Story By Lalla bouchra Saaidi
author-avatar

Lalla bouchra Saaidi

bc
غربة الملامح
Updated at Jun 17, 2026, 10:29
في البدء، لم يكن الكذب ذنباً يُستغفر منه، كان ملاذاً، كان سترة نجاة في بحر من القسوة التي لا ترحم في بلادنا. نكذب لا لنخدع الآخرين، بل لنقنع أنفسنا بأننا لا نزال على قيد الحياة، أو على الأقل، على قيد "الاحتمال". فالواقع يا سادتي بضاعة كاسدة لا تصلح للاستعمال الآدمي، ومن حق الروح أن تستعير وجهاً آخر لتجتاز نفق الأيام دون أن ينال منها الصدأ. وقفتُ أمام المرآة... تلك المساحة الزجاجية الباردة التي لا تجيد سوى الممالأة. كنتُ أحكم إغلاق الياقة البيضاء حول عنقي، ليس لأبدو أنيقاً، بل لأخنق "زينب" القابعة في سراديب أعماقي. كنت أشدّ ربطة العنق كأنني أقطع حبل الوريد عن ذاكرة فتاة لا تملك من حطام الدنيا سوى صوت بكائها المخنوق في ليالي حي الصفصاف المقبضة، حيث الفقر ينهش الجدران، وحيث الأحلام تموت قبل أن تبلغ سن الرشد. اليوم، أنا لستُ هي. اليوم أنا "سليم". الرجل الذي نحته من صخر المستحيل، الذي لا ينحني للعواصف لأنه هو العاصفة. أنا الرجل الذي يشتري الوقت بالوعود الفارهة، ويبيع الأمل في مزادات الخطابات العلنية، حيث العواطف تُقاس بحدة التصفيق، والولاءات تُشترى بكلمات معسولة تغلف سماً زعافاً. صعدتُ المنصة بخطى مدروسة، خطى واثقة لدرجة أنها كانت ترعبني. كل درجة أرتقيها في سلم تلك المنصة، كانت تبعدني مئات الأميال عن تلك الغرفة الضيقة ذات الجدران المقشرة والرائحة التي تشبه رائحة الموت البطيء. وضعتُ أوراقي على الخشب الصقيل، ونظرتُ إلى الحشود كقائد يمسك بزمام قدرهم. شعرتُ بتلك النشوة المسمومة؛ نشوة أن تكون "سيداً" في عيونهم، "إلهاً" في صلواتهم السياسية، حتى لو كنت تعرف في قرارة نفسك أنك لست سوى ممثل بارع في مسرحية كتبت بمداد من زيف. ما أصعب أن تكون "شخصاً ما"، بينما أنت في الحقيقة "لا أحد". قلتُ لهم إننا سنبني مدينة لا تنام، مدينة من الضوء والرخام، ولم أخبرهم أنني أنا الذي لم ينم منذ قرن. لم أقل لهم إن الأرق هو رفيقي الوحيد، لأنني أخاف أن أغمض جفني، أخاف أن تسرقني الغفوة فأستيقظ في زاوية باردة في تلك المصحة، مجرداً من بدلتي الإيطالية التي تكلفت ثروة، ومن اسمي الذي اخترعته، ومن رجولتي التي استعرتها من قصص الخيال لأواري بها انكسار أنوثة لم تجد من يحميها. كان الضوء مبهراً، مسلطاً على وجهي كأنه استجواب إلهي، لكنه لم يكن كافياً لتبديد تلك العتمة التي بدأت تتسلل، كالزيت المحروق، من أطراف ذاكرتي المنسية. وفي اللحظة التي بلغتُ فيها ذروة الانتشاء بـ "ذاتي" المزيفة، في اللحظة التي كنتُ فيها أوزع الوعود كأنني أملك خزائن الأرض... لمحتها. هناك، في الزاوية المظلمة من القاعة، حيث لا تصل الأضواء ولا يصل الزيف. كانت تقف بوشاح أسود يلتف حول عنقها كحبل مشنقة للذكريات، وبعينين واسعتين، حزينتين، حادتين كشفرة حلاقة. عينان لم تكن تنظران إلى "سليم" القائد، بل كانت تخترق القشرة لتصل إلى النواة المرتجفة بالداخل. كانت هي الحقيقة الوحيدة في غرفة تعج بالأكاذيب المنمقة. لم تكن "زينب" شبحاً عابراً، بل كانت جسداً من وجع. ارتبكتُ... اهتز عرش كبريائي المصطنع. تعثر لساني في كلمة "الحرية"، فخرجت من حنجرتي مشوهة باهتة، كأنها استغاثة غريق يرى الشاطئ يبتعد. في تلك اللحظة، لم يعد الجمهور يراني، كنتُ أرى نفسي من خلال عينيها: طفلة صغيرة ترتدي ملابس والدها الواسعة وتحاول أن تقنع العالم بأنها عملاق. لقد بدأتُ أسقط... ولم يكن السقوط من فوق المنصة الخشبية، بل كان سقوطاً عمودياً في بئر نفسي السحيقة. سقطتُ من علياء "سليم" لأرتطم بقاع "زينب". وبينما كان التصفيق يعلو، كنت أسمع في أذني صوتاً واحداً لا غير، صوتاً يشبه فحيح الأفاعي يهمس: *"الأسماء التي ترتديها... لا تخصك"*. عدتُ إلى مكتبي المثقل برائحة الجلد الفاخر والتبغ الغالي، أجر خلفي خيبة نبي اكتشف في ذروة وحيه أنه كاذب. أغلقتُ الباب ورائي بأنفاس مكسورة، كأنني أغلق نافذة تطل على جحيم لا أريد رؤيته. هنا، في هذا الحيز الذي صممته ليكون حصناً لـ "سليم"، شعرتُ ولأول مرة بأن الكراسي الضخمة تسخر من ضالتي، وأن اللوحات الزيتية المعلقة على الجدران ليست سوى ثقوب يراقبني من خلالها الماضي. "نحن لا نسكن البيوت، بل تسكننا خيباتنا التي تركناها خلف أبوابها الموصدة". فجأة، تسللت إلى أنفي رائحة. لم تكن رائحة عطري الفرنسي الذي أقتنيه من دور العرض الراقية ليكون هويتي الشمية. كانت رائحة أخرى غريبة عن هذا الترف، مألوفة لحد الوجع. كانت رائحة "الياسمين الذابل" الممزوج برائحة الخبز المحروق ورطوبة الجدران في حي الصفصاف. تلك الرائحة التي كنتُ أبذل قصارى جهدي لغسلها من مسام جلدي كل صباح، ها هي الآن تحتل مكتبي، تتحدى سلطتي، وتعلن أن "زينب" لم تغادر القاعة، بل سبقتني إلى هنا. فتحتُ درج مكتبي الفضي بآلية مرتعشة، باحثاً عن سيجار يطرد هذا الشبح الشمي، لكن يدي اصطدمت بشيء غريب. لم يكن قلماً من الذهب، ولا أوراقاً سرية تخص الدولة. كان "دبوس شعر" صدئاً، صغيراً، تافهاً في عالم السياسيين، لكنه كان بمثابة قنبلة موقوتة في عالمي. كيف وصل هذا الشيء إلى هنا؟ من تجرأ على تلويث طهر "سليم" بفقر "زينب"؟ نظرتُ إلى المرآة المثبتة في ركن المكتب. لم أرَ وجه "السياسي الوسيم" الذي اعتادت الصحف تلميعه. رأيتُ وجهاً مشوشاً، كأنه لوحة مائية تركت تحت المطر. رأيتُ عينيها هي، تنظران من خلال عيني. هل بدأتُ أفقد السيطرة على الحدود؟ هل بدأت "زينب" تشن غارتها الأولى لاستعادة جسدها المحتل؟ جلستُ أكتب مسودة قرار جديد، قراراً يقضي بهدم الأحياء العشوائية؛ كنت أحاول بهدم "حي الصفصاف" على الورق أن أهدمه في ذاكرتي. كنتُ أعتقد أن الجرافات تستطيع تسوية الذكريات بالأرض كما تسوي البيوت الطينية. لكن، في كل مرة كنتُ أكتب فيها كلمة "تطهير"، كان القلم يتمرد، ليرسم على هامش الورقة زهرة ياسمين ذابلة. "يا وجعي... لماذا تلاحقني بأسماء لا تخصني؟" في تلك الليلة، أدركتُ أن السلطة ليست في إصدار الأوامر، بل في القدرة على إقناع مرآتك بأنك أنت هو أنت. وأنا يا للأسف، كنتُ قد بدأتُ أفقد بصري أمام زجاج الحقيقة. كان لزاما
like
bc
عرش الرماد
Updated at Jun 17, 2026, 10:27
الجميع يظن أن السجون قبوٌ مظلم تحت الأرض.. لكنَّ أقسى السجون هي تلك التي تُبنى من رخامٍ أسود وتُحاط بأسوار الحرير. ​من قاع الانكسار، وفي مواجهة الرجل الأكثر نفوذاً وسوداوية.. تجد "أثير" نفسها مجرد صك ملكية انتقل ليد الطاغية "آرثر داميانو" بموجب عهد عائلي قديم مَكتوبٍ بالدم والمال. ​هو.. يرى العالم رقعة شطرنج، لا يؤمن بالحب، ولا يرحم من يقف في طريقه. وهي.. تملك كبرياءً أسود وعقلاً يرفض الانحناء، لتتحول من ضحية.. إلى لعنة تتسلل داخل حصونه. ​حرب عقول صامتة، حوارات حادة كشفرات الحلاق، وتوتر يشتعل خلف الأبواب المغلقة. هو يريد الاستحواذ والسيطرة، وهي تخطط لتجعل من خضوعها خنجراً يمزق عرشه. ​عندما يتحدى الهوسُ العناد.. مَن سيحرق الآخر أولاً؟ ​🖋️ بقلم الكاتبة: للا بوشرى الساعيدي
like
bc
Shadows of the London Fog
Updated at Jun 14, 2026, 07:30
In the heart of the nineteenth century, at the height of the Industrial Revolution, where the velvet splendour of the upper classes brushes constantly against the cold, mechanised underbelly of the British capital, the writer Lalla Bouchra Saidi invites us into a dark and haunting Victorian Gothic saga.London here is no mere backdrop. It is a living presence—an entity of smoke and shadow, breathing through its alleys and concealing its crimes beneath an ever-thickening veil of fog. The city endures, watches, and remembers.Under the lone, amber glow of the old gas lamps—those fragile guardians struggling against the winter night—wet cobblestones glisten like fractured glass, and two paths, never meant to converge, finally cross.James: a young aristocrat wrapped in a long dark coat and a shadowed hat, moving with careful, restless urgency, fleeing an inherited legacy so tainted it threatens to consume the very foundations of high society itself.Evelyn: a young woman marked by sorrowful beauty, her dark velvet cloak concealing a blood-stained secret, a fugitive escaped from the labyrinthine brutality of London’s eastern slums.Each is pursued by a past that refuses to loosen its grip upon the present. Each carries a truth so volatile that its revelation could shatter the carefully constructed face of an empire.Between towering Gothic mansions draped in heavy curtains and suffocating silence, and smoke-filled taverns where whispers are traded like currency, an impossible love begins to take shape—not born in the elegance of ballroom courts or gilded soirées, but forged instead in fear, secrecy, and shared flight.It is a love born of danger rather than comfort, strengthened by pursuit, and shadowed at every turn by the vast and watchful darkness of the city itself.And so the question remains, like a knife suspended in the fog:Will the fragile warmth growing between two fugitives survive the crushing cold of London’s endless night… or will the city’s mist swallow their story, as it has swallowed so many others before it?
like