الفصل الحادي عشر . .
عندما يحاوط بك الموت في كل مكان ، نبأ في إعادة حساباتك من جديد ، تسأل نفسك إذا كنت أخطأت في حق أحد ، أم أخطأت في إتخاذ القرارات ، تبدأ في تذكر الماضي ، وما حدث به ، وتحاول إصلاح ما أفسدته ، سوف تبدأ بالشعور بالعجز ، بالخوف من الذهاب دون نيل الغفران .
كان زيد يشعر بالعجز كلما مر عليه يوما آخر بدون حل نهائي لألمه الذي يشعر به ، لا أحد يشعر بما يدور بداخله من أفكار قد تعجل برحيله عن تلك الحياة ، بالرغم من تحسن حالته الصحية ولكن حالته النفسية أصابها الإحباط خاصة عندما علم أن مصطفى طلب من نجيب العودة لعمل تحاليل تطابق بينه وبين والده حتى يتأكدوا أنه يتطابق معه كما يأمل مصطفى ، لقد مر أسبوع ولم يتصل به نجيب حتى الآن ، ظن مصطفى أنه لا يريد أن يجري تلك التحاليل ، ولكنه لم يكن يعلم أن نجيب قد حجز بالفعل تذكرة للعودة إلى مصر ولكنه الآن يبحث عن حل لوضع ياسمين ، كان نجيب يبحث عن أحد يقيم مع ياسمين لحين عودته ، كما أنه يحاول إنهاء إجراءات سفر والده إلي ايطاليا حتى يجري تلك العملية في ايطاليا . .
كان زيد يشعر بالحزن والقهر ، ظن أن ابنه تخلى عنه ، تلك المشاعر كادت أن تؤدي بحياته لولا وجود مصطفى الذي كان يخفف عنه ألمه وحزنه . .
في أحد الأيام ، كانت زينب تجلس كعادتها مع فاطمة وإذ بها تتفاجأ بدخول نجيب عليها ، هبت زينب وهي تقفز من فرحتها ، كانت مثل الطفل الذي قابل أهله منذ غياب ، لم ينكر نجيب أنه شعر بالاشتياق لهذا المنزل ، إلى تلك الرائحة التي تفوح منه ، إلى الدفء المنتشر في كل ركن من أرجاء المنزل .
وقفت زينب أمامه ، احتضنت وجهه بكفيها ، كانت تدور به كالطفلة ، عيونها لم تتوقف عن البكاء ، لقد اشتاقت إليه كثيرا ، سبع سنوات فراق ، لم تستمع إلى صوته إلا مرات معدودة ، ظلت تتنفس عبق رائحتة التي اشتاقت إليها ، كادت فاطمة تزعرط من فرحتها ، ولكنها في فترة حداد ، حضنتها على الأخرى ، فهي تعتبره أخ صغير لها ، لقد أتت هذا المنزل وهو بالثامنة من عمرة ، فرق السن بينهما ليس كبير .
سمع زيد صوت ضجيج بالأسفل ، اعتدل كي يرى ماذا يحدث ، كان يشعر التعب ، لقد عاد لتوه من جلسة علاج كيميائي ، تلك الجلسات توهنه وتضعفه ، ولكنها تفيده وبشدة ، خرج زيد بخطى بطيئة ، تقدم من الدرج ، ولكنه صدم عندما رأى نجيب يحتضن والدته ، ابتسم بسعادة ، لقد أتى نجيب ولم يتخلى عنه ، لقد طغى أصله الطيب عليه ،
هتف بها زيد لنفسه ، أمسك زيد بالدرج جيدا خشية السقوط من شدة التعب ، تحامل زيد ، واتجه إلى الأسفل ، أدركه نجيب الذى جرى إليه ، وأمسك بيده ، ظل يحتضنه ويقبل يده ، ويطلب منه السماح ، كادت عيون زيد تفيض من الدمع ، ولكنه جاهد بقوة أن يحاصر تلك الدموع ، استمعت عيونه لرغبته ، وظلت صادمة ، بعد عناق حار وطويل ، أسند نجيب والده ثم عاد به إلى غرفته ، أجلسه على الفراش ، وجلس أمامه وعيونه تبكي بغزازة ، لم يكن نجيب يتخيل أنه ما زال يمتلك مشاعرا بتلك الطريقة ، لقد تيقن من عشقه لوالده .
سكن الجميع ، وساد ال**ت وأصبح سيد الموقف ، قطع زيد ال**ت قائلا :
كنت خايف أحسن تتخلى عني .
قبل نجيب يد والده ، وقال بدموع :
لو عملت كده مكنتش أستاهل أشيل اسم الرفاعي ، أنا مش قليل الأصل يا بابا ، وأنا لما رفضت أرجع ، كنت عارف إن ورايا سند قوي ، شامخ ورافع رأسه ، ولما عرفت بمرضك قررت أرجع عشان أرجع لك شموخك يا بابا .
شعر زيد بالسعادة ، لقد عاد ولده وكفى بذلك نعمة ، لقد نال لذة اجتماع عائلته جميعها والتفافها حوله ، ولكنه شعر أن سعادته ناقصة بسبب وفاة أخيه أكمل ، ولكنه حمد ربه على تلك النعمة التي استعادها من جديد . .
عادت فايا من الامتحان ، ولكنها تفاجأت بوجود حقائب غريبة في وسط المنزل ، وضعت يدها على فمها بسعادة ، لم تصدق شعورها ، أيعقل أن نجيب قد عاد مرة أخري ، ولكنها استبعدت تلك الفكرة ، لو كان ينوي العودة لكان أخبرها بذلك ، فهي على اتصال دائم معه ، اتسعت عيونها بحزن عندما ظنت أن تلك الحقائب تعود لمصطفى ، شعور بالخوف اجتاحها عندما ظنت أن مصطفى سوف يترك المنزل ، ويذهب للخارج ، صعدت إلى غرفتها والألم يعتصر قلبها ، هي تعلم أن معجبة بمصطفى ، وأنها تريد البقاء معه ، ولكنها في نفس الوقت تريد تحقيق ذاتها ، لذلك اختارت نفسها وفضلت أهدافها على قرارات قلبها ، توجهت إلى غرفتها ولكنها سمعت أصوات همهمات غريبة في حجرة عمها ، تقدمت بخطى بطيئة حتى تعلم ماذا يحدث ، وقفت تنظر من خلف الباب ظنا منها أن لن يراها أحد ، ولكنها صوت عمها وهو يصرخ باسمها ألجمها .
دخلت بهدوء وهى تنظر إلى الأرض ، ولكنها قفزت فرحا عندما وجدت نجيب يقف أمامها بطوله الفاره ، ض*بها على مقدمة رأسها قائلا بمزاح :
أيه يا بنت الأدب ده من أمتى ؟
صرخت فايا غير مصدقة ما سمعته أذنها ، لم تشعر بنفسها إلا وهى بين أحضانه ، لقد اشتاقت إليه حقا ، إنه أخاها الذي طالما دافع عنها أمام الجميع ، ظل نجيب يدور بها فرحا بلقائها ، فهي الوحيدة التي **رت قوانين والده وتواصلت معه ، في تلك اللحظة كان مصطفى يقف أمام الغرفة ، يشاهد على المشهد ، الذي يراه مشهد غرامي على حد ظنه ، لم يعلم أنه مجرد حصن أخوي بين فتاة اشتاقت لابن عمها الغائب ، الذي لم تراه منذ أن كانت في الثانية عشرة .
كاد مصطفى يبكي وهو يرى حب عمره يقبع بين أحضان أخيه ، فرغ فاه وهو ينظر إليهما ، سعر بالاختناق ، تجمعت العبرات في مقلتيه ، جف حلقه وتلعثمت الكلمات في شفتيه ، تقدم بضع خطوات نحو الأمام ، نظر إليهما بتعبير متألم ، عيونه تصرخ بالوجع ، شعر به والده ، الذي انقلبت سعادته إلي حزن وهو يرى العبرات في عيونه ، وكذلك والدته التى شعرت بارتجاف أطرافه .
حاول مصطفى أن يبدو طبيعيا ، ولكن خرج صوته أجش ، مخنوق من كثرة الحزن .
مصطفى :
حمد الله على السلامه يا نجيب . .
ترك نجيب فايا وتقدم من أخيه ، ثم عانقه بقوة ، ربت على كتفه بحب ، قا**ه مصطفى بحزن وغيرة ، ولكنه كان بارعا في إخفائه .
نجيب بابتسامة عريضة :
الله يسلمك يا حبيبي ، وحشتني يا مصطفى والله ، وفيه كلام كتير عايز أقوله ، بس أن شاء الله الوقت معانا ، نطمن على بابا بس وكله هيبقى تمام .
استغربت فايا من حديث نجيب ، اقتربت منه ثم نظرت إلى مصطفى وسألته :
ماله عمي يا مصطفى ، ثم نقلت بصرها إلى عمها الذي لاحظت أول مرة شحوب وجهه ، اقتربت منه ثم احتضنته لأول مرة بحنان ، ملس زيد على شعرها بحنان ، ثم قال لها كي يطمئنها .
زيد :
متخفيش يا حبيبتي ، شوية تعب وهيروحوا لحالهم ، أنا كويس .
فايا ببكاء :
بجد يا عمي .
زيد :
بجد يا حبيبتي . .
قامت زينب وفاطمة ، وتوجها إلى المطبخ لإعداد الطعام ، بينما ترك نجيب والده يرتاح قليلا ، وتوجه هو ومصطفى إلى الخارج كي يتحدثان .
سأله مصطفى عن حال ياسمين ، وعن سبب تأخره ، أخبره نجيب خبر حمل ياسمين ، وعن حالتها الصحية ، وعن طلب الأطباء أن تبقى في الفراش لحين الولادة ، أخبره أنه أجرى التحاليل وأنها معه وإذا وجد تطابق سوف يذهب مع والده إلى إيطاليا لإجراء الجراحة هناك .
لم ينكر مصطفى سعادته عندما أخبره نجيب عن اهتمامه بمرض والده وأنه أجرى التحاليل ، كما إنه حجز له موعدا في إحدى المستشفيات بالخارج . .
طلب مصطفى فيه أن يريه التحاليل التي أجراها ، أحضر نجيب التحاليل ، اتسعت عيون مصطفى وهو ينظر إلى التحاليل . .
يا ترى نتيجة التحاليل مطابقة ولا لأ ، ده اللي هنعرفه الفصل اللي جاي . .
توقعاتكم تهمني . . .
أتمنى لكم قراءة ممتعة . . .
دمتم بخير وعافية . . .
إلى اللقاء غدا ان شاء الله . . .