الوداع
فجاة تلاشت كل الاحلام وانهارت كل الامال .
صحوت من كابوس مرعب . كنت على متن طائرة تعج بالركاب, فيما يجلس بابا الى جواري . دون ان اعرف الوجهة التي نقصدها . خليت راسي على كتف بابا وغفيت . وانا احلم حلمت وكاني في حلم اخر .
تعالى صراخ الناس داخل الطائرة . حاولت الاستيقاظ حتى اتبين الامر . فما تمكنت . ريح قوية تض*ب وجهي وجسدي وتحاول تقتلعني من مكاني .كانت بالطائرة تتقلب في الجو . بحثت عن حزام الأمان ولم اجده في مكانه رغم اني كنت قد احكمت شده قبل ان انام على كتف بابا . جاهدت من اجل ان افتح عيني فلم اتمكن . ولم أتمكن من تحريك يداي . كانتا متشنجتان . سيطر الرعب عليَّ . فتحت عيناي . الطائرة بلا سقف والريح تقتلع مقاعد الركاب . تطاير بعضهم في الهواء مثل ريشة وسط ريح عاصفة .
التفت الى مقعد بابا لم يكن في مكانه . اختفى ابي واختفى المقعد . من بين أصوات الناس سمعت صوت سنان يصرخ .
كان يجلس على مقعد في صف المقاعد المجاور لي ,لوحده وبلا حزام امان وبلا احد يجاوره, ولم أتمكن من الوصول اليه .فيما في المقعد الخلفي كانت امي تبتسم بكل برود دون ان تهتم لسنان او لصراخ الركاب . حتى عصف الريح ما كان يداعب خصلات شعرها .كانها في عالم اخر, هدئة ومسترخية .
حاولت الصراخ فلم يص*ر مني أي صوت . حاولت التحرك من مكاني ولم أتمكن .
فجاةعصفت بي الريح واقتلعتني من مكاني . تشلثت بالمكان ومديت يدي ل**ن الذي كان يرفع يديه صارخا ومستنجدا بي . مر جسدي كالريشة من فوقه دوان ان أتمكن من لمس يده . صرخت بلا صوت وحاولت التشبت بخصلة من شعرات راس امي الذي بدا لي اقرب من سنان . تقطعت عدة شعرات من خصلات شعرها بين اصابعي . وفاحت من الشعرات رائحة عطر امي المعهودة .
اخذتني الريح بعيدا عن الطائرة وبعيدا عن امي وعن سنان . تلاشى الرعب وحل محله حالة من الاطمئنان والاستمتاع . خف وزن جسمي وتحولت الى طائر بجسد انسان . لكن خشيتي من الصقوط على الأرض عاودتني .
من بعيد شفت الطيارة تستقر بطيرانها ويتوقف تساقط الأشياء والتاس منها, فحمدت الله على ان امي وسنان بقيا داخل الطائرة دون ان يسقطا .
تسارعت دقات قابي وبدات احرك ذراعي كما الطير يحرك جناحيه .
اضلمت الدنيا فجأة . ولدات اسقط في هوة او وادي عميق . ازدادت سرعة سقوطي فضاق ص*ري وكادت انفاسي ان تتقطع .فازداد خوفي من الاصطدام بقعر الوادي وعجزت عن تحريك اجنحتي, ذراعيَّ . ففززت من نومي مرعوبة .
رحت للحمام غسلت وجهي وشربت مي ورجعت لفراشي ولا زال الخوف من الحلم لم يغادرني .
فزيت من نومي, قبل لا اصطدم بقعر الوادي, حلگي يابس وتنفسي سريع وگلبييخفگ مثل الطير ..
هيانا حقائب سفر امي منذ الليلة الفائتة .
عندما استيقظنا اعدت لنا ماما طعام الإفطار لكنا رفضنا تناوله . عدى عن سنان الذي ناولته امي قطعة **ون محشاة بالجبنة والمربى . اما ابي فاكتفى بقدح من الشاي اتبعه بتدخين جگارته .. وشربت امي فنجان قهوة .
كان علينا الانتظار طيلة النهار . فكل مواعيد رحلات الطيران ايامها كانت تتم مساءا .
مع هذا اكتفينا يومها بالقليل القليل من الطعام . فما من احد منا له الغبة في شيء .
قبل ان نغادر البيت حتى نوصل ماما للمطار انفجرت امي غاضبة بوجه بابا :- ليشهاي خوف . سير مره مسل غير .
وبدات تخلطبالحچي بين الالماني والعربي . كانت متوترة الاعصاب . رمت بكل اللائمة بوجه بابا . وكانت محقة في كل ما قالته .
حچتهواي وغلطت, ولا رد على حچيها, اخيرا انهارت وبدت تبچيبحرگة ..
گمت من مكاني وحضنتها وبديت ابچيوياها .خليت راسي بين اكتافها ورگبتها .شميت ريحتها . نفس ريحة خصلات الشعرات اللي شميتهن بالحلم . كنت قد نسيت بعض تفاصيل الحلم . من اشتميت ريحة ماما تذكرت كل التفاصيل .
تركت راسي على كتفها حتى استعيد الحلم . سالت دموعي على خدودي وانسابت على كتف ماما العاري . شعرت بلذة لا تدانيها لذة,راودني شعور عارم بالحنان وكاني لازلت بعد طفلة .
استدرت ووضعت راسي بين ثنايا ص*رها واحتضنتها بقوة وبدأت اشم عطر جسدها . تمنيت لو يطول بي الوقت وابقى بين احاضانهاطول العمر .
مدت ايدها ورفعت راسي عن ص*رها واخذت وجهي بين كفيهاالدافئين .كنت مغمضة العينين, مستمتعة ب
***ة الحنان والالم الذي رافقه . مسحت دموعي وقبلتجبيني . فتحت عينيَّ ونظرت الى عينيها المغرورقتان بالدموع .
نظرت لبابا نظرة مليئة بالملامة . كان لا زال في مكانه والجگاره لم تفارق فمه .انتبه لنظراتي ونهض من مكانه هاربا وتوجه لغرفة نومه . ودمدم بصوت متقطع :- يله .. هيئوا نفسكم وغيروا ملابسكم . ما نريد نتأخر على موعد الطيارة ..
&&&
طول الطريق الى لمطار . بقيت متمسكةبيد ماما ..
كنت حس دگاتگلبهااثناء ملامسة مع**ي لمع**ها .اضغط على ايدها. وباوع عليها وتبتسم بوجهي وتوصيني بنفسي وتوصيني ببابا :- لا تخلي يشرب كتير . سير آكل مأها .( صير عاقل معاه ) درس يقرا كتير .. من شان يسير دوكتور .
اكتفيت بال**ت . كنت أخاف احچي لا انفجر وابچي . بداخلي كان بركان من الغضب ضد بابا . فمن كانت توصيني بي كان هذا البركان يزداد استعارا . بدلا عن الرد عليها رفت كفها بين ايدي وقبلته وشميته . وبعدا مديت ايدي وداعبت شعر راس سنان الي كان جالس بالمقعد الامامي للسيارة, يراقب الطريق بلا ما يدرك أي شي من اللي نحن فيه . كان يحاول فتح جام السيارة ويمنعه بابا خوفا عليه من برودة الجو .
عند المدخل الأخير لصالة المطار ودعنا ماما .
ما فتح بابا حلگه ونطقبكلمة . قبل لا تدير وجهها عنا اخذها بين احضانه للحظاتودنگ على سنان وقبله من جبينه .
فاجأني بابا بروده .كأنه كان يتمنى ابتعادها عنا وعودتها الى بلدها .
قبل لا يتوارون خلق الحواجز استدار سنان ورفع احدى يديه ولوح لنا مودعا والابتسامة تعلو وجهه .
بطريق عودتنا للبيت. بقيت غصة ببلعومي . ورغبة عارمة ومكبوته للانفجار بوجه بابا .
كان علي اناطرح عليه كل الاسئلة اللي كانت عالقة في ذهني,واحاججه عن كل المواضيع اللي دمرت حياتنا .. اسئلة لم لميضحى من اجلنا ؟؟ من اجلي ؟ من اجل سنان ؟ من اجل مامااللي كنت اعتقد بانه يحبها اكثر من اي رجل يحب زوجته؟؟
خوفه من العمل في المخابرات لم يكن مبررا . كان بامكانه ذلك ان لم يكن يخفي أسباب غير الأسباب التي يصرح بها .
لماذا كان يكتفي بال**ت عندما تحاصره ماما باسئلتها؟؟
اكثر ما كان يردده ولو بكل برود :-هايالشغله خطرة, ما من اختصاصي . اعرف بنفسي ما ادبرها؟؟
الف سؤال وسؤال كان يدور بخاطري ..
من صعدنا الخط السريع المحاذي لجامع ام الطبول, انتبه لطول **تي وتصاعد انفاسي ..كنت احدق بوجهه, واقلب الاسئلة التي كانت تدور بذهني واهم بالانفجار بطرحها عليه . لكني كنت مترددة ليقيني باني لان احصل منه عن إجابة مقنعة .
مد يده حتى يمسك يدي, سحبتها بقوة وصرخت بوجهه :- ليييييش ..؟
وانفجرت بالبكاء .
فكرت افتح باب السيارة واقفز منها .
لاول مرة احسيت برغبة في الموت, وبالخوف من الاستمراربالحياة.
خفت ان يكون هذا وداعي الأخير لماما ولسنان . !! كانت ماما هيالاقرب لي. ماكنت مدركة لمعنى ارتباط البنت بامها مثل ادراكي لهذا المعنى بذاك اليوم .
المرة الوحيدة السابقة اللي سافرت بيها وتركتني كانت يوم تلقت خبر موت أمها . يومها ما كنت بنفس ال*قلية اللي عليها اليوم . ولا شكيت بموضوع عدم عودة ماما من المانيا, لان ي لم اكن بنفس الادراك وكذلك فان الظروف كانت غير الظروف .
ايامها ما كانت الحكومة متشددةباجراءات السفر على العراقيين .
وگف بابا سيارته بجوار مطعم, ونزل . ما اتذكر المكان بالضبط .!!
جاب كيس اكل سفريوتوجهنا للبيت .
عبرنا جسر الجمهورية ومرينا من فوق مدرسة الراهبات .
بذاك اليوم غبت عن المدرسة, بلا ما اطلب اجازة . اجتاحتني من جديد الرغبة بفتح باب السيارة والقفز منها والموت بجوار المدرسة . حتى ابين لصديقاتي اللاتي يظنني انعم بالسعادة كم هي كمية الألم الذي احمله في داخلي, والتي جعلتني اقدم على الموت.
من وصلنا البيت خلا بابا الاكل على ميز الطعام, وطلب من عندي اشاركه بالطعام. ما كنا لا متريگين ولا حتى متغدين.
عفت بابا ودخلت لغرفتي وغلقت الباب علي وانتابتني نوبة من البكاء . بكيت بكل حرقةوبصوت عالي ..
دگ بابا عليَّ الباب ورفضت افتحه , رغم توسلاته .
غرقت بهمومي والتفكير بماما وسنان وغفيت .
من صحيت لگيت بابا مخلي بطل العرگعلى ميز الطعام وبادي يشرب . ما منعته ولا اعترضت عليه, مثل ما وصتني امي ..
من يومها شعرت بنفور ما بعده نفور من بابا . تبخرت وتلاشت كل محبتي له وتحولت الى كره دفين .
&&&
من سافرت ماما تغير كل شي . ما عدت ارغب بالعودة الى البيت . كان بودي البقاء في المدرسة والمبيت فيها شاني شان الطالبات التي دئبت المدرسة على رعايتهن . بنفس الوقت تلكأت في دروسي وما عدت اهتم بتدني او رفع درجاتي . صارت المدرسة مجرد وسيلة للهو وقضاء الوقت بعيدا عن البيت وعن بابا . وبدلا من مطالعة كتب المواد الدراسية المقررة انغمست في مطالعة كبريات الروايات العالمية . فكان النصيب الأكبر منها لروايات دستويفسكي المترجمة الى الألمانية . حيث كانت امي قد اقتنتها من المركز الثقافي الالماني منذ سنين طويلة وقدمتها هدية لبابا .
اهملت كل شي . ما عدت اهتم لطعامي ولا لملابسي, ولا دروسي .
ومثل ما قلت لكم ما كنت اعرف اطبخ اي شي .. حتى بيضةبالطاوعةما اعرف , اما غسيل الملابسفكان معضلو يصعب علي إنجازها .
كلما يرجع بابا من الدوام, يجيب ويا اكل سفري وينصببطل العرگويگعد يسكر ويدخنجگاير . صار بيتنا ماخور خمر .
تصرفاته هذه أبعدت عنه أصدقائه وما عاد احد منهم يزوره .
التزمت ال**ت وابتعدت عنه من يوم ودعنا ماما بالمطار . احترم قراري وما عاد يتقرب مني ولا يكلمني ولا يسال عن احتياجاتي . يترك لي المصروف كل يوم على ميز الطعام تحت نفاضة الجگاير ويترك الاطل بالثلاجة الى ان يفسد واضطر ارميه بحاوية الزبالة .
كأنا متفقين على القطيعة وعدم ذكر ماما وسنان, لا من قريب ولا من بعيد .
أصبحت ماما جرحالا نجرأ على فتحه .
قبلامتحاناتنصالسنةبايام, على ما اذكر كانت ليلة خميس على الجمعة . سكرباباودخل لغرفة ولدا يبچيبحرگة .
اول مرة اسمع بابايبچي . كان باب غرفته مفتوح , لا ادري أي حالة من الضعف ممكن ان تجعل الرجال يبكون . اشفقت عليه وراودتني رغبة باحتضانه والتخفيف من اوجاعه .
فتذكرت ما فعله بامي وادرت وجهي وذخلت غرفتي واحكمت غلق الباب و**يت اذاني عن سماع صوت بكائه .
بقى اسبوع على هذه الحال . انقطع عن الدوام وعن الخروج من البيت, الا من اجل جلب قناني المشروب. حتى اكل ما عاديجيب للبيت مثل الأول .
بديت اشمأز من الاكل اللي يجيبه . اشتم بي ريحة العرگ والسكر .
اضطريت أحيانا اكل من مطعم المدرسة . صار ماكولي المفضل قطع البسكويت او النساتل مع مشروب الببسي كولا .
رغم كل الأشياء المحبطة التي حصلت لي في الاونه الأخيرة ولكن كنت متشبثة ببصيص امل بحصول ماما على فيزا للعودة الى العراق ومن ثم تجديد الإقامة الى ان انهي سنتي الدراسية وعندها تصطحبني ونسافر الى المانيا واتم دراستي هناك .
ما عدت افكر بمصير ابي . ليحصل له ما يحصل فقد اختار طريقه بعيدا عنا .
انهيت امتحانات نصف السنة وكنت واثقة من التفوق رغم تدني مستواي الدراسي عما كان عليه .
كنت انتظر رسالة من ماما تطمني عن احوالها . أخيرا وصلت الرسالة . قراها بابا وتركها على طاولة جهاز التلفزيون دون ان يخبرني عن محتواها .
اخذتها وقريتها .
لن يسمح لماما بالعودة الى العراق . هذا مختصر ما فيها . طلبت من بابا اصطحابي واللحاق بها في العطلة الصيفية باية وسيلة من الوسائل ومهما كان الثمن .
قبل لا تنتهي عطلة نص السنة توجه بابا للدوام .
كان في مرات عديدة قبل العطلة يغير ملابسه الصبح ويغادر البيت قبل خروجي للمدرسة . بلا ما اعرف المكان اللي يتوجه له . ومن ارجع من المدرسة الگا بالبيت, بلا ما اعرف امتى رجع؟
بالاونة الأخيرة تغيرت كل طباع بابا مثل ما ذكرت لكم .
كان معتاد كل يوم الصبح يحلق لحيته قبل لا يتوجه لعمله . من سافرت ماما انقطع عن حلاقة لحيته . أحيانا يحلقها كل ثلاثة او أربعة أيام واحيانا يتركها أسبوع بلا حلاقة .
لاحظت هذا الامر في عطلة نصف السنة . ولاحضت أيضا عدم انتظامه في الدوام . كان يغير ملابسه ويخرج في وقت متأخر واحيانا يعود بعد ساعتين او ثلاث .
في احد أيام عطلتي المدرسية غيَّر ملابسه وطلع بلا ما يحلق لحيته . ولان امره ما يعد يهمني فما سالته ولا حبيت اساله وادخل نفسي باموره الشخصية .
رجع بعد ساعتين وكان مرتبك . اكثر من مرة لاحظته يتوجه للمطبخ ومن ثم يعود لغرفته ويرجع يوگف قريب مني بالصالة . كرر هذا الامر عدة مرات, بلا ما اهتم لحركاته رغم كل ما كنت احس بي من هواجس داخلية عن رغبته بمفاتحتي بامر ما .
اهملته وتركت الصالة وتوجهت لغرفتي نومي .
لم يعد يحتمل . لحق بي الى غرفة النوم وتقرب الي متوددا:- ماما احلام ... فد .. فد .. امر .. احنا لازم نعوف بغداد . أي .. أي .. يعني نعوف بيتنا هذا ونروح للديوانية عند عمامچ ..
انصدمت ووگفت على طولي وصرخت بوجهه:- كيف يعني ..؟ ويا عمام اللي نروح لهم ..؟ بحياتك ما ذاكر لي شي عنعمامي ..؟!!شنو ..؟ شنو ..؟ انته صدگدتحچي بابا ..؟!!
گال بهدوء :- على كل حال . حصل اللي حصل . لازم تعرفين . نقلوني للديوانية, لمصنع الاطارات . ولازم التحق بوظيفتي الجديدة خلال اسبوع ..
:- ومدرستي .. وو
گال:- هناك كملي دراستچ .!! من تخلص عطلة نص السنة ناخذ وثيقة النقل واسجلچ بالديوانية باحسن مدرسة . اعرف الامر صدمچ بس هذا البيت يعود للحكومة ومن فترة انذروني باخلاءه حتى يستغله المدير الجديد . بالمختصر يا بنتي بعد ما لنا عيشة ابغداد ..
كل شي انهار . وصلت لاقصى حالات الياس والاستسلام . توقفت عن مجادلة بابا او النقاش ويا لاي امر كان .
عندما بدا بشرب الخمر يومها, تولدت بداخلي رغبة بمشاركته الشراب ظنا مني بان بإمكان الخمرة ( ربما ) إعادة التوازت الى ذاتي . لولا رائحتها المقززة ونفوري من ابي ونصرفاته .
حطم حياته وحياتنا باهمالهوعناده .
انتهت عطلة نصف السنة ورفضت مرافقته لجلب وثيقة النقل المدرسي .
ذهب لوحدها وجلبها واتم إجراءات نقلي الى الديوانية بمعرفته .
تسارعت الاحداث بشكل غير مسبوق . ففي كوابيس اليقظة كما في الاحلام كل شيء يغدو غير مفهوم وغير ممنهج ولا يخضع للتتالي الزمني والمنطقي .
كنت أظن ان كل ما امر به حينها ليس سوى حلم او كابوس مفزع لابد من اصحو منه .
هذه هي حقيقة من يفقد السعادة . يضل يعيش في وهم انها لم تفارقه بعد الى ان يصحو على الحقيقة المرة بعد ان ينغمس في تعاسته اكثر واكثر .
قبل يوم من سفرنا الى الدسوانية . سلم بابا سيارته الصالون الحكومية الى إدارة المنشاة التي كان يعمل بها .
تركت معظم ملابسي واحذيتي في البيت .الحقائب التي احضرها ابي لا تفي بحمل كل ذاك الكم الهائل من الأغراض, ملابس واحذية وحقائب يد وغيرها من ذكريات الطفولة .
تركت ملابس امي وحاجات وملابس سنان وكل ذكرياتي .
حملت بيدي صورة تجمع بين سنان وامي كانت قد تركتها بجوار سريرها .
حتى تلك اللحظة ولم اكن على يقين من كل الذي يحصل وكان عندي امل بحصول معجزة تنجيني من هذا الامر .
احضرت الكلب تشي من مكانه خلف البيت . كان يبدو عليه الاستغراب والحزن . فقد اهملته منذ وقت طويل وما عدت اخرجه للفسحه . حتى طعاما ما عدت اعطيه الا بعد ان يلح في النباح والانين .
أخرجت الحقائب والكلب وأقفل بابا الباب وراءه وأعطى المفاتيح لموظف من موظفي الشركة كان قد حضر خصيصا لاستلامها باكرا .
كادت روحي ان تفارقني . تحطمت, تثاقلت انفاسي وجلست على كومة الأغراض بانتظار سيارة الأجرة .
في داخلي رغبة بالصراخ والعويل . رغبة في الانقضاض على ابي وافتراسه عسى ان يستفيق من غفوته وعناده الذي لم افهم سببا له . ولاني اعجز من ان افعلها فقد كظمت غيضي وغضبي وانطويت على ذاتي وتحول غضبي الى كره شديد لابي . مات ابي في داخلي . مات ذاك الحب الذي كنت اكنه له وحل محله بغض وضغينة .
حضرت سيارة الأجرة وتركت ابي والسائق يعملون على وضع الحقائب فيها وانشغلت بتفحص البيت من الخارج .
كنت امسك بالكلب ولم انتبه لما كان يدور من جدل بين ابي والسائق . الى ان ارتفع صوت السائق واراد ان يلقي بالحقائب من السيارة . عندها علمت انه رفض ادخال الكلب في سيارته لانه يعتبره نجاسة .
لم يتبق لي من الذكريات الحية سوى الكلب . رضخ ابي لعناد السائق ورجاني ان اترك الكلب في الشارع . ولاني لم اعد اهتم لكل ما يحصل من حولي تركت الكلب عند حافة الرصيف وركبت السيارة ورحت اراقب الكلب وهو يتبعنا بعينين دامعتين . وداعا يا رمز الوفاء .
يبدو انك ادركت مصيرك خيرا مني .
بقي تشيواوا على الرصيف دون حراك وقد تدلى ل**نه وتهدلت اذنيه الطويلتين على رقبته .