أغلق بشر الهاتف في وجهه فألقى فيلو الهاتف على المقعد الخلفي للسيارة وحين عم السكون والظلام ثانية خاف أن تعود له الرؤى فقال لبتول "تحدثي معي" سألته بعدم تركيز وعيونها تلاحق السيارات اللاتي ابتعدن عنها بمسافة كبيرة "أحدثك عن ماذا؟" فأجاب فيلو "عن أي شيء، فقط لا ت**تي" فكرت بتول للحظات وقالت "في هذه اللحظات غالبا ما تكون الأسئلة شخصية وهذا م***ع بيننا ولا تنتظر مني أن أحدثك عن سوق الأعمال أو إطلالات العرائس هذه الليلة والاختلاف بينهن فسيبدو الأمر سخيفا" قال وهو يغمض عينيه يدعي سكونا أبعد ما يكون عنه "تحدثي في أي شيء، لا ت**تي، اعتبري كل شيء متاحا لك الآن ولكن لا تتوغلي فيما لا يخصك" فكرت أنها لا تستطيع التوغل في دواخله الوعرة
لسببين الأول أنها تخشى ما ستجده، والثاني أنها تعلمت درسها منذ سنوات فالتوغل والفضول قد يسببا كارثةً لا تُحتمل، فقالت بهدوء "حسنا، أخبرني لماذا تُعجب النساء بك ويحمن حولك كأنك آخر رجل في العالم؟" انعقد حاجبا فيلو باستغراب ومازالت عيناه مغلقتين وسأل "هل هذا سؤالك حقا أم تمازحينني؟" قالت بتأكيد "ولماذا سأمزح معك؟ فعلا أنا أستغرب من كم النساء اللاتي يحمن حولك، اعذرني ولكن لأكون صادقة لا أجد بك شيئا مميزا" فتح فيلو عينيه بصدمة ينظر لسقف السيارة للحظات ثم اعتدل قائلا "أنا ليس بي شيء مميز؟" ردت بتول قائلة "لدينا مثل شرقي يقول فيما معناه من قال لي الحقائق ولو أبكتني خير ممن كذب ورسم الضحكة على شفتيّ لأظهر كالأبله أمام الناس" عبس فيلو وقال "ما هذا المثل الغريب؟ ثم هل تقصدين أن لد*ك حقائق بشأني تجعلني غير مميز في نظرك؟" قالت بتأكيد "نعم هذا ما أقصده" قال فيلو بتجهم "مثل ماذا؟" قالت بتول بهدوء "لأكن ص**حة، لدي الكثير لكن سأحاول أن أختصر قدر الإمكان، أنت شخص غير سوي وحياتك بأكملها عبارة عن بؤرة من الانحلال والانحطاط، زير نساء سكير ليس لد*ك مبادئ، ليس لك أصدقاء أو عائلة كأنك وباء الجميع ينفر منه، وليس لك هدف في الحياة رغم أنك تخطيت الأربعين، هل هذا طبيعي؟ كما أنك لست وسيما"
**ت فيلو قليلا ثم قال بصوت مصدوم "لست وسيما! أنا لست وسيما؟ أنت لست طبيعية أو أنك لا تفضلين الرجال" جُن جنون بتول وقالت "أيها الوقح، ماذا تقول؟ ثم هل تركت كل ما قلته ولم تهتم سوى بكوني لا أراك وسيما؟ إذاً أؤكد لك أنك لست وسيما" قال فيلو "كلامك لم يؤثر بي لأنني أعلم من أنا، فبؤرة الانحلال التي تتحدثين عنها لم تجبر يوما أحدا على دخولها ولم أقصد أن أؤذي بها إنسانا وهذا يجعل مني إنسانا سويا مسؤولا عن قراراته ويملك مبادئا، أما كوني وحيد فأنت أيضا لا تملكين أحدا فدعينا نتخطى هذه النقطة المشتركة بيننا، ما جرح كبريائي أنك أول أنثى لا تراني وسيما، عجيب جدا أنني لا أؤثر بك، أنت لست طبيعية بالمرة" عجيب هو حين يكون سلسا غريبا جدا وصعب حين يكون معقدا، فقالت بعدم تصديق "انتظر ها أنا أجد بك شيئا طبيعيا، أنت كباقي الرجال لا تعترف أنك مخطئ مهما حدث وخصوصا إذا طال الأمر التفاخر الذكوري بنفسك، يا للعجب هناك خلف الرجل ال**بث آخر طبيعي يرفض الرفض وهذا يعني أنه تعرض له من قبل، اعترف لي يا فيلو أنا الآن زوجتك وفي مقام أختك، هل سبب ما أنت فيه جرح قديم تريد أن تنساه؟" نظر لها فيلو بأعين منبهرة فها قد طارت الأشباح وذهب السكون وامتلأت السيارة بأضواء المدينة وهو بمنتهى الهدوء جالس يناقش مع زوجة برتبة أخت مسائل لم يتجرأ بشر أن يخوض معه بها من قبل
فأجابها "أخبريني عن صفات الرجل الذي يعجبك" صاحت بتول "أنت تغش، أجب على سؤالي، لن تتهرب مني وأنا علي بعد خطوة من حقيقة واحدة تخصك" قال فيلو بعجرفة وهو يبحث عن سيجاره الكوبي "إذاً سؤال مقابل سؤال وإلا سأنهي النقاش" نظرت له بتجهم وقالت "حسنا ولكن لا تشعل السيجار فأنا لا أتحمل رائحته وأجب عن سؤالي أولا" كان السيجار بين السبابة والوسطى بكفه الأيمن فنظر لها وقال" تسألين عن الجروح" لامس ص*ره بكفه الحامل للسيجار وقال بوجه جامد "لو تنظرين لجسدي بعين البصيرة ستجدين للجروح علامات طالت الروح والقلب" كم كان يتكلم بصدق، كم كان فيلو آخر ليس عابثا أو منحلا أو غامضا، كان آخر صادقا جعل الدموع تلمع بعينيها، فقال "دورك الآن" ابتلعت غصة بحلقها ونظرت للطريق بتركيز للحظات وطال **تها لتقول في النهاية "الرجل الذي يعجبني هو الذي تكون عيناه صادقتين قاسيتين كالصقر، له هيبة تهز الجبال وله كلمة كالسيف لا تتخطاها عشائر، ليس قريبا من بشر أكثر من قربه لربه، يعرف حدود الله ولا يتخطاها، يكون الأمان والحماية والسند، وسامته سمارٌ رسمته الشمس بدقة، فارس لا يتكرر" **ت فيلو كالتائه في حديثها ليلتفت على طرق عنيف على الزجاج فيجد ليل يمد ذراعه من سيارته التي تجاوره وهو يقول "ارتدِ ملابسك" مدت بتول يدها بخجل تسحب القميص وتقذفه لفيلو الذي ارتداه ببرود قاصدا به استفزاز ليل فقالت بتول "وارتدِ سترتك وحذاءك نحن على طريق المطار، انظر للّافتة" نفذ ما قالته ب**ت كان كلاهما يحتاجه بعد النقاش الذي شعرا أنه لم يكن له داعي أبدا ويبدو أنه سيكون الأخير
كان دخولهم المطار ملفتا لأبعد حد لكن من منهم يبالي أو يهتم، فال*قول مأخوذة إما بقرب الحبيب وإما ببعده، كان المشهد مبهرا استوقف الكثيرين ورسم على وجوههم نظرة سعيدة وحالمة لدرجة أنهم أخرجوا هواتفهم لتوثيق اللحظة، اقترب عاصي من أحد المقاعد وساعد غفران لتجلس وهو يقول "سأذهب فقط لأنهي بعض الإجراءات وأتأكد أن حقائبنا بأكملها على متن الطائرة، ما رأيك أن أطلب لك شيئا ساخنا؟" اعتدل عاصي وخلع سترته وقربها منها يقول "ارتدي هذه" قالت له غفران بحرج "عاصي، ماذا تفعل؟" رد عليها وهو يلبسها السترة "أدفئك وسأطلب لك القهوة حالا، هل تريدين شيئا آخر؟" هزت رأسها تنظر لوجهه باحتياج فقبل جبهتها قائلا "لن أتأخر" اقترب نزار يُجلس تبارك بجوارها فقال له عاصي "أحضر لغفران كوب قهوة ساخن ريثما أنتهي من إجراءات السفر" قال نزار "لا تقلق، اذهب أنت سأرى ماذا تريد تبارك أيضا وأحضره لهما حالا" ألقى عاصي نظرة أخيرة على غفران وتحرك باتجاه إياد الذي كان يقف وبيده جوازات السفر وعدة أوراق أخرى، التفت نزار لتبارك وقال "هل أنت مرتاحة هكذا؟ أشعر أن الفستان يضايقك" قالت تبارك "إنه ثقيل جدا، أشعر به يضغط على أكتافي، أتمنى لو أستطيع تغيير ملابسي، هذا الشيء يجعلني أختنق" نظر لها نزار بعجز وقال "هل تستطيعين أن تغيريه في الحمام؟ لا بد أن حقيبتك الصغيرة تحوي ملابس لك" قالت بعدم اقتناع "لستُ أنا من جهزتها فلا أعلم بما فيها لذلك عليّ الآن أن أرضى بالمتاح" مد كفه يحركها على ذراعها صعودا ونزولا بحركة خلبت لبها وقال "حسنا أنا معك إذا غيرت رأيك، سأذهب لأحضر القهوة لغفران، هل تريدين شيئا؟ هل تشعرين بالبرد؟" نظرت له تبارك قليلا بحرج جعلته نحوها أكثر هامسا "ما بك؟" **تت تبارك وتعبيرها يوحي أنها تجاهد لتتكلم فشجعها نزار قائلا "أخبريني فقط ماذا تريدين دون أن تفكري" رفعت له عينيها وقالت بخفوت "أنا جائعة