الفصل الثامن

1746 Words
كانت تحدق بحواجز النار ولكن لم يبدو أنها تراها فعلًا...وازداد قلقه وهو يرى نظراتها الشاردة تتحول لرعب خالص وكأنها على وشك إلقاء نفسها في النار ...وعندما أطلقت إشارة البداية وقف مكانه يتأملها تقفز كطفلة صغيرة أجبرت على لعبة خطرة تسبب لها أسوأ الكوابيس...ارتج جسده من صرختها وهو يراها تضع ذراعيها تغطي عينيها بينما تهوي فوق الحاجز الثاني...وفي أقل من جزء في الثانية كان يسرع إليها ويحتضنها قبل أن تتمكن النيران منها...ويبعدها عن متدحرجًا عن الخطر...كانت لا تزال تصرخ بين ذراعيه وكل أصدقائهم يلتفون حولهم ليطفئوا أطراف ملابسها التي اشتعلت بالنار..ولكنه لم يفلتها...استمر بالهمس في أذنيها يطمئنها أنها بخير حتى استطاع السيطرة على الهستيريا التي أصابتها فسكن جسدها أخيرًا...أبعدها قليلًا لينظر بوجهها ترتسم على ملامحه الناعمة أسمى معاني الألم...انتبه لصوت الطبيب يصيح به: ـ هل لك أن تبتعد قليلًا سيد كوبر...المسكينة عانت ما يكفي فلا داعي لأن تحطم أضلاعها أيضًا بهذه الذراعين الأشبه بالروافع العملاقة.... زم فمه متبرمًا ثم ألقى عليها نظرة أخيرة قبل أن يقرر ما سيفعل...نهض عن الأرض وهي ما تزال بين ذراعيه ثم أطلق أوامره: ـ جوليا...اعتذري للضيوف وليعد كل واحد لبيته...وأنت أيها الطبيب...الحق بي تبادل الطبيب مع جوليا النظرات الفضولية ثم أومأ كلاهما لبعضهما ونفذا الأوامر. كان ينتظر خارج الغرفة على أحر من الجمر يتساءل في كل لحظة يحرق فيها رئتيه بدخان السجائر عن السبب الذي جعله يستمع لذلك العجوز المأفون ويغادر الغرفة ويتركه معها وحدهما...عشرات المرات حاول الاحتجاج بشكل عملي وهم باقتحام الغرفة ولكن يعود التعقل يطل برأسه الق**ح ويخرج له ل**نه ويتحداه أن يفعل فيعود أدراجه يدور في حلقات مفرغة يحرق المزيد من لفافات التبغ. فتحت عيناها بعد أن اطمئنت لخروجه فأومأ الطبيب: ـ كشفتك أيتها المحتالة بصوت بارد جامد: ـ أنت أيضًا يمكنك الذهاب أيها الطبيب لا حاجة لي بك حدجها من أسفل نظاراته: ـ هل أنت واثقة؟؟ ـ ما الذي ترمي إليه؟ ـ أما يزال الحادث يسبب لك الكوابيس جفلت منتفضة: ـ أي حادث؟؟ ـ ذلك الذي تسبب لهذا الحرق بكتفك... ـ ومن غيرك يعلم؟؟ ـ اطمئني كوبر لا يعلم. احتدت فجأة: ـ أنا لم أسأل عن كوبر ـ أحقًا...اسمحي لي بمعالجة يداك...يبدو أن النار لفحتهما قبل أن يطير سوبرمان وينقذن من الاحتراق حية تأملت يداها ثم أنزلتهما جانبيها: ـ ما من مشكلة لقد اعتدت على لسعات النار، لا شيء يستحق اهتمامك...من فضلك اصحب ذلك الثور الحرون بالخارج وغادرا بيتي ـ أفضله بلقب سوبرمان يا ناكرة الجميل....قد أتنازل عن العلاج...ولكنني مصر لأعرف السبب في ادعاءك الإغماء...لماذا جنيفر...لماذا تهربت من مواجهته ـ لم أطلب منه أن ينقذني ـ لم يمانع حقًا...ولا أظنه فكر في الموضوع...لو سمحت لي بدس أنفي الفضولي سأخبرك بسر...أعتقد أن هذا الثور الحارون يحبك؟؟ أجفلت تهز رأسها برعب: ـ لا...مستحيل....ومن فضلك خذ أنفك الفضولي وثورك وغادرا قبل أن.... لوح بيده: ـ لا داعي للتهديد...أعرف متى أكون غير مرغوب بوجودي... اتجه ناحية الباب ثم توقف والتفت لها بنظرة أبوية اعتصر لها قلبها: ـ هل أنت بخير؟؟ أومأت مغالبة دموعها بدون أن تستطيع النطق. أسرع نحوه كالإعصار الناري...سعل الطبيب ملوحًا بيده يبدد سحب الدخان: ـ من كان يحترق هنا؟؟ ـ أعصابي أيها الطبيب النابغة...أخبرنا كيف حالها ـ ستكون بخير...لو غادرنا بيتها في هذه اللحظة تجمد مكانه مجيلًا النظرات بيه وبين الباب المغلق: ـ ألن أدخل للاطمئنان عليها؟ جذبه الطبيب من ذراعه نحو باب الخروج: ـ ليس الآن...ربما في وقت لاحق. ثبت قدميه في الأرض يهز رأسه باحتجاج: ـ لن يحدث هذا أبدًا... ـ أتعلم...لقد كانت على حق عندما أطلقت عليك الثور الحرون ـ أهذا أنا...هل قالت هذا حقًا..؟؟؟ تأمله الطبيب لحظات وسأله باستغراب: ـ تبدو سعيدًا باللقب...وأنا الذي ظننتك ستهدم البيت فوق رأسها اليابس ربت كوبر على كتف الطبيب ضاحكًا: ـ شكرًا لك...تستطيع العودة لبيتك الآن ـ وأنت؟؟ نظر للباب المغلق وتن*د بتعب: ـ لي حديث شيق مع خطيبتي العزيزة...ولا نحب تدخل الغرباء في أمورنا العائلية غمغم: ـ هذا ما قالته لي بحروف مشابهة...حسنًا...يبدو أنكما متوافقان من هذه الناحية على الأقل...أتمنى لك التوفيق في الباقي. انتظر حتى اطمئن لمغادرة الطبيب ثم فتح الباب بهدوء وتطلع لها بدون أن تفطن لوجوده. مرة أخرى يجفل قلبه بنبضة موجعة وهو يتأمل دموعها السخية تغسل وجنتيها الشاحبتين...لم تكن جميلة أبدًا بأنفها الأحمر المتورم والبقع الحمراء المنتشرة في وجهها من أثر البكاء.. التفتت عندما شعرت بتراشق نظراته عليها...مسحت دموعها بطرف كمها وهتفت بصوت مخنوق: ـ ماذا تفعل هنا؟؟ أرجوك غادر بيتي..؟؟ ازداد اقترابًا غير عابئ باعتراضها حتى وقف أمام فراشها وقلب شفته السفلى: ـ الثور الحرون لا يمتثل للأوامر بهذه السهولة أعادت رأسها للوسادة تصيح بصوت منهك: ـ ماذا تريد مني؟؟ ـ ما يريده أي رجل من خطيبته وزوجة المستقبل....ولكن في الوقت الراهن...أرغب فقط بالاطمئنان عليك ـ حسنًا...أنا بخير...وسوف أعمل على أن ترسل لك إدارتي خطاب شكر وتقدير ـ لا انتظر شكرك ولا تقدير إدارتك... صرخت بدون وعي: ـ ا****ة وماذا تريد مني؟؟ ـ ما رأيك أن نبدأ صفحة جديدة... ـ اعتذر...لا وقت لدي ي صفحات جديدة...وأنت لن تتزوجني رغمًا عني غمز بطرف عينه: ـ هل تراهني؟ حدجته بنظرات قاتلة: ـ المرأة تتزوج الرجل الذي يملأ الفراغ في حياتها...وأنت يا فلنت كوبر الشيء الرجولي الوحيد بك هو اسمك... صفق لها رغم نظراته التي احتدت بشرارات الغضب: ـ أنت جيدة جدًا...في الواقع أنت ممتازة ....دائمًا تنجحين في إثارتي بطريقة لم تحدث من قبل...رغم أنك أقل من أي أنثى عرفتها...ينقصك النضج والوعي الذي تتمتع به أي امرأة جذابة...ولا أعلم حقًا ما يدفعني إليك....ولكنني متأكد من أمر واحد...أنتِ يلزمك دروس خاصة تعلمك كيف تكونين أنثى مرغوبة تذوبين رقة عندما يتغزل رجل في مفاتنك... ـ هل أنت واثق أن هذا ما تريده فعلًا؟؟ ربما المخلوق الذي تتمنى خروجه من القشرة الصلبة سيصعب عليك تدجينه كما تأمل. ـ أعتقد أنني سأنال شرف المحاولة...إن لم أحصل على أي شيء آخر. ـ خذ مني نصيحة يا كوبر...احتفظ بدروسك لمن يقدرها...وحاول نسياني أطرق لحظات مفكرًا...استهلكتها أعصابها التي ظلت تتلوى على أمل أن يذهب قبل أن تستجيب لذلك النداء الذي يدفعها لتستسلم لقلبها الذي استيقظ من سباته فجأة ليقع أسير هوى هذا الكاوبوي الجلف الذي لا يفكر إلا في شيء واحد...**ر شوكتها وإخضاعها...سأله لتجفل من المفاجأة: ـ ما الذي حدث لك اليوم...ليست هذه المرة الأولى التي أرى فيها نظرتك تلك؟؟ ارتفعت السخونة لرأسها واستمرت بالتصاعد حتى شعرت كأنها ستنفجر...خلعت عنها الضعف الذي زحف لأوصالها في لحظات كادت نبضات قلبها ت**ب الرهان...وقفت بثبات متجاهلة ركبتيها اللتان تكادا تنهاران من ثقلها: ـ سيد كوبر...أنا لن أسمح لك بالتدخل تفاصيل في حياتي لا تهم سواي...قدمت لك خالص امتناني لما فعلته لي اليوم...وأكرر شكري...من فضلك غادر بيتي وحياتي. ـ هل تكرهينني فعلًا يا جين اندفعت بدون تفكير وكأنها تتمسك بخشبة الخلاص في بحر متلاطم الأمواج: ـ نعم...نعم...لن تتخيل لأي مدى...كرهت رجالًا كثيرة في حياتي...ولكنني لم أكره رجلًا فعلًا كما كرهتك فلنت كوبر...هل حصلت على الإجابة؟ ـ نعم...أعتذر لمضايقتك...أعدك أنك لن تضطري لرؤيتي أبدًا بعد اليوم...اعتني بنفسك جينفر. وقفت تحدق بالباب مذهولة بعد ذهابه لوقت طويل حتى انهارت أرضًا بمكانها... ما الذي يحدث لها...لقد نالت ما تمنت...لقد ذهب كوبر ووعدها أن يبتعد عن طريقها...إذن لماذا تشعر بكل هذا الفراغ...لماذا تصفر روحها داخل تلك الصحراء التي نبتت فجأة داخل نبضات قلبها...لماذا تلك الغصة التي تنتفض لها وجدانها بعد أن كانت تزغرد بين جنباتها منذ لحظات...لماذا تصرخ الأنثى الحبيسة الآن بعد أن كانت ترتع بين قضبان سجنها الاختياري براحة وبدون أي إحساس بأنها تفتقد شيئًا. تحركت كالآلة وغادرت غرفتها...واستمرت بالسير حتى ألقت بنفسها في مجرى الجدول البارد...لم تجفل من ماءه المثلج ...على أمل أن يعيد تجميد قلبها الذي يصرخ باحتجاج لأول مرة منذ وقت طويل. أعادت قيده بالسلاسل وضمدت أوجاعه التي لم تبرأ...ولكنها اعتادت تحمل الألم...رغم أن الألم هذه المرة مختلف...مختلف تمامًا... ارتدت ثياب العمل ورسمت ملامح اللامبالاة وتمنت أن تقنع الجميع رغم عدم اقتناعها بنفسها...شدت لجام جوادها بيد ثابتة وانطلقت للبلدة. تجمع الأهالي حولها يطمئنون على حالها وبعضهم يهنئونها بخطبتها لكوبر...ابتلعت غصة وتجاوزتهم مهمهمة بكلمات غير مفهومة...غضبت من نفسها على الأغلب لأن تهنئاتهم لم تغضبها...وربما شيء صغير داخلها...صغير جدًا تمنى لو كان الخبر صحيحًا. شغلت نفسها بكل الأعمال المكتبية المتراكمة طوال النهار..رفضت أي محاولة من مايكل للمساعدة أو الخروج وقت الغداء...في نهاية اليوم كان مايكل قد قرر مواجهتها: ـ جنيفر...هل أنت بخير حقًا؟؟ هتفت بنبرة قاسية: ـ اهتم بشئونك الخاصة من فضلك.... قرر الاستماع لنصيحتها بعد نظرتها المحذرة فانصرف بهدوء بعد أن أهداها نظرة أسف.... سخرت من نفسها "ها قد ضيعت من يدك آخر من يهتم لأمرك...ماذا بقي لك غير تلك الشيطانة المريدة داخلك والتي لن تتركك قبل أن تحرق كل ما بقي أخضر داخلك وتحوله لرماد متفحم" وضعت رأسها على المكتب بعد ذهاب مايكل تستجدي نفسها الثبات...تتوسل قلبها التوقف عن الخفقان والشوق إليه ولو للحظات فقط تلتقط فيها أنفاسها...ولكن هيهات... ها هو يسخر منها فيطل بابتسامته الساخرة من خيالها فتزداد لوعة وشوقًا لضم جسدها إليه...كما حدث عندما أنقذها من الاحتراق...لم تفقد الوعي تمامًا إلا لتظل بهذا القرب من جسده الدافئ بحماية لا يغيب عنها الحنان... شهقت بوجع وهي تشعر بقطرات دموعها الحارة تتساقط تلسع وجنتيها الملتهبتان من البكاء طوال الليلة السابقة. مسحتها بسرعة مجفلة من مقتحم خلوتها على حين غرة: ـ هل تسمح لي أميرة الصحراء بالدخول؟؟ بفشل ذريع رسمت معالم الابتهاج على ملامحها الحزينة وهي تنهض لاستقبال صديقها القديم: ـ جيريمي... اختنقت كل كلمات الترحيب في حلقها وهو يضمها سعيدًا بترحيبها المبالغ حتى لاحظ اهتزاز جسدها بين ذراعيه وعدم ابتعادها...وضع يده على ظهرها يربت عليها بتردد: ـ جيني...هل أنتِ بخير... هربت شجاعتها وهي تهز رأسها بالنفي دون أن تبتعد كي لا يرى دموعها.. زاد من ضمها يبثها الأمان الذي تحتاجه متمتمًا بجوار أذنها: ـ شششش...كل شيء سيكون على ما يرام....هل تثقي بي...جيني هل تثقين بي؟؟ هزت رأسها مرة أخرى ف*نهد بارتياح: ـ تماسكي الآن حتى نذهب لبيتك...أخبري ماثيو أن يعد طبقًا لضيفًا غير مدعو شنفت أنفها ومسحت دموعها بكمها وهي تتراجع من**ة نظراتها: ـ لقد...لقد ذهب ماثيو...أنا وحدي.. هتف مازحًا: ـ هذا يعني أنني سأتورط في صنع الغذاء...حسنًا لن أمانع...لن تكون المرة الأولى التي أطهو لك فيها وجبة...هيا بنا... تلفتت تبحث عن قبعتها فأمسكها من كتفيها بحزم ومد يده بمنديل يمسح دموعها، ثم أهداها ابتسامة داعمة...أومأت شاكرة تفهمه ثم وضعت قبعتها على رأسها ليسألها مازحًا: ـ من أين حصلت على قبعة الكاوبوي هذه يا ابنة المدينة أجابته ساهمة تتذكر بألم لم يبرأ يوم وضعها كوبر على رأسها أثناء عودتهم بعد تلك الليلة من المواجهة العنيفة بينهما عند منبع الجدول: ـ أهداها لي صديق.... لم تجب عن علامات الاستفهام التي تتقافز في عينيه وسبقته في الخروج. أطلقت صفير إعجاب من بين شفتيها وهي تدور حول السيارة اللامبورجيني الحمراء أمام قسم الشرطة: ـ جيم...أعرف أنك ثري ولكن هذه السيارة فاقت تصوراتي بكثير لمدى ثراءك...أخبرني بصدق..هل تزوجت امرأة عجوز ثرية وماتت في الشهور القليلة التي غبت فيها عنك؟ تشدق ضاحكًا: ـ مهما صور لك خيالك لم تخلق بعد المرأة التي تحتل مكانتك في قلبي... تلفتت حولها بارتياب فهي تعرف مقدرا الهزل في حديث جيريمي مما برمجها على عدم تصديق معظم كلامه ولكن الناس في هذه البلدة الصغيرة لن يصدقوا أبدًا أنه لا يقصد....ازداد احمرار وجنتيها وهي تميل القبعة على عيناها وتتجه لجوادها قائلة بجدية متجاهلة النظرات والآذان التي تفتحت حولهم بفضول: ـ اتبعني باللامبورجيني خاصتك... هتف بإحباط: ـ كنت أتمنى لو حملتيني خلفك على شيطانك الأحمر هذا اعتلت صهوة جوادها هاتفة: ـ في أحلامك المريضة حضرة النقيب ...الحق بي ....يتبع......
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD