بين برلين والشافعية

1710 Words
بين برلين والشافعية     حل بي التعب والسهر وتداركني النوم ما ان غادرنا بغداد واتهادت السيارة في الطريق الخارجية . نمت واستيظت ونمت واستيقضت عدة مرات الى ان انحرفت لنا السيارة الى طريق جانبية غير بعيد عن مدينة الديوانية . قرية الشافعية حالها حال معظم قرى الجنوب . قرية بائسة انشأت في غفلة من الزمن على ارض ملحية سبخة . لذا لايمكن باي حال من الأحوال مقارنتها بقرى الريف الألماني ولا حتى بقرى اطراف بغداد او الضواحي الشمالية .حتى رائحة الهواء هنا مختلفة . لا شي في الشافعية يمكن ان يشبه مثيلاته في كل الأماكن التي مررت بها او زرتها او اقمت فيها من قبل . حتى اشعة الشمس هنا باهتة . ربما تكون غير ذلك, ولكني هكذا احسست بها . انحدرت السيارة بدرب تغطيه أوحال داكنة,بلون المياه الاسنة . رغم تطمينات ابي بان الطريق امنة وسالكة الا ان سائق سيارة الأجرة تردد كثيرا قلب ان ينحدر في الطريق, خشية ان تعلق سيارته في الوحل . انتظر ان تمر احدى السيارات كي يتبعها . فكان له ذلك . أخيرا توقفت السيارة امام باب صدئة صغيرة لبيت على المشارف الشرقية للقرية . يقع في اخر صف من صفوف البيوت المبنية بعشوائية والمطلة على ارض سبخة واسعة تتناثر في أطرافها أشجار نخيل باسقات . طرق بابا الباب وطلب مني ان انزل من السيارة :- ماما حلومي انزلي وصلنا بيت جدك . قالها بتصنع . انهى ابي والسائق انزال الحقائب ووضعوها على عتبة الباب المكان الوحيد غير الموحِل, قبل ان ينفتح وتطل من خلفه عجوز مجللة بالسواد تتكأ على عصى غليضة تشبه عصي رعاة الأغنام . انشغلت عن العجوز بمراقبة السيارة وهي تبتعد عائدة عائدةالى المكان الذي لم اكن لاتوقع مغادرته بهذه الطريقة . اعتلجت في قلبي الاف الحسرات . في الوحل المتطاير من تحت عجلات السيارة انغمست كل احلامي وتبعثرت كل امالي . استفقت على صوت العجوز :- هذا ياهو ..؟ محيسن ..؟ ودمدمت متبرمة بكلمات أخرى لم أتمكن من سماعها بشكل جيد . بادرها ابي بابتسامة باهته وقبل ان يقترب منها مقبلا يدها :- هلا يمَّه .. هاي بنتي أحلام .. أحلام هايحبوبتچ .. جدتچ .. قبل ان ينهي ابي عبارته الأخيرة . اخذتني جدتي بين احضانها واشبعتني قبلات . رغم الرائحة المحببة ومشاعر النفور التي اثارتها في داخلي بلهجتها المتهكمة التي استقبلت بها ابي الذي لم يعد في قلبي له باقي احترام الا ان دفأ احضانها بعث في الطمأنينة . لم ار جدتي ولا أي من اعمامي منذ ولادتي . كان ابي يذهب لزيارتهم في بعض المناسبات . الان انه لم يات على ذكرهم الا نادرا . فلم اكن املك تصورا مسبقا عن أوضاعهم وأسلوب معيشتهم . كنا  منقطعين عنهم تمام الانقطاع . جاوز عمر جدتي السبعين . نحيفة البنية سحنتها السمراء مشوبة بالصفرة . اختلطت عروق الدم الشذرية مع اثار الوشم البادية في أماكن عدة من وجهها ورقبتها وكفيها التي غطتها التجاعيد . كل ملابسها سوداء, وتضع فوق راسها عمة سوداء كذلك تشبه الى حد كبير عمائم البعض من رجال الدين . انهت سيل القبلات وابعدتني عن احضانها قليلا وخاطبتابي متهكمة :- :- يمّه محيسن ..؟ هاي بنت الانكريزية ..؟ تدني .. تدني بعد يدچخلينياعاينچ.. ريتچ بعد محيسن .. ثم فتحت ذراعيها من جديد واحتضنتني . كنت اعاني القليل من الدوراء جراء طول الطريق الا اني ارتحت لاحضان جدتي . ربما وجدت أخيرا حضنا دافئا واكتافا يمكن ان اتكئ عليها . كذلك فان الرائحة النفاثة للخضيرة والقرنفل والرشوش التي تتعطر بها جدتي قدانعشت روحي المتعبة. احتضنتها وتخيَّلت نفسي ارتعفي احضان ماما. عندها ظهر جدي من خلف الباب . . كان يكبر جدتي بعدة سنوات . رحب بابي بصوت اجش وأسلوب متهكم لا يخلو من استصغار مبطن بالعتب . ابتدا ترحابه بنوبة من سعال وانهاه بنوبة . :- هلا بويه ..عهههه .. هلا محيسن .. البي ذات .. هلا بالعايف اهله من اجل عيون الاجناب..عهههه. قبل ابي قفى كف جدي وركع امامه محاولا تقبيل قدميه . الا ان جدي ابدىاعتراضة واحتضن ابي من كتفيه على مضض . اشارت جدتي اليَّ بتودد  :- حبوبه هذا يدچ ( جدك ) سلمي عليه . وحبي على ايده ..( قبلي يديه ) :- هلوجدووو .. اجابني يصوت يشبه الانين:- هلا حبوبه . تدني تدني .. العتب على محيسن . ولا يوم كلف نفسه وجابكم . ولا كلف ..عهههووو تقربت منه كي اقبل يده فأصيب بنوبة سعال اجبرته على الانحناء ووضع اطراف يشماغه على فمه في محاولة لايقاف نوبة السعال . فيما بادره ابي بالقول :- يايههسه ما وكت العتب . خلنا ندش للبيت وبعدين يتمالحچي .. لو ما تريدنا ندش بيتك..!!؟ جدي متعب جدا . يبدو اكثر ضخامة من جدتي لكنه اكثر نحافة . احنت السنين ظهرة ولم يتبق منه سوى الجلد والعظام . ارتسمت التجاعيد على جبهته ورقبته . خيل لي بان راسم لوحة الرجل العجوز الذي يحمل على ظهره مجسم للمسجد الأقصى والتي كانت احداها ماطرة ببرواز من الخشب ومعلقة في ممر ثانوية الراهبات قد استوحى صورة جدي وملامحه عند رسمه لتلك اللوحته. أوجه الشبه بين ملامح جدي والصورة في اللوحة مثير للاستغراب , او هكذا بدا لي . كان جدي يرتدي دشداشه رصاصيةقصيره تتدلى باهمال بين الركبتين والكعبين . ويتمنطق بحزام من  قماش اخضر .ويعتم بغترة بيضاء كورها فوق يشماغه . اشفقت لحاله ولحال جدتي, وزاد حنقي على ابي . سيما وقد رايت انبجاس الدمع من مقلتي جدي عند معاتبته ابي . فسح لنا الطريق كي ندخل حقائبنا . ادخل ابي الحقائب بالتتالي الى احدى حجر الدار وبقيت محتجزة الى جوار جدتي في الفسحة بين الحجرتينالكبيرتين في البيت . اعاني من حرج اخبارهااخبارها حاجتي للذهاب الى التواليت . حاولت التلميح بذلك فلم افلح فاضطررت الى التص**ح مما اثار سخرية ابي وجدتي فلشار لي ابي الى مكان التواليت . بيتجدي مبني بطريقة غريبة . نصفهمبنيبالطابوق والنصف الاخر من طين .  بعد حين اكتشف ان معظم بيوتات الفلاحين في المناطق الجنوبية وربما الشمالية أيضا مبنية بنفس الطريقة . البيت عبارة عن غرفتين متقابلتين تربط بينهما فسحة ( طرمة ) والى الجوار من احدى الغرفتين غرفة اكثر سعة من الغرفتين المتقابلتين فيها بابين. باب مطل على الحوش وباب اخر يودي الى خارج البيت . زتلك الغرفة تسمى الربعة او المضيف ؟ أي انها مخصصة للضيوف . لا وجود لكلدور او استقبال او هول في بيت جدي . ما ان شاهدت التواليت حتى شعرت بالنفور . ههههه تواليت .. واي تواليت . مجموعة من الاجر مبنية بشكل غير منتظم الى جوار باب الحوش وضعت علىالفتحة المعدة كباب بطانية سوداء قديمة . ومسقوفة بصفائح معدنية علاها الصدء . اضطررت الى استخدامها وكان علي الانحناء كي لا يصطدم راسي بسقفها . كففت البطانية ودخلت . فكانت الماساة التي لايمكنني ان اصفها لكم . ولا ادري كيف اصف لكم حالتي حينها . كيف ساستمر بالعيش هنا .؟!! كيف استحم ومن سيغسل لي ملابسي . واي مدرسة تلك التي وعد ابي ان يسجلني بها . يا الهي كيف تغيرت احوالي فجأة . قد احتمل العيش هنا ليوم او يومين اما ان ابقى طيلة العمر فذاك امر لا يمكنني احتماله . اعتصرتنيالألام وحاصرتني التسؤالات وانا محجورة في ذاك المكان الضيق . تمنيت لو اني تمردت على ابي وبقيت في بغدادلاعيش مع مجموعة الايتام في مدرسة الراهبات . اين انتييا نيكول من كل هذا . بالمناسبة هذا هو اسم امي الذي لم تتح لي الفرصة  لاخبركم به  . وعصفت بي رغبة في البكاء كبحتها الرائحة الكريهة . اندهشتلبساطةالحياةولفقر الناس . !!. كان من الممكن ان احب تلك البساطة وذاك الفقر كحالة جديدة مكتشفة لحياة بدائية لاناس يعيشون في الربع الأخير من القرن العشرين لكن وبكل تأكيد لا يمكنني ان أعيش واتعايش مع تلك الحياة طيلة العمر . لا زالت امالي معقودة على إمكانية الالتحاق بماما والخلاص نهائيا من الحياة المق*فة التي فرضت علي . في كل لحظة اكتشف أشياء واشياء . بعد اقل من ساعة تجمع في بيت جدي ناس كثيرون . من بينهم ش*يقي ابي, مرشد وعباس . هم وزوجاتهم واولادهم وبناتهم . جائوا ليرحبوا بابي ويتعرفوا على ابنته ( الأجنبية ) . اشبعوني قبلات واكلوني بنظراتهم الشرهة . عبثا حاولت الهروب من نظراتهم الشرهة . عند الغداء علمت بان بيت عمي مرشد كان ملاصقا لبيت جدي . ذالك انهم اعدوا وجبة الغداء ونقلوا القدور  والصحون عبر الجدار الواطئ الفاصل بين البيتين . انفسم الجمع الى مجموعتين مجموعة ضمت الرجال والأولاد ومجموعة للنساء والبنات . اسلوبهم في تناول الطعام اثار ق*في فتوقفت عن الاكل. مجموعة من الايدي تمتد لتسحب من امامي لقيمات الثريد بلا حرج . كان الكل يسابق الكل في تناول الطعام . هذا عدى عن كوني لم اعتاد تناول الطعام بلا مل*قة . لاحظت جدتي توقفي عن تناول الطعام فقامت بسحب قطعة لحم من بين ايدي بنات اعمامي ومعستها باصابعهاالمتيبس المرتجفة وقدمتها لي . حركت اكتافي رافضة . فقالت متكمة :-فدوه حبوبه لا تتمرگصين وتهزين امتونچ .. اكلي يمَّه .. اكلنا طيب .. ما مثل اكل الانگريز .. !! ونظرت الى ابي الذي التفت الينا ما ان احس بان الخطاب موجه اليه . في البداية لم افهم معنى كلمةانگريز . تبين لي فيما بعد بان جدتي تقصد الإنكليز , فقد رسخ غفي ذهنها من أيام الاحتلال البريطاني للراق بان كل الأجانب هم من الانكليز  . بعد ان توقفت عن تناول الطعام برزت مشكلة جديدة . اين يمكنني ان اغسل يدي ؟ بعد ان انهى الجميع طعامهم لاحظت زجة عمي مرشد حيرتي فطلبت من احدى بناتها صب الماء على يدي من ابريق نحاس قديم علاه الصدأ واخضر لونه . قبل سنين زرت سوق الصفارين في بغداد وانبهرت بادوات النحاس التي كانوا يصنعونها ومن بين تلك الأدوات اباريق النحاس ولاني حينها كنت اتابع احدى المسلسلات التاريخية ابان فترة الخلافة العباسية حيث تقدم الخمور في اباريق من ذهب تشبه الاباريق التي يصنعها الصفارون في سوق الشورجة فقد ظننت بان جميع الاباريق معدو لشرب الخمر . فقارنت بين صورة هذا الابريق واباريق سوق الصضفارين وابتسمت بسخرية . لا ادري ااضحك لحالي ام اسخر من القدر الذي رمى بي في هذا المكان . صبت ابنة عمي مرشد الماء على يدي وشطفتها بصابون عطور . حمدت الله على ان لديهم صابون عطور . وعدت بسرعة الى جوار جدتي كي اتخلص من نظرات بنات اعمامي . كان ذلك اليوم أطول يوم مررت به . عصفت بي رغبة للخلاص من كل هذا والهروب الى المجهول . ولكن الى اين ومن اين امر وكيف . استسلمت كعادتي وانتظرت يقتلني ابلضجر من اجل ان يغادر الجميع بيت جد كي اخلو لنفسي وانعم بقسط من الراحة . لكن هيهات . الترحيب بالضيف العزيز لا يمكن ان ينتهي بتناول وجبة غداء فقط . عادت النسوة والبنات ليشكلن دائرة من حولي ويمطرنني بسيل من الأسئلة . :- وين امچ .. ؟ شلون انطاها گلبها تعوفكم وتسافر .؟ :- شعجب عفتوا بغداد .؟ :- صدگ يگلون امج ماخذه اخوچ ومطلگه ابوچ وعايفتكم . ؟ :- شسمه اخوچ .؟ وشگد عمره ..؟ عشرات الأسئلة , سمعتها ولم ارد عليها . كان اكبر همي لحظة توجهي للتواليت . اشعر ان عيون الجميع تتبعني خطوة بخطوة . افقد توازني واتعثر باقدامي . بالكاد استطيع الوصول للتواليت لاتنفس الصعداء متحملة الرائحة الكريهة .
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD