الفصل ١
أحلام : لااااااااا ، مامااااا الحقيييينى ، هيقتلنى يا ماما الحقينى ارجوكى ، متسبيهوش يقتلنى ، السكينة ، السكينة و الدم ، السكينة كلها دم ..
دخلت سهام مسرعه إلى غرفة إبنتها و أضاءت المصباح القابع بجانب فراش أحلام على عجل ، ثم حاولت أن توقظها و هى تهزها بعنف ، قائلة بخوف و قلق على ابنتها التى لم تمر بذلك الوضع لاول مرة ! :
- أحلاااااام ، إصحى يا حبيبتى فووووقى ده حلم ، ده كابوس يا أحلام إنتى بخير يا حبيبتى .
فتحت أحلام عينيها بقوة و جبهتها تتصبب عرقآ ، أخذت تدور بعينيها يمنآ و يسارآ تتأكد أنها آمنه بغرفتها و تحاول أن تستوعب ما يحدث لها .
- نفس الحلم ؟
قالتها سهام بأسى ، فردت عليها أحلام و الضيق يسيطر عليها .
- أيوا نفس الحلم ، أنا مش قادرة أفهم فى إيه ! ، لما كان حد بيقول قدامى إنه شاف نفس الحلم مرتين كنت بستغرب او مكنتش بصدق أصلآ ، بس الحلم ده مش مرتين ده بقاله سنتين معذبنى و مش لقياله تفسير ، شيخ يقول ده عدو و شيخ يقول أضغاث أحلام و شيخ يقول إنى خايفه من حاجه و الحلم ده بيترجم خوفى ، زهقت ، مش هعيش حياتى أسيرة لحتة كابوووس .
- إهدى يا بنتى ، و سيبيها لله ، أكيد فيه حكمه من اللى بيحصلك ده ، و بعدين إنتى بتعملى الدوشه دى كلها عشان ما اقرصكيش من ودنك لإنك طالما شوفتى الكابوس ده يبقى متوضتيش قبل ما تنامى و لا قولتى الأذكار ، هاتى ودنك بقى عشان أقرصها .
قالتها سهام و هى تحاول أن تضيف المرح لحديثها لتخرج إبنتها من ضيقها الذي تعانيه الآن فهى تعلم جيدآ أن ذلك الكابوس يؤرقها بشده و يستنزف من طاقتها .
أجابتها أحلام و ملامح الحزن و الأسى تعتلى وجهها الرقيق.
- فعلآ يا ماما ، من كتر التعب نمت على طول من غير ما اتوضا او اقول الأذكار .
- شوفتى بقى ! ، يبقى ممكن نعتبر الكابوس ده مجرد تأنيب ليكى عشان متنسيش السنن الجميله دى تانى و خصوصآ إنها بتحمينا من أى حاجه تحصلنا أثناء نومنا زى الأحلام المزعجه دى يا حبيبتى .
تن*دت أحلام بحيرة و هى تقول
- ياريت كل الموضوع إنى بشوف أحلام مزعجه و خلاص، ما كنتش هحتار و اتضايق كده ، مشكلتى إنه نفس الحلم ، خايفه يكون وراه رساله ولازم افهمها قبل فوات الأوان .
ضحكت سهام و هى تتصنع اللامبالاه
- رساله ايه بس يا احلام ! ، ما بلاش شغل الأفلام ده ، و لا رساله و لا حاجه، إسمعى كلامى بس و انتى ترتاحى ، متهمليش النوم على وضوء تانى و لا تنسي الأذكار و انتى مش هيحصلك كده تانى والله حاسه إن لو فى رساله وراه هتبقى إنك متهمليش السنن دى .
- حاضر يا ماما .
-طيب يلا بقى قومى اتوضى و كملى نومك ياحبيبتى وراكى بكرة شغل .
نهضت أحلام عن فراشها و حملت منشفتها متوجهه إلى الحمام و توضأت و خرجت لترتدى إسدالها و تصلى و هى تتضرع إلى الله و تدعوه أن يحميهما مما يخبئ القدر لهما ، أنهت صلاتها ثم توجهت إلى الفراش و استلقت على جانبها الأيمن و هى تردد أذكار النوم و حاولت أن تغوص فى أعماق نوم يريح جسدها المنهك .
فى الصباح الباكر إستيقظت أحلام على صوت المنبه و هو يعلن عن وصول الساعه السادسه صباحآ نهضت عن فراشها و توجهت إلى الحمام لتغسل أسنانها و تتوضأ لتؤدى صلاة الصباح ، ثم إرتدت ملابسها و خرجت من غرفتها، لتجد والدتها مستيقظه و تضع صحون الطعام على المنضده .
- صباح الخير يا أحلى وش أتصبح بيه فى الدنيا ، كل يوم هتتعبى نفسك كده ؟
أجابتها سهام بإبتسامتها العطوفه
- و طول ما ربنا مدينى الصحه هفضل أصحى قبلك و أحضرلك أحلى فطار و أفطر معاكى قبل ما تخرجى .
بادلتها أحلام الإبتسامه و هى تقول بحب :
- ربنا يد*كى الصحه و يطول فى عمرك يا أغلى حاجه عندى ، انا بس مش عايزة أتعبك .
- ماتقوليش كده ، تتعبينى ده ايه ، ده انا راحتى كلها فى انى افطر معاكى ، و اتاكد انك فطرتى لانى عارفه انك مبتعرفيش تاكلى برا ، و هتاكلى ايه من كانتين المدرسه صحيح ! ، شيبسي و بسكوت !
- هههههههه فكرتينى فى اول شغلى لما كنتى م**مه اخد معايا ساندوتشات و ناقص انى اكلها فى الفسحه مع الطلبه .
تحدثت سهام بتهكم ردآ على حديث احلام .
- ياسلام !! ، و فيها إيه يعنى ، هى ال**ندوتشات فيها صغير و كبير يا لمضه انتى ؟!
نظرت أحلام فى ساعة يدها
- لا فيها تأخير على المدرسه ، يادوب آكل لقمه صغيرة كده بسرعه و اجرررى، الطريق طويل قدامى .
قالتها و هى تضع فى فمها شطيرة خبز بالجبن .
تطلعت بها سهام بضجر ثم قالت :
- كلى كويس ، انا مش واقفه اعمل كل ده عشان تاكلى لقمه بجبنة .
- يعنى يرضيكى أتأخر و يسألونى إيه اللى أخرك اقولهم كنت بفطر !
- يعنى شوفتى إنى ليا حق اقولك خدى ساندوتشات ؟
- ههههههه ماشي نبقى نشوف الموضوع ده بعدين لما ارجع ، يلا سلام يا ست الكل .
قالتها احلام و هى تسرع خطواتها بتجاه باب المنزل ، و فتحته و خرجت و لكنها قبل أن تغلقه أطلت منه برأسها لوالدتها و هى تقول .
- ماما ، على فكرة أنا مبحبش أفطر مش ببقى قادرة و لا ليا نفس .
أجابتها سهام بخبث
- مانا عارفه ، بس انا زى الكابوس مش بيسكت الا بالوضوء و الاذكار و انا مش برتاح الا لما تاكلى قدام عينى .
ابتسمت لها احلام و هى تغادر ، فنادتها والدتها .
- على فكرة يا احلام ، انتى طلعالى .
اجابتها احلام بضحكه مصدومه و هى تقول .
- ياخبر و كل يوم معذبه نفسك و انتى بتاكلى بالعافيه عشان اكل انا كمان !
ثم دخلت و قبلت رأسها.
- من النهارده بس هحب افطر مخصوص و كفايه تعبك و وقفتك و انك تاكلى غصب عنك عشانى ، انا اتأخرت على المدرسه بس اللحظه اللى بقضيها معاكى تساوى الدنيا و ما فيها .
ثم اعادت تقبيل رأس والدتها و خرجت مسرعه متوجهه إلى المدرسه التى تعمل بها كمعلمه للغه العربيه .
***********
فى مبنى عملاق لشركة إستيراد و تصدير ذو إسم مرموق يجلس على كرسيه شاردآ ، هكذا أصبح هو منذ عامين تقريبآ ، لا يفيق من شروده سوى ليغيب فى شرود آخر يخص العمل ، و يخص الصرح الذي بناه و الذي أصر أن يستمر فى نجاحاته و علوه إلى نهاية عمره ، و أن لا يقحم مستقبل كل ذلك فى صراعاته الداخليه التى يعانى منها وحده .
هو عمر المنذر شاب فى أواخر ال*قد الثالث من العمر ، له هيئه تخيف كل من تراه ثم تجذبها اليه ، فلم يكن كذلك منذ هذان العامان ، قد كان مرحآ و مقبلآ على الحياة ، و لكنه الآن يغلب عليه شيمة الشرود و النظرات الجامده البارده ، التى لا تكشف عما بداخله أبدآ ، تحدث او لم يتحدث ، فـ فى الحالتين لا يستطيع أحد فهمه و فهم شخصيته ، رجلآ غامضآ بكل معنى الكلمه ، هى شخصية عادة ما تجذب اليه المعجبات ، فيحاولن أخذه إلى طريق لا يحب أن يسلكه ، فقد زهد النساء و زهد الحياة منذ ذلك الحين ، أصبح يتحرك فى هذا العالم آليآ كالروبوت ، لا يشعر بشئ و لا يعى شيئآ سوى أنه عليه أن يعمل و ينجح و يضع إسم شركات والده فى مكانها الصحيح ، و لا يعطى فرصه الى منافسينهم محاولة إزاحته من سوق العمل الذي استحوذ عليه وحده ، والده قبل أن تصيبه الأمراض و يتقاعد ، كان يعتمد عليه أيضآ إعتمادآ كليآ فى إدارة كافة أعمالهم ، لإنه يعلم أن عمر رجلآ يستطيع تحمل هذه المسئوليه الضخمه ، و يتفهم حبه لما يعمل و سيادته على أى مكان يتواجد فيه ، فـ لعمر مذاق خاص ، لا يستطيع أحد إيجاده بسهوله ، فوجوده يطغى على كل وجود من حوله ، دون أن يبذل جهدآ فى إثبات ذلك ، فما عليه سوى أن يجلس صامتآ هادئآ و عيناه تشرد فى عالم آخر ، و لكنه على هذه الحاله يجذب كل من حوله من ج*س الأنثوات ، منهن من تعبر له عن إعجابها و تحاول التقرب إليه ، و منهن من تظل تتطلع إليه دون أن تتحدث حتى يغادر و تشعر أنها أضاعت الفرصه .