فلاش باك...
يوم الحادثه....
ـــــــــــــــــــــــــ
إنحرفت السيارة يساراً عن مسارها الصحيح لتصطدم بعموداً حديدياً جعل بابها الأمامي المجاور لـ بدر ينف*ج ليسقط بدر خارج السيارة قبل أن تصطدم بسيارة نقل ثقيل "تريلا" و تُسحق أسفل السيارة و يهلك من بها و كانا السائق الذي يدعي "الشواف" و ذلك الرجل الذي أوقفهما بالطريق ليساعدانه و يوصلانه الي حيث كان يريد الذهاب.
بعد أن سقط بدر خارج السيارة ظل يتقلب علي الطريق الرملي حتي إصطدمت رأسه بحجرٍ كبير بقوة أفقدته الوعي علي الفور.
أفاق بدر بعدها ليجد نفسه ملقي علي فراشٍ بسيط متهالك و تجلس إلي جواره سيدة عجوز تبدو علي ملامحها الطيبه و البشاشه.
نهض بتثاقل وهو يمسك بجانب رأسه متأوهاً لتبتسم السيدة العجوز وتقول: حمدلله علي سلامتك يا ولدي.. مستنياك من امتا تفتح عينيك و أطمئن عليك.
نظر اليها بدر مستغرباً وقال: إنتي تعرفيني؟!
بادلته النظر متعجبه وقالت: لا يا ولدي معرفكش.. بس أنا لجيتك مرمي علي الطريج و غرجان في دمك فخليت حميده ابني جابك هنا و من إمبارح وإنت متسطح كده علي الفرشه وأنا راجده جمبك بستناك تفوج.. و الحمدلله أهه إتطمنت عليك.
فرك. جبينه بتعب وأردف: بس أنا مش فاكر حاجه؟! هو انا منين و ايه اللي جابني هنا و ايه اللي حصلي؟!
قلبت كفيها بتعجب و حيره وقالت: لا حول ولا قوة الا بالله.. هو انت مش فاكر حاجه خااص يا ولدي؟!
هز رأسه نافياً وقال: لا مش فاكر حاجه.. زي ما تكون دماغي صفحة بيضا.
إتسعت عينيها بدهشه وقالت: يا مررري.. إنت باينلك فجدت الذاكرة ولا إيه ياولدي.
نظر اليها نظرات فارغه وقال: مش عارف.. أنا مش فاكر حاجه ولا فاكر أنا مين ولا ايه اللي جابني هنا.. طيب انتي لما لجيتيني مكانش معايا أي ورج ولا حاجه تثبت انا مين؟!
هزت رأسها بنفي وقالت: لاا يا نضري.. و ده اللي اتعجبت له انك مفيش معاك لا بطاجه ولا اي اثبات شخصيه ليك.. شكلك حاجتك ضاعت يا ولدي جبل ما تجع من فوق الطريج السريع و توصل لهنا.
نظر أمامه بضياع و تمتم بتيه فقال: يعني ايه هعيش باجي عمري كده مش عارف انا مين.!
_لا يا ضنايا متجلجش.. كل حاجه وليها طرف ممكن يوصلنا ليها و أد*ك أهو معاك طرف الخيط اللي ممكن تبدأ بيه.
نظر اليها مستفهما فقالت: لكنتك يا ولدي.. كلامك بيدل انك من الناحيه الجبليه زيينا و انا لما لجيتك علي الطريج كنت محدوف ناحية بحري باينلك كنت مسافر تجضي مصلحه.
شرد بحديثها حائراً لا يعرف ماذا يقول و بماذا يجيبها ليقطع شروده دخول صبي في مقتبل شبابه بشوش الوجه لتتهلل أساريره عندما رآه فقال: ايه ده يا جدع اخيرا فوجت.. حمدلله علي السلامه يا أبو عمو.
ارتسمت ابتسامه هادئه علي وجه بدر وقال: الله يسلمك.
نظر الشاب الي والدته وقال: هاا يا ام حميده مناوياش تعمليلنا فته كده وزحتة لحمه ترم عضم الراجل ده اللي اتفشفش.
ضحكت والدته و أشارت إلي عيناً تلو الأخري قائلة: غالي و الطلب رخيص يا حبة العين و الجلب.. تعالي بجا اجعد معاه علي ما اعمل لكو الاكل.
جلس الشاب الي جوار بدر فسأله: إسمك ايه؟!
اجاب الشاب فقال: أخوك حميدة.
_أهلا وسهلا يا حميدة.
=اهلا بيك يا أبو عمو.. هاا و انت اسمك ايه بجا؟!
نظر اليه بدر بضياع وقال: مش عارف.
لينظر اليه حميدة متعجبا. يقول: مش عارف ازاي يعني؟! حد ميعرفش اسمه؟!
_انا مش عارف ولا فاكر أيها حاجه.. فجدت الذاكرة.
اتسعت عينا حميدة بدهشه وأردف متمتما: يا وجعه سوخه.. ده أكيد من الخبطه اللي اتخبطتها و خلي دمك يسيل بركه تحت منك.
نظر اليه بدر بدون أي ردة فعل و قال: طيب وبعدين؟! هفضل كده ضايع و مش عارف انا فين ولا مين ولا اصلي ايه؟!
ربت حميده علي ظهرة فقال: رووج بس يبو عمو و كل حاجه هتتحل ان شاءلله و اكيد اهلك و ناسك عيسالوا عليك واللي يسأل ميتوهش ان شاءلله و مسيرهم يوصلوا ليك.. مشكلتك انك لا معاك بطاجه ولا اي ورجه حتي تثبت انت مين.. مكانش في جيبك غير دي.
تلهف بدر لرؤية ما يتحدث عنه حميده ليجده وقد فتح خزانته و أخرج منها شيئا لم يراه وجلس الي جانبه مجددا ليمد يده اليه بسلسالٍ صغير مكتوب به إسم "نور".
قال حميدة: سبحان الله كل اللي كان معاك ضاع ماعدا دي.
كان بدر في تلك اللحظه ينظر الي السلسال بين يديه و عقله يومض ومضات خفيفه أصابته بالتشوش و جعلت رأسه يؤلمه لينظر بإتجاه حميده ويقول: مش عارف بتاعة مين دي؟! و مين صاحبة الاسم اللي مكتوب ده؟!
_بصراحه مش عارف بس احتمال تكون مرتك منتا لابس دبله اهو.
نظر بدر الي المحبس بيديه ليخلعه و يتفحصه جيدا ليجد وقد حُفر أسفل المحبس إسم" نورا"ليعاود النظر الي حميدة ويقول بتعجب و حيره و شرود و ضياع: الدبله محفور عليها من جوة إسم"نورا".
إبتسم حميده بعبث وقال: إيه حكايتك انت يا عم الحبيب.. مرة نورا و مرة نور.. إنت شكلك كنت بتاع حريم جبل ما تفجد الذاكرة.
إبتسم بدر بإقتضاب وهو يضم قبضته بإحكام وبداخلها السلسال.
أقبلت السيدة العجوز تحمل آنية الطعام لينهض حميده ويحملها عنها قائلاً: تسلم ايدك ياما.
ثم قال لبدر: يلا يا ريس بسم الله.
تناولوا الطعام سوياً وسط جو يملؤه ال**ت و السكون لم يقطعه أياً منهم ليذهب بعدها حميدة ليكمل عمله و تنصرف بعدها والدته للراحه بينما ظل بدر شارداً يقبض علي السلسال بين يده بقوة.
مرت الأيام و الأسابيع و الأشهر و كان بدر قد تعافي كلياً من آثار الحادث و إسترد عافيته و حتي أنه قد بدأ بالعمل مع حميدة في الحدادة و التشكيل بورشة صغيرة إلي جانب البيت فعاد ليلاً برفقة حميده الي البيت لتستقبلهم أم حميدة بإبتسامه بشوشه كعادتها كل يوم وقالت: دجايج علي ما تتسبحوا و تغيروا خلجاتكوا اكون حضرت الوكل
قام كلا منهما بالاغتسال و تبديل ثيابه ثم جلسوا الي مائدة الطعام المتهالكه ليبادر بدر بالحديث قائلاً: تسلم ايدك يا خاله.. الاكل من ايدك كيف الشهد.
_تسلم من كل شهر يا ولدي.
قال بدر: انا بفكر اروح الشرطه أبلغهم وهما يتصرفوا.
_بلاش يا ولدي لتكون مطلوب.. انا جلبي مش مطمن.
زفر بضيق وقال: يعني هعيش عمري كله كده من غير ما اعرف انا مين؟!
_إنت محمد...
قاطعها قائلاً: لا انا مش محمد.. ده الاسم اللي انتي اختارتيه ليا.. انما الله اعلم انا مين ولا اصلي ايه ولا مرتي فين ولا ليا عيال ولا لا.. انا حاسس اني ضايع و مش مرتاح و في حاجه جوايا عايزاني أعرف انا مين و ارجع لأصلي.. معني كده اني اكيد عندي حاجه ارجع عشانها.
خفضت السيدة بصرها أرضاً و أردفت: اللي تشوفه يا ولدي.
أدرك أنه قد اشعرها بالضيق للحديث تكرارا عن عودته فهو يعلم انها قد أحبته مثل ولدها و تعلقت بوجوده وهو لا ينكر أنه أيضاً إعتاد العيش معها و مع ولدها و لكن قلبه يشعره أنه ناقص و عليه ان يبحث عن من يكمله.
فرغ من طعامه و دخل ااي فراشه وأمسك بالسلسال كعادته كل يوم عند النوم و أغمض جفنيه ليجد عقله وقد أومض بقوة ليري صورة طفله صغيره جميله جدا ولكنها اختفت فجأه ثم عادت الومضات مرة اخري ليري صورة طفل صغير يبتسم و يضحك بإتساع و يهرول ناحية إمرأه فاتنه و لكنها بملامح مشوشه لم يستطع رؤيتها جيدا او التعرف عليها و تداخلت الومضات ليري أناساً كثيرون لم يتعرف علي أحدٍ منهم.
أفاق من غفلته يتصبب عرقاً و كانه كان يركض لاهثاً ليحاول العودة سريعاً الي النوم من جديد علّه يري شيئآ آخر و لكن دون جدوي ليرتفع اذان الفجر فنهض و صلي داعياً ربه بأن يستعيد ذاكرته في أقرب وقت.
في صباح اليوم التالي ذهب برفقة حميده الي العمل في ورشة الحدادة و الخراطه و بدأا عملهما حتي إنتصف بهما النهار ليجلس كلا منهما يحتسيان كوبان من الشاي و يستريحان قليلاً.
اقدم عليهم شاب يدعي خالد يعمل معهم في الورشه فقال محدثا بدر: يا محمد..المعلم سراج بيقوللك تعالي معاه تنزلوا الخردوات اللي جت امبارح عشان نشتغلوا فيها دلوجتي.
أومأ بدر و إنصرف برفقة خالد حتي وصلا للمكان الذي يحلي به المعلم سراج فقال: تعا يا محمد ننزلوا الخردوات عشان حميدة و خالد و مسعد يشتغلوا فيها
أومأ بدر منصرفا برفقته الي مخزن الخردوات ليقوم بإخراج الخرده منها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في صباح اليوم التالي ذهب برفقة حميده الي العمل في ورشة الحدادة و الخراطه و بدأا عملهما حتي إنتصف بهما النهار ليجلس كلا منهما يحتسيان كوبان من الشاي و يستريحان قليلاً
ليقوم بإخراج الخردوات منها فقال سراج: ناولني يا محمد البتاع اللي شبه الكوريك عندك فوق ده.. بس خلي بالك من....
لم يكمل جملته عندما وقعت تلك الرافعه فوق رأس بدر مما جعله يسقط علي الفور فاقداً للوعي.
صاح سراج مستغيثا بالعمال في الورشه لإنقاذ ه فأتوا سريعا و حملوه و عادوا به الي بيت حميده و أتي الطبيب ففحصه وقال: مبدأيا كل حاجه سليمه الحمد لله ومفيش اي اصابات.. لو لا قدر الله قي اصابه هتكون في الدماغ. و ده اللي هنحدده بعد ما يعدي 72ساعه يعني 3ايام.. هو ممكن ميفوقش دلوقتي لان الصدمه كانت جامده شويه بس ان ان شاءلله اول ما يقوم بالسلامه تجيبهولي أطمن عليه.
أومأ حميده موافقا و ودع الطبيب الذي غادر متمنيا له الشفاء العاجل ليعود هو و يجلس الي جواره من جديد و بجانبه والدته التي كانت تبكي علي حاله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور شهر كامل كان خلالها بدر في غيبوبه تامه في المستشفي الذي نقلوه لها كان خلالها يري ومضات من الماضي و يري أشخاصا لا يتذكرهم و لكنهم بدوا مألوفين الي حد ما بالنسبة له.. كان يراهم كأشباح أو خيالات اقرب الي ظلال.
كان يري طفلة صغيره تمد يدها له ليحملها تارة، و تارة أخري يري إمراءه جميله تحتضنته، و تارة أخري يري رجل قد بلغ من العمر أرذله يحتصنه و يربت علي كتفه، و تارات و تارات و تارات لكنها كانت ومضات فقط لم تكن مشاهد كامله مما جعل إفاقته أو تذكرة أمر صعب الحدوث.
ذات ليلة شتاء قارص و ببنما هو راقد علي سريره بالمشفي و غائب عن الوعي رأي تلك الفاتنه التي تزوره بمنامه كثيرا وهي تجلس الي جواره و قد أفاقت للتو من نومها صباحاً لتجده يرقد علي جانبه ووجهه يقابل وجهها يتأملها بهدوء كعادته كل صباحه لتبتسم وتقترب منه أكثر فأحاطها بساعدهِ العريض و جذبها نحوه لتلتصق به فقال وهو ينظر داخل عينيها بثباتٍ عاشق:
_صباح الخير يا روحي.
أحاطت عنقه بيدها الحره ومنحته إبتسامةً عذبه وأردفت بصوتٍ ناعم: صباح النور..صاحي من بدري؟!
أومأ موافقاً وقال: إلا قوليلي يا يُسر.
هزت رأسها بتساؤل وقالت: أقوللك إيه يا حبيبي؟!
_هو أنا مبشبعش منك ليه؟! حاسس إني لو فضلت أبص لك طول العمر مش هشبع من عنيكي.. زي ما يكون عميكي مغناطيس و بتشدني.
إتسعت إبتسامتها ليستطرد حديثه ويقول: بتكلم بجد والله مش بهزر.. إنتي سحرالي ولا إيه؟!
قال الأخيرة وهو يهدي ثغرها المكتنز قبلةً لتضمه إليها بعشقٍ خالص وتقول:
_أنا ربنا بيحبني إن رزقني براجل زيك يا كريم.. طول عمري بقول أنا عملت إيه حلو في حياتي عشان ربنا يرزقني بحد زيك.
مسح علي شعرها بهدوء وقال: أنا اللي ربنا بيحبني عشان إتجوزتك يا يُسر.. إنتي كتير عليا والله.
إبتعدت عنه قليلاً وأردفت: طيب يلا يا فلانتينو.. الساعه داخله علي 10وإنت وراك سفر النهارده.
تن*د بضيق وقال: والله ما عايز أسافر.. مش عارف ليه سليمان ميسافرش هو عالأقل هو المستفيد.
_معلش ياروحي عشان خاطر عمي حكيم ميزعلش منك.
كان عقله يصور له ذلك المشهد بالتفصيل و بدقه و كانت الرؤيه واضحه بالنسبه له و كذلك وجهها واصح جدا ليفتح عيناه فجأه و ينزع تلك الخراطيم عنه و يجلس قائما ويقول: أنا بدر حكيم البدراني.!!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خرج. من المشفي بعدما تعافي و أثبت أنه تذكر وعادت اليه ذاكرته من جديد ليقرر العودة الي أهله و زوجته و اولاده وقد أحرقه الشوق و الانتظار و التلهف لرؤيتهم و رؤية أولاده بالأخص و زوجته كذلك.. لقد إشتاقها حد الهلاك.
ودع السيده أم حميده بالدموع و ذلك لأنها لم تكن تود مفراقته لهم ولكنها كانت تتمني له السعاده وان يتعافي و يعود الي اهله و فرحت لانه عرف طريق اهله و عاد بالفعل الي بلده في صباح اليوم التالي ليجد كل من يقابلونه وهم ينظرون اليه بدهشه و أعين جاخظه مستغربه حتي ان منهم من يغير مساره عند رؤيته له.
الاطفال يتهامسون و السيدات يتلامزون بأعين متسعه مما أثار حنقه و غضبه ليخفق قلبه بقوة و ترتعد أطرافه و يجفل جسده عندما توقف امام باب المنزل ليهندم حاله و يطرق الباب بحده و قوة و دقات قلبه تتراقص مع طرقات الباب بفرحه و لهفه لرؤيتهم قبل أن ينف*ج ااباب ليظهر ابنه زياد الذي تمتم مذهولا: بابا؟!!!