الفصل العاشر . .
وصلت فايا إلى بيت خالتها ، لم تتحدث مع مصطفى طوال الطريق ، لقد قررت أن تقفل على نفسها ، لا تريد شفقة من أحد ، لطالما ظلت وحيدة ، وهذا شئ لم يقلقها أو يضايقها ، بل بالع** ، جعلها قوية ، لديها فكر ، وهدف تريد تحقيقه ، القوة ، كل ما تتمناه أن تصبح أقوى ، لا يؤثر عليها أي رجل ، لذلك كل ما تتمناه أن تصبح قائدة ،في كل خطوة تخطوها ، لذلك وجدت أن الحل الأمثل هو الذهاب من تلك القرية ، والعيش بمفردها ، حتى تتمكن من السيطرة ، ومن النجاح ، حتى تثبت أنها ليست متمردة ، ولكنها عصفور مقيد يريد الهروب من قفص المصير ، الذي يكتبه البشر ، وليس إرادة الله ، لقد خلقنا الله أحرارا ، وأعطانا عقلا مثل الرجل ، ويمكن أفضل لماذا يكتب علينا البقاء في المنزل ، والتخلي عن أهم ملكة أهداها الله للإنسان ، وهي ملكة العقل والتفكير ، لم يفرق الله بين الذكر والأنثى ، لقد قالها صريحة ، لقد كرمنا بني آدم ، لم يقل الذكر أو الرجل ، لم يخص الرجال دون النساء ، لقد ساوى بينهما جل وعلا . .
كل هذا وأكثر كان يدور في مخيلتها ، شردت فايا كثيرا وهي تبث بداخلها بعض القوة التي افتقدت ها ، فتحت خالتها باب المنزل ، كانت هي الأخرى في حالة يرثى لها ، عيونها أصبحت وارمة من كثرة البكاء ، احتضنتها فايا ، بينما ذهب مصطفى ، وعاد إلى المنزل ، حيث وجد والده يجلس في الحديقة ، ينتظر عودته ، استغرب مصطفى ، وذهب إليه بسرعة ، تحدث إليه معاتبا .
مصطفى :
ليه كده يا بابا ، أيه اللي مقعدك في البرد ده ، الجو ده مضر بصحتك ، كفاية علينا الحزن على عمي الله يرحمه . .
لم يهتم زيد بما قاله مصطفى ، وسأله عن حال صفية .
زيد بألم وحسرة على حب أضاعه بيده :
صفية عاملة أيه ، أوعى تكون لسة بتبكي .
جلس مصطفى بجواره ثم قال له :
صعبت عليه قوي يا بابا ، مع إن المفروض أكون آخر واحد ممكن يشفق عليها ، لأنها كانت السبب في قهرة أمي في يوم من الأيام .
اعتدل زيد في جلسته ثم قال له :
لأ ،أوعى تقول كده ، صفية مأذتش أمك في حاجة أبدا ، أوعى تكون فاكر إنها وافقت على الجواز مني كده بسهولة ، لازم تعرف إني فضلت شهور ، وسنين أقنعها عشان توافق ، وهي اللي كانت رافضة ، خافت من كلام الناس ، أنا حبيت صفية وهي لسة في أولى جامعة ، عجباني إصرارها على النجاح بالرغم من ضيق الحال ، كانت صغيرة وبتستغل وبتدرس ، وكمان اتفوقت في الدراسة ، أنت كنت صغير أيامها ، كان عندك عشر سنين ، ومتعرفش أنا عملت أيه عشان أخليها توافق ، وأوعى تعتقد إني كنت هتجوزها بدون موافقة أمك لأ ، أمك كانت موافقة ، صحيح من ورا قلبها ، بس كانت موافقة . .
استغرب مصطفى ما يقوله والده ، إذا كانت والدته لم تعرض ، إذن لماذا تركها عروس ، وذهب ليلة كتب الكتاب ، لذلك سأله حتى ينهي تلك الحيرة ، التي لازمته كثيرا . .
مصطفى :
طيب ممكن أعرف ليه يا بابا سبتها والمأذون بيكتب الكتاب ؟
ابتسم بألم وحسرة وهو يتذكر تلك الليلة ، أغمض زيد عيونه ثم قال والألم يعتصر قلبه :
في اليوم أنا قلبي كان موجوع على أمك قوي ، مش عارف السبب ، كل ما أبص في عيونها أحس إني كنت بقتلها بالبطئ ،وإني كنت أناني قوي ، وقاسي قوي معاها ، سعادتي اللي كنت بحسها كانت بتقتلها ، مش بسبب الغيرة لأ ، السبب كان لأني محستش معها بالسعادة دي ، لأني محبتهاش ، أنا كنت وقتها زي المراهق ، اللي بيتجوز لأول مرة من البنت اللي عشقها ، وده كان بيأذي زينب ، لأنها حاولت بكل الطرق تكون زوجة مثالية ، بس للأسف للقلب له أحكام ، يوم كتب الكتاب ، كانت كل ما أبص في عيون صفية اللي طائرة من الفرحة ، أشوف عيون زينب المن**رة ، والحزينة ، معرفش جالي هاتف ، صوت سمعته في ودني بيطلب مني أمشي حالا مكملش الجواز ولا
كتب الكتاب ، الأول استغربت ، وبقيت استغفر ربنا ، بس الصوت اتكرر ، وعلي في وداني ، محستش بنفسي غير وأنا قائم أجري ، الغريبة إني حسيت بسعادة رهيبة لما سبت صفية ، مع أني متأكد إني بعشقها ، بس إحساسي إني صونت أمك ، وحافظت على روحها من الجرح كان أقوى . .
شعر مصطفى بالغرابة أكثر ، لذلك سأله مستفهما :
أيه ممكن يكون خوفك من إكمال الجواز يا بابا ، لأني بصراحة حاسس إن فيه سبب تاني . .
زيد :
خوفت من حساب ربنا يا ابني ، أنا واحد حافظ كتاب الله ، وعارف نفسي وحدودي ، أنا عشقت صفية ، وده شئ أنا متأكد منه ، ومتأكد كمان إني مش هقدر أعدل بينهم لا في حب ، لأني للأسف مش بحب زينب حب رجل لواحدة ست ، لأ ، أنا بحبها حب تعود ، ممكن تقول أختي ، أنا مكنتش بقدر أديها حقها الشرعي ، وكنت لما بعمله كنت ببقى حاسس إني برتكب ذنب كبير مش عارف ليه ، لو كنت اتجوزت صفية ، أكيد كنت هظلم أمك في النقطة دي ، عشان كده خوفت ، أتحاسب وأكون يوم القيامة بشق مائل زي ما الرسول عليه الصلاة والسلام بلغنا . .
لم يدم استغرابه كثيرا ، فبالرغم من قسوة والده إلا أنه يعلم جيدا مدى تقربه من الله ، وخوفه منه ، فبالرغم من كل الأخطاء التي فعلها أخوه نجيب ، لم يغضب والده عليه قط ، فهو يعلم جزاء من يغضب عليه أباه . .
لم ينكر مصطفى تدين والده ، ولكنه يعلم جيدا أنه أخطأ كثيرا في حق والدته ، ولكنه يعلم أنه أنه شئ خارج عن إرادته ، لكل منا طاقة تحمل ، إذا امتلأت لن يتمكن من استيعاب المزيد . .
لم يرد مصطفى أن يضغط على والده أكثر ، كفى ما يمر به من انزعاج دائم في تلك الفترة ، طلب مصطفى من والده الذهاب إلى غرفته حتى يسترح قليلا ، ذهب زيد الذي كان يشعر بالألم ينهشه كنهش ذئاب جائعة وجدت فريستها ، ولكنه صبر واحتسب ، لم يرد أن يقلق مصطفى عليه أكثر من ذلك .
سأل زيد مصطفى وهما يتمشيان قائلا :
لسة موضوع السفر في عقلك صح . .
وقف مصطفى عن التقدم ، وقال بصوت خجل :
أيوة يا بابا ، أنا لسة م**م على موضوع السفر ده ، بس أكيد مش هسافر غير وأنا مطمن عليك .
ابتسم الحاج زيد بألم ، ثم قال لولده :
ربنا يوفقك يا ابني .
**ت مصطفى قليلا ثم قال لوالده بتردد :
نجيب اتصل عليه النهارده يا بابا ، بعد ما عرف من خالتي عن موت عمي أكمل ، اتصل عليه وكان منهار ، حضرتك عارف هو كان بسحبه قد أيه ، طلب مني أبلغك إنه عايز يكلمك ويعزيك وكمان بيستأذن إنه يرجع تاني لحضنك يا بابا ، بيقول إنه تعب من الغربة وكفاية سبع سنين فراق ، وهو الحمد لله قدر يكون نفسه ، وعايز يرجع يؤسس شغله الخاص ، قرر يفتح مصنع لتعبئة التمور بيقول درس الموضوع ده لوقت كافي ، والحمد لله قدر يجمع كل المعلومات عن تصدير التمور للدول الأوربية . .
شعر زيد بالتعب الشديد والاعيياء ولكنه تحامل حتى وصل إلى الداخل ، جلس على إحدي الكراسي ، ثم تنفس ببطء ، وقال لمصطفى بهدوء :
قوله يرجع يا ابني ، أنا محتاج أشوف ولادي حوليه قبل ما أموت . .
انزعج مصطفى كثيرا ، ثم قال بلهفة ظهرت على نبرة صوته :
ربنا يديم عليك الصحة يا بابا ، أرجوك بلاش تقول ده مرة تانية . .
لم ينتبه مصطفى تلك الواقفة على الدرج تتابع حديثهما باهتمام ، أنها زينب والدتها التي جذب انتباهها اسم والدها نجيب ، فوقفت حتى تستمع ما يدور بينهما ، ولكنها شعرت بغصة كادت تفتك بها وهي تستمع إلى تلك الجملة الأخيرة التي نطق بها زيد ، شعرت بالقلق عليه ، اتسعت عيونها وهي تتذكر المرات الكثيرة التي رأته فيها يتناول الأدوية بالرغم من كرهه الشديد لها ، وضعت يدها على فمها وهي تكتم شهقاتها عندما علمت أن زيد مريض مرض قد يؤدي بحياته ، حاولت أن ت**ت ولكن حبها لزيد وقلقها عليه ، جعل صوت شهقاتها يعلو ، اقتربت منه ثم جلست أسفل قدميه ، وسط استغراب مصطفى الذي لم يتخيل وجودها ، ولم ينتبه له ، قالت زينب بصوت يملأه الحب ، والخوف ، والقلق :
مالك يا نبض قلبي ، وشك مخطوف كده ليه يا ابن عمي ، الأدوية اللي في درج لي لزمتها أيه ، أوعى تكدب عليه ، أنا سمعت كل حاجة .
شعر زيد بالحزن لرؤيتها على تلك الحالة ، في كل مرة ينظر إلى عيونها يشعر بعذاب الضمير ، ويتساءل كيف لم يستطع أن يبادلها العشق الذي يراه واضحا في عيونها .
انحنى مصطفى ثم رفع والدته كي تجلس بجوار والده الذي التفت إليها ،ثم وضع يده على وجهها ويلمسه بحنان لأول مرة منذ زمن طويل ، انسحب مصطفى في تلك اللحظة الخاصة بين والديه ، لحظة اعتراف والده بمرضه أمام والدته ، حتى يترك لهما المساحة لاظهار مشاعرهما للآخر .
زيد وهو ينظر في تلك العيون التي تعقشه :
أنا كويس يا بنت عمي ، شوية تعب وهيروحوا لحالهم ، وكويس إنك عرفتي ، أنا كنت عايز أقولك من زمان ، عشان عايز أطلب منك السماح ، أنا ضريت كتير باهمالي ليكي وبعدي عنك ، بس والله كان غصب عني ، كل ما أشوف نظرة الحب في عيونك أحس بالخجل والحرج منك ، أحس إني صغير ، وأفضل أسأل نفسي إزاي مش قادر أحبك الحب اللي تستحقيه ، بالرغم من العشرة الطويلة اللي بنا ، أنا يمكن أكون قسيت عليك بس ده مش ذنبك أنتي ، ده ذنبي أنا ، أنا كنت يعاقب نفسي معاكي من كل ملذات الحياة ، سامحيني يا بنت عمي على تقصيري في حقك .
ابتسمت زينب بألم ، فهي تعلم المعنى المبطن وراء جملة بنت عمي ، وهو اعتراف صريح بأنها ما زال يراها مثل أخته ، تلك الفتاة التي تربى معها منذ صغره ، والتي أجبره والده على الزواج منه ، لم تمتلك زينب أي سبيل آخر غير المسامحة ، فهي لم تغضب منه بالرغم من ظلمه البين لها ، ولكنه أراد أن يسمعها واضحة حتى يرتاح قلبه .
زينب :
أنت عارفني مش ممكن أزعل منك أبدا ، أنت نصي التاني حتى لو رفضت ده ، يلا يا زيد نطلع عشان ترتاح في فرشتك ، بقالك كتير واقف على رجلك .
مسح زيد تلك اللألئ التي تسقط من عيونها ثم صعدا سويا إلى غرفتهما ، ساعدته زينب في تبديل ملابسه ، ثم وضعته على الفراش كي ينال قسطا كافيا من الراحة . .
أما في منزل صفية .
كان البكاء هو سيد الموقف ، كل يبكي على حاله ، صفية تبكي على حبها الضائع الذي رأته بعد فراق دام لسنوات ، لم تظن صفية أن يكون هذا رد فعلها عندما تراه ، لقد اعتقدت أنها صفحة من حياتها وطويت منذ زمن بعيد بحلوها ومرها ، لقد شعرت صفية بخطأها بقرار العودة إلى هنا مرة أخرى لذلك فهي تفكر بجدية في العودة مرة أخرى . .
أما فايا تبكي على تلك الحالة المزرية التي وصلت إليها ، لم تكن تتخيل أن يصل بها الحزن إلى تلك الدرجة . .
. . . . . . . . . . .
أما في إيطاليا . .
كانت مشاعر نجيب متضاربة ، قلبه يحمل العديد من المشاعر المشتتة ، لا يعلم أيسعد لأن زوجته التي يعشقها تحمل في داخلها بذرة منه ولدا من صلبه كما كان يتمنى ، أو يشعر بالحزن لموت عمه الذي كان نعم السند له في العديد من الأوقات . .
مرت ثلاثة أشهر ، تقدم فيها حمل ياسمين ، وعلمت نوع الجنين ، شعرت بسعادة كبيرة لأنها حملت بفتاة ، لن ينكر نجيب أنه كان يحلم بالولد ، ولكنه لم يحزن عندما علم أنها فتاة . .
لقد تحسنت حالة الحاج زيد كثيرا مع العلاج ، ولكن مصطفى كان يبحث عن حل جذري لمرضه لم يجد أمامه سوي أن يخضع والده لعملية زرع نخاع ، لذلك سعى مصطفى لعمل تحاليل تطابق أنسجة حتي يعلم إن كان يصلح أن يتبرع لوالده أم لا . .
ولكن للأسف كانت النتيجة أنه لا يصلح ، لقد طلب مصطفى من الجميع إجراء الفحوصات الطبية وكانت جميعها غير مطابقة .
لم يبقى أمام مصطفى حل آخر ، طلب من نجيب ضرورة العودة إلى القاهرة حتى يجري هو الآخر تلك الفحوصات ، شعر نجيب بالحزن على والده ، ولكنه أيضا في موقف حرج ، لقد أخبره الأطباء بضرورة الراحة التامة لزوجته ياسمين حتى يكمل حملها على خير ، هو الآن في اختيار صعب ، بين الماضي والمستقبل ، بين والده الذي جلبه للحياة ، وبين ابنته التي ستجلب له الحياة . .
أما عن صفية ، لقد اتخذت قرارا بالعودة مرة أخرى ، ولكنها لم تعود الى منزلها القديم ، لقد طلبت من مصطفى أن يبيعه لها ، ثم يشتري لها منزلا آخر في مدينة العاشر من رمضان ، حتى تكون قريبة من أختها وابنتها فايا .
وبالفعل وجد مصطفى لها منزلا كما أرادت ، لقد كان واسعا وجميلا ، أعجبت به صفية كثيرا ، لم تعلم صفية بمرض زيد ، لقد أخفى مصطفى عن فايا مرض والده ، وبالتالي لم تعلم صفية بمرضه ، وخاصة لأن علاقتها متوترة مع اختها فاطمة ، لأن فاطمة تظن أن صفية السبب في تمرد فايا عليها وعلى عادات المجتمع الذي تعيش فيه . .
أما عن فايا ، إنها الآن تتجهز لامتحانات الثانوية العامة ، طوال الوقت منعزلة في غرفتها تستذكر دروسها جيدا حتى تحقق حلمها ، وهو الالتحاق بالكلية التي تحلم بها ، وهي كلية الحاسبات والمعلومات ، حتى تضع أول خطوة في سبيل تحقيق حلمها الرئيسي . .
يا ترى نجيب هيختار مين ، هيسافر عشان والده ، ولا هيرفض عشان يفضل مع مراته .
ويا ترى فايا هتعمل أيه في الامتحانات . .
ده اللي هنعرفه الفصل اللي جاي . ..
أتمنى لكم قراءة ممتعة . .
دمتم بخير وعافية . .
إلى اللقاء غدا ان شاء الله . .