الفصل الثاني

3346 Words
ـ سونيا ...حياتي هنا ...بجوار أطفالي ولا حياة لي بعيداً عنهما ردت سونيا باتهام: ـ تقصدين مع صورهم, تاج حبيبتي... إن لم تستطيعي الحياة مع أطفالك فعلاً فاتركي حياة الخيال هذه, والعيش مع الأشباح, وعيشي حياتك التي لم تسعدي بها حتى الآن وتعرفي علي من يستحق قلب كبير كقلبك. صرت تاج علي أسنانها: ـ لا أحد يحب امرأة عرجاء ي**و أحد ساقيها كتلة من الحديد تزن عدة كيلوات تن*دت الصديقة بحدة: ـ أنتِ تعقدين الأمور... إذا ما أحبك رجل ما لن ينظر لقدمك.. بعد أن يبهره جمالك ورقة إحساسك وقلبك الكبير صاحت تاج ساخرة: ـ منذ أن كنت صغيره لم أري تلك النظرة التي تتحدثين عنها, لم أري غير نظرات الشفقة والتعالي, وكأنني لا أستحق الحياة بعاهتي ـ ورافاييل!!! التفتت لصديقتها متفاجأة... ثم ضاقت عيناها وهي تنظر للقصر العتيق في الوادي وملأت ص*رها بالهواء, والذكرى تعود لسنوات مضت, لتتذكر تلك الليلة التي رأت فيها رافاييل. كانت في بيتها الذي شهد مولدها... تستلقي باسترخاء علي فراشها... تستمع للموسيقي وتقرأ كتاباً حتى قاطع ش*يقها خلوتها ـ تاج ماذا تفعلين ؟ ردت بضيق من دون أن ترفع رأسها عن كتابها: ـ كما ترى أعد مأدبة العشاء احمر وجهه ثم جلس جوارها ونزع الكتاب من بين يديها: ـ لست أعمى فأنا أرى أنك تقرئين ولكن.. حثته علي الكلام بضيق: ـ كريس.. قل ما عندك واتركني أكمل القراءة ملأ ص*ره بالهواء ثم زفره بقوة قائلاً: ـ ما رأيك أن تخرجي معي الليلة... سنذهب للرقص أنا ولورينا, رأيت أنها فرصة لتخرجي من عزلتك... هذه ولو لبعض الوقت . أطرقت برأسها مفكرة... ثم رفعتها لتحدق بوجه أخيها: ـ كريس... هذه ليست المرة الأولي التي تذهب فيها للرقص مع لورينا, ولكنها المرة الأولي التي تفكر فيها بأختك المسكينة المعزولة عن الحياة, لماذا ؟ أنا أتسائل!!! صاح أخوها بعصبيه: ـ أنت لا تسلمين لي بحسن النوايا أبداً أليس كذلك؟ ردت ضاحكة: ـ لأسباب كثيرة يا أخي الكبير... أهمها أن حسن النوايا ليست من ضمن شيمك, ربما إذا أخبرتني الحقيقة قد.... وضع خطوط حمراء كثيرة تحت "قد" هذه..قد أفكر بتلبية طلبك ـ حسناً أيتها الماكرة... هذه المرة ش*يق لورينا يصر علي مصاحبتنا ليتأكد بنفسه أني أحسن التصرف مع أخته... يا له من و*د حدجته بنظرة مرتابة: ـ وما شأني أنا بش*يق لورينا... هل تريد مني أن أقوم بتسليته, بينما تقوم بإغواء ش*يقته ـ بالطبع لا أيتها الذكية, ولكن بوجودك سنثبت له أن نواياي تجاه ش*يقته شريفة تماماً... وبوجودك لن يحدق بنا كالصقر صرخت باستنكار: ـ أنا!!! ومنذ متى أي رجل يولي لي نظرة ثانية... كريس كن واقعي واتركني لكتابي... فلن أذهب, وأنا أعني ما أقول, وهذا قرار نهائي لن تستطع أن تثنيني عنه تن*دت بغيظ وهي تنزل درجات السلم الداخلي لمنزلهم بعد أن ارتدت ثيابها وهي تصيح بحنق في وجه أخيها المبتسم بانتصار: ـ لست أدري كيف سمحت لك بإقناعي؟ ظهرت أمها من خلف ش*يقها تحدق بها بريبة ـ يقنعك بأي شيء يا عزيزتي...إلى أين أنتِ ذاهبة ؟ عقدت ذراعيها علي ص*رها تحدج أخيها بنظرات مستنكرة: ـ كريس ألم تخبر أمي؟ تردد للحظات ثم التفت لأمه: ـ أمي.... لا تقلقي تاج ستكون بخير.... لن أبعد عيناي عنها لحظة واحدة... ستكون في آمان تام. صاحت الأم بعناد: ـ لن يحدث هذا أبداً.... أختك غير معتادة على الأماكن التي ترتادها أنت وأصدقائك أمسك بذراع أخته يجذبها نحوه بإصرار: ـ لن تستطيعي حبسها في شرنقتك للأبد... لابد أن تري الحياة التي حرمتها منها لإعاقة ليس لها أي ذنب بإصابتها بها.... ولو كانت ذاكرتك بجودة رغبتك الحامية لها لما أهملت علاجها... حتى أصبح عجزها دائم صرخت الأم باكية: ـ لا يحق لك اتهامي, وما حدث لها كان رغماً عني رد كريس بغضب: ـ لو كنت أدرجتها من بين جداول اهتماماتك المتعددة, لما أصابها ما أصابها منذ البداية انهارت الأم علي الأرض باكية بحرقة ـ كانت حقنة خاطئة... كم مرة سأقول كم أنا نادمة .. ـ ولو كررتها مليون مرة ...دموعك لن تداوي عضلات ساق أختي الضامرة بسبب إعطائك لها حقنة وأنت ثملة ـ كانت درجة حرارتها مرتفعة وظننت ...ظننت تن*د كريس بهدوء: ـ اتركيها يا أمي تستمتع بما يتاح لها من حياه..فلا تعلمين..قد تستمر الدنيا بظلمها عندما تبتعدين عنها... رفعت الأم عينيها الدامعتان لابنتها التي اكتفت بمقعد المشاهد لمشهد يتكرر دائماً دون أن تتدخل في كل مرة.... فلا تستطيع اتهام أمها كما يفعل ش*يقها, ولا تقوى علي مسامحتها بسبب إهمالها الذي أدى لإصابتها بالإعاقة مدى الحياة, فتقع بين شقى الرحى... لا تستطيع العفو, ولا المعاقبة لا الحب ولا الكراهية, يتصارعان كلاهما بداخلها... وليس بيدها لأحدهما دفع... فتستسلم حينما يصلان لحد المساواة بقلبها, وت**ت كما يحدث دوما فقط ت**ت. تجاهلت يد أمها الضارعة لها وهمست بصوت محايد: ـ إلى اللقاء يا أمي... لن نتأخر... هيا بنا كريس شد على كتفيها مؤازراً, وكأنه يقرأ كل فكرة في رأسها ويشعر بمعاناتها فهزت رأسها بابتسامة باهتة: ـ سأكون بخير كانت سيارة بانتظارهما يقودها شاب لم تتبين ملامحه وبجواره تجلس لورينا, وقد استنفذ صبرهما من طول الانتظار, فتح لها كريس باب السيارة وساعدها حتى جلست في المقعد الخلفي... أغلق الباب ولحق بها من الباب الآخر... التفتت لها لورينا تسألها بابتهاج زائف: ـ لا شك أنك تاج ش*يقة كريس الأثيرة ـ نعم... وأنت لورينا التي لا ينفك كريس يحدثني عنها اتسعت ابتسامة الفتاة خاصة عندما غمز لها كريس فقدمت أخيها: ـ هذا أخي ريموند عدل ريموند مرآة السيارة الأمامية لتلتقي عيناه بعينيها بنظرات لعوب لم تعتدها فأطرقت خجلة انطلق بالسيارة بأقصى سرعة فحبست تاج أنفاسها وبعد لحظات زفرتها عندما لاحظت استمتاع الجميع بالسرعة وصراخهم الهستيري... بتردد رفعت رأسها لتلتقي بعيني السائق المغازلتين فاستغل الفرصة ليسألها: ـ تاج... يا له من اسم غريب؟ رد كريس عندما لاحظ احمرار وجهها المتزايد: ـ كان أبي مغرماً بالتاريخ الهندي... سمي أختي علي اسم رمز من رموز الحب في الهند "تاج محل" الذي بناه الملك خان لزوجته الأثيرة ممتاز محل... بعد وفاتها ليكون رمزاً لعشقه وغرامه بها صاحت لورين بدهشة: ـ اسمك تاج محل, يا للغرابة!!! ردت بعد أن استجمعت شجاعتها: ـ كنت أكرهه في البداية... كان الأولاد في المدرسة يسخرون مني لغرابته... وعندما كبرت وعرفت معناه.. أحببته, وتمنيت لو أجد قصة حب كقصة اسمي . توقفت السيارة أمام نادي أصوات موسيقاه العالية تكاد ت** الآذان في الخارج وفجأة شعرت بانقباض.. وتمنت لأول مرة لو سمعت نصيحة أمها أمسك كريس يدها ليساعدها على النزول مشجعاً عندما لاحظ ترددها: ـ لا ترتبكي... ستكونين بخير وكادت تفعل ببساطة... ولكن حينها لاحظت عينا صديقته علي الجهاز الحديدي الملتف حول ساقها... ومن ثم همسها لأخيها ونظراته المحدقة... سحبت منها آخر معاقل ثقتها التي ظلت تبنيها لحظة لحظة طوال السنوات الماضية... تهاوت إلى الحضيض بسرعة الركام... ثقة هشة ضائعة ظنتها من ثوابت الزمن, ولكنها تهاوت كرقاقات هشة في مواجهة النظرات الساخرة... شدت علي ذراع أخيها بقوة حتى دخلا النادي المظلم تقريباً إلا من بعض المصابيح الملونة والمنتشرة في المكان ليزيد من انقباضة قلبها انتبهت لكريس يدعوها للجلوس دون أن يلاحظ نظرات أصدقائه المتطفلة علي ساقها... فتمنت لو أنها ارتدت بنطلوناً ليخفي إعاقتها وشعرت بأنفاسها تحتبس بص*رها فتزيد حرارة تخرق قلبها بألم المذلة والألم, التي أبت أن تظهره بآخر ذرات الشجاعة بروحها أخذت نفس عميق لتهدئة قلبها الثائر لتكمل تلك الليلة إلى النهاية ـ تاج ماذا تشربين؟ ابتسمت ابتسامة م***بة و تتردد في النظر باتجاهه هو يحيط لورينا بذراعيه ـ اصطحب صديقتك للرقص, ولا تهتم بي سأكون بخير .. بدا الوضع مربكاً بعد انصراف كريس, وصديقته كادت نظرات ريموند الساخرة المحتقرة تحرقها في مكانها ...خاصة بعد محاولته لافتعال حوار سخيف, فردت باقتضاب حتى أصابه الملل... نهض ووقف أمامها وانحني ساخراً ـ هلا تسمحين بمراقصتي؟ رفعت رأسها إليه مدهوشة بسؤاله.. فلاحظت الضحكة التي بالكاد يحافظ عليها مكتومة خلف قناع التهذيب... هزت رأسها بالرفض الذي انتظره وتوقعه, راقبته ينصرف مسرعاً يكاد يركض بخطواته مبتعداً عنها وكأنها عبئاً وانزاح عن كاهله اختنق ص*رها بألم مبرح, وبالكاد حافظت علي دموعها مخفيه خلف قناع الجمود ولكن... عندما رأته بعد لحظات يراقص فتاة أخرى لم يحزنها هذا التصرف.. إلا عندما لاحظت همساته في أذنها وهو يشير نحوها... والفتاة تتابع إشاراته وفجأة يغرق كلاهما في الضحك, شعرت وكأن كل العيون في المكان تحدق بها... وتسخر منها... والجميع يشير نحوها يتهمها بإعاقتها...فتملكها ذلك الإحساس المؤلم... فتمنت وكأنها لم تولد قط حتى لا تعيش لحظة المهانة هذه أبداً . نهضت من مكانها تعرج باحثة بهستيرية عن باب الخروج وهي تدفع كل من يقف بطريقها... وكأن شيطاناً يطاردها.... إلى أن غادرت المكان أخيراً, شهقت بصوت مسموع ...تعب الهواء لص*رها المتألم عباً... ثم جلست أرضاً تخلع الجهاز الحديدي بعصبية..وكأنها لم تعد تطيق بقائه ثانية أخرى... حتى تسببت لنفسها بالعديد من الجروح... ثم خلعت الحذاء من قدمها الأخرى... وتحاملت علي نفسها لتقف, وأخذت تحاول المشي بتحدي وعناد متساندة علي السيارات المتوقفة... تبكي بحرقة محاولة الابتعاد عن هذا المكان الذي شهد نهاية روح كانت تتشبث بفرصة للحياة الطبيعية... مثلها مثل أي فتاة في سنها, محاوله أن تقنع نفسها بأنها على ما يرام... بأنها بخير... ولاشيء حدث... وتتهاوى دموعها مكذبة ادعاءاتها. توقفت لاهثة بعد أن أرهقت ساقها المعتمدة عليها بجر ساقها الأخرى... وفجأة رأت صورتها منع**ة في إحدى مرايا السيارات المتوقفة وجهها الباكي الحزين فهمست لنفسها بتحدي: ـ أنا جميلة..... لماذا لا يري أي رجل هذا... لماذا... لماذا ؟ ـ أنا أري هذا ؟ التفتت مصعوقة صارخة برعب: ـ من ..من أنت ؟ والتفتت إلى الخلف تحاول أن تقتحم الظلام ببصرها تم الفصل الثاني الأحداث القادمة من الفصل التالي ـ هل أضعت حذائك سندريلا ؟..لا تقلقي سأعثر لك عليه شعرت ولأول مرة بحاجة إنسان لوجودها, هذا الرجل رغم كل جبروته الواضح يبدو أنه بحاجة لص*ر يفرغ عليه همومه... هي التي اعتادت أن تكون محل إشفاق كل المحيطين بها.... أخيراً شخص ما بحاجة إليها ...حتى لو كان غائب عن وعيه ..استكانت بين ذراعيه يحملها لداخل الفندق ـ لماذا يا أمي ؟ لأنك اكتشفت فجأة أنني أصبحت امرأة ناضجة... أم لأن رجلاً فكر بي بطريقة مختلفة بعيداً عن نظرات الشفقة والتحسر التي تلاحقني مع كل نفس أتنفسه وبسعادة الأطفال في ليلة الميلاد, وضعت رأسها على الوسادة لتنادي النوم لعله يأتي سريعاً ويرحمها من عذاب الانتظار. رمشت بعينيها عدة مرات لتخلصها من قطرات الدموع العالقة..لتستطيع رؤية صاحب الصوت الرجولي: ـ من أنت ؟ رد بصوت مترنح أكد لها إنطباعها الأول عنه أنه ثمل: ـ أنا مالك تلك السيارة التي تحدثينها تراجعت بحذر: ـ أنا آسفة ... حاولت الاعتماد علي ساقها السليمة مرة أخري لتبتعد, ولكن يداً علي كتفها منعتها بحزم... استدارت له مرة أخري تحاول رؤيته بوضوح من خلف غيمة الدموع التي تغشي عيناها... ـ ولكنك فعلاً جميلة.. لم لا تصدقينني ؟ أطرقت برأسها فانسدل شعرها بنعومة فائقة ليخفي وجهها... فرفعه بيده ليتأمل ملامحها الباكية.. تجمدت في مكانها... هذه المرة الأولي التي ينظر لها رجل بهذه الطريقة الخالية من نظرات الشفقة والتحسر علي حالها... وعلي نحو غير متوقع انحني عليها بعناق هو الأول في حياتها... وظل يلثمها بقبلات أخافتها... في ما أشعلته في جسدها البريء من رغبات ظلت تتجاهلها منذ وقت طويل..واعتبرت أن لا حق لها بتلك الأحاسيس, ولكنها لم تكن في أمس الحاجة إليها كهذه اللحظة ....وضعت يديها على ص*ره لتبعده, ونسيت أنها تعتمد على ذراعيه المحيطتان بخصرها لتقف صامدة... فكادت تهوي علي الأرض تحت قدميه.. ولكنه أمسك بها قبل أن تهوي.. وفي جزء من الثانية كان يحملها بين ذراعيه... لاحظ قدميها العاريتان فسألها ضاحكاً: ـ هل أضعت حذائك سندريلا؟..لا تقلقي سأعثر لك عليه... كادت تحتج علي اصطحابه لها, ولكن أثملتها فكرة عدم ملاحظته لقدمها المعاقة فتمنت لو تدوم تلك اللحظات بين ذراعيه للأبد... عندما وضعها برفق على المقعد المجاور له داخل سيارته.... واستدار ليقودها إلى المجهول...لم تهتم,... أتيح لها الوقت الكافي لتدرس ملامحه المنحوتة بدقة وكأنه شخصية مرسومة في خيال امراة عاشقة... بريشة فنان تعمد وضع كل مقاييس الرجولة في وجه واحد...كان شعره الأ**د الغزير ينافس الليل في سواده, وعيناه الزائغتان لا شك أنها بعيداً عن تأثير الشراب تسجي أخطر الرجال رعباً بنظرة واحدة, وأنفه المنحوت بتعالي وكأنه معتاداً على الشموخ من يوم ميلاده... وصلت لفمه الذي انهال عليها منذ دقائق سارقاً كل احتجاجاتها وبراءة شفتيها بدون رحمة... أو حتى إشفاق, وتعجبت رجلاً له هذه الصفات الجسمانية لايمكن أن يكون عبداً أبداً لشراب يذهب بعقله توقفت السيارة أخيراً أمام فندق معروف التفت لها: ـ ما رأيك.. هل المكان يناسبك؟ همت بالرد بأنها لا تعرف ما يعنيه... ولكنه كان قد غادر سيارته واستدار ليفتح لها الباب المجاور... عاد ليرفعها بين ذراعيه دافناً وجهه بين خصلات شعرها الذهبية يتشمم عبيرها المسكر: ـ آه....ما أجمل رائحتك.... مرة أخرى أوقف اعتراضها على ما يفعل..فقد نقل لها عدوى الثمالة بدون مشروب..فقد أثملتها كلماته...وجعلت رأسها يدور في مكانه....همهمت بكلمات غير مفهومة فرد عليها ضاحكاً: ـ لا تخافي سندريلا... سنعثر لك على حذاء مناسب شعرت ولأول مرة بحاجة إنسان لوجودها, هذا الرجل رغم كل جبروته الواضح يبدو بحاجة لص*ر يفرغ عليه همومه... هي التي اعتادت أن تكون محل إشفاق كل المحيطين بها.... أخيراً شخص ما بحاجة إليها.... حتى لو كان غائب عن وعيه ..استكانت بين ذراعيه يحملها داخل الفندق الفخم ...ولدهشتها لم يعترضه أحد... إلى أن وصلا للمصعد الذي صعد بهما لأحد الأدوار العليا...كانت ما تزال دائخة فلم ترى الرقم الذي توقف عنده المصعد... وبخفة وكأنه يحمل طفلاً صغيراً دخل بها غرفته ووضعها برفق علي فراشه الوثير... ثم ابتعد عنها ليعد كأسين من الشراب وقدمه لها بنظرات زائغة فكرت للحظة... ثم مدت يدها وتناولته... دفعته لحلقها دفعة واحدة فشعرت وكأنها جوفها يشتعل بحممه السائلة, أمسك منها الكأس الفارغ ثم هجم عليها في عناق أعاد إليها صوابها الذي طار بأجنحة أفكارها المجنونة.... دفعته عنها بصعوبة هامسة برجاء ـ أرجوك... أريد أن أذهب... أنا لا... سألها بدهشة: ـ ماذا بك سندريلا ...؟هل أنت خائفة مني... لا تخافي..سأكون رقيقاً معك كما تستحق مخلوقة جميلة مثلك.... تأوهت بارتباك: ـ أرجوك اسمعني...أنا حقاً شاكرة لك كلماتك الجميلة...ولكن..أنا... قهقه ضاحكاً مقاطعاً احراجها: ـ ...أه عرفت...أنت مثلك كأي امرأة من ج*س حواء تريدين الخاتم قبل ...المتعة؟ ردت بصوت مرتعش وقد فاجأها عرضه الغريب: ـ لا أنت لا تفهم أيها السيد.. صاح بثورة: ـ سيد.... ألا تعرفين من أنا أيتها الجاهلة.... أنا رافاييل ساباتيني الابن البكر لعائلة ساباتيني...وإذا أردت الخاتم اللعين... فهو لك يا سندريلا تستحقيه مثلك مثل أي امرأة من ج*سك تقدم المتعة لقاء أي شئ مادي لا قيمة له. حملقت غير مصدقة به يخلع خاتمه الأثري عن خنصره ويدسه في أصبعها الأوسط فلمعت عقيقته الحمراء بتوهج في يدها النحيلة, وفي تلك اللحظة عجز عقلها عن ترجمة ما يحدث....عندما بدأ بخلع ثيابه وهو يرمقها بنظرات منتصرة... لقد دفع الثمن...ويتوقع أن يحصل على المقابل...ولكنه لم يعطها مالاً....لقد سلمها خاتمه...رفعت يدها لتحدق بالخاتم مرة أخرى لا تصدق... عندما شعرت باقترابه منها...ولدهشتها لقد اضمحلت كل مقاومتها...أغمضت عيناها وشفتاه تنهلان من منبت عنقها البض...يمتص نبضاتها الوجلة...وبعد حرب غير متكافئة بين عقلها وغريزتها....استسلمت أخيراً للذوبان بين أحضان هذا الغريب الذي سمى نفسه رافاييل ساباتيني وفي الصباح كان أوان الندم قد فات... عندما استيقظت فوجئت بوجودها في هذا المكان الغريب... وأكثر ما أثار رعبها ذلك الكائن الممدد جوارها... وقبل أن تهم بالصراخ... خاصة عندما اكتشفت أن جسدها عاري تماماً بدون ملابس.... تذكرت كل ما حدث ليلة أمس.... فأسرعت بالزحف مبتعدة بأقل ضجة ممكنة... وارتدت ملابسها علي عجل... ثم رفعت سماعة الهاتف وطلبت سيارة أجرة في الحال وأسرعت تعرج مغادرة قبل أن يراها ويعرف حقيقتها..وترى نظرات الندم والإشفاق في عينيه... ولكن بعد أن ألقت عليه نظرة أخيره في وضح النهار. عادت مرة أخرى إلى حاضرها بعد تلك الرحلة الطويلة فى بحر الماضى بسفينة ضعيفة اهترئت أخشابها الضعيفة بذكرياتها المرة..وقد تمزق شراعها المهترئ.. ـ تاج ..تاج لقد شردت من جديد!!!! ـ أه.. آسفة سونيا لقد تقاذف*ني الذكريات.... أرجوك لا تستائي مني... حذرتك منذ البداية إن مزاجي سيء, أه ..أسمع صوتاً بالخارج....لقد عاد دافي... من فضلك افتحي الباب... نهضت سونيا متململة تفتح لصديق صديقتها الوفي.... الكلب الراعي الضخم الذي ركض نحو صديقته مهللاً جاثياً تحت قدميها بخنوع.... ربتت علي رأسه, ثم انتبهت لصديقتها التي كانت علي وشك الرحيل ـ سونيا...إلى اين أنت ذاهبة.... لم نقضي وقتاً كافياً معاً... ابقي لبعض الوقت ـ لا أستطيع يا عزيزتي سيهبط الظلام بعد قليل... وهذه الطرق الجبلية مخيفة في الليل... ولكنني لن أذهب قبل أن تجيبي عن سؤالي تطلعت تاج إليها باهتمام: ـ أي سؤال..؟ ـ ذلك الذي لم تجيبيني عليه بعد...رغم مرور كل هذه السنوات... رافاييل شعورك نحوه؟ هزت تاج رأسها بابتسامة باهتة: ـ صدقيني لو قلت لك أن الحصيلة صفر...هو مجرد رجل... لا أكاد أذكره... ولولا صوره في الصحف والمجلات, وعلى أغلفة كتبه لما تذكرت ملامحه أبداً, كل ما يربطني به... أنه حدث ذات ليلة أن تداخلت أقدارنا بطريقة عجيبة, كمسافران التقيا في محطة القطار... ثم استقل كل منهما قطاراً بوجهة مختلفة.... ولولا وجود التوأمان لما بقي إلا أثر الخطيئة في نفسي من تلك الليلة المظلمة ـ ولكنك ستذكرينها للأبد... فقط لتتمتعي بت***ب نفسك التوت شفتيها امتعاضاً: ـ وما الجديد... فأنا مكتوب علي الشقاء من يوم ميلادي همست سونيا بتأثر وهي تشد علي يد صديقتها: ـ ولكنك إنسانة جميلة يا تاج... وتستحقين حياة أفضل بكثير من تلك التي سجنت نفسك داخل قضبانها ـ في الماضي... كنت أحلم بحب أسطوري... كحكاية اسمي, ولكنها كانت من المحظوظات التي تتبسم لهم الأقدار مع ميلادهن.... ورغم وفاتها في ريعان شبابها إلا أنها حظيت بحب خالد ...وأنا لم أحظي إلا باسمها ـ أه منك يا ذات الرأس المعدني الصلب.... سأكمل جدالي معك في يوم آخر لأنني فعلاً تأخرت إلى اللقاء ابتسمت لها تاج وهي تهرول خارجة ورياح الذكريات تتقاذفها مرة أخري بين طياتها العاصفة, لتتذكر أول لقاء لها مع سونيا فبعد أن أكتشفت أمر حملها من تلك الليلة الغامضة مع الوسيم المجهول ...كانت الصدمة أكثر من قاسية على أمها التي صرخت بذهول: ـ أنتِ ..أنتِ تفعلين هذا كيف؟ ومتى؟ ومع من؟ أنتِ لا تعرفين سوانا في هذا العالم صاح كريس بانفعال: ـ اهدأي أمي... اتركينا بمفردنا لو سمحت: هزت الأم رأسها بعناد: ـ أنا لا أعرف إلا شيئاً واحداً.... لابد أن تتخلص من هذا العار.... الآن, وفوراً ردت تاج بجرأة ووقاحة أدهشت عائلتها المعتادة علي **تها وخنوعها: ـ لماذا يا أمي؟ لأنك اكتشفت فجأة أنني أصبحت امرأة ناضجة... أم لأن رجلاً فكر بي بطريقة مختلفة... بغير نظرات الشفقة والتحسر التي تلاحقني مع كل نفس أتنفسه صاحت أمها بذهول: ـ أتتفاخرين بعارك أيتها الــ.. ـ أنا لا أتفاخر يا أمي, أنا أدعوك لتفكري بي ولو مرة واحدة بحياتك... كإنسانة بحاجة للحب أكثر من حاجتها للرثاء هدأت أمها وفكرت للحظات ثم همست بتضرع وبكاء: ـ عزيزتي لما لا تفهمين أنك لا تستطيعين الاحتفاظ بهذا الجنين... حتى لو سامحناك ولو أردت هذا فعلاً... وزنك سيزداد... ولن تقوي ساقك على التحمل وستعرضين نفسك للخطر رددت بعناد وكأنها أخيراً وجدت القضية التي تدافع عنها لتثبت لنفسها أنها إنسانة كبقية البشر, ولا تختلف عنهم بشيء ـ أمي...لقد قررت... سأحتفظ بطفلي... ولن أتخلي عن مسؤوليتي عنه... فهو لا ذنب له فيما اقترفته أنا من خطأ صرخت الأم غاضبة: ـ لا... لن تحتفظي به.... عمرك سبعة عشر عاماً ...سأجبرك علي التخلص منه... القانون في صفي من وجهة نظرها... حسم الأمر بعد إعلان أمها الحرب... فكانت هذه هي الليلة الأخيرة بين جدران هذا البيت الذي شهد من دموع أكثر مما شاهد من فرح... حتى كلمات أخيها المطمئنة لم تعيدها لتفكر في قرارها الذي عقدت عليه العزم... تسللت تحت جنح الظلام بعد أن حملت القليل من ثيابها, وانطلقت في رحلتها إلى المجهول اتجهت لمحطة القطار واستقلت أول قطار وجدته أمامها... بدون أن تعرف وجهته فإن كانت هي جاهلة بها... فلن يعرف أحد مكانها... وأكثر ما تخشاه أن تلحق بها أمها وتجبرها على إجهاض الجنين... المخلوق الوحيد في هذه الحياة الذي قد يعني لها... أو تعني له أكثر من الحياة نفسها, وكأن روح أخرى بثت داخل روحها حينها حينما علمت بحملها... قوة غريبة نبعت من داخلها, من مشاعر الأمومة ...أو ربما من هذان الجنينان, هل يحملان قوة والدهما التى لمستها لومضات خافتة تكاد لا تذكرها.. ويمدانها بها لتستطيع إكمال طريقها... أم هي مشاعر يمنحها الله لكل أم لتقوى على إكمال رحلتها... أم هى قوة لم تكن تعلم عنها شيء, كل ما تعرفه أنها تبدأ مرحلة جديدة في حياتها بعيداً عن كل اليأس والاستسلام والضعف.... مرحلة جديدة مع ذلك الجنين معه و.. لأجله.... دخلت احدى مقصورات القطار ترتجف وكان هذا هو اللقاء الأول مع سونيا, داعبت شفتيها ابتسامة الذكرى.... عندما تطوعت صديقتها لتدفع عنها ثمن التذكرة... بعد أن هددها المحصل بإبلاغ الشرطة عنها ....فراحت دموعها تتسابق على وجهها مما دفع قلب سونيا العطوف لتتقدم بشهامة وتقرضها ثمن التذكرة... وبعدها توطدت علاقتهما أثناء رحلة القطار وعرفت كل حكايتها... دعتها لتقاسمها شقتها... حتى أنها وجدت لها عمل معها.... أفاقت من شرود الذكريات علي نباح دافي.... تلفتت حولها لتكتشف أن الليل قد أرخي أغطيته الثقيلة... ربتت بحنو على رأس كلبها وهي تضئ المصباح ثم التفتت لتداعبه... ـ أنت لا تحب الظلام يا صديقي المدلل... ها نحن وحدنا مرة أخري ومعنا صور مايكل وميلاني... هل أنت متشوق للعب معهما مثلي؟.. غداً سيكون عيد ميلادهما الخامس ...سألتقط لهما صوراً كثيرة... نعم دافي ...خمس سنوات مرت وكأنها خمسون سنة... منذ تركت أطفالي في سلة على باب القصر, وكأنها دهور عديدة منذ لامست بيدي وجوههما الناعمة... وتنفست عبقهما الفواح, خمس سنوات نحت فيهم الصخر وعلمت نفسي دون أن يساعدني أحد.. حتى أستطيع أن أكون قربهما ولو من خلال الكاميرا... غداً سآراهما بثيابهما الجديدة... لا شك أن والدهما سيعد لهما حفلاً كبيراً, لننام الآن يا صديقي العزيز حتى يأتي الصباح سريعاً.. ويشفق علي من انتظاري وربما التقت عيناي بأعينهما ولو صدفه..ربما يطفئان نيران فراقهم الذي يحرق بداخلي كل لحظة تمر بدون وجودهما معي.. وبسعادة الأطفال في ليلة الميلاد وضعت رأسها على الوسادة, لتنادي النوم لعله يأتي سريعاً ويرحمها من عذاب الانتظار. ....يتبع.......
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD