
في البدء، لم يكن الكذب ذنباً يُستغفر منه، كان ملاذاً، كان سترة نجاة في بحر من القسوة التي لا ترحم في بلادنا. نكذب لا لنخدع الآخرين، بل لنقنع أنفسنا بأننا لا نزال على قيد الحياة، أو على الأقل، على قيد "الاحتمال". فالواقع يا سادتي بضاعة كاسدة لا تصلح للاستعمال الآدمي، ومن حق الروح أن تستعير وجهاً آخر لتجتاز نفق الأيام دون أن ينال منها الصدأ.
وقفتُ أمام المرآة... تلك المساحة الزجاجية الباردة التي لا تجيد سوى الممالأة. كنتُ أحكم إغلاق الياقة البيضاء حول عنقي، ليس لأبدو أنيقاً، بل لأخنق "زينب" القابعة في سراديب أعماقي. كنت أشدّ ربطة العنق كأنني أقطع حبل الوريد عن ذاكرة فتاة لا تملك من حطام الدنيا سوى صوت بكائها المخنوق في ليالي حي الصفصاف المقبضة، حيث الفقر ينهش الجدران، وحيث الأحلام تموت قبل أن تبلغ سن الرشد. اليوم، أنا لستُ هي. اليوم أنا "سليم". الرجل الذي نحته من صخر المستحيل، الذي لا ينحني للعواصف لأنه هو العاصفة. أنا الرجل الذي يشتري الوقت بالوعود الفارهة، ويبيع الأمل في مزادات الخطابات العلنية، حيث العواطف تُقاس بحدة التصفيق، والولاءات تُشترى بكلمات معسولة تغلف سماً زعافاً.
صعدتُ المنصة بخطى مدروسة، خطى واثقة لدرجة أنها كانت ترعبني. كل درجة أرتقيها في سلم تلك المنصة، كانت تبعدني مئات الأميال عن تلك الغرفة الضيقة ذات الجدران المقشرة والرائحة التي تشبه رائحة الموت البطيء. وضعتُ أوراقي على الخشب الصقيل، ونظرتُ إلى الحشود كقائد يمسك بزمام قدرهم. شعرتُ بتلك ال
***ة المسمومة؛
***ة أن تكون "سيداً" في عيونهم، "إلهاً" في صلواتهم السياسية، حتى لو كنت تعرف في قرارة نفسك أنك لست سوى ممثل بارع في مسرحية كتبت بمداد من زيف. ما أصعب أن تكون "شخصاً ما"، بينما أنت في الحقيقة "لا أحد".
قلتُ لهم إننا سنبني مدينة لا تنام، مدينة من الضوء والرخام، ولم أخبرهم أنني أنا الذي لم ينم منذ قرن. لم أقل لهم إن الأرق هو رفيقي الوحيد، لأنني أخاف أن أغمض جفني، أخاف أن تسرقني الغفوة فأستيقظ في زاوية باردة في تلك المصحة، مجرداً من بدلتي الإيطالية التي تكلفت ثروة، ومن اسمي الذي اخترعته، ومن رجولتي التي استعرتها من قصص الخيال لأواري بها ان**ار أ***ة لم تجد من يحميها.
كان الضوء مبهراً، مسلطاً على وجهي كأنه استجواب إلهي، لكنه لم يكن كافياً لتبديد تلك العتمة التي بدأت تتسلل، كالزيت المحروق، من أطراف ذاكرتي المنسية. وفي اللحظة التي بلغتُ فيها ذروة الانتشاء بـ "ذاتي" المزيفة، في اللحظة التي كنتُ فيها أوزع الوعود كأنني أملك خزائن الأرض... لمحتها. هناك، في الزاوية المظلمة من القاعة، حيث لا تصل الأضواء ولا يصل الزيف. كانت تقف بوشاح أ**د يلتف حول عنقها كحبل مشنقة للذكريات، وبعينين واسعتين، حزينتين، حادتين كشفرة حلاقة. عينان لم تكن تنظران إلى "سليم" القائد، بل كانت تخترق القشرة لتصل إلى النواة المرتجفة بالداخل. كانت هي الحقيقة الوحيدة في غرفة تعج بالأكاذيب المنمقة.
لم تكن "زينب" شبحاً عابراً، بل كانت جسداً من وجع. ارتبكتُ... اهتز عرش كبريائي المصطنع. تعثر ل**ني في كلمة "الحرية"، فخرجت من حنجرتي مش*هة باهتة، كأنها استغاثة غريق يرى الشاطئ يبتعد. في تلك اللحظة، لم يعد الجمهور يراني، كنتُ أرى نفسي من خلال عينيها: طفلة صغيرة ترتدي ملابس والدها الواسعة وتحاول أن تقنع العالم بأنها عملاق. لقد بدأتُ أسقط... ولم يكن السقوط من فوق المنصة الخشبية، بل كان سقوطاً عمودياً في بئر نفسي السحيقة. سقطتُ من علياء "سليم" لأرتطم بقاع "زينب". وبينما كان التصفيق يعلو، كنت أسمع في أذني صوتاً واحداً لا غير، صوتاً يشبه فحيح الأفاعي يهمس: *"الأسماء التي ترتديها... لا تخصك"*.
عدتُ إلى مكتبي المثقل برائحة الجلد الفاخر والتبغ الغالي، أجر خلفي خيبة نبي اكتشف في ذروة وحيه أنه كاذب. أغلقتُ الباب ورائي بأنفاس م**ورة، كأنني أغلق نافذة تطل على جحيم لا أريد رؤيته. هنا، في هذا الحيز الذي **مته ليكون حصناً لـ "سليم"، شعرتُ ولأول مرة بأن الكراسي الضخمة تسخر من ضالتي، وأن اللوحات الزيتية المعلقة على الجدران ليست سوى ثقوب يراقبني من خلالها الماضي.
"نحن لا نسكن البيوت، بل تسكننا خيباتنا التي تركناها خلف أبوابها الموصدة".
فجأة، تسللت إلى أنفي رائحة. لم تكن رائحة عطري الفرنسي الذي أقتنيه من دور العرض الراقية ليكون هويتي الشمية. كانت رائحة أخرى غريبة عن هذا الترف، مألوفة لحد الوجع. كانت رائحة "الياسمين الذابل" الممزوج برائحة الخبز المحروق ورطوبة الجدران في حي الصفصاف. تلك الرائحة التي كنتُ أبذل قصارى جهدي لغسلها من مسام جلدي كل صباح، ها هي الآن تحتل مكتبي، تتحدى سلطتي، وتعلن أن "زينب" لم تغادر القاعة، بل سبقتني إلى هنا.
فتحتُ درج مكتبي الفضي بآلية مرتعشة، باحثاً عن سيجار يطرد هذا الشبح الشمي، لكن يدي اصطدمت بشيء غريب. لم يكن قلماً من الذهب، ولا أوراقاً سرية تخص الدولة. كان "دبوس شعر" صدئاً، صغيراً، تافهاً في عالم السياسيين، لكنه كان بمثابة قنبلة موقوتة في عالمي. كيف وصل هذا الشيء إلى هنا؟ من تجرأ على تلويث طهر "سليم" بفقر "زينب"؟ نظرتُ إلى المرآة المثبتة في ركن المكتب. لم أرَ وجه "السياسي الوسيم" الذي اعتادت الصحف تلميعه. رأيتُ وجهاً مشوشاً، كأنه لوحة مائية تركت تحت المطر. رأيتُ عينيها هي، تنظران من خلال عيني. هل بدأتُ أفقد السيطرة على الحدود؟ هل بدأت "زينب" تشن غارتها الأولى لاستعادة جسدها المحتل؟
جلستُ أكتب مسودة قرار جديد، قراراً يقضي بهدم الأحياء العشوائية؛ كنت أحاول بهدم "حي الصفصاف" على الورق أن أهدمه في ذاكرتي. كنتُ أعتقد أن الجرافات تستطيع تسوية الذكريات بالأرض كما تسوي البيوت الطينية. لكن، في كل مرة كنتُ أكتب فيها كلمة "تطهير"، كان القلم يتمرد، ليرسم على هامش الورقة زهرة ياسمين ذابلة.
"يا وجعي... لماذا تلاحقني بأسماء لا تخصني؟"
في تلك الليلة، أدركتُ أن السلطة ليست في إصدار الأوامر، بل في القدرة على إقناع مرآتك بأنك أنت هو أنت. وأنا يا للأسف، كنتُ قد بدأتُ أفقد بصري أمام زجاج الحقيقة. كان لزاما

