عادت أثير بصحبة نادين إلى القصر، و حالة من التيه و التخبط مسيطرة على جوارحها، حتى أنها رفضت تناول العشاء مع العائلة، و أسرعت إلى غرفتها تجلس بها حتى تستطيع لملمة شتات نفسها الذى بعثره يزيد، و تستجم بعيدا عن أعينهم الفضولية، و ألسنتهم المتطفلة، و أدركت حينها أنها لا بد أن تتخلص من كل ما يعترى قلبها و يختلج بص*رها، حتى يصفى ذهنها و تستطيع أن تنام بسلام.
لجأت لصديقها الوحيد الذى يستمع لها دون أن يقاطعها أو ينافقها أو حتى يؤنبها، نعم ليس منه جدوى و لا يعطى لها نصيحة، و لكن ليس لديها غيره صديق، إنه دفترها الحبيب، همزة الوصل بينها و بين توأم روحها و سر وجودها فى الحياة، إنها أمها الغالية المتوفاة.
أبدلت ملابسها لملابس للنوم، ثم جلست خلف مكتبها الصغير و فتحت دفترها، ثم انكبت عليه تكتب:
" بسم الله الرحمن الرحيم...مامتى حبيبتى وحشتينى أوى...عايزة أسألك سؤال يا مامى...انتى عمرك شوفتى عيون بتسحر؟!..عيونه سحرتنى مش عارفة ازاى، و مش عارفة هى عيونة بتسحر ازاى كدا، مكنتش قادرة أحرك عينى بعيد عن عينه، كأن فيها مغناطيس..عارفة يا مامى إنك هتستغربى إن أثير بنتك هى اللى بتقول الكلام دا..حتى أنا مستغربة نفسى يا مامى...صحيح نفسى أحب و أتحب زى أى بنت، بس نفسى اللى يحبنى، يحبنى لشخصى و روحى، مش لفلوسى و فلوس بابى و مركزه...معنديش ثقة ف أى حد خالص يا مامى...ادعيلى إنى أقدر أقاوم يزيد و متقوليش ادى لنفسك فرصة زى ما كنتى بتقوليلى قبل كدا، انتى عارفة يا مامى إنى لما بحب، بحب بغباء، حبيت ناس بضمير أوى، و إكتشفت بعد كدا إنهم ميستاهلوش ذرة حب واحدة و أولهم طنط أميرة...معنديش استعداد أحبه و أرجع أتخدع فيه، زى ما اتخدعت من كل اللى حواليا لما ظهروا على حقيقتهم بعد موتك، كأنهم كانو بيستحملونى و بيحبونى بس علشان خاطرك، و أول ما سيبتينى، وشهم الحقيقى ظهر، خلى روحك معايا يا حبيبتى و اوعى تسبينى أبدا...انتى اللى مصبرانى على وحدتى ف الدنيا..سلام يا حبيبة قلبى يا كل ما ليا"
انتهت من سرد خواطرها و أعادت الدفتر بقلمه إلى مكانه و أغلقت عليه جيدا، و استلقت على الفراش لتنام بهدوء بعدما تخلصت من بعض مكنونات سريرتها لتستعد لاستقبال يوم جديد كم تخشى لقائه.
ذهب لعمله الجديد مبكرا حتى يتثنى له رؤيتها و أداء سحره الخاص عليها، علها تخضع تلك المرة، وقف بمكانه المعتاد فى انتظار طلتها،تحيطه هالة من الغرور و الثقة المتناهية بالنفس، فلم يسلم من نظرات الفتيات اللاتى يعملن بالشركة، و لم يخفى عليه تهامسهن و مدحهن فى جمال عينيه، تسلل الضجر إليه، و تأفف بملل، فهو قد سأم تلك الحركات الو**ة من قبل الفتيات، فاهتدى لأن يرتدى نظارته الشمسية حتى يخفف من وطأة حصارهن بنظراتهن الجريئة. إلى أن أطلت عليه بحلتها القاتمة السواد حتى قميصها التى ترتديه أسفل السترة من اللون الأ**د كما هو حال حقيبتها و حذائها، رمقها بتفحص من خلف نظارته المعتمة و تعجب لطريقة ملبسها غريبة الأطوار، و راح يتمتم فى نفسه:
"هى رايحة عزا و لا ايه دى؟!...و لا يمكن عندهم حالة وفاة؟..دلوقتى نشوف"
بينما هى عندما وصلت لطابق مكتبها، دلفته بحذر فوجدته ماثلا بمكانه، فرمقته بطرف عينها حتى لا يلحظها، تن*دت بارتياح و حمدت الله أنه يرتدى نظارته الشمسية، انتبهت عندما اقتربتا منه على صوت نادين التى تسير بمحاذاتها و هى تقول له برقة بالغة و جرأة:
يا خسارة...لابس النضارة ليه بس...متحرمناش من العيون الحلوة دى يا يزيد.
بينما أثير جحظت عينيها و فغر فاها من وقاحتها التى لم تعهدها فيها من قبل و وبختها بحدة قائلة:
نادين...ايه الوقاحة و قلة الأدب دى...انتى عمرك ما كنتى كدا...هو حر يلبسها يقلعها..احنا مالنا...الأستاذ يزيد مجرد بودى جارد و مينفعش نقف مع البودى جارد عادى كدا و نصاحبهم...و لا ايه يا نادين هانم؟!
تأففت نادين بسخط و أجابتها بغيظ مكتوم:
و فيها ايه يعنى يا أثير..على فكرة إنتى كل حاجة بتكبريها كدا..انت رأيك إيه يا يزيد؟!
خلع نظارته و سلط نظره على أثير التى ما إن خلعها حتى أصابها التوتر الشديد الذى حاولت جاهدة أن تخفيه و تتظاهر بالثبات، لم يخفى عليه توترها، حانت منه ابتسامة ساخرة على ثغره قائلا و مازال نظره مسلط عليها:
على فكرة..أنا مش زى أى بودى جارد عرفتوه او هتعرفوه...أنا أساسا كنت ظابط شرطة، يعنى أنا بالنسبالكم مش مجرد حارس بس...ممكن تعتبرونى صديق و مش هتأخر عنكم لو احتاجتو أى مساعدة من أى نوع...
سكت مليا و اقترب من أثير أكثر و وجه حديثه لها بجدية تامة و هو ينظر بعمق فى عينيها يستكشف خباياها قائلا:
اعتبرينى أمانك يا أثير..مش هتندمى...انتى محتاجة حد جنبك يحسسك إنك مش لوحدك فى الدنيا..انتى محتاجة صديق تحكيله و تاخدى رأيه ف مشاكلك...عارف إن احنا لسة متقابلين امبارح بس، و إن انتى مش هتثقى فيا بالسرعة دى...بس أنا بقولك الكلام دا علشان أعرفك إنى موجود جنبك لو احتاجتينى فى اى وقت مش هتأخر عنك.
" يا إلهى..ماذا تريد منى..هل يجوز أن ألقى بجسدى الآن باحضانك و أستقر بين ذراعيك و أبكى..أبكى فراق أمى الذى **رنى، و جفاء أبى، و كره خالتى و طمع المحيطين بى فى أموالى، لما تتحدث هكذا و كأنك تعيش معى و تعرف أسرارى، أشعر و كأنى أستمع لأمى و أنت تتحدث...رجاءا كف عن هذا يا رجل و اتركنى و شأنى، فأنا لن أتحمل خداعا جديدا "
اغرورقت عينيها بالعبرات عندما جالت تلك الخواطر برأسها، رأى يزيد عينيها تبلورت بالدموع، فرق قلبه لها و استنبط أنه للمرة الثانية قد أصاب فى فهمها، و أن كلماته قد أصابتها فى **يم قلبها، بينما هى هربت بعينيها بعيدا عن ناظريه، و ما أنقذها من حصاره هو مجيئ فادى المفاجئ، فمنذ أن ولج إلى الشركة و هو يسمع الفتيات يتهامسن و يتحدثن عن الحارس الوسيم المسؤل عن طابق أثير، فقاده فضوله ليرى ذلك الحارس، و لكنه عندما صعد إلى الطابق استمع إلى كلمات يزيد التى قالها و هو قريب منها للغاية، و رأى تأثير كلماته الواضح على أثير، فاغتاظ بشدة و أحس بخطر هذا الحارس على مخططه للزواج من أثير، و قبل أن ترد هى عليه أسرع فادى قائلا بغضب مكتوم:
أثير..نادين..انتو من امتى بتقفوا مع البودى جارد و تتكلمو معاهم؟!
اقترب منهم حتى أصبح فى مواجهة يزيد مباشرة قائلا بتهكم مع لمحة من التكبر:
و انتى بقى هتسيب شغل الحراسة و تشتغل مصلح إجتماعى؟!
رمقه يزيد ببرود و ارتدى نظارته الشمسية كناية عن عدم إكتراثه به و لم يرد، الأمر الذى جعل فادى يستشيط غضبا، مما دفعه لإمساكه من تلابيبه و اقترب منه بشدة و هو يقول بغضب جم و نبرة حادة:
مش معنى انك كنت ظابط فاشل، يبقى تشوف نفسك علينا..انت شغال عندنا و احنا اللى بندفعلك أجرك...يعنى أنا ولى نعمتك يا...يا حضرت الظابط.
نظر يزيد لوجهه تارة و ليده الممسكة بتلابيبه تارة، ثم لكمه بغتة بقبضة يده لكمة قوية أطاحت به أرضا، و خلفت علامة حمراء أسفل فكه.
رمقته الفتاتان بذهول، خاصة أثير التى اعجبت كثيرا برد فعله و شعرت بسعادة داخلية و امتنان ليزيد أن أوقف ذلك المغرور عند حده.
بينما فادى نظر له بغضب جم و عينان جاحظتان من فرط الغل و الغضب و احتدت نبرته بصياح:
مش هعديهالك...و يا أنا يا انت ف الشركة دى...و نهايتك على ايدى يا فاشل.
ثم نهض فادى و عدل هندام ملابسه و هو ينظر له بشر، يعلم أنه لو رد له اللكمة فسوف يبرحه ض*با و سينتهى هذا العراك لصالح يزيد نظرا لقوة بنيانه و مهارته فى القتال عنه، و هو لا ينقصه شماتة من أثير، و انصرف إلى مكتبه يجر أذيال الخيبة.
عاد يزيد ينظر لها بأسف قائلا بحزن مصطنع:
أنا آسف جدا على اللى حصل دا يا أثير هانم...بس هو اللى غلط الأول و أنا مبسكتش للى بيغلط فيا..سورى دا طبعى.
ودت أثير أن تبتسم و تقول له لا عليك، افعل هذا دائما و لكنها تظاهرت بالجدية و الحزم قائلة:
مهما يكن دا يبقى رئيس قسم الحسابات و أخو نادين، كان ممكن ترد عليه بالذوق مش بالض*ب.
خلع نظارته بعنف مجيبا بضيق:
و الله هى دى طريقتى ف الرد...و قوليله يتجنبنى علشان أنا برد بدراعى مش بل**نى.
رفعت حاجبيها باستنكار تسأله:
للدرجادى مش خايف تخسر وظيفتك؟!
اجابها بثقة:
لا مش خايف أخسر وظيفتى، لانى ببساطة واثق من قدراتى و عارف إنى إضافة لأى مكان أشتغل فيه و ان انتى مش هتستغنى عنى.
رفعت حاجبيها بتهكم مردفة:
ايه الغرور دا كله؟!
ابتسم ابتسامة جانبية و رفع احدى حاجبيه و هو يقول:
دا مش غرور...دا ثقة.
تدخلت نادين قائلة بغضب:
مهما يكن يا يزيد..ميصحش اللى انت عملته فى فادى دا...متخلينيش أغير نظرتى فيك.
تن*د بملل و أجابها باختصار منهيا الحوار برمته:
ماشى يا نادين هانم..أنا آسف...اعتذريله بالنيابة عنى.
ردت أثير:
خلاص اللى حصل حصل...يلا يا نادين نشوف شغلنا.
القت نادين نظرة أخيرة على يزيد لتطبع صورته فى عينيها ثم ذهبت لمكتبها و ابتسامة بلهاء مرتسمة على ثغرها، بينما تحركت أثير من أمامه بشق الأنفس، تود لو تطيل التمعن بعينيه التى تحتويها و تفهم سرائرها كلما التقتا، فقد أدمنت عينيه و أصبحت أثير أسيرة ساحرتيه.
تابعت أثير أعمالها اليومية فى الشركة، حيث تتجول فى مختلف الأقسام و تتابع سير العمل، و فى خضم مرورها، و صل إلى سمعها همهمات عن الحارس الوسيم الذى اوقع نصف فتيات الشركة فى غرامه، و أبرح فادى ض*با، إغتاظت أثير بشدة من مبالغتهم فى وصفه و نقل ما فعله بفادى بطريقة مغلوطة، و إلى جانب ذلك اشتعلت بقلبها نار الغيرة، شعور جديد يعتريها، لم تختبره من قبل، و لكنه رد فعل طبيعى و فطرة متأصلة فى قلب من أحب على من يحب......