ـ الأحمر كان ضيفي طوال الأسبوع الماضي
سألته بجفاء:
ـ بكم أدين لك؟؟
رفع حاجبيه متهكمًا، ثم رفع القبعة الملتوية الأطراف عن جبهته لتطالع عينيه الحسيتان وملامحه الملوحة السمراء الخشنة، تذكرت هذه الكتلة من العضلات الصلبة التي اصطدمت بها منذ قليل...رفضت أن يظهر عليها أي تأثر وهي تعيد سؤاله:
ـ بكم أدين لك ثمن استضافة جوادي لد*ك يا سيد...
لمس طرف قبعته مرة أخرة بانحناءة متهكمة أخرى:
ـ كوبر...فلنت كوبر، سأغفر لك ذلتك لأنك جديدة هنا...وهذه القفار معروفة بكرم أهلها، ولكن نصيحة مني، اصحبي وحشك هذا وعودا للسيرك الذي قدمتما منه.
رددت كلمته بتحفظ:
ـ سيرك؟؟ هل تعنيني أنا بهذا الكلام؟
ـ أخبروني أنك الشريف الجديد هنا؟؟
زفرت بتعب:
ـ هل لد*ك اعتراض أنت أيضًا؟؟
ـ أنا لا أريد أن أكون مسؤلًا عن لملمة أشلائك وإعادتها لأهلك في صندوق...عودي لهم قطعة واحدة أفضل لك ولهم..
ارتعش جفنها عند ذكره لأهلها وتماسكت:
ـ هل هذا تهديد سيد كوبر؟
ـ ليس مني...ويمكنك اعتباره مني لو كان يخيفك لتهربي بجلدك الناعم من هنا...ربما قبل أن تهب عاصفة رملية وتبعثر لك شعرك الجميل، الذي لا شك أن صديقك تعب في تمشيطه لك على الطريق
اتسعت عيناها بصدمة وهي تتذكر أخيرًا أين رأت هذا الوجه...لقد كان هو...
ضمت فمها بتشدد:
ـ أشكرك على النصيحة، عندما تمر بطريقك وتجد أشلائي مبعثرة لا تتعب نفسك بجمعها واتركها ل*قبان الصحراء.
زفر حانقًا وهو يجابهها ندًا بند دون أن يه تز لها جفن، بل على الع** كانت من الصلابة بحيث أثارت فضول كل من حولهم فتجمعوا ليشهدوا على اليوم الذي لم يتصوروا أنه سيحدث، أن يقف شخص يواجه كوبر، وأن يكون هذا الشخص مجرد امرأة....
كان صوت الأنفاس المتحشرجة هي اللغة الوحيدة المسيطرة وعيناه تحاولان سبر أغوار تلك الع**دة المتبجحة والتي لا يبدو عليها أنها في طريقها ان تخاف أو حتى تلين، قلب شفتيه باستياء:
ـ لماذا تفعلين هذا؟؟ماذا بحق الجحيم ترغ*ين بإثباته...نجحت في تقييد ثلاث لصوص أعماهم الخمر عن حتى تمييز أننا في وضح النهار لينفذوا سرقتهم العبقرية....يا له من نجاح، هيا...صفقوا لها لتشعر الآنسة أنها قامت بعمل عظيم لا يقوم به عتاة الرجال.
بارتباك حاول مايكل التدخل:
ـ سيد كوبر، لم أظن أنني قد أقول هذا الكلام من ساعة واحدة...عندما عرفت أن الشريف الجديد...عفوًا....امرأة...
أشاحت بوجهها بملامح متهكمة مستاءة بينما أردف مايكل:
ـ ولكن بعد القبض على هؤلاء الرجال...أعتقد أننا قد نكون مخطئين ...ربما كانت فعلًا أهلًا لهذه الوظيفة...ربما لو أعطيناها فرصة...
ض*بت بقدميها في الأرض صارخة:
ـ بحق السماء ما الذي تهذي به..من هذا الذي تطلب منه أن يعطيني فرصة، هل أنت واعٍ لما تهذي به...أنا هنا الشريف الجديد، ولم أطلب موافقة أحد منكم...
ثم استدارت لتحدج كوبر بنظرة من الجحيم مردفة:
ـ أي أحد....لقد جئت هنا لأقوم بعملي، وسوف أفعل بغض النظر عن أرائكم المتعصبة لج*سكم، رجالًا كنتم، أو نساء
عقد كوبر ذراعيه على ص*ره قائلًا بحزم:
ـ لن تفعلي...لن تغرب الشمس وأنتِ هنا...ولو اضطررت لركلك حتى مدينتك.
بنبرة ساخرة احتبست لها الأنفاس حولهم:
ـ ما مشكلتك يا هذا معي...هل أنت حقًا متعصب لبني ج*سك ولا تقبل أن تحميكم امرأة
بصوت مرتفع هتف ضاحكًا:
ـ المرأة عندي لها مكان واحد فقط يا حلوة ولا تخرج منه إلا وهي راضية وتموء كالقطط...
تبعثرت ملامحه الضاحكة عندما سمع تكة الزناد بجوار أذنه بينما ارتفع الصياح المستاء حولهم ...تجاهلتهم وركزت على ملامحه التي شحبت ليس من الخوف ولكن من شدة الغضب وأسنانه تتضارس في بعضها وهتفت بتشدق:
ـ أعتقد أن رأيك الخاص بعاهراتك تحتفظ به لنفسك، ولا تتدخل في شؤوني وإلا اعتبرتك تعرقل مسيرة العدالة وأقبض عليك بهذه التهمة وألقيك في سجني...سأعتبر **تك موافقة...
أعادت سلاحها لجرابه والتفتت لمايكل الأكثر شحوبًا منه:
ـ مايكل هيا...أوصلني لبيتي...
وسبقته للسيارة الجيب تزدرد ريقها بأنفاس متلاحقة فقد شعرت للحظة أنه على وشك الانقضاض عليها ولن يعيد الدماء لأوردته إلا رؤيتها ميتة بين يديه.
دقائق قليلة قدرتها حتى تمالك مايكل نفسه ثم تبعها...اطمأنت على ربط لجام جوادها خلف السيارة وأومأت له لينطلق...
بعد فترة **ت طويلة تجاهلت فيها كل محاولاته للحوار، وأخيرًا استجمع شجاعته وهتف ودون أن تحيد عيناه عن الطريق:
ـ كوبر ليس الرجل الذي يمكنك معاداته.
ـ وأنا كذلك..
أطلق زفرة طويلة ودمدم ببعض الكلمات الغير مفهومة حتى لاح من البعيد هيكل خشبي لما اعتقدت أنه الكوخ الذي يقصدانه...وقبل أن تصاب بالإحباط الكامل لمحت جدول ماء أمامه يحوطها سلال من النباتات العشوائية والتي امتدت حتى البيت الخشبي الصغير وامتدت فروعه على جانبيه وصلت لسطحه.
تألقت عيناها بانبهار:
ـ واااااو...هذا رائع
ـ حقًا...
كان مايكل يبدو مصدومًا بدوره من ردة فعلها المغايرة عن توقعاته
التفتت له متسائلة:
ـ لا... تقلها...هل ظننتني سأهرب إذا لم أجد بوابة حديدية ألكترونية تحيط ببيتي، وجراج يسع لسياراتي الخمس وصف من الخدم بانتظار تلبية طلباتي؟؟
ـ عفوًا يا آنسة...لم يكن هذا قصدي...ولكن...
أغمضت عيناها ثم فتحتهما تهز رأسها وهي ترمقه بتلك النظرة:
ـ حسنًا...أخبرني....هل راهنت على أم ضدي؟
مصعوقًا من سؤالها:
ـ كيف عرفتِ بأمر الرهان؟؟
هزت رأسها بابتسامة متهكمة:
ـ لنقل أنني كنت سأفعلها لو كنت مكانك...أخبرني هل سيتوقف الرهان هنا، أم ستراهنون أيضًا على قدرتي على الاحتمال...لا أحب أن تخسر أموالك بسبب رهان خاسر، أنا لم أولد البارحة وعملي هذا لا مكان فيه للضعيف....بالمناسبة لقد أحببت المكان...هلا ساعدتني رجاءًا ووضعت أحمر في الحظيرة...يوجد هنا حظيرة أليس كذلك؟؟
ـ أه...نعم خلف الكوخ، كان الشريف يضع فيه جواده...
ـ ولا تنس حقيبتي في سيارتك وأنا سأحمل كيس البقالة...ماذا بك مسمر هكذا تحرك...
شرعت بالتحرك عندما ارتفع صوت رنين هاتفها الجوال بنغمة مميزة...تهللت أساريرها وهي تجيبه غير عابئة بنظرات مايكل الفضولية:
ـ ماثيو حبيبي...اشتقت لك كثيرًا...كيف حالك بدوني...
ـ.....
ـ ليس لهذه الدرجة لم أغب عنك غير بضع ساعات فقط...
ـ......
ـ المكان هنا رائع....لن تصدق ...لا بالطبع لا أكذب أنت تعرفني
ـ.....
ـ قريبًا جدًا يا حبيبي أنا أيضًا لا أحتمل البعاد عنك، لم يبق لي سواك ماثيو
ـ......
ـ لن أنساك أبدًا مكانك جوار قلبي وقريبًا...جهز نفسك لتلحق بي...سأكون بانتظارك....إلى اللقاء حبيبي.
مايكل...هل نقلت كل شيء...
ـ هه...طبعًا....حالًا يا آنسة لحظات فقط.
أخيرًا أصبحت وحدها مرة أخرى...دخلت الكوخ الصغير....كان حاله من الخارج أفضل بكثير...يحتاج الكثير من الإصلاحات ..
أخذت جوله متفحصة، غرفة معيشة تضم مقعدان فقط وطاولة منخفضة مستديرة أمام مدفأة حطب قديمة، ربما كان يستخدمها الشريف السابق ليدفئ وحدته في ليالي الشتاء الطويلة، فلا يبدو من المكان أنه كان يسع عائلة...بزاوية أخرى كان ما يمكن أطلاق عليه مطبخ بدائي إلى حد كبير ...يحتوي على الضروريات فقط من موقد غاز صغير وعدة صحون وبعض الأكواب القليل منها بحالة سليمة، والكثير الكثير من زجاجات المشروب الفارغة متناثرة في كل مكان حتى أنها تعثرت ببعضها على الأرض....أخذت نفس عميق متمتمة:
ـ الخبر السار هو...لا يوجد حشرات أو فئران..
غادرت المطبخ أو ما يشبهه لتتعلق عيناها بسلم خشبي في أقصى الزاوية...رفعت رأسها لأعلى دون أن تعرف إلام يفضي هذا السلم...
كان يئن تحت وزنها الخفيف حتى ساورتها الشكوك أنها ستصل قطعة واحدة...دفعت السقف برأسها لتفتح كوة تؤدي للعلية...كانت مؤسسة وكأنها ملاذ أحدهم... السقف منخفض تمامًا ولكن لم يمنعها من الصعود والتجول بالمكان...أعجبها الفراش الصغير الطري وكأنه مصنوع من الريش وبجواره مكتبة عارمة بالكتب التي غطاها الغبار كما **ى كل شيء هنا....
عندما نزلت السلم وقعت عيناها على باب آخر لم تنتبه له من قبل فدخلته لتجد نفسها في غرفة نوم أخرى أكثر ترتيبًا...تمتمت بهدوء:
ـ وهذه تناسب ماثيو تمامًا..وتكفي حاجياته الكثيرة....
أردفت تطمئن نفسها ويداها تحتضن كتفيها:
ـ كل شيء سيكون على ما يرام...أنا أعرف ...
تحركت معدتها ب*عور مريع بالغثيان فانهارت على ركبتيها تطلق أصواتًا مرعبة كأنها خوار لحيوان يحتضر...وضعت يديها على أذنيها بأنين كي لا تسمع صراخهم يقتلع جذور عقلها وكأن المشهد يتكرر أمامها مرارًا وتكرارًا.....
كان يومًا كأي يوم في حياتها ...رغم وصولها لسن الخامسة والعشرين ولكنها لم تترك بيتها أبدًا....كانت محط سخرية قريناتها...لم تهتم كثيرًا فقد كانت تعشق أسرتها أيما عشق...العلاقة التي جمعتهم كانت حبًا نادرًا وترابط كانت تحسد نفسها عليه في كل لحظة، كما حسدت تلك العلاقة الخاصة التي كانت بين أمها وأبيها...حتى بعد مرور كل هذه السنوات كانت بينهما تلك اللغة من التفاهم التي قلما فكت طلاسمها، ظنت أنها يومًا ما عندما تشب عن الطوق ستفهم السر...ولكن حتى بعد مرور خمس وعشرين سنة ما تزال تنظر إليهم فلا تفهم إلا أن بينهما لغة عشق خاصة جدًا لا تحدث إلا كل مليون سنة...ربما.
وهذا الحب الخالص صب في أولادهم فزاد من ارتباطهم..حتى ماثيو لم يترك البيت وها هو قد تخرج وبانتظار الوظيفة دون أن يفكر بالابتعاد عنهما.
عندما اختارت مهنة الشرطية شعرت بقلق أمها رغم دعم أبيه... ومع الوقت بدأ الجميع يعتاد مهنتها القاسية.
لم تظن أن تحديها السافر لتلك الع***ة التي تمتد أطرافها في كل أنحاء البلاد كأذرع الأخطبوط، لم تظن أن تحديها وعدم مسايرتهم وقبول رشاويهم سيجر عليها الوبال...
لم تعرف أن ذلك اليوم الذي لوحت فيه لوالديها في الصباح أنه سيكون الوداع الأخير...وأنهم سينتظرون عودتها في المساء ليجبروها على الوقوف أمام بيتها المشتعل عاجزة حتى عن التفكير وصرخات والديها وهما يحترقان أحياء ستظل تصاحبها للأبد....
ولم تشعر بنفسها وهي تركض لداخل البيت المشتعل، الحياة من بعدهم لا تساوي أي قيمة لو فقدتهم...ولم يستطع أحد منعها وهي تقتحم الأبواب المشتعلة...
وبدلًا من أن تحترق معهم وجدت أخاها منهارًا خلف أحد الأبواب وقد بدأت النار بالاقتراب منه فأمسكت بقدميه، لم تعرف أي قوة دبت في أوصالها الضعيفة لتحمل جسده الذي يفوقها طولًا ووزنا لتنقذه بدموع ألهبها الجحيم المستعر بعد أن خمدت صرخات والديها...وما كادت تغادر بأخيها حتى انهار البيت كومة مشتعلة متوهجة.
قضت وقتًا طويلًا في المشفى تعاني من الحروق وانهيار عصبي حاد وشعور بالذنب لم تفلح الأدوية المهدئة التي وصفها الطبيب في الشفاء منه.
وقفت بأكتاف متهدلة تحاول لملمة ضعفها...غادرت الكوخ تنشد بعض الهواء المنعش بعد التراب الذي تراكم على رئتيها...
انحنت على حافة الجدول تنهل من مياهه العذبة وتغسل وجهها وعنقها بعد أن فتحت بعد أزرار من قميصها المتزمت وأخذت ترطب جسدها عندما أجفلها وقع حوافر خيل قريبة منها....أقرب بكثير مما تفضل في هذا الوقت بالذات.
.....
تسللت مياه الجدول الباردة سخونة ص*رها لترطبه، أسرعت لتغلق أزرار قميصها حتى العنق وهي تستدير ببطيء لتحدق في الرجل الواقف أمامها وخلفه جوادان أحدهما لها...أشارت له بدهشة:
ـ ماذا يفعل جوادي معك؟؟
ـ هذا السؤال جئت لأطرحه عليكِ...ماذا كان جوادك يفعل في مزرعتي؟؟
أشارت شاردة للخلف:
ـ لقد وضعته في الحظيرة...ولكن...لابد أنني لم ...
تهدلت ذراعاها بتعب فأكمل:
ـ يجب أن تكوني أكثر انتباهًا هذا المخلوق كان يمكن أن يلقى حتفه لإهمالك، فهو لم ينشأ في هذه القفار ولا يعرف مكامن الخطر فيها...مثلك تمامًا.
جذبت طرف اللجام من يده ترتعد غضبًا:
ـ شكرًا لك سيد كوبر...وسأنتبه له في المرة القادمة...وأعدك ألا يزعجك مرة أخرى..
ـ أسمعيني أيتها الع**دة الحمقاء...لا شأن لي إن أردت إلقاء نفسك في الجحيم نفسه...ولكن لو تسببت بأي ضرري لأي فرد في هذه البلدة بسبب غرورك الأرعن فاعلمي أنني لن أقف ساكنًا ...عندها ستواجهينني أنا... ولن أرحمك..
ربعت يداها على ص*رها:
ـ هل انتهيت...أغلق بابك عليك جيدًا واطمئن مهما كان رأيك بي...أمان وحماية هذه البراري من **يم عملي.واهتم أنت بعملك... شيء آخر سيد كوبر...
هم بالكلام مجددًا ثم توقف ويده تلوح بانفعال وانقبضت أصابعه على بعضها وكأنه يعتصرها ضاغطًا على نواجذه....استدار قافزًا على جواده وانطلق به حتى ابتلعه الظلام.
تهدلت ذراعاها فقد جاء هذا الكوبر ليجهز على ما تبقى من مقاومتها...
تأكدت من إغلاق باب الحظيرة هذه المرة وزحفت للغرفة العلوية فقد كانت تشعر فيها بدفء وحميمية أكثر من الغرفة في الدور السفلي.
خلعت قميصها ووقفت أمام المرآة، أو ما تبقى منها بعد حادث مؤسف قضى على نصفها وما تبقى كان مشروخًا.. لم تهتم فقد كانت ملائمة تمامًا لها فهي أيضًا مش*هة..تحسست الندوب أعلى ذراعها تتلمسهم بأنامل مرتجفة حتى خلف كتفتها ..أغمضت عيناها تتذكر وهي تحمل أخاها هربًا من النار عندما سقط ذلك العارض الخشبي المشتعل عليها، قبل أن تخرج من الباب فتدخل الإطفائيون وأنقذوها قبل أن تموت محترقة..
تمكن الأطباء من إنقاذ وجهها بعدة عمليات تجميل...ولكن ذراعها وكتفها كانا الأكثر تضررًا..طلب منها طبيب التجميل العودة بعد سنة لإعادة ترميم ما تضرر...
ألقت بنفسها على الفراش الضيق ساخرة من كلمات الطبيب...لن يستطيع أبدًا ترميم ما تتضرر....الندوب لم تترك آثارها على جلدها فقط....لقد حفرت بعمق داخل نفسها ولن تعود كما كانت عليه أبدًا..أبدًا..
تأكدت أن الطريقة الوحيدة للاستحمام هو في الجدول الذي يمر أمام الكوخ فالحمام الصغير في الخلف لا يصلح للاستحمام بأي شكل...
تلفتت حولها وهي تتنفس هواء الجبال الصباحي البارد...لا شك أنها وحيدة تمامًا، فلا جار لها يجرحها من جميع الاتجاهات...ورغم ذلك تطفل كوبر على وحدتها بالأمس بدون أن تشعر...لا شك أن أنه أقرب الجيران لها، وهذا يفسر لجوء الأحمر الخائن لمزرعته بالأمس...
اكتفت بشورت قصير وتي شيرت محتشم الذراعين وهي تلقي بنفسها لتشهق بقوة من برودة المياه...
ارتدت ثيابها وأسرجت الجواد بعد أن قررت أن تبدأ عملها مبكرة، لابد أن تترك انطباعًا جيدًا من اليوم الأول حتى لا يشمت فيها الشامتون.
كان المكان أقرب لقسم شرطة بعد التنظيف وبعد أن امتلأ سجنه باللصوص من الليلة الأولى.
انتبه الرجال لدخولها فوقفوا باحترام ما عدا الثلاثة الجدد الذين لم يكونوا باستقبالها ليلة أمس...
دارت حول مكتبها الذي يجلس على طرفه أحدهم وهو يرمقها بنظرة استهزاء ساخرة، انتبهت لأحد السجناء يقفز غاضبًا يرغي ويزبد لا يصدق أن امرأة تغلبت عليه ووضعته في السجن فأخذ يهدد وتوعد.
رمقته بنظرة قاتلة وبحركة مباغتة خطافية ألكمته بقبضتها من خلال القضبان فصرخ مزمجرًا من أنفه الم**ور...
عادت لمكتبها لتجد من كان يجلس عليه قد وقف منتبهًا يحدق فيها تارة وتارة في الرجل الذي يتلوى في السجن بأنفه النازف...
جالت بنظراتها عليهم:
ـ مرحبا كما يعلم بعضكم أنا الشرطية جنيفر أدامز...يمكنكم أن تنادونني بجنيفر..سأحل محل الشريف السابق وأرجو أن تتعاونوا معي لحماية البلدة والمزارع من أي خطر يتهددهم، خاصة لصوص الماشية...ولكن قبل أن نبدأ هل لدى أي أحد منكم أي اعتراض على شخصي...أو شك في قدرتي على إدارة هذا المكان...
بشكل آلي التفت الأعناق الستة للسجن والرجل ما يزال يتلوى وأصدقاءه يتوعدوها بنظراتهم الشريرة...ثم التفت الرؤوس نحوها يهزونها بالنفي بينما تحدث مايكل عنهم:
ـ كلا سيدتي...كل شيء على ما يرام...
ـ هل هذا رأي الجميع...
انتظرت لحظات حتى هزوا رؤوسهم الواحد تلو الآخر بتردد..
أخذت نفس عميق وبدأت عملها بسماعها كل واحد منهم عن مشاكل المنطقة...ورسمت خطة تأمين وحماية بعد أن وعدتهم بطلب قوة داعمة، فالعدد لا يكفي تغطية كل المنطقة...
اقترب منها مايكل بعد انصراف الرجال:
ـ سيدتي..أعني..جنيفر..قد يقابل الرجال بعد الاعتراضات من أهالي المنطقة، أعني ...
ـ أعرف ما تعنيه مايكل.أنا لم أولد البارحة.أمارس عملي هذا من خمس سنوات...وأتوقع المشاكل التي سنواجهها...لا تقلق.بعد أن نقبض على بعض اللصوص ويشعرون أننا نستطيع حمايتهم بالفعل سيمكنهم الوثوق بنا...والآن سأتركك لترحيل هؤلاء الأش*ياء...ولكن دع الطبيب يعالج أنف هذا القذر أولًا.سأذهب لشراء بعض احتياجاتي ..
رن هاتفها بعد خروجها من المكتب وقفت تأخذ المكالمة لتجده أخاها:
ـ ماثيو حبيبي اشتقت لك كثيرًا...
ـ..
ـ لا لن تتخيل أبدًا لأي مدى أيها المحتال..
ـ..
ـ نعم بالطبع هذه كانت المفاجأة...يمكنك اللحاق بي فورًا...بالطبع إن لن يضجرك الهدوء هنا...
ـ..
ـ لقد قلت لك أنك محتال ولن تحتال علي بكلمات الغزل هذه.... سأنتظرك...
ـ..
ـ بالطبع لك مكان فسيح...بقلبي
قهقهت بضحكة نادرة لونت وجنتيها الشاحبين فلم تعلم لأي مدى بدت فاتنة وهي تعيد الهاتف لحزامها ثم تلفتت حولها لتدرك أنها أثارت فضول العديد من الناس بمكالمتها الهاتفية...
قلبت شفتيها وهي تتجه نحو السوبر ماركت لتركض جوليا للداخل تتظاهر أنها لم تكن واقفة تتصنت عليها...
ـ صباح الخير جوليا..
أدت جوليا التحية العسكرية ضاحكة:
ـ صباح الخير يا حضرة الشريف...
ـ أنتِ تمزحين أليس كذلك؟؟
ـ أنا لا أسخر منك...ولكنني بعد الصدمة الأولى...تعلمين طبعًا أنك صدمتنا...بعدها فكرت جيدًا...ووجدت أن وجود امرأة في مركز الشريف سيضع كل رجل في مكانته الصحيحة، لن يستهينوا بنا بعد الآن...أليس كذلك يا حضرة الشريف.
غمغمت جنيفر وهي تنهي مشترياتها:
ـ يمكنك الاعتماد على في أي وقت...بكم أدين لك؟؟
ـ لا ..اليوم الحساب مدفوع ترحيبًا بحضورك...ولن أقبل أي اعتراض في المرة القادمة سأتقاضى منك ثمن كل حبة خردل..
ـ حسنًا كما تشائين..أراك بخير..
أوقفتها
جوليا قبل أن تخرج:
ـ حضرة الشريف...
تن*دت جنيفر بضيق:
ـ يمكنك مناداتي باسمي...جنيفر..
ـ حسنًا.جنيفر...يمكنك اعتباري صديقتك.أنتِ جديدة هنا وبالتأكيد ستكونين بحاجة لكتف تلقي بهمومك فوقه من آن لآخر.
بملامح متجهمة لم تستطع اللتذلف بوضع ابتسامة مجاملة:
ـ أنا لا هموم لي إلا بما يختص بعملي.ولكن شكرًا على العرض.إلى اللقاء.
وقفت جوليا للمرة الثانية وبسبب نفس الشخص فاغرة فاها لا تصدق ما حدث للتو.
ـ جوليا..ماذا بك يا امرأة وكأن عقبان الصحراء التهمت ل**نك...
التفتت المرأة لزوجها العجوز:
ـ هانك..أين كنت...ألم ترى تلك المغرورة.لقد طلبت صداقتها ورفضت...هل ترى نفسها أم ماذا فتاة المدينة هذه..كنت أرغب بعمل صنيع لها...
تساءل هانك كاتمًا ضحكه:
ـ وأي صنيع هذا الذي ستنتظره فتاة في مكانتها من عجوز مثلك..أم أنك كنت تسعين خلف أسرارها أيتها العجوز الماكرة.
ـ لقد عرفتها أيها الثرثار...فتاتنا تركت خلفها قلبًا يتلوع فراقها...
ـ هل قالت لك هذا بنفسها؟؟
ـ ليس تمامًا...لو كنت رأيتها أمس وهي تتحدى كوبر علنًا أمام كل الناس...كوبر الذي تقع تحت سنابك جاذبيته كل أنثى من سن الست سنوات وحتى الخمسين...وهذه الصبية لم تنظر له مرتين...وهذا يعني شيئًا واحدًا..أن قلبها مسكون...ليس هذا فحسب بل أن حبيبها سيلحق بها وسيصل قريبًا..
ـ عرفت كل هذه المعلومات وهي رفضت صداقتك..كيف الحال لو كانت وافقت...أه منكن .وتدعين الضعف وقلة الحيلة والشيطان بريء من أعمالكن.
بعد ساعتين عاد مايكل يطمئنها أنه تم تسليم اللصوص الثلاثة استعدادًا لمحاكمتهم:
ـ حسنًا..هيا بنا في جولة تفقدية حول المنطقة ونطمئن على نقاط الحراسة التي تم تعيينها...
أشار لرأسها:
ـ ولكنك بحاجة لقبعة...بإمكانك أخذ...
وهم بخلع قبعته عندما أوقفته بحدة:
ـ دع قبعتك مكانها...
ـ آسف لم أقصد...
تجاهلت ارتباكه وسبقته لتعتلي صهوة جوادها وهو خلفها على جواده.
عندما انتصف النهار أدركت غباءها في عدم الاستماع لنصيحة مايكل، والذي كان يرمقها بنظرات خفية مشفقة.
وصلت لمرحلة شعرت أنها لو وضعت يدها على شعرها لاحترقت من حرارة الشمس التي حولت خصلاتها الشقراء القصيرة لزوائد ملتهبة...
احتدت مرة أخرى عندما تقدم مايكل لعرض مساعدتها من جديد فابتعد عنها وقد أقسم ألا يتدخل أبدًا حتى لو رآها قتيلة أمامه.
وقفا عند نقطة الحراسة الأخيرة وكانت عند مزرعة كوبر...وشعرت باقتراب المشاكل عندما رأت رجلها يقف بانتظارها مع مجموعة من رجال كوبر أمام بوابة مزرعته...وقبل أن يعرض مشكلته كانت قد أدركت أن كوبر السبب:
ـ السيد كوبر يرفض وجود أي حراسة أمام مزرعته...وهددني بالقتل لو استمر وجودي هنا..
ـ هل تعمل لدي الحكومة أم لدي سيد كوبر هذا؟؟
ـ لدى الحكومة طبعًا...ولكن...
ـ لا يوجد لكن في الأوامر هل أنت شرطي أم مجرد رجل أمن؟؟ أنت هنا بتكليف مني أنا.
أما أن يتقدم السيد كوبر بشكوى رسمية أو تقبض عليه بتهمة إعاقة العدالة وتسلمه لي لأضعه في سجن حتى يتعلم طاعة الأوامر
شجب الرجل بينما سرت همهمات غاضبة بين رجاله:
ـ ولكن...هذا السيد كوبر يا آنسة...وهو...
التفتت نحو مايكل:
ـ مايكل...اخ** من مرتب هذا الأ**ق وعين اثنان مكانه هنا، وهو انقله لأي نقطة حراسة بعيدة عن سيده.
أومأ مايكل بارتباك ثم تبعها بعد أن أهدى الرجال نظرة مرتبكة...
ـ جنيفر انتظرى.
أوقفت جوادها والتفتت له صارخة:
ـ هل لد*ك اعتراض على قراراتي أيضًا؟
ـ بالطبع لا...أنت لد*ك كل الحق بفرض النظام الذي تعملين به...ولكن اكتساب الخصومات خاصة خصومة كوبر ليست في مصلحتنا في الوقت الحالي...في مرحلة ما سنكون بحاجة له...ما يزال يعوزنا رجال وهو قد...
صدمت من كلامه:
ـ هل تظن أنني قد ألجأ لرجال من خارج الشرطة في عملنا..مايكل هل جننت؟؟
...يتبع....