الفصل العاشر

2265 Words
الفصل العاشر . . وصلت فايا إلى بيت خالتها ، لم تتحدث مع مصطفى طوال الطريق ، لقد قررت أن تقفل على نفسها ، لا تريد شفقة من أحد ، لطالما ظلت وحيدة ، وهذا شئ لم يقلقها أو يضايقها ، بل بالع** ، جعلها قوية ، لديها فكر ، وهدف تريد تحقيقه ، القوة ، كل ما تتمناه أن تصبح أقوى ، لا يؤثر عليها أي رجل ، لذلك كل ما تتمناه أن تصبح قائدة ،في كل خطوة تخطوها ، لذلك وجدت أن الحل الأمثل هو الذهاب من تلك القرية ، والعيش بمفردها ، حتى تتمكن من السيطرة ، ومن النجاح ، حتى تثبت أنها ليست متمردة ، ولكنها عصفور مقيد يريد الهروب من قفص المصير ، الذي يكتبه البشر ، وليس إرادة الله ، لقد خلقنا الله أحرارا ، وأعطانا عقلا مثل الرجل ، ويمكن أفضل لماذا يكتب علينا البقاء في المنزل ، والتخلي عن أهم ملكة أهداها الله للإنسان ، وهي ملكة العقل والتفكير ، لم يفرق الله بين الذكر والأنثى ، لقد قالها صريحة ، لقد كرمنا بني آدم ، لم يقل الذكر أو الرجل ، لم يخص الرجال دون النساء ، لقد ساوى بينهما جل وعلا . . كل هذا وأكثر كان يدور في مخيلتها ، شردت فايا كثيرا وهي تبث بداخلها بعض القوة التي افتقدت ها ، فتحت خالتها باب المنزل ، كانت هي الأخرى في حالة يرثى لها ، عيونها أصبحت وارمة من كثرة البكاء ، احتضنتها فايا ، بينما ذهب مصطفى ، وعاد إلى المنزل ، حيث وجد والده يجلس في الحديقة ، ينتظر عودته ، استغرب مصطفى ، وذهب إليه بسرعة ، تحدث إليه معاتبا . مصطفى : ليه كده يا بابا ، أيه اللي مقعدك في البرد ده ، الجو ده مضر بصحتك ، كفاية علينا الحزن على عمي الله يرحمه . . لم يهتم زيد بما قاله مصطفى ، وسأله عن حال صفية . زيد بألم وحسرة على حب أضاعه بيده : صفية عاملة أيه ، أوعى تكون لسة بتبكي . جلس مصطفى بجواره ثم قال له : صعبت عليه قوي يا بابا ، مع إن المفروض أكون آخر واحد ممكن يشفق عليها ، لأنها كانت السبب في قهرة أمي في يوم من الأيام . اعتدل زيد في جلسته ثم قال له : لأ ،أوعى تقول كده ، صفية مأذتش أمك في حاجة أبدا ، أوعى تكون فاكر إنها وافقت على الجواز مني كده بسهولة ، لازم تعرف إني فضلت شهور ، وسنين أقنعها عشان توافق ، وهي اللي كانت رافضة ، خافت من كلام الناس ، أنا حبيت صفية وهي لسة في أولى جامعة ، عجباني إصرارها على النجاح بالرغم من ضيق الحال ، كانت صغيرة وبتستغل وبتدرس ، وكمان اتفوقت في الدراسة ، أنت كنت صغير أيامها ، كان عندك عشر سنين ، ومتعرفش أنا عملت أيه عشان أخليها توافق ، وأوعى تعتقد إني كنت هتجوزها بدون موافقة أمك لأ ، أمك كانت موافقة ، صحيح من ورا قلبها ، بس كانت موافقة . . استغرب مصطفى ما يقوله والده ، إذا كانت والدته لم تعرض ، إذن لماذا تركها عروس ، وذهب ليلة كتب الكتاب ، لذلك سأله حتى ينهي تلك الحيرة ، التي لازمته كثيرا . . مصطفى : طيب ممكن أعرف ليه يا بابا سبتها والمأذون بيكتب الكتاب ؟ ابتسم بألم وحسرة وهو يتذكر تلك الليلة ، أغمض زيد عيونه ثم قال والألم يعتصر قلبه : في اليوم أنا قلبي كان موجوع على أمك قوي ، مش عارف السبب ، كل ما أبص في عيونها أحس إني كنت بقتلها بالبطئ ،وإني كنت أناني قوي ، وقاسي قوي معاها ، سعادتي اللي كنت بحسها كانت بتقتلها ، مش بسبب الغيرة لأ ، السبب كان لأني محستش معها بالسعادة دي ، لأني محبتهاش ، أنا كنت وقتها زي المراهق ، اللي بيتجوز لأول مرة من البنت اللي عشقها ، وده كان بيأذي زينب ، لأنها حاولت بكل الطرق تكون زوجة مثالية ، بس للأسف للقلب له أحكام ، يوم كتب الكتاب ، كانت كل ما أبص في عيون صفية اللي طائرة من الفرحة ، أشوف عيون زينب المن**رة ، والحزينة ، معرفش جالي هاتف ، صوت سمعته في ودني بيطلب مني أمشي حالا مكملش الجواز ولا كتب الكتاب ، الأول استغربت ، وبقيت استغفر ربنا ، بس الصوت اتكرر ، وعلي في وداني ، محستش بنفسي غير وأنا قائم أجري ، الغريبة إني حسيت بسعادة رهيبة لما سبت صفية ، مع أني متأكد إني بعشقها ، بس إحساسي إني صونت أمك ، وحافظت على روحها من الجرح كان أقوى . . شعر مصطفى بالغرابة أكثر ، لذلك سأله مستفهما : أيه ممكن يكون خوفك من إكمال الجواز يا بابا ، لأني بصراحة حاسس إن فيه سبب تاني . . زيد : خوفت من حساب ربنا يا ابني ، أنا واحد حافظ كتاب الله ، وعارف نفسي وحدودي ، أنا عشقت صفية ، وده شئ أنا متأكد منه ، ومتأكد كمان إني مش هقدر أعدل بينهم لا في حب ، لأني للأسف مش بحب زينب حب رجل لواحدة ست ، لأ ، أنا بحبها حب تعود ، ممكن تقول أختي ، أنا مكنتش بقدر أديها حقها الشرعي ، وكنت لما بعمله كنت ببقى حاسس إني برتكب ذنب كبير مش عارف ليه ، لو كنت اتجوزت صفية ، أكيد كنت هظلم أمك في النقطة دي ، عشان كده خوفت ، أتحاسب وأكون يوم القيامة بشق مائل زي ما الرسول عليه الصلاة والسلام بلغنا . . لم يدم استغرابه كثيرا ، فبالرغم من قسوة والده إلا أنه يعلم جيدا مدى تقربه من الله ، وخوفه منه ، فبالرغم من كل الأخطاء التي فعلها أخوه نجيب ، لم يغضب والده عليه قط ، فهو يعلم جزاء من يغضب عليه أباه . . لم ينكر مصطفى تدين والده ، ولكنه يعلم جيدا أنه أخطأ كثيرا في حق والدته ، ولكنه يعلم أنه أنه شئ خارج عن إرادته ، لكل منا طاقة تحمل ، إذا امتلأت لن يتمكن من استيعاب المزيد . . لم يرد مصطفى أن يضغط على والده أكثر ، كفى ما يمر به من انزعاج دائم في تلك الفترة ، طلب مصطفى من والده الذهاب إلى غرفته حتى يسترح قليلا ، ذهب زيد الذي كان يشعر بالألم ينهشه كنهش ذئاب جائعة وجدت فريستها ، ولكنه صبر واحتسب ، لم يرد أن يقلق مصطفى عليه أكثر من ذلك . سأل زيد مصطفى وهما يتمشيان قائلا : لسة موضوع السفر في عقلك صح . . وقف مصطفى عن التقدم ، وقال بصوت خجل : أيوة يا بابا ، أنا لسة م**م على موضوع السفر ده ، بس أكيد مش هسافر غير وأنا مطمن عليك . ابتسم الحاج زيد بألم ، ثم قال لولده : ربنا يوفقك يا ابني . **ت مصطفى قليلا ثم قال لوالده بتردد : نجيب اتصل عليه النهارده يا بابا ، بعد ما عرف من خالتي عن موت عمي أكمل ، اتصل عليه وكان منهار ، حضرتك عارف هو كان بسحبه قد أيه ، طلب مني أبلغك إنه عايز يكلمك ويعزيك وكمان بيستأذن إنه يرجع تاني لحضنك يا بابا ، بيقول إنه تعب من الغربة وكفاية سبع سنين فراق ، وهو الحمد لله قدر يكون نفسه ، وعايز يرجع يؤسس شغله الخاص ، قرر يفتح مصنع لتعبئة التمور بيقول درس الموضوع ده لوقت كافي ، والحمد لله قدر يجمع كل المعلومات عن تصدير التمور للدول الأوربية . . شعر زيد بالتعب الشديد والاعيياء ولكنه تحامل حتى وصل إلى الداخل ، جلس على إحدي الكراسي ، ثم تنفس ببطء ، وقال لمصطفى بهدوء : قوله يرجع يا ابني ، أنا محتاج أشوف ولادي حوليه قبل ما أموت . . انزعج مصطفى كثيرا ، ثم قال بلهفة ظهرت على نبرة صوته : ربنا يديم عليك الصحة يا بابا ، أرجوك بلاش تقول ده مرة تانية . . لم ينتبه مصطفى تلك الواقفة على الدرج تتابع حديثهما باهتمام ، أنها زينب والدتها التي جذب انتباهها اسم والدها نجيب ، فوقفت حتى تستمع ما يدور بينهما ، ولكنها شعرت بغصة كادت تفتك بها وهي تستمع إلى تلك الجملة الأخيرة التي نطق بها زيد ، شعرت بالقلق عليه ، اتسعت عيونها وهي تتذكر المرات الكثيرة التي رأته فيها يتناول الأدوية بالرغم من كرهه الشديد لها ، وضعت يدها على فمها وهي تكتم شهقاتها عندما علمت أن زيد مريض مرض قد يؤدي بحياته ، حاولت أن ت**ت ولكن حبها لزيد وقلقها عليه ، جعل صوت شهقاتها يعلو ، اقتربت منه ثم جلست أسفل قدميه ، وسط استغراب مصطفى الذي لم يتخيل وجودها ، ولم ينتبه له ، قالت زينب بصوت يملأه الحب ، والخوف ، والقلق : مالك يا نبض قلبي ، وشك مخطوف كده ليه يا ابن عمي ، الأدوية اللي في درج لي لزمتها أيه ، أوعى تكدب عليه ، أنا سمعت كل حاجة . شعر زيد بالحزن لرؤيتها على تلك الحالة ، في كل مرة ينظر إلى عيونها يشعر بعذاب الضمير ، ويتساءل كيف لم يستطع أن يبادلها العشق الذي يراه واضحا في عيونها . انحنى مصطفى ثم رفع والدته كي تجلس بجوار والده الذي التفت إليها ،ثم وضع يده على وجهها ويلمسه بحنان لأول مرة منذ زمن طويل ، انسحب مصطفى في تلك اللحظة الخاصة بين والديه ، لحظة اعتراف والده بمرضه أمام والدته ، حتى يترك لهما المساحة لاظهار مشاعرهما للآخر . زيد وهو ينظر في تلك العيون التي تعقشه : أنا كويس يا بنت عمي ، شوية تعب وهيروحوا لحالهم ، وكويس إنك عرفتي ، أنا كنت عايز أقولك من زمان ، عشان عايز أطلب منك السماح ، أنا ضريت كتير باهمالي ليكي وبعدي عنك ، بس والله كان غصب عني ، كل ما أشوف نظرة الحب في عيونك أحس بالخجل والحرج منك ، أحس إني صغير ، وأفضل أسأل نفسي إزاي مش قادر أحبك الحب اللي تستحقيه ، بالرغم من العشرة الطويلة اللي بنا ، أنا يمكن أكون قسيت عليك بس ده مش ذنبك أنتي ، ده ذنبي أنا ، أنا كنت يعاقب نفسي معاكي من كل ملذات الحياة ، سامحيني يا بنت عمي على تقصيري في حقك . ابتسمت زينب بألم ، فهي تعلم المعنى المبطن وراء جملة بنت عمي ، وهو اعتراف صريح بأنها ما زال يراها مثل أخته ، تلك الفتاة التي تربى معها منذ صغره ، والتي أجبره والده على الزواج منه ، لم تمتلك زينب أي سبيل آخر غير المسامحة ، فهي لم تغضب منه بالرغم من ظلمه البين لها ، ولكنه أراد أن يسمعها واضحة حتى يرتاح قلبه . زينب : أنت عارفني مش ممكن أزعل منك أبدا ، أنت نصي التاني حتى لو رفضت ده ، يلا يا زيد نطلع عشان ترتاح في فرشتك ، بقالك كتير واقف على رجلك . مسح زيد تلك اللألئ التي تسقط من عيونها ثم صعدا سويا إلى غرفتهما ، ساعدته زينب في تبديل ملابسه ، ثم وضعته على الفراش كي ينال قسطا كافيا من الراحة . . أما في منزل صفية . كان البكاء هو سيد الموقف ، كل يبكي على حاله ، صفية تبكي على حبها الضائع الذي رأته بعد فراق دام لسنوات ، لم تظن صفية أن يكون هذا رد فعلها عندما تراه ، لقد اعتقدت أنها صفحة من حياتها وطويت منذ زمن بعيد بحلوها ومرها ، لقد شعرت صفية بخطأها بقرار العودة إلى هنا مرة أخرى لذلك فهي تفكر بجدية في العودة مرة أخرى . . أما فايا تبكي على تلك الحالة المزرية التي وصلت إليها ، لم تكن تتخيل أن يصل بها الحزن إلى تلك الدرجة . . . . . . . . . . . . . أما في إيطاليا . . كانت مشاعر نجيب متضاربة ، قلبه يحمل العديد من المشاعر المشتتة ، لا يعلم أيسعد لأن زوجته التي يعشقها تحمل في داخلها بذرة منه ولدا من صلبه كما كان يتمنى ، أو يشعر بالحزن لموت عمه الذي كان نعم السند له في العديد من الأوقات . . مرت ثلاثة أشهر ، تقدم فيها حمل ياسمين ، وعلمت نوع الجنين ، شعرت بسعادة كبيرة لأنها حملت بفتاة ، لن ينكر نجيب أنه كان يحلم بالولد ، ولكنه لم يحزن عندما علم أنها فتاة . . لقد تحسنت حالة الحاج زيد كثيرا مع العلاج ، ولكن مصطفى كان يبحث عن حل جذري لمرضه لم يجد أمامه سوي أن يخضع والده لعملية زرع نخاع ، لذلك سعى مصطفى لعمل تحاليل تطابق أنسجة حتي يعلم إن كان يصلح أن يتبرع لوالده أم لا . . ولكن للأسف كانت النتيجة أنه لا يصلح ، لقد طلب مصطفى من الجميع إجراء الفحوصات الطبية وكانت جميعها غير مطابقة . لم يبقى أمام مصطفى حل آخر ، طلب من نجيب ضرورة العودة إلى القاهرة حتى يجري هو الآخر تلك الفحوصات ، شعر نجيب بالحزن على والده ، ولكنه أيضا في موقف حرج ، لقد أخبره الأطباء بضرورة الراحة التامة لزوجته ياسمين حتى يكمل حملها على خير ، هو الآن في اختيار صعب ، بين الماضي والمستقبل ، بين والده الذي جلبه للحياة ، وبين ابنته التي ستجلب له الحياة . . أما عن صفية ، لقد اتخذت قرارا بالعودة مرة أخرى ، ولكنها لم تعود الى منزلها القديم ، لقد طلبت من مصطفى أن يبيعه لها ، ثم يشتري لها منزلا آخر في مدينة العاشر من رمضان ، حتى تكون قريبة من أختها وابنتها فايا . وبالفعل وجد مصطفى لها منزلا كما أرادت ، لقد كان واسعا وجميلا ، أعجبت به صفية كثيرا ، لم تعلم صفية بمرض زيد ، لقد أخفى مصطفى عن فايا مرض والده ، وبالتالي لم تعلم صفية بمرضه ، وخاصة لأن علاقتها متوترة مع اختها فاطمة ، لأن فاطمة تظن أن صفية السبب في تمرد فايا عليها وعلى عادات المجتمع الذي تعيش فيه . . أما عن فايا ، إنها الآن تتجهز لامتحانات الثانوية العامة ، طوال الوقت منعزلة في غرفتها تستذكر دروسها جيدا حتى تحقق حلمها ، وهو الالتحاق بالكلية التي تحلم بها ، وهي كلية الحاسبات والمعلومات ، حتى تضع أول خطوة في سبيل تحقيق حلمها الرئيسي . . يا ترى نجيب هيختار مين ، هيسافر عشان والده ، ولا هيرفض عشان يفضل مع مراته . ويا ترى فايا هتعمل أيه في الامتحانات . . ده اللي هنعرفه الفصل اللي جاي . .. أتمنى لكم قراءة ممتعة . . دمتم بخير وعافية . . إلى اللقاء غدا ان شاء الله . .
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD