...
: -سيدتي.. ما الذي تفعلينه هنا؟
شعرت إيما كأن قلبها قد انقبض، نظرت خلفها بروية كما لو أنها ممثلة في أحد أفلام الرعب..
اذ ببسام يقف بجانب مدخل الغرفة وهو يحدق نحوها بنظرات استغراب لتستقبله بنظرات دهشة وصدمة، اخذا يتبادلان تلك النظرات لبضعة ثواني..
حتى لاحظ بسام إطار تلك الصورة العائلية مرمي على الأرضية وتلك الصور الممزقة ليقول لها بذات النبرة
: -إذا ما الذي تفعلينه في غرفتي؟ ما الذي دفعك للعبث باغراضي؟..
لتقاطعه إيما بعدما صرخت نحوه
: - لا تتظاهر بالغباء، ما الذي تفعله تلك.. تلك الصور لديك..
ثم **تت قليلا حيث بدأت تتساقط دموعها بحرارة ككل مرة تنفعل فيها
: - الصور.. لماذا تحتفظ بهم.. أيها الم***ف القذر.. أتحاول ان تستغلني أيضا حتى تحصل على كل ما املكه.. منذ البداية، هذا ما كنت تسعى اليه، يا بسام؟!
وضع بسام يده على الضمادة التي على بطنه وأشاح ببصره عنها
: -أنا م***ف قذر بالفعل، من حقك ان تنعتيني بذلك.. لكن من المستحيل ان استغلك ليس بعد ان انقذت حياتي..
قاطعته إيما
: -اذا.. لماذا.. لماذا تحتفظ بهم؟؟ لماذا كذبت علي سابقا.. اخبرتني بنفسك ان آلة التصوير...
: -كنت سأمزقهم حقا وأعترف لك بالحقيقة كاملة ولكن..
: -لكن ماذا؟.. أما زلت تخفي المزيد !..
**ت بسام للحظات وهو يحدق في ملامحها المنفعلة ووجها المحمر من شدة الغضب لترسم على شفتيه ابتسامة واسعة
: -بكل صراحة لم استطيع مقاومة ذلك.. ليس لد*ك ادنى فكرة كم هو مثير صوتك المتألم، صراخك اليائس، بكائك الحارق.. جميعها تملئني بال
***ة وتبعث في قلبي الميت الحياة، لو فقط بإمكانك ان تدركي كم انت مغرية للغاية.. انت فعلا فتاتي المفضلة على الإطلاق يا إيما.. انا لا استطيع الاكتفاء منك مهما..
فجأة صفعته إيما على وجهه حتى شعر بذلك الصفير قد ا** اذنه اليمنى، تاركة اثر يدها على خده..
وثم دفعته لتغادر غرفته في استعجال شديد
: -لا تظهر وجهك مجددا..
(***)
ركبت إيما سيارة اجرة وعادت لمنزلها، وجلست لبقية اليوم في غرفها كئيبة م**ورة دون ان تحدث أي احد او تتناول أي شيء لسوء القدر وقبح العالم الذي ولدت فيه..
..
في صباح اليوم التالي، استيقظت على صوت طرقات على باب غرفتها، علمت أنها تعود لوالدها، لكن لم تعتد ان يأتي الى غرفتها في هذا الوقت من الصباح..
فمسحت خدها محاولة إخفاء الاحمرار الواضح اسفل جفونها ثم دعته للدخول..
دلف والدها للغرفة وقد كان رجلا في أواخر الخمسينات من عمره ذا قامة طويلة ورأس حليق ولحية سوداء بارزة، كما كان يرتدي بزة حريرية بنية اللون بشكل يوحي أنه اصغر سنا بكثير..
تقدم نحوها وجلس الى جانبها على فراشها وتن*د بعد طول **ت قائلا بصوته الرخيم
: -إذا يا حبيبتي.. هل ستخبرينني ما الذي حدث؟
: -.. أبي.. لقد عثرت على تلك الصور في منزل ذلك المنحرف.. لقد مزقتهم لكن على الأرجح انه يحتفظ بنسخ أخرى..
ثم أردفت وهي تمسح دموعها
: -لماذا كل الأولاد الذين اقا**هم مجرد أوغاد مختلين.. لا أظن انني سأتمكن من الوثوق بأي شخص آخر حتى الشخص المقدر لي أن احبه..
فرك والدها بيده على شعرها الأ**د ذا الصبغة الرمادية، ثم مرر يده ماسحا دموعها
: -بسبب زاراي لقد عانت والدتك الكثير وشهدت على أشياء فضيعة لا استطيع ان اذكرها.. لكنها رغم ذلك تحملت حتى آخر لحظاتها من أجلك، لقد احبتك بحق لكنها..
نظرت نحوها إيما بعينين متسعتين منظرة منه ان يقول المزيد، لكنه اكتفى بذلك ووقف والتفت نحوها بملامح حزينة بعدما لاحظ الضمادة البيضاء على ذراعها اليمنى
: -حبيبتي.. انا آسف، لقد ارتكبت الكثير من الأخطاء.. ما كان لأي من هذا أن يحصل لو أنني كنت اكثر انتباها..
نظرت نحوه إيما بذات نظرات عدم الفهم، ليكتفي والدها بذلك ويردف بعدها
: -سأخبرك بكل شيء في وقت لاحق، لكن الآن عليك ان تنهضي كما اعتدت ان اراك دائما، مشرقة وجميلة للغاية كوالدتك.. رؤيتك وأنت محطمة هكذا تشعرني بثقل كبير.
توجهت نحوه إيما ليعانقها بقوة ولتنظر نحوه بعدها مبتسمة بعينيها المزرقتان المتسعتين
: -أظنني اشعر ببعض التحسن..
...
نزلت إيما عبر الدرج متوجهة للمطبخ فبعد كل شيء لم تتناول أي شيء من يوم امس.. لتسمع بعض الحركة قادمة من غرفة الجلوس..
فتوجهت نحوها لتقابل مفاجأة غير متوقعة..
وجدت ذلك الشاب الطويل ورائحة البخور تفوح من ملابسه القديمة المهملة، أخذ يتجول في المكان ويتفقد محتوياته الغرفة كما لو انه بات صاحب المنزل.. ليقول لها كما لو انه على علم بحضورها
: -نعم أعلم، اخبرتني انك لا تريدين رؤيتي مجددا.. أنا آسف، لم اقصد قول ما قلته البارحة.. لننسى ذلك وللنفتح صفحة جديدة..
تراجعت إيما بضعة خطوات للخلف
: -مـ ما الذي تفعله هنا؟.. كيف دخلت؟.. الحراس كيف تجاوزتهم..
: -يا إلاهي، توقفي عن معاملتي كأنني لص.. لو نسيت، فما أزال سائقا لكم.
ثم أردف بعدما انحنى ليرفع شيء ما عن الارض
: -لو كنت مكانك لتساءلت عن شيء اكثر أهمية.
ثم أظهر لها حقيبة سوداء ووضعها فوق تلك الطاولة البلورية المحيطة بتلك الأرائك
(***)
بالعودة بالزمن..
في الصباح الباكر قاد والد إيما، سيارته نحو المدينة، ليتوقف امام ذلك المنزل المتهالك، دلف عبر باب المنزل المفتوح سلفا، وتوجه مباشرة نحو تلك الغرفة المؤثثة، ليجد بسام واضعا يده على خده المحمر، ومستلقي على احدى الارائك بينما ما يزال عليها غطائها الأبيض وأخذ يحدق في شرود في سقف الغرفة..
: -كم مضى من الوقت منذ آخر مرة زرت فيها هذا المكان، 10 سنوات.. 15.. 20 سنة ربما.. انا متفاجئ أنك ما زلت تذكر مكان منزلك يا عثمان.. أجزم أنك ستشعر بالعار لو رآك احدهم تدخل هذا المكان وظن انه منزلك او إحدى ممتلكاتك.
: -لقد جئتك كما طلبت مني.. ما الذي تريده مني؟
ثم صرخ نحوه حيث سحبه من قميصه وأوشك ان يلكمه
: -ها أنا ذا، ما الذي تنتظره، خذ انتقامك مني ولا تحشر إبنتي بيني وبينك..
نظر نحوه بسام فاحصا ملامح عثمان المنفعلة قبل ان يبعد يده عنه ما جعله يفلت قميصه
: -لماذا أنت تواق هكذا لموتك يا أبي، ما يزال الوقت مبكرا على ذلك، إجلس، لدينا الكثير لنتحدث بشأنه..
جلس عثمان على إحدى الارائك ليمرر اليه بسام مجموعة من الملفات والأوراق، تفحصها عثمان بنظرات ثاقبة
: -كيف حصلت على كل هذا؟
ليجيبه بسام بينما اخذ يسكب له كوب من القهوة ومتملصا من الاجابة
: -هنالك المزيد من الفضائح، ما يكفي حتى يدمر أعمالك ويدخل السجن أنت وشركائك لبقية حياتكم.
نظر عثمان نحو انعكاس صورته داخل فنجان القهوة السوداء حيث بدت ملامحه منفعلة، ليردف بعدها بسام قائلا
: -أعتقد أن ابنتك الجميلة ليس لديها ادنى فكرة عن كل هذا.. تخيل كيف ستكون ردة فعلها حين تعلم ان والدها الحنون يعمل مع تجار السوق السوداء كما أنه فيما مضى كان مجرد رجل فقير قبل ان يقوم بالتضحية بـ..
ليقاطعه عثمان بإنفعال وهو يضع يديه على جبينه
: -ما الذي تنوي **به من كل هذا ! ..
: -لا شيء محدد.. لكنني سأكتفي في الوقت الحالي لو تسمح لي بالمبيت في أحد غرف قصرك، كما سأكون شاكرا لك لو تتوقف عن الدفع لكل اوليائك الأشخاص حتى يتخلصوا مني.. حتى لو قتلتني بطريقة ما لا تتوقع ان كل مشاكلك ستختفي بكل بساطة.. عليك التصرف بشكل اكثر حذرا يا أبي..
اتسعت حدقتا عيني عثمان
: -كيف علمت أنني من أرسلهم؟
: -تأكدت من ذلك للتو..
ثم ضحك بسام ليستطرد قائلا
: -لكن الا ترى أنه من المثير للسخرية ان ابنتك هي من انقذت حياتي.
(***)
: -أبي متورط في التجارة الغير مشروعة؟..
جلس بسام على الأريكة على مقربة منها حيث وضع إحدى قدميه على الأخرى
: -لا تبدين متفاجئة بالنسبة لي.. لكن عثمان مختلف عما تعرفينه، حتى إنه حاول حتى التخلص مني بإهمال معرضا حياتك للخطر..
أخذت إيما تحدق في انعكاسها على زجاج النافذة التي بجانب الشرفة دون ان تبدي أي تعليق..
كم بدى وجهها كئيبا وشكلها غير مهذب أبدا، وبسام يجلس الى جوارها بكل غرور وتغطرس، مستريحا ويحتسي القهوة كما لو انه سيدها وهي قد باتت بمقام العبدة، لتقوم بعدها بقضم شفتيها الرقيقتين المحمرتان وهي تحدق في شرود في صورة عائلية قديمة اجتمعت فيها رفقة والدها حينما كانت رضيعة، كم كانت الأمور لتكون أسهل عليها لو كانت والدتها معها..
لاحظ بسام شرودها، اخذ يتأمل في الصور ليلاحظ ظلا غريبا في احدى زوايا الصورة
: -لابد أنك تفتقدين والدتك كثيرا.. بإمكاني قراءة هذا في عينيك..
لتجيبه حيث بدت قزحية عينيها المزرقة قمة في الكآبة
: -لقد أخبرني ابي أن أمي ماتت بعدما ولدت، لكنني اجد صعوبة كبيرة في تقبل هذه الكذبة.. لم أرى لها صورة واحدة ما عدى تلك الصورة التي يظهر فيها ظلها.. كما ان ابي يرفض اخباري بأكثر مما اعرفه..
: -طالما أن والدك يتصرف هكذا من المؤكد أنك ستكرهينه لو علمت بالحقيقة..
في تلك الاثناء وفي مشهد غريب أمسكت إيما بكلتا يديها بيد بسام التي وضعها على الاريكة واحكمت قبضتها الدافئتين لتقول له بينما خداها بدأى يحمران
: -بسام أرجوك أيمكنك أن تساعدني في العثور عليها.. لا اعرف أي شخص آخر بإمكاني ان اطلب منه هذا الطلب..
: -لـ لماذا علي ان..
لتقاطعه إيما قائلة
: -أرجوك.. أعدك أنني سأسمح لك بفعل أي شيء تريده دون أي اعتراض.. أرجوك بسام، انا فعلا اريد ان اعرف الحقيقة مهما كلفني ذلك.
توالت تلك الدقات بسرعة، داعبت راحتها العطرة مسارات أنفه، ليبتلع بعد ذلك الل**ب الذي تجمع في غصة في حلقه الجاف
: -لـ لماذا تذهبين كل هذا البعد..
: -لنفس السبب الذي دفعك لملاحقتي في كل مكان، نفس السبب الذي جعلك تنقذني في ذلك اليوم، لنفس السبب الذي.. جعلك تحتفظ بكل تلك الصور.. أنا أيضا، لدي أشياء اقاتل من أجلها حتى لو فقدت كل ما لدي حتى أبلغها.
مرر بسام يده حول شعره الأ**د ذا الخصلات المجعدة
: -يا إلاهي، أنت تثرثرين كثيرا اليوم.. توقعت أنك ستكونين مستاءة مني بعدما صفعتني بالأمس وغادرت المكان غاضبة.. بالمناسبة ما أزال اشعر ببعض الألم في فكي الأيمن.
لاحظت إيما ان هنالك بقعة مزرقة في فك بسام الأيمن الذي انتفخ قليلا من أثر يدها، لم تتوقع أن صفعتها قد آلمته لتلك الدرجة او قد تسبب كل ذلك الضرر.. اذ به يشعر بأصابعها تلامس خده ورائحة طلاء اضافرها قد وصلت لحواسه
: -أنا آسفة، هل تألمك حقا؟..
اتسعت حدقتا عينيه من حنانها المفاجئ كما لو ان لها أصابع إلاهية تحول كل ما تلمسه لذهب، او كل ذكر لعاشق لها..
ليمسك بيدها ويبعدها عنه بشيء من الاحراج
: -يا لك من فتاة.. عليك ان تتوقفي عن إغرائي بهذه الطرق الرخيصة.. على كل لقد..
..
ثم مرر يده بين سترته الواسعة مظهرا علبة حمراء، فسلمها لها وهو يحاول ان يبعد بصره عنها في تردد لم تعهد ان تراه في ملامحه
: -لقد أحظرت لك هدية.. كإعتذار عما بدر مني بالأمس وكشكر لاعتنائك بي، لقد أخبرتني ريم انك تكبدت عناء زيارة شخص مثلي بشكل منتظم دون ذكر انه لولا استعجالك لما كنت على قيد الحياة اساسا.
أمسكت إيما العلبة الحمراء وشيء من الطمأنينة بدأت تسري في داخلها، شعرت أن سحرها بدأ يأثر عليه فعلا، وكيف له الا يقع بعشقها..
اخذت تفك ذلك الشريط الأبيض، ثم القماش الأحمر، تلك العلبة البيضاء.. رفعت الغطاء عنها لتجد..
(يتبع)