يوم الحادث...
نزل بدر من شقته ليلتقي بش*يقه الأكبر سليمان يقف أمام شقته فألقي تحية الصباح عليه ثم قال:
_ما تروح إنت يا سليمان.. أنا المشوار بتاع كل شهر ده بقا تقيل علي قلبي بصراحه وبعدين إنت أدري مني بالتجار و معاملاتهم و ألاعيبهم و كمان القماش أنا مبفهمش فيه....
قاطعه سليمان قائلاً: كل دي حجج يا بدر.. ما تقول آنك مش عايز تفارق حضن ام العيال و تجيب م الآخر.
تذمر بدر قائلاً: القصه مش كده يا سليمان.. بس....
ثاطعه سليمان مجدداً وقال: لا بس ولا مبسش يا أبو زياد يلا الشواف مستنيك في العربيه تحت..و بالنسبه للقماش متشيلش هم..أنا متفق مع التجار علي كل حاجه..يلا تروحوا و تيجوا بالسلامه.
صافحه بدر موافقاً ثم نزل إلي الأسفل ليلتقي بوالده الذي كان جالساً و أمامه أرجيلته و كوبً من الشاي يحتسيه بتمهل، ذهب إليه و قبّل رأسه و يده قائلاً:
_يا صباح الفل يا حجوج.. مروق إنت.
إبتسم حكيم قائلاً: يا صباح الورد يا بدر.. تعالي إقعد.
جلس بدر أمامه ليتحدث إليه والده ويقول: تعرف يا واد يا بدر لما بشوفك كده بفتكر أمك أمينه الله يرحمها.. كان ليها نفس ضحكتك الحلوة دي و طلتك اللي تفتح النفس.
تمتم بدر قائلا: الله يرحمها و يحسن إليها.. و يد*ك الصحه يابا ويخليك لينا.
_ربنا يخليك يبني و يباركلك في عيالك.. هاا.. هتغيب كام يوم النوبادي؟!
زفر بدر بخفه وقال: إحتمال يومين تلاته و إحتمال أسبوع.. مش عارف بقا.. علي حسب الطلبيات.
أومأ حكيم متفهماً وقال: ربنا معاكوا يبني.. يلا إتوكل إنت علي الله.. توصلوا بالسلامه إن شاءلله
صافحه بدر مودعاً ثم خرج ليستقل السيارة إلي جانب "الشواف" الذي قال:
_صباح الخير يا ريس بدر.. صباحنا لبن إن شاء الله.
=صباح النور يا شواف.. يلا إتوكل علي الله.
أدار الشواف محرك السيارة و بدأ رحلته فقال بدر:
_فطرت يا شواف؟! ولا توقفنا عند الإستراحه الجايه ننزل نفطر؟!
لم يجيبه الآخر و بدا شارداً ليعيد بدر حديثه ويقول:
_مالك ياسطا.. إوعا تكون شارب هباب عالصبح؟!
نظر إليه الشواف بـ تيه وقال: هاا؟! لا يا ابو زياد مش شارب حاجه متخافش.
أومأ بدر بشك قبل أن يتحدث مجدداً وهو ينظر أمامه بتفحص ويقول:
_ إيه ده؟! اول مرة لجنه تقف هنا.
فزع الشواف ليقول: إيه؟! لجنه؟! يا نهار مش فايت؟!
ثم أدار محرك السياره ليعود بها إلي الخلف فقال بدر متعجباً:
_في إيه؟! خايف من إيه؟!
=لو وقفونا و عملولي تحليل هيمسكوني و هتبقا قضيه و سين و جيم.. خلينا نمشي من الطريق التاني أحسن.
هز بدر رأسه بيأس وقال: إنتوا اللي بتجيبوا لنفسكوا المشاكل.
أدار الشواف السيارة ليسير بها من طريق جانبي آخر ثم قال وهو ينظر للوراء:
_ربنا يستر و ميكونوش لقطوني و ييجوا ورانا.
تحدث بدر قائلاً بنزق: هيستر إن شاء الله بس بص قدامك.
أومأ الشواف موافقاً ثم أعاد النظر للخلف مرة أخري وهو يقول: أصلك متعرفش أنا بترعب منهم إزاي.. ساعة ما بشوفهم بتلبش.
_يا عم الله يكرمك بص قدامك إحنا ماشيين علي طريق.
نطق بها بدر متأففاً ليضحك الشواف ساخراً ويقول:
=جري إيه يا ريس بدر إنت قلقان كده ليه.. ده العمر واحد والرب واحد.
_يا عم ونعم بالله.. بس الحرص واجب بردو وأنا عندي عيال عايز أربيهم الله يسترك.
قال الشواف بلامبالاه: طب شوف الحته المتفيمه اللي وراك دي!! لُقطه.. إوعدنا يارب.
صاح به بدر بحده وقال: يا عم بص قدامك بقا.. وبعدين بتلف رقبتك ليه اومال المرايه لزمتـ.....
بتر حديثه متعجباً وهو يتسائل: أومال المرايه دي م**ورة ليه؟! و آزاي ماشي بيها كده؟!
حك الشواف ذقنه الناميه بأظافرة الطويله محدثاً صوت خشخشه كريهه وقال:العيال ولاد الـ.... عفاريت
**روها.
_و مصلحتهاش ليه.. إيه الإهمال ده!!
=يا عم سيبها لله.. اللي في نصيبك هيصيبك.. بقولك في واحد واقف عالطريق أهو نجيبه معانا؟!
_أيوة أقف له ينوبنا ثواب حتي.
توقف الشواف بالسيارة أمام ذلك الرجل قائلاً:
=إتفضل يا ذوق.
إستقل الرجل السيارة متمتماً بعبارات الشكر وأردف قائلاً:تسلموا يارب..والله واقف عالطريق من إمتا..لحد ما الشمس كلت دماغي.
إرتفع صوت هاتف بدر معلناً عن إتصال من زوجته نورا فأجاب مسرعاً:
_أيوة يا زياد.
=آه يا روحي.. بقيتوا فين؟!
_لسه بدري..زياد صحي ولا لسه؟!
=أيوة صحي و فطر و قاعد بيلعب مع نور.
_تمام ماشي.. لما أوصل هكلمكوا إن شاءلله.
=بإذن الله ي حبيبي.. مع السلامه.
أنهي المكالمه ليقول وهو ينظر بهاتفه: إيه ده التليفون هيفصل شحن!!
حدثه الشواف وهو يراقب تلك السيارة أحدث طراز التي تسير متبخترة إلي جواره علي الطريق ويقول:
_غندوووورة.. مش الكارو اللي أنا سايقها.. عندك الشاحن في التابلوه.
نظر بدر إليه قائلاً: طب قول ماشاءالله حتي.. يا ساتر علي عينك....
وفجأه بتر حديثه عندما إرتفع بوق سيارة نقل ثقيل "تريلا" لينظرا نحوها و قد أفغر كلاً منهما فاه بصدمه ليصرخ به بدر قائلاً:
_حاااااااااااسب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت نورا تقوم بتحضير طعام الغداء لأطفالها قبل أن يستوقفها صراخ طفلتها التي إرتفع فجأةً لتترك ما بيدها سريعاً و تركض نحوها فقالت لـ زياد:
_إنت عملت إيه في نور يا زياد!
=معملتش حاجه يا ماما... هي بتعيط عشان أنا مخا**ها.
ظلت تربت علي ظهر صغيرتها تحاول تهدأتها ولكن دون فائده بل بالع** إرتفع صراخها و بكاؤها الحار مجدداً لتقول هي بفزع:
_إنت مسكتها من إيديها جامد يا زياد وإنتوا بتلعبوا؟!
=أه شديتها بالراحه وقامت عيطت.
زمت نورا شفتيها بغضب وفتحت باب الشقه وهي تقول:
_يبقا أكيد دراعها إتلوح.. أنا هنزل لطنط صافيه بسرعه و جايه.. خليك هنا.
هبطت الدرج مسرعه و لم تنتبه إلي ثيابها القصيره التي ترتديها حتي توقفت أمام شقة صافيه وقامت بطرق بابها بسرعة ففتحت صافيه في التو وهي تقول:
=في إيه يا نورا؟! مالها نور بتصرخ كده ليه؟!
_زياد كان بيلعب معاها و شكله لوح لها دراعها.
=طب إدخلي وأنا أشوفها.. و نازله كده ليه يخرب عقلك مش خايفه كارم ولا عبدالقادر يشوفوكي!
نظرت نورا إلي هيئتها و ملابسها لتشهق بفزع مردفه'
_يلهووي.. أنا مخدتش بالي.. إتلبخت في نور و نزلت أجري.
=طيب إدخلي إلبسي عبايه من جوه بسـ.....
تسمرت نورا و جحظت عيناها عندما إنف*ج الباب فجأه و دلف سليمان الذي وقعت عيناه عليها في الحال ليتفحصها بذهول و تقييم قبل أن تسرع هي و تدلف إلي الغرفه و تغلق الباب خلفها بقوة ليتقدم هو ويقول بصوت خافت:
_مالها دي.. اللي منزلها كده إيه؟!
أجابت صافيه وهي تحاول إسكات الصغيره و تهدهدها فقالت: نور دراعها إتملخ.. والنبي يا سليمان تشيلها تسكتها علي ما أجيب البيض و الرده عشان أعملها دراعها.
إلتقط الصغيرة من بين يديها ثم منحها إبتسامةً هادئه وقال:
_مالك يا نواره اللي مزعلك مين بس؟!
ليرتفع صراخ الصغيره مجدداً دون هواده قبل أن تركض صاقيه نحوها و تحملها عنه و تبدأ بمعالجة ذراعها فقال قبل أن يرمق الباب الذي تختبأ نورا خلفه بنظرةٍ خاطفه:
_أنا داخل أريح شويه.. ساعه و صحيني.
خرجت نورا من الغرفه تسير علي إستحياء لتقول صافيه:
=نور مفيش فيها حاجه.. شوفيها يمكن زياد ض*بها ولا قرصها عشان كده بتعيط.
_لا زياد مش ممكن يض*بها..طيب مالها بس دي علي صرخه واحده من ساعتها و معرفش مالها.
=بصي خديها في حضنك و إقرأي لها قرآن وإن شاءلله هتهدي وتبقي كويسه.
أومأت نورا بموافقه وقالت: ياارب.. أنا هطلع عشان أكلم بدر أشوفه وصل ولا لسه.. عايزة حاجة؟!
_عايزة سلامتك يا حبيبتي.
صعدت نورا إلي شقتها وقد سأمت بكاء طفلتها المتواصل فأمسكت بهاتفها وحاولت مراراً و تكراراً الإتصال بـ بدر إلا أن هاتفه كان مغلقاً لينتابها القلق وهي تكرر محاولاتها الفاشله بإستمرار قبل أن تنفجر صارخه بطفلتها بنفاذ صبر وتقول:
=خلاص بقا يا نور إنتي كمان إسكتي.!!
إرتفع بكاء الصغيرة أكثر وكأنها تتحداها فقامت نورا بوضعها بمقعدها الخاص ثم دخلت غرفتها و بدلت ثيابها ثم نزلت إلي الأسفل إلي شقة حكيم.
دلفت إلي الشقه بتوتر و خوف وهي تقول: برن علي بدر تليفونه مقفول يا عمي حكيم.. لو معاك رقم السواق ده اللي إسمه الشواف كلمه ممكن يكون تليفونه فصل شحن.
علي الفور إلتقط حكيم هاتفه و أخذ يتصل به قبل أن ينظر إليها وقد ساوره الشك و القلق أيضاً وقال:
_الشواف بردو تليفونه مقفول!!
جلست إلي المقعد من خلفها بخوف و إرتياب ولم تتحدث فأعاد حكيم الإتصال مرات متكررة ولكن دون جدوي لينظر إليها وقد أخذ منه الخوف كل مأخذٍ ثم قال:
_شويه كده لو تليفوناتهم متفتحتش هخلي سليمان يتصل بالتجار اللي المفروض يقابلوهم أول ما يوصلوا.
نهضت بنفاذ صبر وقالت: هو أنا لسه هستني شويه.. انا هطلع حالاً لعمي سليمان أخليه يكلمهم يسألهم.
و بالفعل صعدت إلي شقة سليمان وطرقت الباب بقوة لتفتح صافيه لها وهي تقول: إيه يا نورا هي البت لسه بتعيط.
_معلش يا صافيه فين عمي سليمان؟!
=نايم.. ليه في حاجه؟!؟
_أصلي بتصل ب بدر مبيردش و عمي حكيم بيتصل بالسواق اللي كان معاه مبيردش بردو و قلقنا.. ف كنت عيزاه يكلم التجار اللي المفروض بدر هينزل عليهم يسألهم وصل ولا لسه.
=طب إدخلي.. متقلقيش إن شاءلله خير.. هصحيه حالا.
دخلت صافيه إلي الغرفه و أيقظت سليمان و روت له ما حدث ليلتقط. هاتفه علي الفور ويقوم بمحادثة أحد التجار فقال:
_أيوة يا ريس ظافر.. ا****عه وصلوا ولا لسه؟!
=لا والله يا معلم سليمان لسه.. حتي أنا بتصل ببدر تليفونه مقفول و كنت لسه هكلمك أسألك إتأخروا كده ليه!!
_تلاقي لجنه وقفتهم ولا حاجه.. إن شاءلله خير.. لو وصلوا كلمني وأنا لو كلمتهم هبلغك.. مع السلامه.
أنهي المكالمه ثم نهض عن فراشه و إرتدي جلبابه سريعاً وخرج من الغرفه لتهرع نورا إليه بقلق و تتسائل فقالت:
_كلمتهم يا عمو؟!
أشاح بوجهه جانباً وأجاب بتوتر: كلمت المعلم ظافر بيقولي محدش جه.. أنا هنزل وهخلي مصيلحي يتصرف إن شاءلله خير.
ذهب إلي متجر القماش خاصته و أبلغ مصيلحي مساعده بالعمل فقال:
_متقلقش يا سليمان أنا هتصرف.. ليا حبايب في المرور و هيخدموني.. ملوش لزوم إنت تسافر.
قام بالإتصال بأحد رفاقه الذين يعملون بالمرور فقال: أيوة يا وليد.. عايزك تشوفلي العربيه دي عدت من طريق إسكندريه الصحراوي النهارده ولا لأ.. النمر أهي....
_لا يا عم مصيلحي.. مش متسجله عندي هنا.. يمكن عدت من الطريق الجانبي.
=ماشي يا وليد كتر خيرك.. لو عرفت حاجه بلغني.
أنهي المكالمه ليتحدث إلي سليمان قائلاً: بيقولي النمر دي مش متسجله عنده.. ممكن يكونوا مشيوا من الطريق الجانبي.
=واللي يخليهم يمشوا من الطريق الجانبي ايه.. الرخص ساريه و الدنيا تمام.
زم مصيلحي شلتيه بجهل وقال: والله مش عارف.. بس أنا بلغت وليد ولو عرف حاجه هيكلمني.
أنهي حديثه عندما إرتفع صوت هاتفه معلناً عن قدوم إتصال فقال: ده وليد.
_أيوة يا وليد.. إيه الأخبار.
برز صوت وليد هادئاً خافتاً فقال: العربيه اللي إدتني نمرها يا عم مصيلحي..
_ها لقيتها؟!!
=العربيه عامله حادثه جامده.. داخله تحت تريلا و اللي فيها ماتوا.
جحظت عينا مصيلحي بصدمه وتحدث بذهول قائلاً:
_إنت متأكد؟!
=لسه عارف بالخبر دلوقتي.. الطريق الجانبي مقلوب إسعاف و حكومه و بيقولوا مطلعين الجثث أشلاء من تحت التريلا..إنت تعرف حد فيهم!!
تجاوز مصيلحي سؤاله وتسائل بهدوء: طيب واخدينهم علي فين؟!
_مستشفي أبو النور العسكري اللي عالطريق هنا.
=تمام.
أنهي المكالمه بإقتضاب ليتسائل سليمان بلهفه ويقول: هاا قاللك هما فين؟!
طالعه مصيلحي بشفقه و حزن وقال: سليمان.. وليد بيقول إن في عربيه عامله حادثه بنفس النمر دي.
هوي سليمان إلي المقعد من خلفه بصدمه ليعود مصيلحي ويقول: متقلقش إن شاءلله خير.. هو بيقول واخدينهم المستشفى العسكري اللي عالطريق.. بينا نروحلهم أوام.
نهض سليمان عن مقعده مسرعاً ليستقل سيارته و برفقته مصيلحي متخذاً طريقه نحو المشفي هرعاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخل إلي المشفي ركضاً يتسائل عن المصابين في ذلك الحادث ليخبره الطبيب ببرود و عمليه شديدة:
_الإتنين اللي كانوا في العربيه وصلوا المستشفي شبه أشلاء.. هما دلوقتي في المشرحه.
هوي سليمان أرضاً جالساً علي ركبتيه وقد فغر فاه بصدمه و ذهول و جمدت عيناه و شعر وكأن الأرض تميد به من تحته ليتسائل الطبيب: إنت تعرف حد فيهم؟!
هز رأسه بشرود وقال بـ تيه وإستنكار: أخويا.
زم الطبيب شفتيه بأسف وقال: البقاء لله ربنا يصبركوا.. ياريت تروح المشرحه عشان تستلم الجثه.. شد حيلك.