرها يتردد بداخلها ، يملئ به فراغا موحشا وألما لا يخف ، جرحا مهما فعل لن يندمل !! .. طابقا تلك الكلمات بأخري حفظها عن ظهر قلب بذاكرته .. سمعها لاول مرة من عدوه الاول اللدود
" هل تعلم مما كنت تعاني زوجتك ؟ .. كانت تعاني من ادمان المهدئات جاستن ، زوجتك كانت مدمنه علي المهدئات لطوال سنتان وجاءت لي منذ 5 شهور تشتكي من انها لا تستطيع التوقف عن تعاطي المهدئات ، هل تعلم لما كانت تتعاطاها بالاساس ؟ بسببك انت جاستن لتستطيع ان تتأقلم مع مزاجك المتقلب ولتستطيع الصمود امام خيانتك المستمره لها ، والتغافل عنها ؛ لانها لا تستطيع تركك والعيش بدونك .. كانت تعلم انك مدمن جنس ولكن ماذا تفعل بكرامتها كأنثي التي تطعنها باستمرار ، فكانت تأخذ المهدئات بغرض تخفيف الام النفسي الذي تشعر به ومع الوقت ادمنتها .. ليس فقط ذلك ما جعلها تلجأ لي ، لقد علمت انك قد اصبح لك ابن من احدي عاهراتك وعندها لم تستطع الصمود وجائت الي منهاره تريد التخلص من حياته "
● ● ●
# يتبع