قبل ما نبدأ الفصل الأول أحب أنوه إن الرواية فيها مشاهد باللهجة الصعيدى، و علشان تعيشو المشهد أكتر كتبت الحوار باللهجة الصعيدى بمعنى انى بدلت حرف القاف بحرف الجيم زى كلمة "قلقتنى" خليتها "جلجتنى"...
أتنمى تكونو فهمتو قصدى و تقدروا تفهمو الحوار و أتمنى الرواية تنال اعجابكم
رأيكم يهمنى
دمتم بخير و صحة و سعادة يا رب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجلس بمقعده بقطار العودة، مثقل القلب، مشوش الذهن، و مهموم الملامح، لا يدرى ماذا سيقول لأمه الحبيبة أو لشقيقه الأكبر، كيف سيكون رد فعلهما عندما يعلمان أنه تم نقله من شرطة السياحة التى استقر بها طيلة الخمس سنوات الماضية، و الأدهى من ذلك عندما يعلمون السبب، حتما سيصابان بالخذلان و خيبة الأمل، فلم يص*ر قرار نقله التعسفى إلا عقابا له لما ص*ر منه من إقامة علاقات نسائية مع الفتيات الأجنبيات، حتى فاحت رائحته و ساءت سمعته و أصبح مثالا سيئا لضابط الشرطة، يا له من سبب مشين فى حقه و حق عائلته، لقد و** نفسه و ملفه بالشرطة بو**ة عار سيندم عليها ما تبقى من عمره.
كان التأفف و جلد الذات هما رفيقيه طيلة طريقه إلى مسقط رأسه، إلى أن وصل بلدته سالما، يحمل حقيبة ظهره على كتفه و حقيبة أخرى بيده فيها جميع أغراضه و ملابسه.
طرق باب منزله، ففتحت له زينب زوجة أخيه و تفاجأت بمثوله أمامها من** الرأس و مهموم الملامح، رمقته بدهشة، فذلك اليوم لم يكن اليوم المعتاد لإجازته الشهرية، أفسحت له الطريق و هى تقول باستغراب:
ادخل يا يزيد... حمدالله على سلامتك... هو انت لحجت تروح و تاچى؟!
واصل طريقه إلى بهو المنزل حيث المكان المعتاد لجلوس والدته دون أن ينبس ببنت شفه، تاركا زوجة أخيه تنظر فى أثره بذهول.
شهقت والدته بفزع و نهضت من أريكتها مسرعة بإتجاهه عندما رأته فى هذا التوقيت و بهذه الهيئة المذرية، و سألته بهلع:
خير يا ولدى؟!... إيه اللى چابك دلوجت؟..دا ماعداشى على سفرك سبوع حتى؟!
طالعها بان**ار و هو يقول بشجن:
اجعدى ياما و بعدين هجولك ع اللى چابنى دلوجت.
أخذته من كفه و سارت به إلى الأريكة و أجلسته بجوارها و هى تقول بلوعة بعدما بلغ منها القلق أقصاه:
جول..جول يا ولدى جلجتنى.
أخذ نفس عميق ثم زفره على مهل قائلا بثبات:
أنى اتنجلت ياما.
احتلت الصدمة ملامحها و سألته بعدم تصديق:
اتنجلت كيف يا ولدى؟!...هى مش حركة التنجلات عدت بجالها أكتر من شهرين؟!
ازدرد ل**به بصعوبة و هو يقول بتوتر:
أنى...أنى اتنجلت نجل تعسفى.
تفرس بملامح أمه فوجدها مقطبة الجبين، يظهر على ملامحها عدم الفهم، فشرح لها أكثر موضحا:
يعنى من الآخر اكده يما، بيعاقبونى علشان...علشان كنت مصاحب بت أچنبية، و ده طبعا مخالف للتعليمات.
لطمت ص*رها بكفها الأيمن تغمغم بقهر:
يا مصيبتك يا أم زيدان...يا مرارى..دلوجتى الناس لما تعرف تجول علينا إيه؟!..ليه تچرسنا إكده يا ولدى و تجيبلنا العار؟!
احتدت نبرته قليلا بانفعال:
عار إيه بس ياما؟!.. أنى راچل مش مرة تچيب لأهلها العار...و بعدين بجولك اتنجلت و بتولولى إكده...أومال لو كنت اتفصلت كنت عملتى إيه عاد؟!
أجابته و هى تشيح بيديها فى وجهه بحسرة:
ما انت لو كنت اتنجلت كيف ما كل الظباط بيتنجلو مكناشى جولنا حاچة...إنما تتنجل بفضيحة يا يزيد!!..أهو ده اللى مكانيش لا ع البال و لا ع الخاطر أبدا.
أخذ يفرك فخذيه بكفيه من الحسرة، و يصتك أسنانه من الندم و هو يقول:
خلاص بجى ياما..معاديش ياچى منه الكلام...
امتعضت ملامحه و تقلصت أمعاءه من القلق كلما خطر بباله علم شقيقه الأكبر زيدان بتلك المصيبة فأردف بقلق:
أنى كل اللى خايف منيه..إن زيدان يعرف و يچرسنى و يسمعنى من المنجى يا خيار، و جليل إن ما خلانى أجدم استجالتى و أنزل أشتغل معاه ف الأرض.
هزت رأسها بتأكيد:
دا أجل واچب يعمله معاك.
نهض من جانبها و أولاها ظهره يسألها برجاء:
ياما أبوس يدك أنى مناجصش تعتيت عاد.
حركت رأسها يمنة و يسرة بيأس و استدارت فى مواجهته مردفة بتأنيب:
إيه اللى نابك من الچرى ورا البنات غير الفضايح و جلة الجيمة وسط الخلج يا يزيد؟!..و لا شغلك اللى حفيت علشان توصله؟!...ها؟!...إياك تتعظ أومال و تبطل تسبيل لبنات الناس.
رد بحدة نوعا ما:
ياما انتى خابرة زين إنى عمرى ما چريت ورا بت، و لا سعيت عشان أكلم واحدة، هما اللى بيچرو ورايا و بيتمنو كلمة و لا حتى نظرة منى.
أتى زيدان من خلفه يرد عليه بنبرة مجلجلة تليق بشخصيته الحادة:
أومال إيه عاد يا روميو عصرك و أوانك....و انت عامل زى الكلب اللى لما كلبة تشاورله يدلدل ل**نه و يروحلها طوالى...مش إكده يا حضرت الظابط؟!
حُبست أنفاسه و انحشر صوته فى حنجرته و لم يعد قادرا على إخراجه، فقد كانت كلمات شقيقه كنصل سكين حاد نفذ إلى ص*ره حتى اخترق قلبه و ذ*ح ما تبقى من كرامته على مرئى أعين الحاضرين، و لكنه ليس لديه الحجة للرد على أخيه و استرداد كرامته التى استباحها لتوه، فهو يعلم أنه محق بكل كلمة او بالأحرى بكل جمرة ألقاها عليه فأفحمته و ألجمت ل**نه.
قطع زيدان المسافة بينهما فى خطوتين و قبض على كتفيه بقوة و راح يهزه و هو يزئر به كالأسد الجائع:
ما تنطج با بيه... سكت ليه عاد؟!... و لا الجطة كلت ل**نك؟!...
لم ينبس ببنت شفه و إنما أطرق رأسه فى خِذى، و نار الندم تتوهج بص*ره حتى أصبح دميم القلب، و مش*ه السريرة ، فأفلت زيدان كتفيه بعنف و أولاه ظهره و هو يهز رأسه بخيبة أمل مردفا بحسرة:
يا خسارة يا ولد الوزير... أخرتها!!... بدل ما تتنجل بترجية، تتنجل بفضيحة؟!
رفع رأسه المطرق أخيرا و رمق أخيه بنظرة خاوية قائلا بتهكم:
حجك يا خوى تجول ما فى الخمر و تهينى جدام مرتك...جول كمان يا زيدان..جول ميهمكش...ما أنى بجيت الحيطة المايلة بتاعت البيت ده، بس أنى أستاهل أكتر من إكده...احكم يا خوى و أنى راضى بحكمك...عن إذنكم.
انحنى يحمل حقائبه و سار باتجاه غرفته تاركا خلفه
زيدان ينظر فى أثره بذهول و هو فاغر الفاه من تبجح أخيه، فوجه حديثه لأمه قائلا بغيظ:
شوفتى بچاحته ياما؟!..كمان مش عاچبه كلامى بعد الفضيحة اللى اعملها...كمان چايله عين يرد و يتبچح إكده؟!
رمقته أمه بعتاب مردفة بلوم:
واه يا زيدان...يعنى إن ماردش عليك تجوله الجطة كلت ل**نك، و إن رد تجول بيتبچح...و بعدين يا ولدى مكانش يصح تجوله الكلام الواعر ده جدامى أنى و زينب مرتك.
تدخلت زينب فى الحوار تقول باستنكار:
واه ياما...لهو أنى غريبة..دا أنى جبل ما أكون مرت أخوه، أبجى بت عمه.
هزت رأسها بنفى مردفة:
مهما يكون يا زينب...اللى عمله زيدان مع أخوه ده غلط.
ألقى زيدان ببعض الكلمات منهيا الحوار:
خلاص ياما فوضينا من السيرة الغم دى و سيبونى أفكر هندارو الفضيحة دى إزاى.
فى مدينة القاهرة و بالأدق فى إحدى المنشآت الشرطية المتخصصة بمكافحة الم**رات و الإتجار بالسلاح....
داخل غرفة سرية مغلقة يجتمع العميد بهجت بفريق من أكفأ الضباط لمناقشة تفاصيل مهمة سرية خاصة برجل الأعمال الثرى عادل الشرقاوى و إبنته أثير، للإتفاق على الخطة النهائية المسبق إعدادها منذ عدة أشهر للقبض عليهما متلبسين بتسليم او إستلام شحنة سلاح علاوة على ترويج المواد الم**رة، أدار العميد بهجت دفة الحديث مردفا برسمية:
النهاردة يا أبطال عايزين نتفق على تفاصيل الخطة النهائية اللى استقرينا عليها، و هنشوف لو فى أى تعديلات هنعملها، و لو أى حد فيكم عنده أى استفسار نرد عليه.
أجاب الجميع بصوت واحد:
تمام يافندم.
بداية كدا كلنا عارفين إن عادل الشرقاوى راجل قديم فى تجارة السلاح و محترف كمان، لدرجة إن أى عملية استلام او تسليم كنا بنكشفها كان بيعرف يخرج منها بمنتهى السهولة، و دا طبعا لأنه راجل حويط جدا و ذكى جدا جدا، و كمان ماشى بمبدأ إن الشحنة اللى تفوته مبيبكيش عليها، ما هو هييجى غيرها كتير، و بعدين مبيهتمش أوى لو خسر شحنة أو اتمسكت، لأنه عنده فلوس كتير بتعوضه، و التل بتاعه مبيختلش أبدا.
الجديد اللى اكتشفناه فى الكام سنة اللى فاتو، إن الشركة اللى بيتم عن طريقها أغلب صفقاته المشبوهة كتبها باسم بنته الوحيدة و كمان عقود الصفقات دى هى اللى بتمضيها باسمها و بنفسها...طبعا كلنا استغربنا، لأن من باب أولى إنه يخليها بإسم شخص تانى يقدر يضحى بيه لو اتمسك، إنما إنه يضحى ببنته الوحيدة دا اللغز اللى كلنا مش عارفين نوصل لحله لحد دلوقتى...كمان معندناش معلومات أكيدة إن بنته مشتركة معاه بإرادتها، و لا واخدها ستارة ليه و هى بتمضى بجهل و مش عارفة حاجة...النقطة دى كمان عايزين نعرفها.
علشان كدا يا أبطال آخر حاجة استقرينا عليها، هى إن احنا كرؤساء إدارة مكافحة الم**رات و الاتجار بالسلاح هنختار ضابط نقحمه بصفة ما فى شركة أثير بنت عادل و بذكائه و حنكته يعمل معاها علاقة ما بحيث يقدر من خلالها يوصل لحل لغز عادل الشرقاوى و نقدر بإذن الله نقبض عليه بالأدلة الجنائية الكافية و الوافية.
سأل أحد الضباط و يدعى خالد:
و حضرتك يافندم اختارت الظابط خلاص و لا لسة.
أجابه بجدية:
و الله يا خالد بيه بالصدفة البحتة و يمكن من حسن حظنا إنى وقع ف إيدى ملف لظابط كدا كان شغال ف شرطة السياحة ف شرم، هكلمكو عنه باستفاضة بعدين، الظابط دا ص*ر ضده قرار نقل تعسفى بسبب سوء سلوكه و علاقاته النسائية مع البنات الأجانب، و محتارين ينقلوه فين عشان يتعاقب، فأنا بقى درست ملفه كويس جدا و لاقيت إن فيه كل الشروط اللى ممكن نحتاجها ف الظابط اللى هيقوم بالمهمة.
جحظت أعينهم جميعا و فغرت أفواههم من الصدمة، يطالعون رئيسهم مشدوهين الملامح و كأن على رؤوسهم الطير، فتعجب العميد لهيئتهم المشدوهة تلك و قال لهم:
مالكم مذمهلين كدا ليه؟!
رد خالد بعصبية طفيفة:
ازاى يافندم ظابط فاشل و متعاقب زى دا، يقوم بمهمة خطيرة زى دى..المفروض تختار ظابط كفئ، و أظن حضرتك مش هتلاقى أكفأ مننا.
تعالت همهمات الضباط بتأييد لرأى زميلهم، فانتظر العميد حتى انتهوا من همهماتهم ثم أردف بحدة نوعا ما:
يا بهوات أنا مش هختار أى ظابط و السلام، و أكيد ليا أسبابى و دوافعى فى إختيار الظابط دا بالذات.
رد ضابط آخر و يدعى أحمد:
إحنا آسفين يافندم... اتفضل حضرتك كمل إحنا سامعين معاليك.
تن*د بتعب و هز رأسه بعدم رضا، ثم استرسل حديثه قائلا بجدية:
أولا الظابط دا مش معروف لأنه من أسيوط أساسا و من يوم ما اتكلف و هو شغال ف السياحة ف شرم، يعنى من الآخر كدا وجه جديد و هيبهد عنه الشك.
ثانيا يملك وسامة و شخصية جذابة، و عنده القدرة إنه يوقع أى بنت ف غرامه.
وصل إلى سمعه بعض الضحكات المكتومة، فطالعهم بغيظ و أردف بغضب:
بتضحكو على ايه؟!.. انتو مستهونين بنقطة الشكل و الشخصية؟!... على فكرة بقى دى أهم نقطة، لأن أى حاجة تانية هنقدر نأهله ليها، إنما الشكل و الجاذبية لو مش موجودين هنأهله فيهم ازاى... ها؟!... سكتو يعنى دلوقتى؟!
اومأ أحمد بتأييد قائلا:
معاك حق يافندم... كلام حضرتك مظبوط اتفضل كمل.
بينما خالد نشبت داخله نيران من الغيرة و الحقد على هذا الزميل الذى لم يعرفه و لم يره بعد، فهو كان يتطلع لأن يقوم هو بهذه المهمة، و أكثر ما أشعل نيرانه أنه كيف لهذا الفاشل أن ينال شرف القيام بهذه المهمة بدلا منه و هو معروف بكفائته و تفانيه فى العمل، و لكن شتان بين خالد و يزيد من حيث درجة الوسامة و الجاذبية، فــ يزيد له سحر خاص على الفتيات، يجعلهن يقعن فى غرامه من مجرد نظرة واحدة.
تسير فى رواق الشركة بصحبة ابنة خالتها و مديرة أعمالها نادين، تسير بخطوات واسعة كعادتها بحلتها الزرقاء ذات البنطال الطويل و القميص النسائى الحريرى الأبيض يعلوه سترة نسائية بأكمام طويلة، بينما نادين تحاول أن تلاحقها بصعوبة نظرا لضيق تنورتها القصيرة و حذائها ذو الكعب العالى تناديها بتأفف و تتوسل إليها أن تقلل من سرعة خطواتها فتقول لها بضجر:
يا بنتى هدى العجل اللى انتى مركباه ف رجلك دا شوية...حرام عليكى نفسى تمشى زى البنى أدمين...الدنيا مش هتطير.
وقفت فجأة و التفتت لها تحدثها بجدية تامة:
انتى عارفة يا نادين إنى مبعرفش أمشى غير كدا...مبحبش المياصة.
عادت لمشيتها السريعة مرة أخرى تاركة نادين تنظر فى أثرها جاحظة العينين و هى تقول باستنكار:
مياصة!!.....أوف... يا ربى أنا تعبت منها.
ثم أسرعت خطاها لتلحق بها لتركب معها سيارتها متجهين إلى القصر بعد انتهاء يوم طويل من الجهد و العناء مع تلك الأثير التى لا تكل و لا تمل من العمل، فهى تتنقل بخفة بين مختلف أقسام الشركة بطوابقها المتعددة و دائما ما تصطحبها او بالأحرى تجرها خلفها شاءت أم أبت.
لحقت بها بمرفأ الشركة، حيث وجدتها تقف مع شقيقها فادى، اقتربت منهما فقالت لها أثير بحدة:
هتركبى معايا و لا مع أخوكى؟!
نظرت لها تارة و لشقيقها تارة إلى أن قالت:
مالكم شكلكم غلط كدا ليه؟!
تأففت أثير بضجر و أجابتها بنفاذ صبر:
أنا هستناكى فى العربية.
و تركتهما و انصرفت إلى سيارتها و ركبتها و قامت بتدويرها و استقرت خلف المقود فى انتظار نادين.
بينما انتظرت نادين حتى ابتعدت عن ناظريهما و وجهت حديثها لفادى متسائلة:
فى ايه يا فادى.
أجابها و قد بلغ منه الغضب أقصاه:
كالعادة الهانم سايقة عليا الدلال... أنا مش عارف لو كانت حلوة شوية كانت عملت فينا إيه أكتر من كدا... نفسى أعرف بتتنك على إيه؟!.. دى المفروض تحمد ربنا إن فى شاب وسيم زييى بيرضى يبص ف وشها و بيعبرها أصلا.
رمقته بنظرة تحذيرية و راحت تشدد على كفه لي**ت بينما هو لا يبالى، فقالت له بخفوت:
هشش... اهدى شوية.. ممكن تسمعك على فكرة.
أشاح بيده بعدم اكتراث و قال بغيظ:
ماشى يا أثير... بكرة لما أكوش على كل اللى عندك... هندمك على كل كلمة قولتهالى معجبتنيش و هشردك نظير اهانتك و رفضك ليا و ابقى خلى التناكة تنفعك.
هزت نادين رأسها بيأس مردفة بعصبية:
مفيش فايدة فيك.. اللى ف دماغك ف دماغك مش هتتنازل عنه أبدا... مسكينة بجد يا أثير.
ثم تركته و أسرعت خطاها لتلحق بأثير قبل أن تمل من الإنتظار، استقلت المقتد المجاور لها و انطلقا نحو القصر.
عند العشاء اجتمع الجميع حول طاولة الطعام، يتناولون وجبة العشاء فى **ت تام، فكل شارد فى عالمه، لا أحد يهتم لشأن الآخر، من يراهم من الخارج يظن أنها أسرة مترابطة و لكنها أبعد ما يكون عن ذلك الأمر، فمنهم من يحمل حقد و ضغينة للآخر، و منهم من يخطط للإستيلاء على أموال الآخر، و منهم من لا يفكر إلا بنفسه و حسب، أجساد متراصة بمحاذاة بعضها البعض، و لكن عقد المحبة منفرط، و الأرواح هائمة فى ملكوتها الخاص.
انتهت أثير من طعامها و استأذنت من الحضور و غادرت سريعا إلى غرفتها، فهى قد سئمت **تهم و غموضهم حتى أصبحت تشعر أنها غريبة بين أفراد عائلتها.
دخلت غرفتها متلهفة لدفترها الغالى الذى تخط فيه بأناملها كل ما يفيض به ص*رها من هموم و أوجاع و أحياناً مواقف سعيدة، أتعلمون!!... إنها تكتب لأمها المتوفاة و تحدثها كأنها أمامها.
أخرجت الدفتر من خزانتها و أخذته و جلست خلف مكتبها الصغير و التقطت قلمها و بدأت تخط كلماتها بقلم الأسى التى غمسته فى دمع العين ليرسم كلماتها بأحرف من شجن يربطها أوجاع أثقلت القلب حتى أعيته و لا أحد يشعر بما يختلج به سوى ربه ثم روح أمها الغالية.
كتبت البسملة ثم:
وحشتينى أوى يا مامى.. أنا عارفة إن أنا ما اتكلمتش معاكى من زمان.. بس متزعليش منى كنت مشغولة شوية.
أنا تعبانة إوى من غيرك يا مامى.. حاسة ان أنا وحيدة فى الدنيا و غريبة ف وسط أهلى.. محدش بيهتم بيا خالص يا مامى.. حتى بابى مبيسألش عنى و لا بيتكلم معايا غير لو فى حاجة تخص الشركة.. كلهم اتغيرو معايا يا مامى بعد وفاتك... حاسة إن مش هما دول أهلى اللى أنا عارفاهم... حتى طنط أميرة معاملتها اتغيرت معايا بعد موتك علطول... بقالى تلت سنين من يوم ما موتى و أنا حاسة إنى عايشة و مش عايشة... الدنيا وحشة أوى من غيرك يا حبيبة قلبى... يا ريتنى كنت موت معاكى... أنا فعلا ميتة يا مامى... ميتة من غيرك.
متزعليش منى يا حبيبتى عشان بقول كدا بس غصب عنى... انتى عارفة ان أنا برتاح لما بتكلم معاكى... كل اللى بيحبنى بيحبنى علشان فلوسى و شركتى.. حتى فادى بيجرى ورايا عشان الفلوس و فاكر إنى مش فاهماه.... قوليلى يا مامى... هو أنا مطلعتش حلوة زيك كدا ليه؟!... يا سلام كان شعرى هيبقى بنى و عيونى عسلى و بشرتى بيضا... تفتكرى يا مامى لو كنت حلوة زيك كدا كنت هكون مبسوطة أكتر؟!... ممكن بردو.. على الأقل مكنتش هحس إن الناس بتصاحبنى و بتحبنى عشان فلوسى.
أنا عارفة إن أنا بقولك نفس الكلام كل مرة.. بس أعمل إيه لازم أتكلم معاكى و أفضفضلك... عارفة انك بتضحكى عليا دلوقتى علشان أنا رغاية أوى... و عارفة كمان إنك نفسك تسمعى منى كلام يفرح بس أعمل إيه يا حبيبتى مفيش حاجة بتفرحنى من بعدك... كفاية عليكى كدا يا نور عينى النهاردة و هنكمل بكرة ان شاء الله... تصبحى على خير يا مامى.
وضعت القلم بمكانه و نهضت من مقعدها و هى تجفف عبرات الألم، تاركة دفترها مفتوحا على سطح المكتب حتى يجف من الدموع التى أغرقته، و اتجهت لفراشها تحتله بوضعية الجنبن إلى أن غطت فى سبات لم يخلو من الاضطرابات.