شعر زياد بشيء بارد يمر عبره قاطعا أنفاسه، فنظر أسفله ليلاحظ أنبوبا معدنيا قد اخترق بطنه ممزقا امعائه، ثم التفت خلفه بروية لتتسع ملامحه برؤيته لذلك الشاب الذي طعنه..
سقط زياد على ركبتيه من شدة الألم وبدأ ذلك السواد يغطي المكان من حوله، لكنه لم يلبث وأن استدار بسرعة ثم جمع شتات نفسه وامسك بقدمي ذلك الشاب حتى أسقطه، ثم جثى فوقه وأحكم قبضتيه على عنقه محاولا خنقه قائلا بصوته المتقطع والدماء تتدفق من فمه مغطية وجه ذلك الشاب في الأخير
: -أنت.. أـ.. أنت..
حتى خانت قوته وافلت قبضته وسقط على الارض بلا حراك، وبدأ يحتضر بينما ينظر في آخر لحظاته نحو إيما، مد ذراعه نحوها ونظرة حزن ويأس تعلوا ملامحه، كأنه ينتظر منها المساعدة بعد كل ما فعله بها او لربما مازال يؤمن ان عشقه لها سوف ينجيه بطريقة ما، ربما قد تسامحه بعد كل شيء من يعلم..
كحال الشيطان الذي يحاول التمسك بوهم النعيم وتلك الظلمة تسحبه أعمق وأعمق في اعمق حفرة في الجحيم.
: -إ.. إيمَّا.. لا.. أريد.. الـ.. ـموت..
حتى إختفت نبرة صوته وسط نظراتها الخائفة والمرتجفة..
تجمدت دموعه على طول خده وشهق بقوة ليلفض بذلك أنفاسه الاخيرة..
..
أسرع الشاب محررا إيمَّا وخلع سترته الجلدية الطويل ثم ألبسها إياها حتى يسترها.. عجزت عن المشي من شدة الصدمة التي تلقتها حيث كانت قدماها ترتعشان بلا توقف، فما كان له الا ان يحملها بين ذراعيه الى سيارته التي اوقفها امام البناية وممسكا بتلك المظلمة حاجبا الأمطار الغزيرة..
(***)
جلست إيما في المستشفى لعدة أيام، بسبب الصدمة النفسية التي تعرضت لها. لكن مع العناية الطبية، تحسنت حالتها شيء فشيء، وأصبحت قادرة على العودة لمنزلها وعيش حياتها بشكل طبيعي مرة أخرى لكن ظلت تلك الحادثة حفرة سوداء في حياتها لم تستطع نسيانها او تجاهلها مهما فعلت او تناست ولم يعلم بشأنها سوى والدها وبسام الشاب الذي انقذ حياتها.
وبالحديث عن بسام، فقد قبض عليه وسجن بتهمة القتل المتعمد بعدما اعترف بذلك أمام القضاء، لكن لم يمكث في السجن الا بضعة أيام واف*ج عنه بعدما برئ حينما شهدت إيمّا لصالحه وتكتم عن سجنه هو الآخر وحتى جلسات محاكمته لم تنشر للعلن وفقا لطلب والدها.
بعد اختفاء سائق عائلة إيما، وبعد بحث مكثف عثرت الشرطة على جثته عميقا في الغابة فتم إغلاق ملفه بعدما ثبت أن زياد إستدرجه للغابة ليقوم بعد ذلك بقتله وأخذ السيارة ليختطف إيما..
إستغل بسام تلك الفرصة ليتقدم لتلك الوظيفة الشاغرة وليوظف **ائق جديد للعائلة، كرد جميل او من يعلم..
(***)
داخل المدرسة الخاصة للفنون، وفي احدى مسارحها، جلس المدرس رفقة مجموعة من الطلاب الذي أتو ليشاهدوا جزء من المسرحية التي بعنوان "حب س**ح".. رفع الستار الأحمر، ظهر على المسرح مشهد طبيعي يتوسطه بلدة من القرون الوسطى، وعلى خشبة المسرح وقفت إيما بزي خادمة وذلك الشخص ذا الزي المبهرج يحمل مجموعة من الهدايا ويضعها الى جانبها فما كان لها الا ان ترمقه بنظرة ملل واستياء، ليقول بعدها احد الممثلين الذي يأدي دور سكان البلدة
: - إنه ريك مجددا الى متى سيتمر ذلك الا**ق بإرسال الهدايا لها، من الواضح ان آنا ترفضه بشكل قاطع.
فيرد عليه القروي الى جانبه
: -شخص بمثل مقامه الاجتماعي يذل نفسه لفتاة قروية.. لابد ان هذا محرج جدا لعائلته..
: - الثروة والمقام الاجتماعي.. ما الذي يعنيه كل ذلك اذا لم يمنحك الفتاة التي تحبها، اظن ان ريك يفكر بنفس الامر.
في تلك الاثناء صرخ الممثل الذي يأدي دور ريك
: -آنا، لقد احببتك في اول لحظة تلاقت فيها أعيننا.. ارجوك أيمكنك إعطائي فرصة و..
لتقاطعه إيما التي تأدي دور آنا
: -لقد اخبرتك أنني بالفعل احب شخصا ما، هذه اجابتي النهائية، عليك ان تتوقف عن ملاحقتي في كل مكان..
: -مـ مهلا.. آنا !
ثم دخلت آنا احدى المنازل ضمن د*كور المسرح وتركت ريك جالسا على الأرضية وسط سخريات وضحكات سكان القرية
نزل الستار الأحمر وبعد لحظات رفع مجددا ليظهر رجل مقيد على احدى الأشجار ويقف الى جانبه ريك حيث وجه سيفه اليه وسط صدمة سكان القرية الذين تجمعوا حوله وبينها آنا التي إنهارت ارضا
: -ريك.. ما الذي تفعله بأبي؟!
فرد عليها ريك والدموع تنهمل من عينيه
: -لقد قدمت كل شيء لك.. لكنك تصرين على الابتعاد عني.. ما هو عيبي، لماذا تكرهينني بهذا الشكل!.
لترد عليه آنا بإستغراب
: -وان يكن ! .. مـ ماعلاقة أبي بكل ما يحدث بيننا !..
نهضت آنا من على الارضية وأخذت نفسا عميقا ثم زفرت بقوة.
: - في الحقيقة يا ريك.. لا تبدو لي سوى مجرد طفل مدلل.. يظن ان مال ابيه قادر على شراء كل شيء..
حتى قاطعها احد سكان القرية وهو يهمس لها
: -توقفي عن استفزازه اكثر.. سيقتل والدك !
: -لا تقلق يا سيد جيمس، لن يتجرأ على ذلك.
جعلت تلك الكلمات ريك مشتتا ولم ينتبه ان احد الأشخاص قد تسلل خلفه وفك وثاق والد آنا، تزامنا مع ذلك هجم عليه رجال القرية وطاردوه الى خارج المسرح..
انسدل الستار الأحمر معلنا نهاية الفصل الأول من المسرحية
خرج كل من إيما والممثلين الآخرين وانحنوا للجمهور حينها تعالت التصفيقات في القاعة وبالذات المدرس الذي انبهر بمستوى تمثيل تلاميذه..
...
على أبواب دار مدرسة الفنون في وسط المدينة، وعلى مقربة من سيارة 'بوشيه' السوداء، وقف بسام يراقب مدخل الدار، لافتا انتباه المارة من حوله، ببذلته البيضاء الغالية، وشكله الذي يوحي انه يخدم ارقى العائلات في المدينة، لكن انتباههم المبالغ فيه والانظار الموجهة نحوه والتي لم يعتد عليه شخص بمثل مكانته الاجتماعية، لم تعد تثير اهتمامه او هكذا جعلهم يتوهمون.
فجأة اسرع بسام وفتح الباب الخلفي للسيارة بكل رقي "مبتذل" بعدما لاحظ إيمّا من بعيد وهي تقترب منه، وزملائها ورفاقها في المدرسة خلفها، يتناقشون فيما بينهم عن نوعية العلاقة التي تجمعها بسائقها الخاص بسبب ظهوره المفاجئ، وكانت الاشاعات منتشرة لدرجة انها وصلت لمسامعها بشكل واضح حتى انها أبدت انزعاجها من تلك الاقاويل ورفضت أي إشاعة تفيد بعلاقة سرية مع أي شخص كان.
ركبت إيما السيارة في استياء وانزعاج، وبعدما تجاوزت السيارة حرم المدرسة قالت لبسام في تأنيب له
: -كم مرة اخبرتك ان تنتظرني في السيارة؟ وما بال هذه الملابس التي ترتديها، كأنك في موعد غرامي.. اتريد جلب الانتباه لهذا الحد.
: -لا اريد ان يقول الناس، ان سائق الجميلة إيما، عديم الذوق، فهذا قد يسيء لمظهرك أيضا.
: -انت تسيء الي بالفعل بتصرفك الغريب هذا، لا تجعلني اكرر كلامي.. أوه، كم هذا محرج.
فرد عليها بسام بكل هدوء وتلك الابتسامة لم تفارق شفتيه
: -آسف سيدتي، لم اقصد الإساءة اليك، سأكون اكثر انتباها المرة القادمة.
**تت إيما قليلا وانشغلت في تصفح دروسها ثم زفرت بقوة بعدما ادركت ردة فعلها التي كانت مبالغا فيها، قالت له في هدوء بعدما انبها ضميرها
: -أيضا.. لا تناديني بسيدتي، فهذا غريب.. نادني فقط بإيما، كما يفعل أصدقائي.
ضحك بسام كما يفعل دائما حينما يتحمس لأمر ما حتى أثار انتباهها
: -لقد أصبحنا أصدقاء اذا، هذا يشرفني جدا، سيدتي أو بالأحرى.. يا إيما.
: -لا تتمادى في الامر أيها السائق، سيكون من الأفضل لك ان تنتبه لعملك، فلم نقم بتوظيفك حتى تدردش معي.
: -أنا شاكر لجميلكم.. نعم بالمناسبة، اليوم هو الخميس سيدتي، ان لم تخني الذاكرة لد*ك اختبار أداء في القاعة الكبرى، اليس كذلك؟
مررت بيدها على وجهها متوقفة على جبينها
: -نعم بالفعل، لقد تجهزت لهذا الأداء لأشهر لكن أشعر أنني لست مستعدة بعد.. هل مازال لدينا بعض الوقت؟
: -نعم، ما يزال لدينا ما يكفي.. ستحصلين على الدور الرئيسي في الفيلم، لد*ك الموهبة والمظهر لذلك، والا لما ارسل لك المخرج في طلبك شخصيا وأعذرك لتأخرك بعد الذي حصل آخر مرة.
رسمت على وجهها ابتسامة مغرورة، ثم قالت له في تردد
: -أتظن ذلك حقا؟.. في.. في الحقيقة.. انا لا اعرف.. لا أرى أي شيء مميز بي.
التفت نحوها بسام بابتسامته
: -إيما، انت مميزة جدا، عليك فحسب ان تكوني اكثر ثقة بنفسك وبقدراتك، مظهرك ليس الشيء الوحيد المميز بك.
جحضت إما بعينيها بعفوية بعدما احمر خدها الشيء القليل لهذا الإطراء المفاجئ ..
: -شـ شكرا..
ثم نظرت عبر النافذة ولاحظت قطرات من المطر تنزل على الزجاج حينها قالت في هدوء وبنبرة ثقيلة
: -انها تمطر مجددا.. هذا الشتاء لن ينتهي ابدا.
ثم اكملت محدثة نفسها
: -(لا اريد ان اكون متشائمة لكن لدي شعور ان هنالك شيء سيئا سيحصل..)
(يتبع)