كأنما الكلمة كماس كهربي مس قلبه فبات ينتفض فأكملت "أي شطيرة ستفي بالغرض مع كوب من الشوكولا الساخنة فأنا لا أشرب القهوة" اعتدل نزار كالمغيب يهمس مكررا كلماتها "شوكولا ساخنة!" هل تتعمد إغراءه؟ ما المغري في الشوكولا الساخنة لا يدري، فنادته تبارك بذهول "نزار" كان نطقها لاسمه مذهلا فهي تملك في حروفها من الدلال جحيما يشعله، نظر لها فسألته "ما بك؟ لماذا تقف هكذا؟" حاول أن يستفيق ويتحرك قائلا "لا شيء، دقائق وسأعود" تحرك مبتعدا لتنفلت ضحكة غفران التي كانت تجيبها وهي تقول "ما الذي فعلته بالشاب يا بنة منار؟ أظن أنه أصبح لا يدرك يمينه من يساره" مطت تبارك شفتيها بحنق وهي تميل برأسها على كتف غفران التي مالت برأسها هي الأخرى عليها وقالت "ليس وقت مزاح أبدا، فأنا جائعة أرتدي فستانا يزن طنا ونصف وحالما نصل ستكون عظامي قد ت**رت" ابتسمت غفران بسعادة وقالت "من يصدق أننا هنا؟" ردت عليها تبارك وعقلها يذهب إلى فكرة سوداء "لا أحد يصدق طبعا، لكنني أتساءل عن ظافر فلم يظهر أبدا، هل هذا طبيعي؟" لم تُجب غفران وهي تركز في المشهد الذي يدور أمامها
وقف أسد يمسك بيد عزيزة بشدة وهو يناظرها بعبث كعادته فقالت له "أسد، أريد أن أجلس بجوار غفران وتبارك" قال لها "لا، سأجد لنا مقعدا آخر ونجلس بجوار بعضنا، انتظري" قالت بسرعة "لا داعي لذلك أشعر أن بشر يريدك بأمر مهم، انظر له كيف يتحدث مع صفي ومنذر، لماذا لا تذهب لترى ماذا يحدث وتتركني بجوار الفتيات؟" ظهر الاعتراض جليا على وجهه وقال "فليحدث ما يحدث، لا شيء مهم غيرك يا بطة" نظرت له بقلة حيلة تقول "حسنا كما تحب" رد عليها بشغف "أحبك أنت يا وجعي وأحب وجنتيك اللتين تبدوان كغزل البنات، دعيني أتذوقهما مرة أخرى" شعرت عزيزة أنها ستتلاشى من شدة الخجل ليسمعا صوتا رجوليا يقول بوقار "أرجو المعذرة" التفت له أسد بحاجبين معقودين اعتراضا على مقاطعته ليجد شابا يصغره بسنوات قليلة يقف بحرج وبجواره فتاة قصيرة تنظر له ولعزيزة بانبهار وبيدها آلة تصوير رقمية فقال أسد "ما الأمر؟" قال الشاب بتوتر "أولا آسف للتطفل ومبارك لكما، أردت استئذانك أن تلتقط قريبتي لك وللعروس بعض الصور فمذ رأتكما تصلبت قدماها بأرض المطار رافضة الخروج، وصدقني لن تخرج إلا إذا أخذت الصور فأرجوك اسمح لها أن تلتقط بعض الصور لكما لنستطيع أن نرحل" حرك أسد عينيه ما بين الشاب والفتاة، كان الشاب طويلا بملابس شبابية وشعر كثيف يحمل على ظهره حقيبة بع** الفتاة القصيرة جدا التي تقف بجواره ترتدي عباءة سوداء وحجابا وتحمل الآلة بين يديها فقالت الفتاة محاولة إقناعه "اعذرني ولكن أنتما عروسان ملفتان للغاية حفظكما الله، وأنا إذا استوقفني شيء من الصعب أن تمرره عدستي بسهولة، لا تقلق بشأن الصور ستعجبك إن شاء الله فأنا لست هاوية ويمكنني أن أرسلها لك إن شئت وليس لدي مانع إذا اعترضت أن أنشرها على صفحتي الخاصة بأعمالي، لكنني سأحتفظ بها" قالت عزيزة بابتسامة سمحة "أنت لست مصرية، أليس كذلك؟"
مدت الفتاة يدها لعزيزة وقالت "أنا ملكوت من الأردن ومازلت أدرس ولكنني أريد أن أحترف التصوير" مدت عزيزة يدها لتسلم على الفتاة بحبور وقالت بسعادة "ليس لدي مانع أن تصوريني" قال أسد بعبوس "لكن أنا لدي" مال الشاب على أذنه وهمس برجاء "يا أخ نحن شباب مثل بعضنا وأنا أؤكد لك أنها إذا لم تأخذ الصور لن تتحرك ونحن أمامنا سفر وسنتأخر، صورة واحدة لن تضر ففي النهاية نصف من في المطار صوروكم جميعا" نظر له أسد بخبث وقال له "لماذا أنت راضخ لها هكذا؟ هل في الأمر قصة حب؟" تجهم وجه الشاب وقال "بل أسوأ إنها أمانة وأريد أن أعطيها لصاحبها بدون التسبب في أية خسائر لذلك سأكون شاكرا إذا تعاونت معي قليلا" قال له أسد "تأثرت لأجلك، شاهد شهامة المصريين" نظر لها أسد ليجدها مازالت تنظر له بلهفة وحماس فقال "حسنا، مني لك جلسة تصوير ولكن لن أوصيك، كما أن لدي صف من العرائس هناك ولا نستطيع أن نتصور ونتركهم فهذا قد يجرح مشاعرهم" دبت ملكوت أقدامها بالأرض كطفلة وقالت "هذا رائع، وأعدك يا سيدي أن تنبهر بالصور" توسعت أعين الشاب بصدمة ثم نظر لأسد بغضب ليقهقه الآخر بسعادة وهو يبدأ جلسة تصوير غريبة
داخل المطار
وقف ليل أمام سمراء وأعينهما كأنما لم تنهِ حديثها بعد غارقين بلجة ال**ت واليد في اليد والقلب مد جسور وصله وانتهى، همس لها بصوت أجش "هناك طاقة من الوقاحة بداخلي أكبتها منذ فترة وأريد أن أطلق لها العنان" قالت سمراء بهدوء "ظننت أن الشعر الأبيض الذي بدأ يظهر بذقنك دليلا على أنك عبرت هذه المرحلة الصبيانية وتوقفت عن الوقاحة منذ زمن" قال ليل وهو يقترب منها "لو صار شعري كله أبيض ومضى العمر بي سأكف عن أشياء كثيرة إلا وقاحتي معك فأنت تستفزين جانبي الوقح بقوة" قالت بتهكم "دوما أستفز بك جوانب غريبة يا ليل" رفع ليل حاجبه وقال "قولي ليلي يا سمارة، أشعريني أني وصلت إلى وطني، ألا يكفي أني لا أستطيع أخذك بين أحضاني ونحن متزوجان منذ ساعات؟" عضت سمراء شفتها السفلية بدلال تقصد به تشتيت صوابه وقالت "ليلي" رفع ليل إصبعه أمام وجهها بتهديد قائلا "هذا خطأ كبير، العبي بنزاهة يا بنت العزايزة" ابتسمت سمراء ومثلت البلاهة تقول "ماذا فعلت؟" رد عليها وهو يغمزها "تلاعبت بعداد صبري وستطلقين الوحش"
توردت وجنتاها بخجل ولم تستطع الرد فاقترب منهما بشر الذي يحمل تولين وبجواره منذر الصامت ال**بس يقول "هل عاد عاصي وإياد؟ أريد أن نتحدث قبل رحيلكم" التفت له ليل الذي تنحنح كأنما ينذر نفسه ليعود لوقاره "لا لم يعودا بعد" تأفف بشر قائلا "لماذا تأخرا هكذا وأين باقي الشباب؟" ردت سمراء "صفي أخذ الصغار وبلقيس وأسمهان إلى المطعم، وأسد كما ترى" تجهم وجه بشر يناظر أسد قائلا "متى سيكبر هذا الطفل؟" رد عليه فخر الذي اقترب منهم يحمل عدة أكواب من القهوة وقال "ربما حين يأتيه طفل صغير حينها يتيقن أنه أصبح أبا وعليه أن ينضج قليلا" هز أمير رأسه يناظر أسد الذي كان يُخجل عزيزة بكل طريقة ممكنة وقال "أشك أن يحدث هذا ولو جاءه مئة طفل" قالت سمراء "لقد عاد عاصي" التفت بشر لمنذر وقال "اطلب صفي واطلب منه أن يأتي، أريد أن نجتمع قليلا قبل أن يرحلوا "
بعد قليل كانت هناك حلقة مستديرة في أحد صالات مطار القاهرة، فقد جلست الفتيات على مقاعد متجاورة ووقف الشباب مكونين نصف دائرة بأجسادهم جاعلين من أنفسهم محطة للحسد والهمس، وقف بشر بعد أن ترك تولين تجلس بحضن بتول التي انضمت لهم بحرج وبجوارها فيلو بعجرفة فارضا نفسه وقال "كان على هذا الاجتماع أن يكون أطول وفي وقت آخر ومكان أهدأ لكن الظروف لم تسمح، لذلك سنستغل الوقت المتبقي قبل إقلاع الطائرة لنتذكر بعض الأشياء فالأعوام الخمسة التي رحلت حملت لنا الكثير" كانت عيناه تدوران على وجوههم تباعا وأكمل "رحيل ولقاء جرح وجبر ….دموع وابتسامات، واجهنا أكثر مما كنا نتخيل أن يحدث لنا، تعبنا كثيرا حتى أكاد لا أصدق أني اليوم أقف أمامكم لأرى هذه السعادة والراحة في أعينكم وكلٌّ منكم يجاور نصفه الآخر وقد بلغ سكينته ووجد سكنه، لا أصدق أن عائلتي اكتملت وزادت بوجود أخوة وأخوات جدد سيكملون دائرتنا القوية التي أوصيكم ألا تنف** أبدا، لا أصدق أن أغلب مشاكلنا قد زالت وعبرنا معا حتى وصلنا إلى هنا، هنئوا أنفسكم قبل أن تهنئوني أننا أخوة لا يفرقنا سوى الموت"