الفصل الأول: تراتيل الأسر
> "الخوف ليس شعوراً ينبت في قلوب الضعفاء كما يظن العوام، الخوف هو الحارس الشخصي للذكاء.. ومن لا يخاف، هو إما أ**ق، أو جثة لم تدفن بعد."
>
لم أكن حمقاء، ولم أكن جثة.. لكنني كنت أقف في المكان الذي يُصنع فيه الخوف ويُباع **لعة.
قاعة "آل داميانو" لم تكن مجرد سقف وجدران، كانت تجسيداً مادياً للسطوة. الرخام الأ**د المصقول تحت قدمي يع** صورتي الباهتة كأنني أنظر إلى شبحي. المكان يفوح برائحة البخور العتيق المخلوط برائحة التبغ الفاخر، رائحة تُشبه طقوس الموت المؤجل.
وفي نهاية ذلك الفراغ المهيب، كان يجلس.
لم يكن بحاجة لعرش ليثبت أنه ملك؛ جلسته المسترخية على المقعد الجلدي، والسيجار المشتعل بين أصابعه، وعيناه الرماديتان اللتان تخترقان العتمة كشفرتي حلاق.. كل ذلك كان يقول إن هذا الرجل، **آرثر داميانو**، لا يتفاوض. هو فقط يملي الشروط، وعلى العالم أن يطيع.
"الوقوف في حضرة الموت يتطلب قدراً من الانحناء، يا أثير.. وأنتِ تبدين متصلبة أكثر من اللازم."
خرج صوته هادئاً، رخيماً، كفحيح أفعى تثق في سمها.
لم أتراجع. ثبتُّ قدمي على الرخام البارد ونطقت بكلمات صغتها بعناية في عقلي: "الانحناء يُعلم الجسد الخضوع، وأنا لم أُخلق لأركع لرجل اشترى كبرياءه بالمال. لقد سلبت عائلتي كل شيء عبر ثغراتك القانونية القذرة، فماذا تريد الآن؟"
أخذ نفساً عميقاً من سيجاره، وترك الدخان الرمادي يتصاعد ليحجب وجهه لثوانٍ، قبل أن ينطق ببرود أشد: "المال يشتري ال*قود يا فتاة، وال*قود تحكم البشر. والدكِ لم يوقع على صك مالي.. لقد وقع على عهد."
تحرك ببطء. لم يكن يمشى، بل كان يتسلل كظلمة الليل إذا حلت. خطوة.. خطوة.. حتى صار ظله يطغى على ظلي بالكامل. اقترب لدرجة أنني شممت رائحة الموت والتبغ المنبعثة منه.
امتدت يده الباردة كالجمر المنطفئ، ورفع ذقني بإصبعين فقط، مجبراً إياي على النظر في دهاليز عينيه الرمادية: "العهد ينص على أن عجز عائلتكِ عن السداد، يعني انتقال ملكيتكِ الكاملة إلي. أنتِ لستِ ضيفة في هذا القصر، ولستِ سجينة عادية.. أنتِ ملكية خاصة لـ 'آرثر داميانو'. أتحكم في أنفاسكِ، في منامكِ، وفي موتكِ إن أردت."
شعرت بصرخة مكتومة تمزق حنجرتي، لكنني بلعتها واشتعلت عيناي بتحدٍّ يليق بامرأة تعرف قيمتها. أزحت يده عن وجهي بقوة ونطقت وعيناي تبرقان بكبرياء أ**د:
"الملكية للأشياء والعبيد يا سليل داميانو. يمكنك حظر جسدي داخل جدرانك، لكن عقلي حر. وسأجعل من حريتي هذه خنجراً يمزق عرشك من الداخل. تذكر كلامي هذا جيداً.. العروش التي تُبنى على الرماد، تكفيها جمرة واحدة لتبدأ النيران بالاشتعال.. وأنا هي تلك الجمرة."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، ابتسامة من وجد أخيراً نداً يستحق العناء. لم يتحدث، ولم يغضب. فقط أشار بإصبعه للحراس القابعين في الظلام.
"خذوها إلى الجناح الشرقي.." التفت بظهره وهو يهمس لنفسه بنبرة تحمل هوساً دفيناً: "لنرَ كم ست**د هذه الجمرة قبل أن تتحول هي الأخرى.. إلى رماد تحت قدمي."
"الاستسلام ليس دائماً علامة ضعف، أحياناً يكون الطريقة الوحيدة لجمع الشتات.. السجين الذكي لا يبدد طاقته في ض*ب القضبان، بل يستمع جيداً لخطوات السجّان ليحفظ مواعيد نومه."
الجناح الشرقي لقصر آل داميانو لم يكن زنزانة تفوح برطوبة القبو، بل كان ترفاً يعاقب العين بالجمال. سرير ضخم حَفَّتْه ستائر حريرية سوداء، وشرفة تشتعل بال**ت تطل على حديقة واسعة تُحيط بها أسوار عالية كأنها حدود دولة معزولة. جدران رمادية داكنة تخلو من أي لوحة، وكأن صاحب البيت يرفض أن يشاركه أحدٌ في وضع ب**ة على جدرانه.
دخلتُ، وأُغلق الباب خلفي بصوتٍ معدني قاطع، كان بمثابة إعلان رسمي عن بدء فترة الاحتجاز.
لم أركض نحو الشرفة لأبكي، ولم ألقِ بجسدي على السرير مستسلمة. جلستُ على مقعد خشبي ذي مسند مرتفع، يواجه الباب تماماً. وضعتُ كفيّ فوق ركبتي، وبدأت أتنفس بانتظام. عقل الإنسان هو سلاحه الأوحد عندما تُسلب منه حرية جسده.
مرت الساعات ثقيلة، رتيبة، كأنها دماء تجري في عروق ميت.
حوالي منتصف الليل، سُمعت حركة قفل الباب. لم أتحرك، ولم يرفّ لي جفن. انفتح الباب ببطء، ودخل آرثر.
كان بقميصه الأ**د مفتوح الزرين العلويين، مبرزاً عظام ترقوته الحادة، وفي يده كتاب مجلد بالجلد الأ**د العتيق. لم ينظر إليّ فوراً، بل مشى نحو الطاولة الصغيرة الموضوعة في زاوية الغرفة، ووضع الكتاب فوقها ببرود.
"توقعتُ أن أجدكِ باكية، أو على أقل تقدير.. تحاولين **ر النوافذ." قالها وصوته يحمل تلك النبرة الفلسفية الجافة وهو يلتفت ليراني جالسة بكامل ثباتي.
نظرتُ إلى الكتاب ثم نقلت عيني إلى عينيه الرماديتين: "الدموع تُهدر طاقة الجسد، والزجاج الم**ور لن يقطع السلاسل بل سيجرح يدي فقط. أنا لا أمنح أعدائي متعة رؤية ضعفي، سيد آرثر."
خطا نحو المنتصف، وشبك يديه خلف ظهره، متأملاً إياي ببرود: "أعداؤكِ؟ كلمة كبيرة لفتاة لا تملك من حطام الدنيا الآن سوى كبريائها. الكبرياء خلف القضبان يا أثير.. يتحول إلى غباء."
"والثقة المفرطة خلف العروش تتحول إلى عمى." رددتُ فوراً، دون أن تهتز نبرتي شبرًا واحداً. "أنت تراني صيداً سهلاً لأنك تملك الأوراق القانونية. لكنك نسيت أن الأوراق تحترق، والعهود تُنقض، والرماد الذي تجلس عليه قد تخرج منه جمرة تحرق ثوبك الفاخر."
تقابلت نظراتنا في الهواء كشفرتين تتطاحنان. لمحتُ في عينيه ومضة غريبة.. لم تكن غضباً، بل كانت شيئاً يشبه الارتياح المظلم. كأنه كان يبحث عن هذا التحدي منذ زمن في قفره الروتيني.
اقترب خطوتين، وانحنى قليلاً ليصبح بمستوى نظري، واضعاً يديه على مسندي المقعد الذي أجلس عليه، محاصراً إياي بجسده وهالته الثقيلة. تفصل بيننا مسافة قصيرة جداً، لدرجة أنني استطعت رؤية انعكاس عينيّ القلقتين في رماديتيهما.
"أتعلمين ما مشكلتكِ يا أثير؟" همس، ونبرته أصبحت أكثر عمقاً وسوداوية: "أنتِ تظنين أنكِ تقرأينني. تظنين أن هذا صراع كبرياء تقليدي. لكن الحقيقة.. أنا لا أريد **ر كبريائكِ. الكبرياء الم**ور لا قيمة له عندي. أنا أريد شيئاً آخر تماماً."
عقدتُ حاجبي بنفاد صبر، محاولةً ألا تظهر دقات قلبي المتسارعة في صوتي: "وماذا يريد الوريث العظيم؟"
امتدت يده ببطء شديد، ولمست أطراف أصابعه الباردة وجنتي، يتحرك بها نحو الفك بحركة مدروسة كأنه يرسم حدود ممتلكاته، ثم همس وعيناه تزدادان قتامة:
"أريد أن أرى إلى أي مدى يمكن لعنادكِ أن ي**د أمام هوسي.. أريد أن أرى هذه الجمرة وهي تحاول إحراقي، بينما أنا ألتهم نورها ببطء. من الليلة، أل**بنا لن تكون في الخفاء يا أثير. القصر بأكمله رقعتكِ، فتحركي كما تشائين.. لكن تذكري، كل خطوة تخطينها، ستجدين ظلي يسبقكِ إليها."
سحب يده ببطء، واعتدل في وقفته، ثم التفت ومشى نحو الباب بخطوات هادئة مطمئنة، تاركاً خلفه رائحة التبغ الغامضة وهالة من التوتر التي كادت تخنق الغرفة.
وقفتُ، ومشيتُ بخطوات ثابتة نحو الطاولة. نظرتُ إلى الكتاب الأ**د، ثم إلى الباب المغلق. لم يكن في قلبي خوف، بل كانت هناك رغبة متوحشة في خوض هذه اللعبة حتى النهاية. التقطتُ الكتاب، وفتحتُ الصفحة الأولى، وأنا أبتسم في الظلام.. الحرب قد بدأت بالفعل.