جالسا على أحد كراسي مقهى أنيق مفتوح وهو ينظر أمامه بنظراتٍ جامدة لا معنى لها
لا يكاد يبصر من يمر به أو من يراه و يبتسم و على الأخص من النساء
فقد كان في عالمٍ آخر لا يحب أن يخوضه الا مجبرا
عالم الواقع
مرت لحظات على جلوسه حتى يكاد من ينظر إليه يظن أنه قد تحول الى تمثالٍ خالٍ من الحياة و المشاعر الى أن أخذ نفسا عميقا قبل أن يلتقط هاتفه ليطلب رقما و ما أن سمع الرد حتى سعل قليلا كي يجلي حنجرته المتصلبة ليقول بصوتٍ باهت
السلام عليكم أستاذ مجدي أنا في غاية الأسف , أنا غير قادر على الحضور في الموعد اعذرني
جد طارئ منعني نعم بالتأكيد , أكرر أسفي مرة أخرى
ألقى بهاتفه جانبا على الطاولة وهو ينظر الى الطريق يراقب المارة و ال**برين .
الرجل مخلوق يجيد النسيان بل و يبدع به
الا الخيانة و الإهانة
وهو ذاق الإثنين معا
أستاذ عامر داشاي ؟!
رفع عينيه عن الطريق وهو يسمع السؤال الأنثوي المبتهج ليرى فتاة جميلة تنظر اليه بسرور , ترافقها اثنتان من رفيقاتها يماثلنها جمالا , ينظرن إليه بنفس الإبتسامة المتحمسة و كأنها واحدة تم توزيعها على الثلاث فتيات
استغرق عامر بضع ثوانٍ وهو يراقبهن ب**ت قبل أن يبتسم ابتسامته البشوشة ذات الطابع اللطيف ليجيب بهدوء و إيجاز شديد
نعم
قالت الفتاة بعينين تبرقان بشدة و ابتسامتها تتألق أكثر
بصراحة لم أكن واثقة أنك أنت أستاذ عامر داشاي لكن الحماس بداخلي من أن تكون أنت بالفعل جعلني أقرر المجازفة كي آتي و أسألك بنفسي .أنا سعيدة جدا بشكلٍ لا يوصف أقسم بالله
لم تهتز ابتسامة عامر و كأنه اعتاد على الإعجاب من حوله حتى بات روتيناً باهتا كحياته كلها
ما أن انتهت الفتاة من كلامها الغير مترابط حتى تنازل عامر قائلا بهدوء دون أن يفقد ابتسامته
أتوقع من هذا الحماس أنكِ قرأتِ واحدا أو اثنين من كتبي أم تراك تتابعين منشورات صفحة التواصل فقط ؟!
هتفت الفتاة تبدي انفعالها بوضوح
كل كتبك يا أستاذ ابتعتها و رفضت حتى أن أقرأها إلكترونيا , فالنسخة الورقية لها طابعا خاص و بالطبع أحفظ منشوارتك كلمة كلمة عن ظهر قلب )
اتسعت ابتسامة عامر قليلا لكنه لم يجب فلم يجد الفرصة بل تابعت الفتاة بلهفة و هي تقول مترجية
هل يمكنني التقاط صورة معك رجاءًا ؟
عدل عامر من قميصه و نهض بتنازل قائلا بصوتٍ رزين جذاب كان أن ي**ق عقولهن
بالطبع
فأسرعت الفتاة تقف بجواره و هي ترفع هاتفها كي تلتقط صورة ممتازة لهما معا تكاد أن تخلو من العيوب خاصة مع ابتسامته المضبوطة ذات القياس الرائع .
لا تتغير تلك الملامح المثالية الا لجزء واحد من الثانية مع التقاط كل صورة لا يلحظه أحد الا هو
...
اقتربت الخطوات بطيئة من مكتب الاستقبال .
و كأن من يخطوها يتأمل ما خلف المكتب بتمهل أو بالأصح من خلف المكتب
حيث تدير له ظهرها ب*عرٍ أ**د جميل و خصر نحيل هو مزيج يأسر أي رجل
لكن بالنسبة له الأسر ليس جسديا فقط بل هناك قيود أخرى قديمة لا يراها من حوله تربطه بها
وصل الى طرفِ المكتب الرخامي ووقف صامتا بملامح صلبة و عينين مظلمتين للحظاتٍ يتأمل تحركاتها البسيطة
قبل أن ينقر بأصابعه فوق السطح الرخامي مما جعلها تلتقط الصوت بأذنها المرهفة
فاستدارت على الفور ترسم على وجهها تلك الابتسامة الباردة المدروسة التي يكرهها بل يمقتها بشدة ابتسامة باردة لا تحمل شيئا من روحها المتمردة النارية
لكن سرعان ما فقدت تلك الابتسامة كما توقع ما أن رأته
هاتان الشفتان المغلقتان العينان الكارهتين حتى أصابعها التي توترت فوق جانبي تنورتها
كلها تفاصيل يحفظها عن ظهر قلب
تدبر ابتسامة جافة ترافق نظرات عينيه المتفرستين بها قبل أن يقول بجفاء
مر وقت طويل
ارتفع أحد حاجبيها مع تلك النظرة التي تخصه وحده بها نظرة مزدرية قبل أن ترد باقتضاب
عجبا و كأنه كان البارحة !
تحولت ابتسامته الى ضحكة خشنة قبل أن يرمقها بتفصيلٍ أكبر , بنظراتٍ زادت غضبا عن آخر مرة رأته بها نظراتٍ تفيض رغبة في التدمير
تململت في مكانها بسبب تلك النظرات على الرغم من فقدانها الكثير من العبث القديم لكن لا تزال لها نفس التأثير عليها تأثير تكرهه كما تكره صاحبه
سمعت الصوت البغيض يقول بفظاظة
سمعت أن من اخترتهِ طلقك و رماكِ ؟
إهانته طالتها و أصابت الهدف في ال**يم و في الواقع كانت تتوقع تلك المواجهة منذ طلاقها , فهو لم يكن ليترك الفرصة دون أن ينتهزها ليذلها حين يعثر عليها
منحت نفسها لحظة واحدة تمتص فيها تلك الإهانة قبل أن تقول ساخرة بصوتٍ ناعم جميل
سمعت ! ظننتك جعلت كل همك مؤخرا تقفي أخباري منذ أن رفضتك للمرة كم ؟! فقدت القدرة على عدهم منذ فترة .
الآن ألقت كرة الإهانة في ملعبه بهدفٍ لصالحها مما جعل ملامحه تتوتر للحظات قبل أن يميل الى الحاجز الرخامي بينهما قائلا بقسوة
ظننت الطلاق قد **رك و جعلك تدركين مدى ضعفك . و تعضين أصابع الندم على رفضك السابق لي
و ما أقدمتِ عليه , لكنك على ما يبدو لازلتِ في حاجة الى المزيد من دروس الحياة كي تؤدبك و أعدك أن تكون الدروس المقبلة على يدي أنا يا درة
مالت اليه أيضا و همست مشددة على كل حرف بكل طاقات الغضب داخلها
في أحلامك يا قاسم
التوت زاوية شفتيه و كأنه يحاول عبثا السيطرة على التهور المهدد بداخله قبل أن يتعالى صوته محدثا صدى في المكان
لا أعلم كيف يوظفون أمثالك !
ارتبكت قليلا و هي تنظر حولها ثم عادت بعينيها إليه سائلة بتوتر و صوتٍ خفيض مضطرب
ما الذي تحاول فعله الآن ؟!
لم يخفض صوته بل تابع بشكل أوضح و أعلى و عيناه على عينيها. مع ابتسامة خفية لم تغفل عنها
عليك أن تتعلمي الأدب
شحب وجه درة و ابتلعت ريقها بينما أنفاسها تتحرك بسرعة مع نظرات الناس من حولهم فهمست بصوتٍ ميت لا يكاد أن يسمع
ما تفعله يناسبك تماما منتهى الوضاعة !
لم تختفي الابتسامة و لم يجد الوقت ليرد فسرعان ما رأت رئيسها المباشر في بهو ذلك الفندق المتواضع ذو الثلاث نجوم يتقدم منهما مهرولا وهو يسأل بقلق من الجلبة التي حدثت
صباح الخير سيدي ما المشكلة , سنعمل على حلها على الفور
لم يتنازل قاسم بإبعاد عينيه عن عيني درة بل زادت النظرة فيهما تشفي و ارتواءًا وهو يقول ببرود
ما بال الموظفين لد*كم لا يتمتعون بأقل قدر من متطلبات المهنة و من الأدب !
ارتبك رئيسها على الفور و رمقها بنظرةٍ متحفظة بينما تجمد الدم في عروقها و نظرة قاتلة تحارب عيني قاسم في حربٍ شعواء بينهما
بينما تكلم المدير بصوتٍ لم يسمع بوضوح وسط هذه الحرب الضارية وهو يقود قاسم معه
أعتذر سيدي و سنحل المشكلة حالا
تحرك معه قاسم بضعة خطوات تحت نظرات درة القلقة الا أنه توقف للحظة ليدير رأسه إليها مبتسما
ابتسامة أبعد ما تكون عن السخرية أو المرح ابتسامة وعد وعد بأن الحرب بينهما لم تبدأ بعد !
و أن العقاب المؤجل آت