20

1953 Words
بات يحيى ليلته بالمسجد ،لم يكحل النعاس جفنيه فظل شارداً يفكر بما حدث و ما رآه اليوم و كلما إستعادت ذاكرته ذلك المشهد إنخرط في البكاء بشدة . لطالما تمني أن تعود إليه ذاكرته و أن يستطيع العوده إلي منزله و عائلته التي كان علي يقين بأنهم ينتظرون عودته بالرغم من جهله لهم ،ليعود اليوم فيجد زوجته المصونه قد تزوجت بأخيه الأكبر و الذي كان بمثابة أب له و أخ لها فكيف إستطاعت فعل ذلك ! يشعر أنه الآن علي حافـة الجنون و أنه حتماً لن ينجو تلك المره . بطش عائلته بهِ كان أشد وطأة ٍ علي نفسه أكثر مما رآه منذ عامٍ مضي بكل تفاصيلهِ و بكل ما مر عليه فيه . دفن رأسه بين كفيه ينتحب بقوة علّه يطفئ تلك النيران التي إشتعلت بقلبهِ ليجد من يربت علي ظهره فمسح وجهه و نظر إليه ليتجهم وجهه و نظر بغضب للجهة الأخري وقال :جاي ليه يا عبدالقادر ؟! جلس أخيه إلي جانبه و قال:جايلك يا يحيى،جاي لأخويا... قاطعه يحيي بغضب وقال : أنا مليش إخوات ،إمشي و إعتبرني أو إعتبروني كلكوا إني لسه ميت . نظر إليه عبدالقادر بحزن و أسف فأردف يحيي وقال:إعتبروا إن اللي حصل ده مجرد كابوس،وأنا كمان هعتبر إنه كابوس و هرجع مطرح ما جيت . نظر إليه عبدالقادر بلهفه و وضع يده علي كف أخيه و إنحني بجزعه أكثر ليقترب منه وقال : ترجع فين يا يحيى ده إحنا ما صدقنا إنك رجعت ... قاطعه يحيي مرة أخرى متهكماً وقال :هه..إنت بتضحك عليا ولا علي نفسك يا قدّورة ؟! محدش فيكم كان يتمني إني أرجع أبداً و أولكم هو و هي . شخّص الآخر بصره أرضاً لا يعرف بما يبادله الحديث ليقول يحيي :قوم روح بيتك يا عبدالقادر و إطمن من نحيتي لو قلقان يعني..مش هيجرالي حاجه أسوأ من اللي شوفته. نظر إليه عبدالقادر و قد أطفرت دمعاته بندم وقال : والله يا يحيى كلنا فكرنا في مصلحة .... قاطعه يحيي بإشارةٍ من يده وقال : عشان خاطر ربنا أنا مش متحمل كلام في الموضوع ده دلوقتي. أومأ موافقاً و إلتزم ال**ت ثم تسائل بحذر :طيب إنت ناوي تعمل إيه دلوقتي؟!أقصد يعني وضعك معاها إيه ؟ آثر يحيي ال**ت ليردف أخيه قائلاً :علي الفكرة هي تعبت إمبارح و ولدت و العيل نزل ميت . لم يجيبه يحيي بل أومأ بإقتضاب وقال:هطلع دلوقتي علي دار الإفتاء و هسأل و أشوف المفروض إيه اللي يحصل . _طب تعالي نروح سوا ..ثواني و هجيب العربيه . أومأ يحيى برفض وقال:لا أنا هروح لوحدي مش عايز حد معايا. تبيّن أخيه ضيقه فلم يكرر سؤاله و أومأ بهدوء مربّتاً علي رأسه ونهض قائماً ثم قال:طيب إنت هترجع البيت إمتا؟ نظر إليه يحيي مطولاً و قال:البيت لاصحابه يا عبدالقادر،و أنا خلاص بقيت غريب مليش مكان في البيت ده . همّ عبدالقادر بالحديث مجدداً ليقاطعه يحيي بحزم ويقول :إمشي يا عبدالقادر،إمشي و متحاولش تدوّر علي مكاني تاني ولا تحاول تعرف أنا فين لإن مش هتلاقيني و حتي لو لاقيتني هتلاقيني شخص تاني إنت متحبش تشوفه ولا تكونلك بيه أي صله! هكذا خرجت تلك الأحرف العاريه من فم يحيي و لكنها كانت تحمل كناياتٍ أخري مغايرة تماماً لم يستطع أخيه فهمها و لكن الأيام كفيلة بها. إنصرف عبدالقادر عائداً نحو المنزل بينما غادر يحيي المسجد علي الفور متجهاً نحو دار الإفتاء لكي يقدم فتواه و بدأ بسرد كل ما حدث منذ ذلك اليوم ليقول المُفتي : بسم الله الرحمن الرحيم فالزوجة إذا بلغها خبر وفاة زوجها الغائب, ثم اعتدت وتزوجت, ثم ظهر زوجها الأول. فإن كان ذلك قبل أن يدخل بها الزوج الثاني, فإنها ترد للأول, وإن كان الزوج الثاني قد دخل بها؛ فإنها لا تفوت بالدخول بل تعود للزوج الأول أيضا بعد أن تنقضي عدتها من الزوج الثاني و بحدوث الإجهاض تسقط العدة .... نظر إليه يحيي مشتتاً وقال : أنا مش فاهم حاجه يا شيخنا يريت معلش تبسطهالي . إبتسم المُفتي قائلاً : حضرتك بتقول إنك غبت سنه و كنت فاقد الذاكرة و أول ما الذاكرة رجعتلك رجعت بيتك لتجد زوجتك متزوجه من أخيك . أومأ يحيى بتأكيد ليضيف المُفتي قائلاً : و كانت حامل في شهورها الأخيرة ،مظبوط؟ أومأ يحيى موافقاً ليقول الآخر: إذاً بمجرد ظهورك فإن زواجها من الثاني اللي هو أخوك باطل و ترد إلي ع**تك و لكن بعد قضاء عدتها من أخوك و بما إنها كما تقول وضعت اليوم و الجنين قد مات بأحشائها إذاً لا عدة لها عملاً بقوله في كتابه الكريم "وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ " يعني يا أستاذ يحيي هي زوجتك و تحل لك بإذن الله. غادر يحيي شارداً ،لم تُزِدهُ تلك الفتوي إلا حيرةً و تخبط و جلس بتعب إلي مقعد مقابل للمبني و شرد بما ينتظره . ~~~~~~~~~~~~~~~~ كعادتها لا تطيق الإنتظار عندما تحوي بجعبتها أخباراً جديده فأمسكت بهاتفها علي الفور وقامت بالإتصال بـ صافيه التي أجابتها بهدوء وقالت :أيوة يا زينب . _ألو ،إزيك يا صافيه عامله إيه ؟! =الحمدلله يا زينب ،العيال عاملين ايه؟ _كله بخير الحمدلله،غزل حبيبتي أخبارها إيه ؟ تن*دت صافيه بحزن عميق وقالت :الحمد لله على كل حال،هتعمل إيه حبيبتي أهي نايمه ،إدعيلها ربنا يصبرها . تمتمت زينب بأسفٍ شديد وقالت : ربنا يخلف عليها و يعوضها ياارب . _ياارب . =مش هتصدقي اللي حصل إمبارح ! قالتها زينب بحماس و مراوغه لتتسائل صافيه بتعجب :إيه اللي حصل!؟ أيوة صح مش إنتوا كنتوا بتفطروا سوا إمبارح ،خير حد إتخانق ولا إيه ؟ =يحيـي رجع ! قالت صافيه بتلقائية شديده:رجع منين ؟! _جرا إيه يا صافيه بقوللك يحيـي رجع ! نهضت صافيه واقفه وقالت :إنتي بتقولي إيه ؟! إنتي أكيد بتهزري . إبتسمت زينب وقالت : وهي الحاجات دي فيها هزار يا صافيه ؟! ده إنتي فاتك عمرك كله إمبارح مش بس نص عمرك تسائلت صافيه بلهفه وقالت :رجع إزاي و كان فين طول السنه اللي فاتت دي ؟ _في إيه يا عمتو ؟! هو مين اللي رجع ؟ كان هذا الحديث منبعثاً من غزل التي ركضت سريعاً من فراشها تتسائل بلهفه فنظرت إليها صافيه و قالت بفرحه: زينب بتقول إن يحيـي رجع ! تسائلت غزل بترقب و عدم تصديق فقالت:رجع منين ؟! نظرت إليها صافيه ثم إلي الهاتف بين يديها و قامت بتشغيل مكبر الصوت و تحدثت إلي زينب فقالت :معلش يا زينب قولي من الأول ،هو إيه اللي حصل إمبارح ؟! قالت زينب بحماس يتطاير من عينيها : إمبارح وقت الفطار لقينا يحيي داخل ..... لم تكمل غزل الإستماع إليها حيث أنها لم تستطع التماسك لتسقط أرضاً مغشياً عليها . ~~~~~~~~~~ في فراشهِ يرقد بتعب وقد تهالك جسده القوي بين ليلةٍ و ضحاها و أخذ منه التعب كل مأخذٍ . كان ينظر أمامه نحو اللاشئ و عيناه مشخّصتان للفراغ قبل أن يدخل عبدالقادر إلي غرفته ويجلس إلي جانبه ممسكاً بيديه يقول بنبرةٍ واهيه :إزيك دلوقتي يابا؟! نظر إليه والده وقال بصوتٍ مهزوز:يحيـي فين يا قدورة ؟ زمّ عبدالقادر شفتيه بأسف وقال متن*داً : مشوفتوش من بعد ما كنا في الجامع ،هو قاللي متدورش عليا ... قاطعه والده قائلاً بعصبية مفرطه:وهو عشان قاللك متدورش عليا يبقا تسيبه ؟! إنتوا دماغكوا دي فيها إيييييه ؟!! جايلك قلب تقعد هنا و أخوك منعرفش عنه حاجه؟!مش كفايه اللي هو فيه ؟! _ماهو عشان كفايه اللي هو فيه يبقا لازم أسيبه يابا ،يابا إفهمني ..يحيي فقد الثقه فينا كلنا و مش عايز يشوف حد فينا ،مينفعش آجي في عز وجعه و أجبره يشوفني أو يتعامل معايا هو مش ناقص . أمسك الأب بحافة الفراش و بيده الأخري كان يحاول إلتقاط عصاه ليقول عبدالقادر متسائلاً :رايح فين يابا ؟! _رايح أشوف إبني فين ..رايح أشوف أخوك فين يا عبدالقادر أنا مش هسكت تاني . قالها بنبرةٍ صارمه و صوت قوي لا يقبل المناقشه فقال عبدالقادر وهو يحاول ثنيه عن قراره :يابا إستني بس،إنت تعبان مش هتقدر تلف في الشوارع . نزع "علـي" يدهُ من بين يدي إبنه وقال :حااسب يا عبدالقادر إوعي،أنا مش هستني تاني ،أنا غلطت لما كدبت إحساسي في كل مرة كان بيقوللي إبنك مماتش ،يمكن لو كنت تعبت نفسي شويه و دورت على الحقايق مكانش كل ده حصل ،أنا أول واحد غلطت في حق أخوكوا . بوهنٍ و يدان ترتجفان إلتقط عصاه و هرول نحو الخارج ليلحق بهِ عبدالقادر و يتجهان نحو المسجد أملاً منهما أن يجدونه هناك . ~~~~~~~~ كان يجلس على مقعد بالشارع و يضم يديه إلي بعضهما البعض يحيط بهما نفسه ، شارداً ينظر إلى الفراغ من أمامه غير آبه بما يحدث حوله و كأنه مغيٌباً ،جلس إلي جوارهِ رجل أربعيني فلم يكترث و تحاشي النظر إليه ليجده يمد يده إليه بسيجارة فنظر إليه يحيي نظرةً خاطفه وقال : شكراً مش عايز . قال الرجل دون أن ينظر إليه : يا عم متتأمرش و خدها ،أهي حاجه تطلع فيها غلّك و ق*فك ،ولا إنت مش ق*فان ؟! قال الأخيرة بسخرية ليلتقط يحيي السيجارة من بين إصبعيه ويشعلها بواسطة قدّاحته ويبدأ في تدخينها بشراهه ثم نظر بعدها إلي الرجل مجدداً وقال : هات سيجارة كمان ! نظر إليه الآخر ضاحكاً وقال : للأسف لقد نفذ رصيدي،بس معايا اللي أقوي منها .... و أخرج من جيب سترته الداخلي قنينة خمر ناولها إلي يحيي وهو يقول : خد بل ريقك . نظر إليه يحيي بتفحص وقال :لا مبشربش . _يا عم متعملش فيها داعيه إسلامية بقا ، يعني الخمره حرام و السجاير لأ ؟! خد إشرب و إنسي ، بؤ واحد هيخليك تطير و تنسي إنت مين و إبن مين . ضحك يحيي ساخراً و فك وثاق ساعديه عن بعضهما و نظر إليه قائلاً :حلو ده أنا عايز أنسي ،هـات . إلتقط قنينة الخمر من بين يديه و تجرٌعها بأكملها جرعةً واحدة ليمتعض بعدها إمتعاضاً شديداً و نظر إلي الرجل فقال : إيه ده طعمها مق*ف أوي . أومأ الآخر مؤيداً وقال :أيوة طعمها مق*ف بس مفعولها سحري ..بص قدامك كده و عِد لغاية خمسه هتلاقي نفسك بتطير .... نظر إليه يحيي متعجباً ثم إنفجر ضاحكاً بقوة فضحك الآخر بدوره وقال :ها طيرت ولا لسه ؟! حاول يحيي كبح جماح ضحكاته وقال :أه بطير أهو .. أومأ الآخر بجدية وقال :طب إمسك فيا بقا لأحسن نقع إحنا الإتنين . ثم نهض واقفاً ونظر إلي يحيي ثم قال :قوم ياا إمسك فيا . نهض يحيي عن مقعده بتثاقل وهو يترنح يميناً و يساراً ويقول :أنا مش شايف قدامي . أسنده الرجل و سار بإتجاه سيارته و فتح الباب ثم قال وهو يتخذ مكانه خلف طارة القيادة : إركب يلا . دلف يحيي إلي السيارة و إستقل المقعد المجاور له ثم قال :أركب فين يا عم ..مش راكب. نظر إليه الآخر و إرتفعت ضحكاته وقال :يبني ما إنت ركبت خلاص . نظر يحيي حوله وقال :إيه ده هو أنا ركبت بجد ! أومأ الآخر موافقاً ليقول يحيي: طب طالما ركبت نزلني بقا علي جنب . ثم إنفجر ضاحكاً بهيستيريه ليترنح فإصطدمت رأسه بالمقعد من خلفه ليسبح في النوم سريعاً فنظر إليه الرجل وقال بثماله :إيه ده هو نام ؟! ثم نظر إلي إنعكاس صورته بالمرآه وقال :أكيد يعني نام مش سامعه بيشخر ؟!! لينخرط بعدها في نوبة ضحك هيستيريه هاجمته مجدداً ثم إنطلق بالسياره نحو منزله . ~~~~~~~~~~~~~ كانت صافيه تجلس برفقة إبراهيم إلي جانب غزل ينتظرون إفاقتها فقال إبراهيم بخوف : ما كنا نجيبلها دكتور يا صافيه ،جـايز حامل ! نظرت إليه صافيه و همّت بإخبارهِ بحقيقة الأمر قبل تتململ غزل في فراشها وقد بدأت تستعيد وعيها فقال والدها :هه .. الحمدلله فاقت أهي . أمسك بكلتا يديها بين يديه و نظر إليها مبتسماً وقال: حمدالله علي سلامتك يا روح أبوكي . نهضت غزل لتعتدل في جلستها و نظرت إلي عمتها وقالت بخوف : هو أنا كنت بحلم يا عمتو ولا يحيي رجع فعلاً ؟! ربتت صافيه علي ذراعها بلين وقالت:لا يا حبيبتي مكنتيش بتحلمي ،زينب بتقول إنه رجع إمبارح فعلاً بس يا حبيبي محدش عارف هو فين دلوقتي . هز إبراهيم رأسه بشفقة وقال :مسكين يحيي،صدمه كبيره أنا مش عارف هيتجاوزها إزاي ربنا يكون في عونه. حاولت غَزل الخروج من فراشها فقال والدها وهو يمسك يدها يمنعها :رايحه فين؟! _هنزل أدوّر علي يحيـي يا بابا ! قالتها بكل بساطة ليردف بقوة ويقول:إنتي إتجننتي ؟!تنزلي إزاي ؟! أولاً إنتي مفاتش علي وفاة جوزك الله يرحمه أسبوع ،ثانياً إنتي تعبانه ،ثالثاً بقا و الأهم هتنزلي تدوّري عليه بصفتك إيه ؟! تراجعت ب**ت فأضاف قائلاً:إعقلي كده و متخليش حد يتكلم علينا كلمه ملهاش لزمه . هكذا أعطاها أوامره و خرج من الغرفه ليتركها هي تائهه تسبح في بحورٍ من ضياع .
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD