نهَـض سيـف بتثاقل من فوق مقعـده متجهًـا نحو تلك الواقفة أمامه بتحـدٍ وعنـاد ليمتثل أمامها متحـدثًـا بجفاء
سيـف : أنتي محدش علِّمك إن عيب تدخلي على حد كده ، لا وكمان بكل همجيه تتكلمي معايا في الجامعه بقلة ذوق أيه جايه المره دي عشان تشتميني في وشي
ابتسـامة ساخرة ارتسمت فوق شفتي حَـلا قبل أن تهتف باستهـزاء
حـلا : تنكر إنك تستاهل الكلام اللي قولته كله ده ؟
رفـع سيـف حاجبيه قبل أن يهتف باستنكار
سيـف : أنتي تعرفيني منين يا بت أنتي عشان توجهي لي الكلام ده
تشنَّـج فكي حـلا بعدما تذكرت سبب مجيئها هنا لتُردف بحِـدة
حـلا : أنا جايه لك عشان أقول لك إن ريهام في العمليات والدكتوره بتقول إنها بين الحياه والموت ومحدش منك ولا من عيلتك فكر يسأل عنها هي في مستشفى **** يا سيف بيه
اتسَـعت عيني سيـف مشدوهًـا مما سمع بينمـا هي تركته على حـاله خارجة من غرفة مكتبـه صافعة الباب خـلفها بشِـدة اتجـه سيـف فوق أريكـة مكتبـه يجلس فوقها ولا حول له ولا قوة محـدِّثًـا نفسه بألم
سيـف : العيله دي هتفضل تحصد زرعك لحد أمتى يا نصر باشا !
______________________
تجلِس في مَمر العمليَّات تُسند ظهرها على الحائط وتحيط وجهها الدموع التي ذرفتها حينما أخبرتها الطَّبيبة بصعوبة العمَلية والولادة المفاجأة وأن نسبـة شفاءها ضئيلة ، يقِف بجانبها ابنة خالتها التي حافظت على هدوءها في هذا الموقِف لتخرج الطَّبيبة بعد مرور أكثر مِن ساعتين لتنهض حلا مُسرعة إليها كجنين يتلهَّف على والدته .
حَلا بصوت يشوبه القلق : ريهام عامله أيه ؟ بقيت كويسه صح ؟!
تراجعت الطبيبة خطوتين عنهما وشرعت في نزع ثوب العمليات وأردفت بصوت هاديء : الولادة تمَّت والجنين هناخده الحضانه عشان فيه احتماليه إنه شرب حجات من بطن الأم
تسرب القلق إلى داخل الفتاتين لعدم ذكر الطبيبة شيئًا عن صديقتهم فأردفت حلا بذعر : وريهام !
أجابتها الطبيبة بعملية وهي تُلقي بزيِّها في أحد السلاَّت : العملية كانت صعبه جدًا عليها خصوصًا إن كان عندها مُشكله في الرَّحم والحمد لله إن الجنين اتولد في السَّابع .
ضاق ص*ر حلا بتهرُّبها المستمر من الإجابة عن سؤالها فأردفت بغضب : أنا بسألك عن صاحبتي وضعها أيه وياريت تجاوبيني بطريقه مُباشره !
ربَّـتت نَـدى فوق ذراعي حـلا في محاولة منها لتهدأتها
نَدى : أهدي يا حَلا
حَلا : أهدى أيه ! أنا عاوزه أعرف ريهام وضعها أيه ؟!
أجابت الطبيبة بضيق : لو سمحتي وطِّي صوتك ! أنتي في مُستشفى صاحبتك وضعها مُش مستقر ولسه مفاقتش !
رحلت الطبيبة عنها تُباشر أعمالها ، بينما سقطت حلا فوق أرضية المَمر باكيـة على حال صديقتها غير متقبلة فكرة خسارتها ورحيلها عنهم يومًا ، بينما هبطت نَـدى إلى مستوى جلوسها تحاول بث الطمأنينة داخلها .
______________________
في فيلا الصَّاوي
يدلُف سيف إلى الداخل بخُطى ثابتة وكأن شيئًا لم يحدث وكأنه لم يتلقى منذ قليل خبرًا بخطوة حال زوجته يحمل على أحد أذرعه جاكيت البذلة خاصَّته ليُقاطع صعوده على الدَّرج رؤيته لش*يقه الذي يجلس في غُرفة الجلوس ويتناول بعض الوجبات السريعة أثناء مُشاهدته لأحد الأفلام بتركيز شديد ، قاطع سيف استمتاعه بإغلاقه شاشة التلفاز .
عقَّـد خالد حاجبيه وهو يلتفت إلى ش*يقه وأردف بضيق : يا سيف أنا متابع الفيلم يا أخي !
ألقى سيف جهاز التحكم فوق الأريكة بإهمال وأردف هو الآخر بغلظة : أنت بتستعبط يا خالد ؟! أنت يابني مش امتحاناتك بعد شهرين !
خالد بلا مُبالاه : وأيه المشكله يعني !
سيف : المشكله يا بيه إنك المفروض تكون بتذاكر بدل المَهزله اللي أنت عاملها دي
ليُتابع وهو يُشير إلى أرضيَّة الغُرفة : وأيه قشر اللب اللي في كل مكان ده ! بنربي أطفال هِنا من أمتى !
خالد بفظاظة : هخلي حد ينضفه قبل ما أقوم متخافش
سيف : وأنتَ يعني اتشليت ! زي ما بوظت الدنيا تنضفها تاني ، اتعلم تخدم نفسك !
خالد : يعني حرام يوم يعدِّي مِن غير خناق ! جرا أيه يا أخي !
تجاهل سيف حديثه وهو يتطلَّع إلى أرجاء الڤيلا الهادئة وأردف بتساؤل : فريده هانم فين ؟
خالد وهو يزدرد ريقه : راحت تزور ...
سيف بمُقاطعة بعدما أدرك سر اختفائها : خلاص متكملش ، فهمت راحت فين .
سار سيف باعتدال يشرع بالصعود على الدرج ليستمع إلى سؤال خالد الذي استوقفه : بما إنَّك رجعت مش ناوي ترجَّع ريهام للفيلا ؟
استند سيف براحتيه على الدرج وأردف بثقل : هي اللي اختارت تسيب الفيلا وأنا مش بتحايل على حد .
نهض خالد وأردف بنبـرة تُعبـِّر عن اعتـراضه : بس لازم تسأل عليها يا سيف متنساش إنها لسه على ذمتك
حـرَّك سيف عينيه بملل وأردف بلا اهتمام : مش أنت بتزورها كل فتره وبتعمل لها كل اللي هي عاوزاه ؟!
خالد : أكيد طبعًا بعمل لها اللي هي عاوزاه بس جوزها يختلف
عـقَّد سيف حاجبيه بامتعاض وأردف بضيق : فكك من حوار جوزها ده اللي مش مبلوع ، لولا اللي في بطنها ده كنت طلقتها من زمان
خالد : حرام عليك يا أخي !
انزعج سيف من مُعارضته المستمرة حتى أردف بنفاذ صبر : حرام ؟! الحرام إني أبقى متجوز واحده مشاعري ناحيتها مزادتش عن بنت عم ! حرام إني أكمل مع واحده مش شايفها زوجه ! أنت فاكر إن دي حاجه سهله عليا !
عقَّـد خالد ذراعيه وأجابه بتهكُّـم : كنت فهِّم الكلمتين دول لأبوك
سيف : أبوك ؟! أبوك كل اللي هامه أملاك العيله متطلعش بره مش أكتر فميهموش لا سيف ولا ريهام حتى .
خالد : خلاص يا سيف بعد ما ريهام تولد وتقوم بالسلامه اعمل اللي يريَّحك حتى لو كان طلاق .
سيف : ما هو مفيش حل غير الطلاق أساسًا .
تنهيـدة قوية انطلقت من فم خالد عبَّـرت عن ضيقه بهذه المحادثة حتى تساءل : طيب وابنك ده هيعيش بينكم كده أزاي ! مفتكرش ريهام بعد الطلاق هترضى تعيش في الفيلا ؟
أجابه سيف بلا اهتمام : حضانة الطِّفل معاها تاخده بقى وأنا هتكفل بكل مصاريفه .
خالد : أنت مش طايق ابنك ؟!
أشار له سيف بالسكوت وأردف وهو يُكمل صعود الدرج : روح شوف مصلحتك يا خالد وأنت بتحب الكلام كده زي البنات !
جلس خـالد فوق الأريكة مـجددًا وهو يعاود تكـرار حديث ش*يقه داخل رأسـه ، يُـدرك مشاعره جيدًا نحو ابنة عمه التي لم يرها كزوجتـه أبدًا ، يتفهَّـم حديثه الغليظ الذي نطق به للتَّـو ، كُل ما يدركه أنَّ السبب كان والده المُتـعسِّف وأوامره المُستبدة .
______________________
في المَشفى ،،
خرجت الطبيبـة المُتـابعة لحالة ريهـام من غرفـة العناية المُـركزة وبجانبها المُمرضة ، اتجهت الطبيبة لتُباشر بقية أعمالها بينما عبـرت الممرضة المَمـر حتى وصلت إلى مقاعد الانتظار ، تطلعت بهدوء على أحوال الجالسين الحزينة ، فلكل منهم حبيب غائب في الداخل ينتظر خـبرًا من اثنين لا ثالث لهما .
صاحت بهدوء : فين حَلا ؟
التفتت حـلا وندى نحو صوت المُمرضة ونهضتا من مكانيهما تقفان أمامها .
لتنطق حـلا بذُعر : أنا حلا ، ريهام حالتها أيه ؟
أردفت المُمـرضة بعملية : ريهام فاقت ومصره تشوفك ، ياريت تدخلي لها بسُرعه عشان أحنا مش ضامنين استقرار الحاله .
أسرعت حـلا تركض باتجاه الغُـرفة وهي تُمني نفسها بسـلامة رفيقتها .
أقبلت نـدى على المُمرضة تستفسـر عن حالة ريهـام فأردفت بتسـاؤل : حالة ريهام أيه بالظبط ؟
ابتسمت المُمرضة ابتسامة بسيطة استنبطت منها نـدى حال صديقتها ، لتضع المُمرضة كفها فوق كتف ندى وأردفت بهدوء : كل حاجه بأيد ربنا .
______________________
في غُـرفة ريهـام ،،
أقبلت عليها حـلا تُـقبِّل جبهتها بحنان ، ثم رفعت يدها تُمـسد فوق شعرها البني وأردفت تبُث صديقتها الطمأنيـنة : متخافيش يا حبيبتي هتقومي وهتبقي كويسه .
أردفت ريهام بوَهن شديد : اسمعيني يا حلا كويس ..
نطقت حـلا بمقاطعة : عاوزاني في أيه يا حبيبتي ؟ ، متخافيش البيبي كويس .
ريهام : الحمد لله ، مُمكن بقى تسمعيني ؟
حَلا : حاضر .
ريهام بضعف : شوفي يا حلا أنتي كنتي دايمًا غاليه عندي وغاليه على قلبي ، يمكن أنتي وندى عايشين معايا بقالكوا كذا سنه بَس أنتي ليك مكانه تانيه لوحدك عن أي حد فعشان كده ملقيتش غيرك أوصيه .
تجمَّـدت أوصال حلا حينما استمعت إلى كلمات صديقتها التي ليس لها منطق إلا واحد ، فأردفت بذُعر : توصيني بأيه ! مفيش الكلام ده ، أنتي هتقومي وهتبقي كويسه !
ريهام بوهن : اسمعيني للآخر يا حلا ، أنا حاسه إن عُمري خلاص انتهى وأنا مش عاوزه أسيب الدنيا و قلبي واجعني على بنتي ، بنتي يا حلا لو راحت بيت الصاوي هتبقى يتميه فعلاً ، أبوها دايمًا هيبقى مشغول ومحدش هيكون جنبها في أي مرحله من حياتها وأنا مش عاوزه بنتي تعيش يتيمة الأم طول عمرها زي ما أنا عشت من غير أمي كده ، بنتي أمانه عندك يا حلا ، أنتي أُمها فاهماني ؟! ، تعرَّفيها كده دايمًا ، حلا هي ماما !
هبَطت الدموع لا إراديًا من عيني حـلا فأردفت بنحيب : ريهام عشان خاطري متقوليش كده !
ريهام : خودي بالك منها يا حلا ، اعتبريها بنتك ، ومش بطلب منك توقفي حياتك عليها ، حتى لو هتقضي معاها يوم في الأسبوع بعد كده ، بس متسيبهاش ! .
ابتعدت حـلا عنها عدة خطوات وأردفت بعدم تصديق : لا أنتي هتقومي وتقفي على رجليك يا ريهام !
أردفت ريهام بضعف : وندى قولي لها إنها كانت غاليه عليا أوي وخودي بالك منها كويس ومن نفسك .
استمعت حـلا إلى آخر ما نطقت به وكانت هي الشهادة التي نطقتها بضعف أعلنت بعدها الأجهزة المُتصلة بجسدها النهاية ، سقطت حلا أرضًا وهي تصيح باسمها بصوتٍ غلَّـفه الألم ، تبعه إسراع الأطباء والممرضين إلى داخل الغُـرفة ، في محاولة منهم لإنقـاذها ، نـظر الأطباء والممرضين بعد دقائق إلى بعضهم البعض بأسف ، امتدت يد الطبيبة المسئولة إلى عيني ريهام تُطبق جفنيها ، ثم امتدت يد أحد المُمرضين إلى الغطاء يحكمونه حول جسدها بالكامل .
______________________
بعد مرور ثلاثة أيام .
فتحت عينيها ببُطء شديد تنظر حولها حتى استقرت عينيها على ابنة خالتها التي تُـسند رأسها فوق الفراش وقد عليها النوم ، وضعت يدها اليمنى فوق عينيها تحاول الإفاقة ، حتى استندت فوق الفراش تنظر إلى المحلول المُـعلق في يدها ، لتدرك بعدها أنها بالمشـفى .
نطقت بصوت خافض : أيـه اللي حصل ؟
تابعت استيقاظ ابنة خالتها التي أردفت بسعادة : الحمد لله ، أنتي صحيتي أخيرًا .
حَلا : أيه اللي حصل لي ؟
نَدى : أُغمى عليك يوم دفن ريهام يا حَلا وطلبنا لك الإسعاف
حَلا : أنا هنا من كام يوم ؟
نَدى : ده التالت
نهضت حـلا مُسرعة من الفراش ولكنها توقفت حين استشعرت الألم في يدها نتيجة تحرك إبرة المحلول لتهتف بذُعر : بنت ريهام فين !
نَدى وهي تحاول إجلاسها : أهدي عشان المحاليل دي ! بنت ريهام لسه في الحضانه ، والدكتور قال لي من شويه إنها ممكن تخرج .
حَلا : طيب نادي الدكتور بسرعه عشان نخرج .
نَدى : المحاليل قربت تخلص أصلا فهنادي عليه .
______________________
في فيلا الصَّاوي :
على مائدة الغداء يجلس أفراد الأُسرة على المائدة ليُقاطع غداؤهم دلوف مُـدبرة المنزل التي هتفت باحترام : فريده هانم ! ، نائل بيه وصل .
تـركت فريدة الشوكة والسكين التي كانت تحملها بكلتا يديها وعقدة كفيها وأردفت بضيق : كُنا مرتاحين من الوَش بقالنا فتره !
أردف خالد بطبيعية : طبيعي يرجع بعد وفاة أخته ، الله يكون في عونه فضل بعيد عنها سنه كامله وملحقش حتى دفنتها .
قاطـع حديثهم دلوف نائـل الذي احتدت ملامحه قبل أن يهتف بهمَـجية : سيف ! سيب الأكل وقوم اتكلم معايا يا ابن أُمك !
التقط سيف منديله مِن على المنضدة ويمسح يديه وفمه بهدوء ثُم ينهض واضعًا يديه داخل جيبه حتَّى وقف أمام نائل ليُفاجئه سيف بلكمة شرسة ترنح بها ابن عمه الذي نجح في الثبات ونجى من الوقوع أرضًا .
تابع سيف حركته وأردف بهدوء : اعرف أنتَ بتقول أيه ، ولولا إنك ابن عمي مكنتش سيبت فيك حته ماسكه التانيه .
ابتعـد سيف عنه يصعد إلى غرفته بينما استوقفه نائل يهتف باعتـراض استوقفه : ولما أنت متقدرش تحافظ على حريمك مقولتليش ليه !
أطبق سيف على قبضتيه حتى ابيضت عروقه ليتابع الصعود نحو غرفته في محاولة منه لتجنب ردة الفعل التي من الممكن أن تخرج منه ، يعزي نفسه بحالة ابن عمه الحزين على ش*يقته ، غيـر ذلك سيكون له ردة فعل أخرى.
________________________
في منـزل ندى وحـلا ،،
تضع حَلا الصَّغيرة على الفراش الواسع الكبير وهي تنظُـر إليها بحُب ، تشعُـر بصديقتها وكأنها سكنت داخل طفلتها قبل أن ترحل ، رفعت سبابتها اليُمنى تزيل دمعتها الهاربة حين تذكرت صديقتها الراحلة ، طبعت قبلة هادئة فوق جبهة الصَّـغيرة وأردفت بأمومة خـالصة : نورتي حياتي .
التفتت إلى ابنة خالتها التي تستند على باب الغُرفة وهي تتساءل : هتسميها أيه يا حَـلا ؟
التفتت حلا برأسها مرة أخرى تتطلع إلى الصغيرة وأردفت بابتسامة : أنا كان نفسي لما أخلِّف بنت أسمِّيها مريم وبنتي أهي نوَّرت الدنيا فهسمِّيها مريم .
______________________