خرج يحيى من بيتهِ مصدوماً لا يعرف أنّي له أن يصف حاله و ما يشعر بهِ .
إنه يشعر بالخذلان كما لم يشعر من قبل .
أحس ويكأنه كالغريب الذي لا مأوي له ولا بيت ،كاليتيم الذي فقد عائلته بين ليلةٍ و ضحاها،كالأسير التائه المشرّد .
ثمة أحاسيس بداخله لم يستطع تمييزها أو وصفها.
كان يجر قدميه جراً كـ المكبّل بالأغلال ولا يعلم إلي أين سيذهب مجدداً فـ راح يلعن حاله إذ أنه عاد موهوماً بأنهم ينتظرونه ليفاجأ بأن كلاً منهم يعيش حياته بأريحيه و كأنه لم يكن يوماً علي قيد تلك الحياة .
ألقي بجسدهِ إلي مقعدٍ من مقاعد ذلك المقهي بشرود وهو يتذكر ما حدث لتسقط دمعاته بحزن و قهر لم يشعر به من قبل .
لأول مرة في حياته يتمني الموت ،يكاد يقسم أنه لن ينجو تلك المرة أبداً و راح يقول يا ليتني مِتُّ قبل هذا .
إلتف حوله جميع الجيران و الأصدقاء الذين يعرفونه و كلاً منهم يقلّب كفيه عجباً علي ما يروْنه الآن لينصرف الجميع حتي يبلغوا أهلهم و ذويهم بتلك المفاجأة التي لم تكن متوقعه بالمرة .
_إلطف بينا يا رب ،الراجل رجع من الموت لقي أخوه متجوز مراته !
إستطاعت تلك الأحرف المتعجبه أن تصل إلي مسامعه بسلاسه و سهوله دون أدني مجهوظ منه لينهض فوراً و يبتعد عن الحـي بأكمله متوجهاً نحو اللامكان.
سار بشرود لا يعلم إلي أين يذهب فـ صار يتطلع حوله و كأن المكان من حوله أصبح غريباً عليه ،ضاقت عليه الأرض بما رَحُبت فلم يجد سوي بيت الله .
ذهب إلي المسجد ليجده مكتظاً بالمصلّين الذين ينتظرون صلاة التراويح فـ دخل بِـ تَؤدة و رفق و توضأ ليقف بين صفوف المصلّين و بدأ الصلاة و لكن عقله كان مغيّباً شارداً يسترجع الكثير و الكثير من الذكريات لينخرط في بكاءٍ مرير .
~~~~~~~~~~
علي الجانب الآخر كان الجميع يجلس مطأطئ الرأس ،حالة صدمه و ذهول تعتري الكل و خاصةً تلك التي كانت تنظر أمامها بشرود و تيه شديدان .
كان الأب يرتكز بكلتا يداه علي عصاه و يسند جبينه علي يداه مغمض العينين وهو يشعر أنه يكاد يفقد عقله فـنظر إلي عبدالقادر و قال :إنت هتفضل قاعد كده و إحنا مش عارفين أخوك راح فين ؟!قوم روح وراه بسرعه و شوفه.
نظر إليه عبدالقادر باكياً وقال :مليش عين يابا ،مش هعرف أرفع عيني في عينه ،يحيـي إتصدم فينا كلنا .
هز الأب رأسه يميناً و يساراً بِحسرة وهو يقول :آااه يا يحيـي ،آااه يبني علي وجع قلبك ،ياااارب ،يارب إلطف بيه و عدٌيه منها علي خير يا رب .
ثم تابع بحزن شديد يتغ*ده وقال بعتاب لا يفيد :قولتلك بلاش يا سليمان،قولتلك بلاش مرات أخوك ،كان قلبي حاسس إن الجوازة دي باطلة ،ليه يبني مطاوعتنيش و سمعت كلامي؟!
ثم أكمل بإتهام صِرف :إنت طمعت يا سليمان !
نظر إليه سليمان بذهول ليستطرد الأب حديثه قائلاً:أيوة طمعت ،طمعت في مرات أخوك و فضلت تألف و تكذب عشان تتجوزها ..تقوللي صافيه موافقه و تقول لـ صافيه أبويا اللي غاصبني علي الجوازة ،كنت مع كل واحد فينا بـ وش و أدي النهاية أهي ،كل ده حرااام .
آثر سليمان ال**ت و لم يتفوه بكلمة ليتمتم والده بنحيب :اللهم إرفع مقتك و غضبك عنّا ياااارب .
نظرت يُسر إليهم بشرود وهي تقول :هو يحيـي فين ؟!يحيـي راح فين ؟! إنتوا سيبتوه يمشي ليه؟!
نظر إليها سليمان نظرات فارغة وقد تبدّلت كل مشاعره تجاهها بلحظه ،لا يعلم هل ذلك نفور أم حقد أم غيرة أم صدمه ؟!
وقفت يُسر ببطء وهي تمسك ببطنها بكلتا يديها ونظرت إليهم وقالت :يعني إيه ؟!يعني اللي في بطني ده إبن حرام ؟!
إعتصر سليمان عيناه بألم و غضب لتعاود تساؤلاتها و تقول :طب أنا مرات مين دلوقتي ؟!مرات يحيي ولا سليمان ؟!
نظرت إليها زينب شامتة وقالت :و لسه ياما هتشوفي يا يُسر ،لسه حق صافيه اللي إنتي ظلمتيها ولا نسيتي؟
نظرت إليها يُسر ب**ت و لم تعقّب لتشعر بأن الآلام تفتك بها فأمسكت بأسفل بطنها وهي تجاهد لكي تتحمّل ذلك الألم الشديد ولكنها لم تستطع لتنفلت منها صرخةّ هزت جدران المنزل وشعرت بأن سائلاً دافئاً قد سال علي جانبي قدميها لتنظر إليهم بذعر وتقول :أنا بولد !
هرع سليمان نحوها وقال مذعوراً :في إيه يا يُسر ؟تولدي إيه؟!إنتي مش لسه في السادس؟!
قالت ببكاء و خوف :أنا بولد يا سليمان ،وديني المستشفي بسرعة الله يخليك .
لم يتمهّل و حملها علي الفور ليهرول بإتجاه سيارته و يضعها علي المقعد الخلفي بسرعة ثم إستدار ليركب خلف المقود فوجد الباب المجاور له قد فُتِح لتركب زينب إلي جانبه فإنطلق بالسيارة نحو المشفي .
~~~~~~~~
بعد إنتهاء صلاة التراويح إنزوي يحيي إلي ركنٍ بجانب المنبر و جلس يضم ركبتيه إليه و دمعاته لا تتوقف عن السقوط .
رآه الإمام ليقترب منه و يجلس إلي جانبه مربتاً علي كتفه وهو يقول :مالك يبني بتبكي ليه؟!سلّم أمرك لله و كله بيعدي .
قال يحيي بصوت حزين متقطع : ونعم بالله يا سيدنا.
إبتسم الإمام وقال :إسم الكريم إيه ؟!
_يحيـي .
ربت الإمام مجدداً علي كتفه وقال :طيب يا يحيـي ،خد المصحف ده إقرأ فيه علي ما تقدر لحد ما تلاقي نفسك هديت و قلبك إطمئن ،مش ربنا سبحانه وتعالى بيقول "ألا بذكر الله تطمئن القلوب"؟!
أومة يحيى موافقاً فأضاف الإمام قائلاً:يبقا خد إقرأ في كتاب ربنا وهو اللي هيريح قلبك و يشرح ص*رك إن شاء الله.
نظر يحيـي إلي الإمام و باغته قائلاً :هو لو واحد يائس من الدنيا دي يا سيدنا و إتظلم و حاسس إنه ملوش مكان ..في حالته دي الإنتحار يبقا حرام ؟!
قطب الرجل حاجبيه بتعجب وقد عَلم بأن المُصاب چلل فجلس متورّكاً إلي جانب يحيي وقال :الإنتحار في كل الأحوال حرام يبني ،مهما إشتد ضيقك و حزنك و يأسك مينفعش أبداً تفكر في الإنتحار ،لازم تلجأ لربنا سبحانه و تعالي و تدعيه يف*ج همك و كربك و يزيح عنك وربنا بإذن الله هيساعدك و يخفف عنك ،إنما مينفعش تفكر في الإنتحار كده إنت بتكفر و العياذ بالله.
تمتم يحيي مستغفراً وهو يمسح وجهه ويقول :أستغفر الله العظيم من كل ذنبٍ عظيم .
ربت الإمام علي فخذهِ وقال :إستهدي بالله بس كده و روق ،كل حاجه و ليها حل بإذن الله.
أومأ يحيى نافياً وقال :إلا مصيبتي يا سيدنا،ملهاش حل أبداً
نظر إليه الإمام مبتسماً وقال:طب إيه رأيك تحكيلي و تفضفض بدل ما تكتم في قلبك و بإذن الله أقدر أساعدك.
نظر إليه يحيى شارداً وقال :أقول إيه بس ،الحكايه بإختصار إني من سنه حصلتلي حادثه و العربيه بتاعتي إتحرقت وفيها واحد كان ركب معايا من عالطريق و جثته إتفحمت فـ أهلي إستلموه من المشرحه علي أساس إنه أنا و إتدفن و طلع له شهادة الوفاه علي أساس إنه أنا،و بعد ما مراتي إتجوزت تمت العده إتجوزت أخويا علي أساس إني ميت.
تمتم الإمام آسفاً وقال :لا حول ولاقوة إلا بالله،طب و إنت كنت فين طول السنه دي و لسه راجع النهارده ؟!
قال يحيي :يومها لما وقعت من العربيه معرفش إيهاللي حصل بعدها بس فوقت بعدها لقيتني متكتف و مربوط علي سرير مصفح من بتوع التشريح ،كنت واقع في إيد عصابه من اللي بي**قوا الأعضاء و اللي أنا فاكره إني هربت منهم بمساعدة واحد فيهم و بعدها حد ض*بني علي دماغي وقعت فقدت الذاكرة و من يومها لحد النهارده كنت قاعد عند ناس طيبين هما اللي ساعدوني و عالجوني ...
قاطعه الرجل متسائلاً: يعني إنت فضلت فاقد الذاكرة طول المدة دي؟!
أومأ يحيى موافقاً وقال :أيوة ،و كنت شغال فيمخزن قطع غيار فـ وقع علي دماغي كوريك ،تقريباً صدمة الكوريك دي هي اللي رجعتلي الذاكرة.
كان الإمام يستمع له مذهولاً فقال :لا حول ولاقوة إلا بالله،والله يبني إنت حكايتك تتعمل فيلم ،مش عارف أقوللك إيه ولا أواسيك بإيه بس اللي أعرفه إن برجوعك كده زواج أخوك من زوجتك باطل !! بس كمان مش أهل للفتوي يعني في ناس أفقه مني و أكثر مني درايه و علم بالأمور دي و هي اللي تقدر تفيدك و تقوللك الفتوي السليمه في حالتك دي .
تن*د يحيي بثقل و مسح آثار دمعاته ليربت الإمام علي كتفه وقال :معلش يبني وحد الله،ربنا بيسبب الأسباب سبحانه و تعالي أكيد له حكمه في اللي حصل لك ده لا إنت ولا أنا نعلمها ،إنت كل اللي عليك دلوقتي ترسل بسؤالك ده لدار الإفتاء و هما هيردوا عليك بالفتوي الصحيحه بإذن الله.
أومأ يحيى موافقاً ليقول الآخر : يلا قوم صلي ركعتين لله و إدعي ربنا يقدملك اللي فيه الخير والصلاح ..و متقلقش ،ما ضاقت إلا ما ف*جت .
نهض يحيي و توضأ مجدداً و وقف بين يدي ربه يصلي و يناجيه أن ينجيه مما قد حلّ بهِ و ييسر له أمره و يلهمه الصبر .
~~~~~~~~~~~~~~~
كان سليمان يقف بالخارج بردهة الإنتظار في المشفي أمام الغرفه الموجود بها يُسر و زينب تجلس علي مقعد مقابل له تتأمله و تتفحص لهفته و خوفه بأعين مستنكره .
_شوفوا الراجل هيموت روحه عشانها إزاي ،الله يرحم أيامك يا صافيه والله إنتي ال**بانه إنك بعدتي عن جوز التعابين دول ،إنفخ يا أخويا إنفخ دلوقتي تقوم تتنطط زي القردة .
تمتمت زينب بتلك الكلمات في نفسها ب**ت ثم أشاحت بوجهها إلي الجانب و أطلقت زفره ملوله ثم نهضت واقفه ليقول سليمان :هما إتأخروا كده ليه ؟!
نظرت إليه ببرود وقالت :دلوقتي يطمنونا .
إنف*ج باب الغرفة بغتةً ليخرج الطبيب نازعاً عنه قناعهُ الطبي و زفر مطولاً قبل أن يهرول سليمان نحوه قائلاً بلهفة : طمني يا دكتور ؟!
نظر إليه الطبيب بأسف وقال : للأسف فقدنا الجنين لكن الأم بخير و هتتعافي قريب ،ربنا يعوض عليك.
بتلك الكلمات المقتضبه أخبره الطبيب بكل سلاسة بفقدان طفله المنتظر و إنصرف بعدها لينفجر سليمان باكياً بحسرة و نظر إلي زينب قائلاً وسط بكاؤه :فضل مات يا زينب ، فضلت مستنيه عشرين سنة و لما فرحت بيه أخيراً مات.
نظرت إليه زينب بأسف و حزن صادق وقالت :معلش يا عمي سليمان، ربنا يصبرك و يِخلِف عليك.
بالداخل كانت تجلس يُسر في فراشها بعد إفاقتها تبكي و تنتحب بشدة فقالت زينب : حمدالله علي السلامه يا يـسر ،محتاجه حاجه أعملهالك ؟!
أومأت برأسها أن لا و باغتتها قائلة : يحيـي فين ؟!
نظرت إليها زينب بدهشه وقالت : تقصدي عمي سليمان؟!هو تحت بيجيبلك أكل.....
قاطعتها يُسر ببكاء وقالت: يحيـي فين؟محدش كلمه؟
_يا بجـاحتـك !!
قالتها زينب في نفسها ثم نظرت إلي يُسر وقد عاد إليها برودها فقالت :معرفش حاجه أنا معاكي في المستشفي من وقتها .
و أضافت بنظرةٍ ذات مغزى:يحـيي الله يكون في عونه و يصبره علي حاله بقا . مسكين!
قالت الأخيرة وأشاحت بوجهها جانباً ليدلف سليمان إلي الغرفة و ملامح الحزن ت**و وجهه و جلس إلي جانب يُسر وقال وهو يمد يده إليها بالطعام : معدتيش تعيطي يا يُسر عشان متتعبيش ،خدي إشربي العصير ده .
أومأت بالنفي ليقول :خلاص قدّر الله وما شاء فعل متزعليش نفسك،ملناش نصيب فيه .
و هنا كانت صدمته الثانيه حيث نظرت إليه بقوة و غضب جامح و إنفجرت به بقوة تقول : أنا في إيه و إنت في إيه ؟!كل همك في إبنك اللي مات؟ ده كويس إنه مات ،يا ريتني كنت مت أنا كمان و إرتحت .
نظر إليها بذهول وقال :يُسر إنتي بتقولي إيه ؟!
أردفت متسائلة بإستنكار شديد وقالت: إيه مالك مصدوم كده ليه ؟! تقدر تقوللي لو كان إتولد كان هيبقا مصيره إيه ؟! إذا كان جوازنا كله بااطل كنا هنربي الطفل ده علي أي أساس؟!
لم يعرف بما يجيبها فـ راح يتطلع نحوها ب**ت لتقول بحسرة :أنا مش زعلانه إنه مات ،أنا زعلانه إني أنا اللي عايشه ،يا ريتني كنت مت و إرتحت من العذاب اللي مستنيني .
تشنّج وجهها و جسدها بالأكمل لتنتابها حالة بكاء هيستيريه و راحت تردد بحسرة :يا ريتني مت قبل كل ده ما يحصل ،يا ريتني مت...
إقترب منها يحاول تهدأتها لتبتعد عنه بحدة و دفعته بعيداً عنها بقوة و صرخت قائلة : إبعد عني ،إبعد عني إنت مش من حقك تلمسني، إنت السبـب !
وقف مشدوهاً لما يص*ر منها فقالت بقوة و إتهام واضح :أيوة إنت السبب،إنت اللي فضلت تزن عليا عشان نتجوز و فضلت تقوللي عشان العيال و الزفت لحد ما وافقتك و خسرت كل حاجه؟!
_يُسر إهدي،إنتي مش واعيه للي بتقوليه!
أعادت النظر إليه بقوة و تحدٍ وقالت : ليه شايفني إتجننت؟!ولا مش مصدق اللي بتسمعه ؟
و تابعت بحزم :خلاص يا سليمان مبقاش فيها كلام ،حتي الكلام بقا حرام ،اللي بيننا ده كله كان باطل و ربنا نجدنا إن الطفل ده متولدش .
أنهت حديثها المفاجئ له كليّاً و أشاحت بوجهها جانباً ليقول مخاطباً زينب :خليكي معاها يا زينب لحد ما تخرج من المستشفي ،و أنا هدفع حساب المستشفي .
و غادر مسرعاً ليستقل سيارته منطلقاً بها لا يعلم أين !
كانت زينب تجلس برفقة يُسر في الغرفة بالمشفي لا تطيق الإنتظار و كأنها تفترش الجمر من أسفلها فنهضت قائلة : طيب يا يُسر أنا مضطرة أمشي عشان العيال و يحيي الصغير سيباه لوحده و إنتي ماشاءالله بقيتي زي القر....قصدي زي الفل أهو .
نظرت إليها يُسر بتعجب وقالت :هتسيبيني لوحدي أومال مين اللي هيساعدني؟
_,اللي بيساعد العباد ربنا يا حبيبتي و بعدين إتصلي علي أمك تيجي تقعد معاكي إنما أنا مش فاضيه يا حبيبتي ورايا عيال و عيالك كمان أمانه في رقبتي لحد ما تقومي بالسلامه.
نظرت إليها يُسر بغيظ وقالت بحدة : إمشي مش عاوزة حد معايا .
أومأت زينب بموافقة وقالت:ماشي يا حبيبتي تقومي بالسلامه،أنا هتصل لك بأمك تجيلك و يستحسن ترجعي معاها بيتكم علي ما الجو يهدا و تشوفي هتعملوا إيه في المصيبه دي .
ألقت كلماتها المستفزه ثم منحتها نظرة شامته و إنصرفت.