بعد تلك الأحداث الأخيره قررت الذهاب .. الرحيل عندما يأتي يأتي بطريقه تجعلك تتأكد ان ليس هناك خيار آخر سوى الرحيل فقط .. كل الأشياء من حولك تخبرك ان هذا ليس مكانك وهذه ليست حياتك فقط ارحل .. شعرت وقتها باشياء لا يمكن أن تحكى أو تقال .. هي فقط توجد داخلك دون وجود طريقه لشرحها أو التعبير عنها .. شعور بالضياع والوحده والفقدان .. كأنني بالحياه زائره.. بالطبع كلنا زوار .. لا أحد يعيش مخلداً .. ولكني لست زائره عند الحياه .. بل زائره عند كل البشر .. لا أحد أعنيه .. ولا أحد يعنيني .. وليس هناك من هو معي .. أو يخصني .. أو يجعلني أشعر أنني منه .. عندما كبرت قليلاً .. وبدءا يشرحان الوضع لي .. لم أكن أعنيه تماماً .. ماذا يعني لي أهل ليسوا أهلي .. من ناحية الدم .. حسنا هؤلاء من وجدتهم عما وعيت على الدنيا وهم أهلي .. لا يعنيني ما يقولون عنه روابط الدم .. بل أنني لم أجرب هذه الرابطه .. حتى أقول أنني حزنت وقتها وشعرت بالأسى .. نعم ربما شعرت ببعض التعجب وانني مختلفه عن صديقاتي في هذا الشأن .. ولكني لم أحزن ولم أفهم معنى أن يكون لك أهل غير أهلك الا عندما .. كبرت قليلاً وبدأت المشاكل تظهر وبدأت تصرفاتهما معي تتغير يوما وراء يوم .. وبالطبع عندما انتهى بي المطاف متشرده بعد أن طردوني .. لم يكن في هذا الوقت شيئا في الحياه يمكن أن يشفي جراحي .. لا توجد تعويضات مناسبه لما حدث .. او حتى قليل من الدوافع التي تجعلك تستمر في الحياه .. علمت ذلك بعد بضعة أيام قليله عشتها في منزل صديقتي .. لم أكن حينها في سن كبير يسمح بتقبل فكرة أن تعيش بمفردك .. بلا أسره وبلا عائله وبلا هويه .. لذلك قررت أن أذهب الى مصر وابدء في البحث عن أهلي .. وبعد أن أرسلت صديقتي لعائلتي الثانيه ليخبروها باسم او اثنين .. كنت اعتقد انهما لن يخبراها بأي اسماء فقط .. اين نجوى ؟ .. إخبريها أن تعود الينا .. نحن أهلها الحقيقيون .. او يعتذرون .. او يطلبون عودتي .. ولكن ما حدث كان ع** ذلك تماما .. بل أعطوها الإسم فوراً .. وكأنهما يقولان .. حسنا من الجيد أن تبتعد عنا وتعود لأهلها .. لم نعد نريدها بعد الآن .. كان ذلك قاسياً جداً .. ربما لو كنت سمعته من أهلي الحقيقيون لما حزنت كل هذا الحزن .. لأنهم بالفعل تركوني وأنا صغيره وتخلوا عني .. ولكن الأخران .. كانا هما كل ما أعرفه في الحياه .. هما أهلي الذين أحتضوني .. وفتحت عيناي عليهما .. لم أعرف سواهما في يوم ما .. وهذا تحديدا .. تفسير ما قلته حول الرحيل .. انه عندما يصبح أمراً حتميا .. يجب أن ترحل .. حيث ستجد كل الأشياء تؤكد هذا الأمر وتؤكد أن بالفعل ليس لك شيئا هنا .. وما ظننته كان لك .. قدر رحل من قبلك .
بالفعل سافرت الى مصر .. دوله كامله لا أعرف بها أحداً .. ولا أعرف عنها شيئاً .. فقط أسمين وعنوان منذ سنوات طويله .. ولكن عظم الله أجرهما .. تركا لي مبلغاً صغيراً .. أستطيع أن أعيش به لمدة سنه مثلا هنا في مصر .. ليس مبلغاً كبيراً .. ولكن لا بأس في استئجار شقه وقضاء مده هنا ربما احتاجها او لا .. الى أن أجد عملاً واستطيع الاعتماد على نفسي .. وسأرد هذا الدين لهما .. لا أريد منهما شيئاً .. ولا أريد أيضا من أهلي الأصليون شيئاً .. فقط أريد ان اشعر اني عائله .. انني لست وحيده .. لم اشعر بصراحه بعد ان خطت قدماي هنا انني سأستطيع التكيف والتعايش في هذه المدينه القاهره .. ليس لأنها سيئه بل كانت مذهله عندما زرت عدة أماكن بها .. ولكن لأنني لم أعرف يوما مدينه سوى مدينتي وبلده غير بلدتي .. ولم يزيدني تغيير المكان سوى المزيد من شعور الوحده والضياع ..
في أول يومين من إقامتي فأحد الفنادق .. بدأت البحث عن العنوان .. حتى وصلت الى ذلك الشارع الذي يقتن فيه منزل السيد عماد وزوجته أميره .. نعم والدي وأمي .. وإخوتي الذين لم أعرف أسمائهم بعد .. لا أعلم لماذا دق قلبي بشده عندما دخلت هذا الشارع .. وكأن الروح تعلم أنها مرت من هنا .. لا يتعلق الأمر بالذاكره والعقل ولكن بالروح .. احساس ليس له براهين ولا أدله .. ولكنه يظل موجود .. وكأنها تعلم هذا المكان .. قد كانت هنا .. حتى لو في أيام معدوده قبل ان تغادر .. وحتى ان كانت هذه الروح تسكن جسد رضيعه ..
وصلت الى المنزل يبدو أنه عتيق .. قد مر عليه سنوات دون تجديد .. ولم يكن يسكنه أحد .. وهذا ما قهرني .. أين هم ؟! هل غيروا أماكنهم ؟ أم ماذا حدث لهم .. بعد أن أخذتني هذه العائله الثانيه .. قطعوا كل سبل الاتصال بعائلتي القديمه .. ولم تبقى الصداقات صداقات .. وهاجرت بي بلده أخرى .. كانا خائفين .. من أن يطالبوا بي بعد فتره اذا تحسن بهم الحال .. اعتقدوا انه عندما يتعلقان بي ويعطوني كل الحب والحنان سيكون من المستحيل ان يتخلا عني مرة أخرى .. لذلك هاجروا .. وقطعت سبل الاتصال .. وانقطعت بالتأكيد أخبارهم .
رأيت رجلاً كبيراً في العمر يجلس في محل صغير يبيع من خلاله المأكولات .. ذهبت واشتريت منه بعض الحلوى .. ثم قررت أن أسأله .. سيدي هل تعلم أين ذهبوا ساكنوا هذا المنزل قديما ؟ رد باستغراب .. أتقصدين السيد عماد وزوجته ؟ .. قلت له نعم بالظبط .. رد بنظره حزينه .. يااااه يا ابنتي أطال الله عمرك قد ماتا الاثنين منذ ٤ سنوات ... قالها وذبحني بها .. وبقيت أبكي ولم استطيع أن أتمالك نفسي .. لا علم لماذا ؟ لقد تخلا عني والقيا بي بعيدا عنهما .. ولم أعرف حتى أسماءهم ولا وجوههم .. ولكن يبدو كما يقولون هنا في مصر الدم يشتاق ويحن .. بدت على الرجل العجوز ملامح التعاطف وتسبقها ملامح الاستغراب .. من هذه الذي تبكي على رجلين ماتا منذ ٤ سنوات .. ثم سألني من أنتِ ؟ هل تعرفينهما .. أخبرته أنا نجوى .. لم ينتظر حتى أكمل كلامي وقاطعني .. نعم نعم .. يا الله .. انتِ نجوى سابعتهم .. اقصد الابنه السابعه التي لم يقدروا ان يتبنوها .. سبحان الله .. هذه الدنيا صغيره ! ولكن لماذا جئتي الآن أين كنتِ طوال تلك الفتره ؟ .. اخبرته لا تقلق جدي لست بخسيسه .. ولكن الأسره التي تبنتي هاجرت بي الى الخليج وقطعوا كل الاتصال بهم .. ولم أعرف ان لي أهل غير الأهل سوى من فتره قريبه .. نظر لي بشفقه .. عذرا يا بنتي لم أقصد أبدا أن أقول ذلك .. سألته عن اخوتي .. هل تعرفهم .. أسماءهم أين هم الآن .. ؟ قالي لي .. نعم بالطبع لقد عاشرتهم لسنوات طويله أعرفهم جيدا .. لد*ك خمسة أخوات بنات في غاية الجمال مثلك تماماً علا .. وايمان .. وماجده .. وزينه .. وتهاني.. ولد*ك أخاً كبير اسمه محمد .. ولكنهم بعد وفاة أبوهما .. قرروا أن يبيعوا المنزل ويستقل كل منهم .. وبالفعل قسموا ثمن المنزل كورثاً عليهم .. وجميعهم الآن متزوجون .. ويعيشون في مناطق مختلفه .. كل ما أعرفه أن محمد سافر أمريكا تزوج واستقر هناك .. ولا أعلم سوى عنوان ماجده .. لأنها لازالت تمر من هنا وتشتري مني بعض الأشياء كل حين والآخر .. سأعطيكِ عنوانها ..
أخذت منه العنوان وشكرته كثيراّ .. وعلى الرغم من حزني الشديد على أبي وأمي .. الا أنني تحمست جدا أن أقابل إخوتي .. وأرى كيف سيكون ردة الفعل عندما يروني وأراهم .. وبدأت أتخيل كل واحده منهم كيف يكون شكلها وبيتها وطريقتها .. أشعر انني قريبه من أن يكون لي عائله مجددا .. عائله حقيقيه .. أخبرت الحياه بشهيق عميق .. حسناً .. أيتها الدنيا .. الآن لي إخوه .. لي أقارب .. لست وحيده كما جعلتيني أن أشعر في تلك الآونه الأخيره .. الإخوه دائما سند حقيقي نحتمي بهم واليهم من قسوة الحياه ومتابعها وشدة تقلباتها .. يحتونا .. وينصحونا دائما .. ويوجوهنا الى الطريق الصحيح والسليم .. والأهم .. ان كل تلك الأشياء تفعل بحب وقلب طيب .. ومحبه حقيقيه غير مزيفه كالتي نجدها في بعض الصداقات .. او في طريقنا في الحياة عموماً .. ولا زال في الحديث بقيه .. دعني أخذ استراحه أشرب شربة ماء .. وأعود لأكمل لك .. كيف كانوا إخوتي .. وما هي مفاجأتي ناحيتهم .