بعد مرور الأيام و عودة سليمان إلي المنزل قام بمحادثة نورا و إعطاءها الهدايا التي أحضرها له لتستقبلها منه بحماس بالغ.
فتحت الحقائب التي ارسل بها إليها مع صبي صغير من الذين يعملون لديه بالمتجر لتصيبها الدهشه مما رأت.
حقيبه موجود بها طقم كامل من الذهب مكون من خاتم و سوار و عقد و قرطين.
طالعتهم بدهشه و لمعت عيناها بفرحه لتعلو رنات هاتفها فأجابت مسرعه ليصلها صوته قائلاً: يا رب تكون الحاجه عجبتك.
تحدثت بإبتسامه متسعه و قالت: إيه اللي إنت جايبه ده؟
تسائل بقلق:إيه الحاجه مش عجباكي ولا ايه؟
_لا عجباني طبعاً.. بس كتير كل ده.. و طقم الدهب ده كمان أكيد غاالي جداً.
تفوه مختالاً: مفيش حاجه تكتر عليكوا.. و اللبس بتاع زياد عجبه؟
_لسه مشوفناش بقية الحاجات.. إنت كلفت نفسك كتير أوي بجد شكراً ليك.
نطق حانقا: ولا كلفت نفسي ولا حاجه.. أنا أساساً مسافر إسكندريه مخصوص عشان أجيبلكوا الحاجات دي.
إبتسمت ولم تعقب ليردف هو قائلاً: مش آن الأوان أسمع كلامك الأخير في موضوعنا بقا ولا إيه؟
تلجلجت و توترت فقالت: هو حضرتك لسه بتفكر في الموضوع؟
_والله أنا لو عليا مش عايز أغصبك علي حاجه.. بس تعملي ايه بقا لعمك حكيم اللي راكب دماغه.ده؟! وأنا مش عارف أتكلم معاه ولا أعارضه. منتي فاهمه.
أومأت بتفهم وأردفت: وأنا موافقه...
ما لبثت إبتسامته أن إحتلت ثغره لتنقشع عنه عندما تابعت قائلة: بس بشرط.
تجهم وجهه و حاول التحلّي بالصبر فقال: شرط؟! شرط إيه ده؟!
جمعت قوتها و شجاعتها كلها لتلك اللحظه وقالت: يبقا جواز علي الورق بس!!
غضب و زمجر و عبس وجهه ليصيح مستنكراً: نعم؟! جواز علي الورق بس إزاي مش فاهم؟!
_حضرتك فاهم معني كلامي كويس.. جواز علي الورق بس يعني مش جواز فعلي..ده شرطي.
قال بإستياء شديد: إشمعنا يعني؟
_من غير سبب.. مش انتوا عايزين تتمموا الجواز عشان تضمنوا ان زياد و نور يتربوا وسطيكوا؟! اظن ميفرقش مع حضرتك اي حاجه تانيه! ولا إيه؟
همّ بالحديث ليقاطعه وصول صوت والده إليه فقال: بصي أبويا بينادي.. بعدين هكلمك تاني.
_تمام ماشي.. مع السلامه.
أنهت المكالمة ليضع الهاتف بجيب سرواله الجديد ويتمتم حانقاً: قال جواز علي الورق.. بناقص منها الجوازة دي خالص.
نزل الي الأسفل ليطالع والده هيئته بتعجب وقال: ايه اللي انت عامله في نفسك ده يا سليمان؟ إنت صابغ شعرك؟
أجابه ولده وأمارات الضيق باديه علي وجهه فقال: قولت أغير من شكلي شويه.. و يا ريتني ماغيرت.
_ليه مالك؟! زرعتها قمح طلعت ملح ولا ايه؟؟
=الهانم.
_اي هانم؟! تقصد مين فيهم؟
=نورا.. الهانم بسلامتها بتقولي انها موافقه علي الجواز بس بشرط يكون جواز علي الورق بس.
_و. انت قولتلها ايه؟!
=مقولتش حاجه لسه. هي من ساعة ما بلغتني بالكلام الماسخ ده وأنا مش عارف أتلم علي أعصابي.
إرتفعت ضحكات والده التي تحولت إلي قهقهه ثم أردف: وإنت مزعل نفسك ليه أنه جواز علي الورق بس؟ مش كنت بتقولى لو عايز تجوزها لحد من اخواتي معنديش مانع!
أخفض بصره أرضا وأردف: يابا متزنقش عليا في الكلام كده.. وبعدين يعني إفهمني.. لما تبقا مش معايا خالص استحاله هبص لها.. لكن لو متجوزها و حلالي همنع نفسي عنها ازاي و إنت شايف البت حلوة ازاي!
تمتم والده بخبث قائلاً: مممم.. البت حليت في عنيك.. قول كده بقا.
زفر بحنق وضيق وقال: والله يابا أنا مش ناقص هزارك ده دلوقتي.
ضحك والده بصخب وأردف قائلاً: وإنت مزعل نفسك ليه! مش أهم حاجه هي وافقت بالجواز؟! يبقا سايرها وقوللها انك موافق على شرطها ده لحد ما تتمموا الجوازه و تملكها بايد*ك.
شرد سليمان امامه بتفكير ليستطرد والده حديثه و يستكمل أقناعه: ساعتها بقا بكلمتين حلوين منك علي كام هديه زي بتوع النهارده كده هتلين في ايدك وهتبقي تحت طوعك كمان.. و مش بعيد تلاقيها بعد شهر ولا اتنين شالت و جابتلك الواد اللي المعلوله صافيه مش عارفه تجيبه.
ارتسمت ابتسامه شغوفه علي شفتيه عندما تخيل الأمر و التهب قلبه شوقاً فقال والده: متبقاش جلف و شغل دماغك شويه.
أومأ سليمان موافقاً وقال بحماس يملؤه: دماغك أبوسها يا عمدة العمد.. والله إحنا من غيرك ما نعرف نروح ولا نيجي.
ابتسم والده بزهو وقال: يلا روح كلمها و قوللها انك موافق علي الشرط بتاعها و اخر الاسبوع تحضر حالها عشان كتب كتابك عليها.
_طيب و صافيه؟!
برز صوته متوتراً ليقول والده: مالها صافيه أفندي؟ اوعي تعرفها اني علي علم بالشرط ده ولا خدت خبر بيه.. انت تقولها اني م**م انه يكون جواز كامل مكتمل.. و انك انت و نورا مش هتبلغوا حد انكوا متجوزين مع وقف التنفيذ عشان خاطر انا لو عرفت مش هسكت.. و بكده تقدر تقسم الايام بينهم و تطلع و تنزل براحتك وأهي لو سالتك قوللها عشان ابويا ميشكش في حاجه.
هز سليمان رأسه بتأييد وقال: إنت مفيش منك والله.. يلا أستأذن انا بقا عشان ابلغها قبل ما ترجع في كلامها تاني ولا حاجه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصل الي شقته ليبدل ثيابه فقالت صافيه بدهشه وتعجب من هيأته الغريبه: ايه ده يا سليمان اللي انت عامله في نفسك ده؟!
لم يكترث لنظراتها المخجله وقال: ايه مالي؟! الواحد زهق من شكله قال يغير شويه.
لوت شفتيها بتهكم وأردفت: و يا تري بقا دي رغبتك إنت ولا تكونش أوامر العروسه الجديده؟
نظر اليها منفعلاً بشدة وقال: صااافيه.. اظبطي نفسك وكلامك معايا انتي عارفه ان محدش يقدر يأمرني بحاجه ولا حد له كلمه عليا.. و متخيبيش في الكلام بلا عروسه جديدة بلا عروسه قديمه.
و أردف ساخراً: اللي يسمعك كده يقول هتجوز بنت بنوت.. مش ست ومعاها عيلين.
_والله محدش غصبك تتجوز ست ومعاها عيلين.. كان في ايدك ترفض.
اقترب منها بهدوء وأردف: لآخر مرة هنتكلم في الموضوع ده يا صافيه و لآخر مرة هوضحلك.. انا مش هتجوزها حباً فيها.. انا هتجوزها عشان ألم لحم أخويا ده أولاً.. ثانيآ بقا والأهم ان ابويا عايز كده وانا مقدرش أعارضه.
تمتمت بغيرة تحرق قلبها وقالت: طب و اتفاقنا؟!
إمتدت يده تحيط بوجنتيها بهدوء وقال: انا عند وعدي ليكي يا صفصف.. و علي فكرة هي اللي طلبت كده من قبل ما اقوللها.. اننا جوازنا علي الورق بس.. وحتي لو مكانتش قالت هي كنت هقول انا.. بس طبعاً الاتفاق ده محدش يعرف بيه و خصوصاً أبويا.. لأن لو عرف مش هيعديها بالساهل.. عشان كده انا هضطر أتصرف بطبيعتي قدام اللي في البيت عشان ابويا ميشكش في حاجه.
تسائلت بشك: تتصرف بطبيعتك ازاي يعني؟! تقصد ايه!
أدار ظهره لها وقال: يعني في حتة المبيت مثلاً.. هبات عندك يوم وهي يوم عـ.....
قاطعته صافيه بإستنكار بالغ وقالت: نعم؟! هتبات عندها ازاي يعني؟!
تلعثم فقال: أقصد هبات في الشقه يعني.. هو لازم هبات دي يبقا معاها.
و عاد يتحدث محاولاً اقناعها فقال: هبات عندها في اوضة العيال متقلقيش.. انا لو عليا معتبش شقة بدر الله يرحمه ولا احط جنبي علي فرشته بس هعمل ايه بقا حكم القوي.. الله يسامحه أبويا.
أومأت بتفهم وقالت: و هتكتبوا الكتاب امتا؟!
_اااااا.. مش عارف والله.. هشوف ابويا هيقول ايه.
هزت رأسها موافقه وقالت: ماشي يا سليمان لما نشوف اخرها.
ليربت هو علي وجنتها بلطف و حنانٍ مصطنع يجعلها تهيم به عشقاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ها هو ذا يعود من جديد، رأته يتقدم منها بلهفه و شوق و يود إحتضانها لكن تلك الأغلال بيديه و قدميه منعته عنها ليهوي أرضاً وينخرط في بكاءٍ مرير.
حاولت الهرولة إليه، هي أيضاً تود إحتضانه بل و الأكثر من ذلك، لقد إشتاقته حد الهلاك، و لكنها فجأة تصلب جسدها و توقفت عن الحركه لتجد ذلك الأربعيني يجذبها من ذلك الطوق الذي أحكم إغلاقه حول عنقها لتجحظ عيناها بقوة وهي تنظر له علّه ينقذها منه لتصاب بالدهشه عندما رأته يتحرر من قيوده بسهوله وهو ينظر لها مبتسماً بسخرية و يوليها ظهره مغادراً.
حاولت الصراخ، البكاء، النداء عليه و لكن صوتها إختنق بداخل حلقها لتغمض عينيها و قد إهتدت إلي سبيلاً واحداً..... الموت!!
فَزِعت من نومها فجأه لتتيقن أنه لم يكن سوي كابوساً مريراً كاد ينهي حياتها مطبقاً علي أنفاسها لتتحسس عنقها بألم وهي تتذكر تلك الأغلال الملفوفه حول رقبتها بخوف فوجدت جسدها كله يتصبب عرقاً فنهضت و اخذت حماماً ساخناً علّه يهدأ من روعها ثم ذهبت إلي فراشها مجددا و تدثرت بغطائها و عادت للنوم من جديد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في صباح يومٍ جديد نهضت من فراشها وهي تنوي الحديث معه و الوصول الي قرار أخير بمسألتهما ليسبقها هو عندما قام بالإتصال بها باكراً فأجابت:
_ألو.. أيوه يا عمي سليمان.
=صباح الخير.. شكلك صاحيه من بدري.
_أيوة فعلاً.. و كنت هكلمك دلوقتي.
=و أديني سبقتك أهو.
قالها ضاحكاً فأردفت بجديه: أنا كنت هكلمك عشان أعفيك من الحرج بما إنك مش موافق علي اللي طلبته منك...
قاطعها قائلاً: تعفيني من ايه؟! و مش موافق إيه؟ مين قال اني مش موافق!
قطبت حاجبيها بعدم فهم وقالت: يعني حضرتك موافق؟!
قال مؤكداً: طبعاً موافق.. ولو طلبتي أي حاجة في الدنيا أنا متأخرش عنك.
إبتسمت براحه و زفرت بهدوء وقالت: شكراً ليك بجد.. ربنا يريح قلبك زي ما ريحتني.
تمتم بلطف: إن شاءلله.. حضري حالك بقا عشان بكره إن شاءلله هنكتب الكتاب.
أومأت بهدوء وقالت: وصافيه؟!
_صافيه متشغليش بالك بيها خالص..أنا وهي متفقين على كل حاجه و هي فاهمه الجوازة دي هتتم ليه و إزاي.
=يعني مش زعلانه مني؟!
_و تزعل منك ليه؟! كلنا عارفين إنك أكتر واحده مظلومه في الموضوع ده و مغلوبه علي أمرك كمان.. بس كله عشان نرضي أبويا.
تن*دت بقلق وأردفت: إن شاء الله خير.. هروح أنا بقا عشان نور صحيت.
_بوسيهالي حبيبة عمها دي.
إبتسمت وقالت: الله يسلمك يارب.. مع السلامه.
أنهي المكالمه زافراً بإرتياح ومن ثم عاد لمتابعة عمله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور يومان حيث جاء اليوم الموعود..
كانت نورا قد تأهبت و إرتدت ثوباً جديداً باللون الوردي قد إشتراه هو لها و تركت وجهها طبيعياً دون إضافة أية مساحيق تجميل له و أعدت أطفالها وجعلتهم في أحسن إطلاله ليرتفع بعدها جرس باب الشقه معلناً عن وصول الضيوف المنتظرة ليسرع إبنها ويقوم بفتح الباب فـ حمله جده مقبلاً إياه وقال: عقبال فرحك يا بطل.
تسائل الصغير ببراءه فقال: هو فرح مين يا جدو؟!
تجاهل الجد سؤال الصغير ثم دلف الي الشقه يتبعه سليمان و من بعده المأذون و خلفه كارم و عبدالقادر.
كان سليمان يرتدي ثياباً عصريه منسقه لائمته كثيراً مما لفت إنتباه نورا التي ظلت تنظر إليه بتفحص تراقب هيئته الجديدة.. ثيابه العصريه، شعره الذي تخلي عن خيوط الفجر خاصته و إطلالته الوسيمه.
إبتسم هو برضا عندما رآها تتفحصه لتشيح بوجهها جانباً و تخفض بصرها أرضاً.
جلس حكيم و المأذون إلي جانبه و يجلس سليمان و ش*يقيه إلي جواره فبدأ المأذون بتجهيز الأوراق و بدأ مراسم كتب الكتاب مروراً بشهادة الشهود وصولاً لتوقيع الزوج و الزوجه ختاماً بإنفضاض الجميع من حولهم ليربت حكيم علي كتفه قائلاً: ألف بركه يا سليمان.
إبتسم سليمان بزهو و فرحه قائلاً: الله يبارك في عمرك يابا.
نظر حكيم الي نورا التي كانت تجلس بمكانها دون التفوه ببنت شفه فقال: مب**ك يا أم زياد.
نظرت إليه نظرات فارغه من أي تعبير وقالت: شكراً لحضرتك.
خرج حكيم من الشقه وأغلق الباب من خلفه ليتوجه سليمان و يجلس مقابل نورا فيقول: يريت بعد اذنك تشوفي اوضة العيال عشان أنام فيها و خليهم هما معاكي في الاوضه التانيه.
أومأت بموافقه علي الفور وأسرعت تجهز غرفة أطفالها لينام بها فقال زياد: هو عمو سليمان هينام في الاوضه بتاعتنا ليه يا ماما؟!
و كالمرة السابقه تجاهلت والدته سؤاله وقالت: يلا يا زيزو عشان ننام بدري عندنا كي جي بكرة و الباص بييجي بدري.
إصطحبت أولادها إلي غرفتها و تدثر الجميع بالغطاء ليذهب الأطفال سريعاً في نومٍ عميق.
أما هي.. جفاها النوم و لم يكحل النعاس لها جفناً فظلت تتقلب علي يمينها و يسارها كمن يتقلب علي الجمر.
أما هو.. كان يذرع الغرفة ذهاباً و إياباً و. يدخن السجائر بكثرة وسط أحاسيسه المختلفه.
القلق، التوتر، الخوف، الفرحه، الضيق، الشغف وخليط من المشاعر المتضاربه تعتمل بداخله.
لا يصدق أن حائط لعين يفصلها عنه ولا يستطيع أن ينالها بعد كل ذلك الصبر.
لقد تمني ذلك اليوم كثيراً و وعد قلبه بأنه سيفوز بها و اليوم يمنعها عنه ذلك السد الواهن.
ليطمئن نفسه قائلاً: الصبر طيب.. فات الكتير ما بقي غير القليل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحست بأنها تفترش الجمر من تحتها.. دمعاتها تنحدر علي خديها دون توقف وهي تتخيل أنه معها الآن.
لأول مرة منذ عشرون عاماً تبات بغرفتها بمفردها.
الآن فقط شعرت بالعجز و القهر و الوحده أيضاً ليرتفع آذان الفجر وكأن الله يرسل لها بالطمأنينه من عنده فقامت و توضت ثم صلت فرضها لتتهاوي دمعاتها وهي تصلي و تدعي الله بأن يلهم قلبها الصبر و يطمأن روحها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ