تجلس في منزلها تتشح بالسواد وقد أعياها البكاء و أدمي قلبها ،الغادي و الراحل يواسيها بكلماتٍ لم تستطع هي إستيعابها .
ها هي تشعر بالغربة للمرة الثانيه ! ،و خسارتها تلك المرة ليست بالهيّنه أبداً،لقد فقدت رجلاً لن تنساهُ أبد ما حيت .
كانت تجلس خائرة القوي ، ما زالت الصدمة تحتلّ عقلها ،و سؤال واحد هو من يجوب عقلها "لمـاذا أنا ؟!"
مَسح والدها علي رأسها وراح يتمتم بآيات من القرآن الكريم و قلبه ينفطر لرؤية إبنته بتلك الحالة التي يُرثي لها و لم تفعل هي سوي أنها إستكانت بأحضانه تحاول الهروب من الواقع المرير الذي أحاطها .
_قومي يا حبيبتي إرتاحي شوية .
قالتها صافيه وهي تربت على يد غزل التي هزت رأسها أن لا ليقول والدها :سيبيها يا صافيه و قومي شوفي أم أكرم
نهضت صافيه و ذهبت للإطمئنان علي مدام كاريمان التي فور ما إن رأتها حتي قالت بلهفة :أكرم جه؟!
جلست صافيه إلي جوارها و أمسكت بكفيها بين يديها وقالت: حبيبتي تحبي أعمللك تاكليها ؟
نزعت كاريمان يدها بحدة وقالت وهي تسند يدها إلي أسفل خدها بضيق : لأ مش عايزة حاجة،مش هاكل حاجه غير لما أكرم يرجع .
تن*دت صافيه بحزن و قلة حيله وهي لا تعرف للمرة الكم ستخبرها بذلك الخبر المفجع.
تسائلت كاريمان وقالت :و الناس اللي بره دول بيعملوا إيه ؟!أنا مش بحب الدوشة .
_دول جايبن يشوفوا غزل و ماشيين.
=إطرديهم ،إطرديهم كلهم عشان لابسين إسود و أنا مش بحب اللون الاسود ،قوليلهم يلبسوا ألوان حلوة وبعدين ييجوا .
زمّت شفتيها بأسف و شفقه و أومأت بموافقة و همّت بالخروج من الغرفه لتستوقفها كاريمان مرة أخري و تقول:إستني ،إفتحي التليفزيون قبل ما تخرجي ..فيلم الوسادة الخاليه هيتعرض كمان شوية و عايزه ألحقه من الأول .
أومأت صافيه دون نقاش و قامت بتشغيل التلفاز لتقول الأخري: تعالي غطيني بقا .
فعلت صافيه كما أمرتها لتقول : هو إنتي الجليسه الجديده اللي أكرم إبني جابها عشان تقعد معايا ؟!
نظرت إليها صافيه بحسرة و أومأت ب**ت لتقول :طيب إقعدي إتف*جي معايا علي الفيلم ، ده حلو أوي!
_طيب هخرج بس أشوف الأكل اللي عالنار و أجيلك تاني !
=ماشـي..بس متعمليش سمك عشان أكرم مبيحبش السمك .
منحتها صافيه إيماءه موافقه و خرجت من الغرفه سريعاً لتنفجر باكية وقد إنفطر قلبها لسوء حالة تلك السيده .
عادت لتجلس إلي جانب ش*يقها الذي سألها عن حالها بإشارةٍ من رأسه لتردف قائلة :ربنـا يصبرها ،الست مش مصدقه إن إبنها مات ،و قالتلي أفتحلها التلفزيون !! مش مستوعبه اللي حاصل يا عيني .
تمتم إبراهيم آسفاً :لا حول ولا قوة إلا بالله ..ربنا يربط علي قلبها .
ثم وجّه حديثه لإبنته فقال :قومي يا غزل يا بنتي إرتاحي شوية إنتي منمتيش من إمبارح .
هزت رأسها بنفي دون أن تنطق بكلمة ليضمها والدها إليها بشدة وهو يتحسر في نفسهِ علي ما آل إليه حال إبنته .
إنتهت مراسم العزاء والمواساة لينفض الجميع من حولهم فقال إبراهيم :خليكي يا صافيه بايته مع غزل و أنا هرجع البيت و الصبح بإذن الله هرجعلكوا.
إستعد و خرج من المنزل لتستوقفه صرخات إستطاع أن يميزها بسهوله فإتخذ سبيله نحو الشقه ركضاً و طرق الباب بشدة لتفتح له ش*يقته وهي تنتحب بهيستيريه و تغمغم بكلمات غير مفهومه فقال بفزع :غزل مالها؟!
لم تجيبه فدلف إلي الشقه يجر قدمه بثقل و ظل يبحث عن إبنته بأعين مذعوره حتي رآها تجثو علي قدماها أمام السرير الذي ترقد عليه كاريمان و تمسك بيدها وهي تدفن رأسها في الفراش من أمامها و تبكي بحسرة .
بتردد دخل إلي الغرفه ليجد كاريمان مستكينه ،مغمضة العينين دون حراك .
_لا حول ولاقوة إلا بالله،اللهم لا راد لقضائك .
تمتم بحزن وإقترب من إبنته و ساعدها في النهوض لتحتضنه بذعر وقالت :ماما كاريمان ماتت يا بابا.
ربت علي ظهرها بأسفٍ وقال :ربنا يرحمها ويغفر لها يبنتي.
في أقل من أربعةٌ و عشرون ساعه تكررت نفس مشاهد الغُسل و الدَفن و الجنازة ليعودوا إلي المشهد الأخير وهو العزاء.
كان الجميع يواسي غزل في مُصابها الأليم و يدعون الله أن يربط علي قلبها.
أما هي فكان كل ما يحدث فوق إحتمالها لتعلن إستسلامها حيث هَوت أرضاً ليلتف الجميع حولها و يسارع والدها بطلب الطبيب الذي أمرهم بمساعدتها في الخروج من تلك الأزمه و المواظبه علي الغذاء والدواء ليقرر والدها إصطحابها للعودة إلي منزلهم .
كانت يُسر تقف أمام المرآه تتحسس بطنها المنتفخ و تطالعه بسعادة و فخر بينما كان سليمان يجلس علي الفراش مهموماً فقالت :تعرف يا سليمان،أنا ببقا خايفه الستات يحسدوني لما بيشوفوني في الشارع ،عشان كده مبقيتش بحب أنزل لترجع واحده عنيها مدوّره زي زينب ولا غيرها كده تنشني عين تجيبني الأرض.
لم يجيبها فنظرت نحوه لتجده مازال شارداً فتقدمت منه وقالت :مالك يا سليمان؟!سرحان في إيه؟!
نظر إليها منتبهاً وقال :مفيش حاجه .
و أطلق تنهيدةٍ حارة فجلست إلي جانبه وقالت :مالك بجد؟!في حاجه مضايقاك؟!
نظر إليها مهموماً وقال :غزل صعبانه عليا.
لوت فمها بنزق وأضافت بلا مبالاه :ميصعبش عليك غالي يا حبيبي،أهي إتجوزت تلت ايام و بقت من ولاد الذوات ،بسمع إن جوزها ده كان عنده شئ و شويّات ..
قاطعها قائلاً: و إيه يعني شئ و شويّات!!,هي الفلوس كل حاجه ولا إيه؟! وبعدين غزل مش من النوع ده عمرها ما تفرق معاها الفلوس ،كفايه فرحتها اللي إت**رت و إترملت وهي لسه عروسه.
نطقت بغضب عاصف و كرهٍ صرف :ما هي اللي قدمها شؤم ،كل ما تبص لراجل تبيته في القبر .
قطب حاجبيه مستغرباً وقال :تقصدي إيه؟!
نهضت واقفه بعصبيه وقالت :مقصدش حاجه ،قبل ما تنزل سيبلي فلوس .
قال متعجباً: وإنتي لحقتي صرفتي الألفين جنيه اللي خدتيهم إمبارح ؟!
قالت ببساطة : إشتريت بيهم خزين رمضان لماما و إخواتي ،سيبلي فلوس بقا عشان عايزة أشتري هدوم واسعه لإن كل الهدوم ضاقت عليا و متنساش تجيب خزين رمضان الليله قبل ما تيجي .
أومأ موافقاً و خرج من المنزل ليلتقي بأبيه يجلس حزيناً مهموماً فإقترب منه و قبّل يديه كعادته وقال :كل سنه و إنت طيب يابا،يعود عليك الأيام بخير.
_و إنت طيب يبني
قالها والده بإقتضاب ليستطرد حديثه قائلاً:أنا خارج أجيب خزين رمضان،و هجيب حاجات لعزومة بكرة ،مش محتاج حاجه أجيبهالك وأنا راجع؟!
نظر له والده مصدوماً وقال :عزومة بكره؟!إنت ناسي إن سنوية يحيـي الله يرحمه بكره ؟! بدل ما تقول هعمل حاجه لله أهي الناس تدعيله بالرحمه !!
تجهم وجه سليمان وقال : طبعاً يابا هعمل كده من غير ما تقول ،أنا مستحيل أنسي حاجه زي كده،بس يعني إحنا متعودين نتجمع أول يوم رمضان عالفطار كل سنه ،ربنا ما يقطعلك عادة يا حج .
أومأ والده بهدوء وقال :خلاص يا سليمان،خلاص إعمل اللي يريحك .