فـي منتصف الحي يجتمع الكل أمام منزل عائلة الهنداوي حيث تُذ*ح الذبائح و تُقام الولائم و تجري التجهيزات علي قدمٍ و ساق .
كان الجميع يتحدث عن تلك المناسبه و من كل الفئات يتوجهون إلى منزل الهنداوي لأخذ نصيبهم من اللحوم التي يقوم سليمان بتوزيعها بسخاء علي الناس وهو يقول :إدعوا لأم فضل تقوم بالسلامه .
كانت صافيه تقف خلف نافذة غرفتها تشاهد ما يحدث بالأمس و عيناها تفيض بالدمع ذُلا و هواناً .
إستمعت إلي طرقات علي باب شقتها ففتحت لتجد زينب تقف أمامها وهي تبتسم لها بهدوء وقالت :مش هتنزلي شويه يا صافيه؟!
نظرت إليها صافيه بتعجب وقالت :أنزل أعمل إيه؟!
_إنزلي أقفي شويه بدل ما يقولوا زعلانه ولا غيرانه .
ضحكت صافيه و أردفت بسخرية:يقولوا اللي يقولوه يا زينب مش فارقه ..أهم حاجة أم فضل .
نظرت زينب إليها بشفقة و مسحت علي ذراعها وقالت :هو إنتوا لسه مبتتكلموش من ساعة اللي حصل؟!
أومأت صافيه بموافقه وقالت :وهو لسه عايز يكلمني ليه ما كفايه عليه أم إبنه،هي الكل في الكل دلوقتي.
_طيب و إنتي إيه اللي مصبرك علي الوضع ده يا صافيه،لما هو طلع خسيس و كداب كده و مبقي يُسر الحربايه دي عليكي لسه باقيه عليه ليه؟!
نظرت إليها صافيه وقالت:هعمل إيه يا زينب؟!هتطلق و أروح فين؟! أنا مبقيتش صغيرة علي قلة القيمه دي.. وبعدين إبراهيم أخويا كفايه عليه شايل هم بنته ،هروح أشيله همي أنا كمان ؟
زفرت زينب بـِ حيرة شديدة وقالت: والله يا صافيه منا عارفه أقوللك إيه .
ثم مسحت علي ذراعها بمواساة وقالت :طيب أنا هنزل شويه وهطلع .
أومأت صافيه بموافقه وقالت:ماشي يا زينب روحي إنتي ولو عايزة تسيبي يحيى معايا هاتيه .
ناولتها الصغير و نزلت إلي الأسفل لتجد نفسها تقف وسط جموع غفيرة من الناس تلتف حول سليمان و يُسر التي تقف في كامل زينتها و كلها زهو و تفاخر .
ذهبت يُسر إلي القصّاب و وقفت علي مقربةٍ منه وتحدثت بإبتسامة قبل أن تتلفت حولها لتتأكد من أحدً لا يراها :بقولك يا معلم متبقاش ترمي "قشرة اللوح" عشان عندي العيال بيحبوا الشوربه بتاعتها .
أومأ الرجل موافقاً و قام بوضعها بـِ كيساً بلاستيكياً و أعطاها لها فأخذتها و قامت بتخبئتها بين أغراضها ثم ذهبت إلي سليمان الذي كان منهمكاً في توزيع اللحوم ليقف منتبهاً لها و إبتسم قائلاً:إيه يا عسليه ما تطلعي إنتي ترتاحي فوق بدل وقفتك دي.
تصنّعت الغضب وقالت :أومال فين صافيه منزلتش ليه؟
قال بعدم إكتراث:هي حرة لو كانت عايزة تنزل كانت نزلت .
جادلته فقالت :حرة إزاي يعني ؟!وهو إنت كنت قولتلها إنزلي وهي منزلتش؟!
نظر إليها بعدم تصديق وقال:وهو إنتي عايزاني أقوللها تنزل؟!
أومأت بموافقه وقالت : طبعاً تقوللها،و تسيب اللي في إيدك ده دلوقتي حالاً و تطلع تراضيها و تجيبها و تيجي.
_أنا مش مصدقك والله،إنتي اللي بتقولي كده!!
=و مقولش كده ليه!!صافيه في الأول و في الآخر في مقام أختي و أنا بعزها و إذا كانت زعلتني فأنا راضيه و مسامحه،وبعدين صعبانه عليا نبقا كلنا متجمعين كده و هي فوق لوحدها.
ربت علي ظهرها بتقدير وقال :معاكي حق يا يُسر،أنا هطلع دلوقتي حالاً أطيّب خاطرها بكلمتين و أجيبها و أنزل.
أومأت قائلة : و أنا هطلع أغير هدومي لإن الهدوم دي إتبهدلت و هنزل تاني .
دخلت يُسر إلي شقة "علي" وقالت بإبتسامة :بعد إذنك يا بابا فين المفاتيح الإحتياطي اللي هنا لإني نسيت مفتاح شقتي جوة .
أشار لها علي ركنٍ خشبيّ صغير معلّق بهِ مفاتيح لجميع الشقق فأخذت بخفة يد مفتاح شقة صافيه بدلاً من مفتاحها وعلي الفور صعدت إلي شقتها لتقف علي حافة السلم من الأعلي تنتظر خروج سليمان و صافيه من شقتهما .
.....في تلك الأثناء
دخل سليمان إلي شقة صافيه ليجدها لا زالت تقبع خلف نافذة غرفتها تشاهد ما يحدث بالخارج فإقترب منها مبتسماً و دون أن يتفوّه ببنت شفة إنحني ليمنح جبينها قبلة حانية جعلت عَبراتها تنهمر فوق خديها دون هوادة.
_متزعليش يا صافيه حقك عليا.
قالها وهو يمد يده يزيل آثار دمعاتها لتنظر إليه بقهر يملؤها وقالت :مكنتش أتوقع إني أهون عليك في يوم من الأيام يا سليمان،و مكنتش أتوقع كمان إنك تكدب عليا.
ربت علي ذراعها وقال : أنا كدبت لإني كنت مضطر يا صافيه،عارف إن غيرتك عليا مكانتش هتسمحلك تقبلي بحاجة زي دي عشان كده إضطريت أقوللك كده .
نظرت إليه بإستنكار وقالت :و حملها منك ؟!كنت مضطر بردو؟!
تجهم وجهه وقال :كانت غلطه صدقيني،جت كده معرفش إزاي حصل و هي كانت مرة واحده و الحمل حصل في يومها ومن وقتها وأنا مبقربش منها .
إبتسمت ساخرة وقالت بعدم تصديق:للأسف يا سليمان مبقيتش عارفه أصدقك،اللي عملته خلاك نزلت من نظري أوووي و حتي لو بتقول الحقيقة مش عارفه أصدقك.
ضمها إلي ص*ره قائلاً:عشان خاطري يا صافيه،سامحيني زي ما طول عمرك قلبك أبيض و بتسامحي ،أنا إنسان و ضعفت بس طول الوقت محتاجلك إنتي .
نظرت إليه بـِضعف تستشف صدقه ليشدد من إحتضانها ويقول :أنا عايزك تنزلي معايا و تشاركيني فرحتي ،أنا مش عارف أفرح وإنتي زعلانه مني .
ثم قال مستعطفاً إياها:أهون عليكي مفرحش يا صافيه وأنا مستني يوم زي ده من زمان.
بدون قصدٍ منه دعس هو علي جُرحها الدامي بشدة فنظرت إليه و إبتسمت بحزن:لا متهونش عليا يا سليمان،و هنزل معاك و أوزع معاك اللحمه علي الغلابه كمان ،و هدعي قبل منهم لأم فضل تقوم بالسلامه.
تهللت أساريره فرحاً و إصطحبها و نزل للأسفل لتسرع بعدها يُسر و تدلف إلي شقة صافيه بِـ خلسة و أخرجت "عظمة الكتف" من الكيس البلاستيكي الذي يحويها و قامت بتخبئتها في حجرة المطبخ بعناية و أسرعت إلي خارج الشقه و منها إلي شقتها فقامت بتبديل ثيابها و نزلت إلي الأسفل مجدداً.
رأت علي مدد بصرها صافيه تقف إلي جانب سليمان و تساعده في توزيع اللحوم فذهبت إليها و صافحتها و إحتضنتها بودٍ زائف وقالت :الشادر كلّه نور يا صافيه.
تعجبت صافيه و لكنها لم تعقّب فإبتسمت بلطف وقالت :منور بيكي يا يُسر،ربنا يقومك بالسلامه.
وقفت يُسر إلي جانبهم وهي ترسم إبتسامه واسعه علي وجهها حتي إنتهاء اليوم فهمست إلي سليمان قائلة:خليك مع صافيه النهارده يا سليمان،ميهمش.
قالت الأخري وهي تتصنّع الحزن ليبتسم سليمان وهو يض*ب كفاً بِكف ويقول : عجيبه،في إيه النهارده!ده أنا ربنا راضي عني بقا .
إبتسمت بهدوء وقالت :لا عجيبه ولا حاجه،إنت بقالك كتير مش بتبيت عند صافيه و هي باين إنها زعلانه و بعدين ده عدل ربنا .
و أضافت :وأنا أصلاً تعبانه النهارده و هطلع أنام علي طول .
أومأ موافقاً لتنصرف هي إلي شقتها و إصطحب سليمان صافيه و صعدا إلي شقتهما .