"عيناها الجميلتان!"
تمتم دراكيولا الكلمتان بذهول وهو لا يصدق أنه يقول هذا الكلام ولو لنفسه، وإن كان فكيف له أن ينتبه لهما وهو الذي وقع في حبه ملكات جمال حول العالم كله وليست فتاة عادية، ولم تهز إحداهن له شعرة بل على الع** كن متعة وقتية ووجبة له لا تتجاوز الثلاث أيام حتى يزهق أرواحهن ويحولهن لمصاصي دماء ، لكن هالة ...لماذا لفتت عيناها إنتباهه؟! ولماذا علقتا بذاكرته؟!، هل لأنها أكثر من أثار أغضبه؟ أم لماذا؟! سؤال حير فلاد وقطب حاجباه في ضيق وهو يفكر فيه لكنه هز رأسه يمين ويسار وكأنه ينفضه.....
"جميلتان؟!، ساحرتان؟! فلاد، دراكيولا ؟! مابك أنسيت من أنت؟! من تملك عينان جميلتان....هالة!.."
قال فلاد بدهشة وإنزعاج حتى أنه رفع يده وأمسك برأسه مما يقوله ويشعر به، وقبل أن يفكر فيه أكثر إذ بهالة تدخل له مرة أخرى لتأتي بصنية الشاي التي نستها فنظر إليها وهو على نفس الحالة بل وإتسعت عيونه، فقالت له وهي تبتسم
"عفواً على إزعاجك مرة أخرى"
فنظر إليها وتلاقت أعينهما لبرهة..
نظرت له هي أيضاً بدهشة وإبتسمت عندما وجدته يعقد حاجباه وينظر لها بطريقة غريبة حتى أنها شعرت بالخجل قليلاً فسألته:
- "كونت فلاد هل أنت بخير؟"
لم يرد عليها وظل ينظر لها بنفس الطريقة فنادته
"كونت فلاد"
ف*نبه هذه المرة وأغمض عينيه لدقيقة، ثم فتحهما وإلتقط أنفاسه ورسم إبتسامة عريضة على وجهه وقال لها:
-"آه لا عليك لا، لايوجد إزعاج أو شيء".
مد يده أخذاً منها كوب الماء الموضوع على الصينية التي تحملها ورفعها على فمه وراح يرشف منها بسرعة وبطريقة أثارت ضحكات هالة فنظر لها بجانب عينيه وهو يشعر بالخجل والإحراج من الطريقة التي شرب بها فأنزل الكوب عنه ببطء....
شعرت هالة بالخجل منه حتى أنها وضعت يدها على فمها لتكتم ضحكاتها التي راحت تخرج رغم عنها ودمعت عيونها لذلك، قالت له
"عفوا عفوا"
ثم أكملت بعد أن هدأت ضحكها وقالت له وهي تنظر له بعيون يملأوها الخجل:
- "كونت فلاد أنت فعلاً إنسان لطيف للغاية" ثم أخذت الصينية ودخلت....
ظل فلاد واقفاً لدقيقة في مكانه بعدما خرجت هالة ولا يزال وجهه في نفس الوضع حيث كان ينظر إليها، وهو في حيرة وذهول خاصة عندما رأى عيونها وقد جمعت بين الضحكة والدموع الخجل والفخر، وتساءل كيف تفعل هذا!، والأكثر تعجب من نفسه كثيراً لذكره أمر عينيها ما الذي يعنيه هذا؟!، فهذا لم يحدث معه سوى مرة واحدة فقط، مرة واحدة خلال حياته كلها التي بلغت أكثر من خمسمائة عام، مرة واحدة لفتت عيون فتاة نظره ولاحقاً قلبه، مرة واحدة عندما قا**ها، عندما قابل حبيبته ....... نينا.
-"فلاد إهدأ هذا لايعني شىء....ربما فقط لاحظت الشبه ليس إلا، تجاهل الأمر فقط وسيمضي، فقط تجاهل الأمر".
قال فلاد محدثاً نفسه بلا صوت وهو يفكر في الأمر، لكنه أكمل وكأنه شارد الذهن
"من هي هالة من الأساس؟!، فتاة متوسطة في كل شىء في الجمال، في مستوى المعيشة ، في التعليم بالنسبة لك بل أدنى منك في كل شىء-ثم قال بحزن- وبالطبع من حبيبتك نينا". ثم أغمض عينيه قليلاً ليمنع دموعه التي تجمعت داخلها عند تذكره حبيبته، ثم أخذ نفسا عميقا ونظر بعيداً يتذكر حبيبته وحركاتها وقصة حبهما التي نشأت بينهما منذ الصغر وكيف كانت ضحكتها تزيل همه وتدخل السعادة بقلبه.
بالطبع هالة كانت تختلف كثيراً عن نينا، فنينا كونتيس من عائلة ذات شأن برومانيا، والدها مسؤول كبير وبالطبع مستوى معيشة مرتفع، وتعليم عال أفضل حتى من فلاد تيبس نفسه، في كل شىء الأفضل، أما بالنسبة للجمال فلم يكن بينهما أي تشابه، فنينا شقراء وذو بشرة بيضاء كالثلج، عيونها زرقاء كموج البحر لم تكن واسعة لكن مرسومة وكأنها عروس البحر وإبتسامتها وضحكتها تذيب القلوب، أما هالة فقد كانت خمرية اللون تميل للسمار من أشعة الشمس، وعيناها بينتين وواسعتان وشعرها البني الغامق ينسدل على ظهرها بتمويجة في آخره مثلها مثل معظم بنات البحر المتوسط بل يوجد من أجمل منها إذن ماذا؟!.
لم يكن جمال هالة من لفت نظره أو لسحر رأه في عيونها، لكن وجه الشبه بينهما الذي لم يعرفه ويفطن له دراكيولا، هو براءتها التي كانت واضحة بعيونها منذ النظرة الأولى، وطيبتها التي تجعلها تصدق الأشياء من كل قلبها، عفويتها في التصرف، ثلاث عوامل تجعلك تتأكد من الوهلة الأولى أن كل مايجول بقلبها يظهر بسرعة على وجهها، وتعاملها من هذا المنطلق وكأنها تملك قلب لطفل صغير مثلها مثل حبيبته نينا....
لكن فلاد لم ينتبه إلى وجه الشبه، كل ماشعر به أن هناك شىء يجذبه إليها، وهذا مالايجب أن يحدث، فهو آت للقضاء عليها هي وشعبها، وتحويل مصر كلها لمصاصي دماء تابعين له، وهي بالنسبة له وجبة ليس إلا ولايجب أن تكون أكثر من ذلك...
"حسناً يبدو أن داكو كان على حق، كان علي أخذ مزيد من الحيطة أكثر، حقاً هذا شعب ليس مثل باقي الشعوب"
قال فلاد لنفسه وهو يقطع الشرفة ذهاباً وإياباً وفجأة إتسعت عيونه وتوقف مكانه وتمتم
"ياإلهي؟! هل ممكن أن،...أن تكون هذه هي لعنة الفراعنة"
وظل واقفاً لبرهة يفكر في الأمر بعيون متسعة وتمتم بقلق
"ياإلهي حقاً قوية للغاية"
ثم أخذ نفسا عميقا في محاولة منه لإلتقاط أنفاسه
"لماذا أشعر بالحرارة فجأة هكذا؟"
فسار نحو سور الشرفة ووقف يستنشق بعض الهواء.
أخيراً هدأ قليلاً رغم أن الشعور الغريب لايزال موجوداً، لكنه قرر نفيه والتخلص منه في الحال وتمتم
"لن أسمح لها أن تهزمني بلعناتها"
وأثناء تفكيره في الأمر قاطعه صوت شريف..
"فلاد" نادى شريف دراكيولا عندما دخل الشرفة ووجده يقف بجوار السور شارد الذهن ينظر للاشيء وظهره له، فجاء ووقف بجواره وربت على كتفه وهو يقول
"فلاد، أليس كذلك؟"
هز فلاد رأسه بالإيجاب فإبتسم شريف وقال وهو ينظر له وقد التفت فلاد وأصبح مقا**ه:
- "هل تسمح لي بمناداتك فلاد فنحن شباب مثل بعض"
إبتسم فلاد وأومأ برأسه بالموافقة وقال "بالطبع" فرد شريف الإبتسامة وسأله
"كيف حالك الآن؟" فأجاب فلاد وهو يومأ برأسه
"أنا بخير" فإبتسم شريف وقال له وهو يشير لكوب الشاي:
- "شاي هالة لا تعده لأي إنسان سوى لأبي" عقد فلاد حاجبيه وهو يبتسم ويهز رأسه يمينا ويسارا إشارة إلى أنه لا يفهم قصده فرد شريف:
- "أنت ضيف غال سيدي الكونت" ثم ضحك بصوت عال فجاراه فلاد في الأمر ثم وقف شريف وقال وهو يهم لينصرف:
- "حسناً أنا سأسألك أن أذهب الأن لأحل محل أحد الموجودين باللجنة الشعبية، فكما ترى هم موجودون منذ الصباح، وقد حان دوري، لذا سأذهب وأنت عندما تنتهي من عشائك.. " ثم **ت قليلاً واكمل وهو يشير إلى مكان غرفته "غرفتي الغرفة الأول بعد باب الشرفة وإن إحتجت أي شىء أرجوك أطلبها من أيمن أو حتى أبي لكن لي رجاء عندك ألا تطلب شيئا من هالة"
قطب فلاد جبينه بإنزعاج ما الذي يعنيه هذا؟! فهالة هي المرشدة السياحية المسؤولة ومن المفترض أن تساعده في كل مايحتاج وقبل أن يقول شىء أكمل شريف:
- "أعرف أن هالة هي المسئولة لمساعدتك فيما تحتاج، لكن سيدي فقط حتى أعود أرجوك وأنت قد رأيت ماحدث منذ قليل فأرجو ألا تبخل على مساعدتنا على الأقل أمام أبي فقط حتى أعود؟؟؟؟" نظر إليه فلاد قليلاً ثم تن*د وأومأ برأسه بالموافقة على الأمر وقال:
- "حسناً في كل الأحوال أنا لم أنل قسط من الراحة منذ أن وصلت وأحتاج للنوم" فإبتسم شريف وقال له:
- "شكراً لك سيدي الكونت أنت فعلاً لطيف كما أخبرتني هالة"
ثم إبتسم وربت على كتفه ومضى بسرعة...
تن*د فلاد بعد أن خرج شريف ثم هز رأسه وهو في دهشة مما يحدث، فحتى الآن ومنذ أن غادر مطار هنري كواندا الدولي برومانيا، لاشىء يسير كما خطط له ،والسبب في كل مايحدث له شىء واحد وهو هالة، سواء في إبعاد هند عنه أو حتى وصوله وتقييد حريته في المبيت في منزلها حتى الرجل الذي فاجئه وأخذه كان والدها...
كاد دراكيولا حقاً أن يفقد عقله حتى أنه كان يتمتم محدثاً نفسه:
"ألم أقل لك ستندم وأنه كان عليك الهرب"
ثم نفخ بعض الهواء وأمسك بشطائر الجبن ونظر إليها وراح يأكلها ويشرب الشاي بغيظ وهو يكمل تمتمته بالرومانية: "كل يادراكيولا كل الطعام كله فهي لاحظت أنك لم تأكل شىء طوال الرحلة وأرسلت لك العشاء مبكراً وبالطبع ستثير تساؤلاتها إذا لم تأكل وأنت لايمكنك توقع تصرفاتها لذا كل...."
ثم قضم قضمة أخرى وقال بضيق وهو يمسك بكوب الشاي ووجد نفسه يكمل وهو ينظر للشارع :
"وما قصة أن لا تطلب منها شىء، لما انزعجت؟، أليس هذا أفضل؟"
ثم نفخ بعض الهواء بضيق وتمتم:
"هذه الفتاة تجعلني أقوم بأشياء غريبة، حقاً تثير جنوني"
ثم قضم قضمة أخرى وأخذ رشفة من كوب الشاي...
دخل دراكيولا بحذر من باب الشرفة إلى الصالة وهو يحاول أن يتجنب رؤيته لهالة أو الحديث معها، والدخول مباشرة إلى الغرفة التي أخبره عنها شريف، ليس فقط لكلام شريف بشأن والدهم، لكن لأنه هو أيضاً بدأ يقلق من مشاعره من جهتها، فقد بدأ يجد نفسه يتصرف معها تصرفات غريبة عنه، في البداية عندما لم يتركها وأنقذها، منذ متى وهو ينقذ أحد وهو أقدم مصاص دماء في العالم، ثم عندما لم يستطع أن يقترب منها لاحقاً بغرفة الفندق، بل وقلقه عليها وإصراره أن يوصلها لمنزلها، وأخيراً أمر عينيها حتى حين دخلت لتأخذ صينية الشاي لم يكن يريدها أن ترحل، وهنا تأكد أنه يعاني من خطب ما نحوها وعليه الإبتعاد عنها قدر المستطاع حتى يعرف مابه وإصلاح الأمر.
-"كونت فلاد"
نادته هالة وهو يحاول أن يدخل الغرفة بهدوء دون أن تلاحظه، لكن من التي لا تلاحظه هالة؟! بالطبع لا، خاصة وأن كل تركيزها عليه، فهي المسؤولة عنه وعن راحته حتى ولو في منزلها ...
-"سيدي الكونت"
تسمر فلاد مكانه ما أن سمع صوت هالة تناديه فإبتلع ريقه ووقف لكنه لم يلتفت لها فجائته هي وأكملت بهمس:
- "سيدي الكونت أرجو ألا تكون قد تضايقت مما أخبرك به أخي"
قالت هالة لفلاد الذي وقف يسمعها دون أن ينظر لها ووجهه في إتجاه غرفة النوم وظهره لها ولم يرد عليها، لكنه هز رأسه بالنفي فقط، فعقدت هالة حاجبيها وقالت له:
- "كونت فلاد هل أنت بخير؟"
أومأ برأسه بالإيجاب دون أن ينظر لها فسألته وهي في دهشة من عدم رده عليها، ولا حتى النظر نحوها فوضعت يدها على كتفه من الخلف ليلتفت إليها:
- "سيدي الكونت أهناك شيء.؟!"
وكأن صاعقة أصبته عقد فلاد جبينه في ضيق وأبعد يدها عنه، وهنا جاء والد هالة قطب جبينه ونظر إليها بغضب وصاح
"هااااالة"
إرتبكت هالة حتى أنها إنتفضت وتعرقلت في السجادة وكادت تقع فأسرع فلاد وأمسك بها وضع يديه خلف ظهرها وتشبثت هي بذراعيه وهنا نظر لعينيها مرة أخرى، وعاد ذات الشعور الغريب الذي شعر به يزداد أكثر فساعدها على الوقوف بسرعة وإلتفت وقال وهو يهم لفتح باب الغرفة
"تصبحون على خير"
ثم دخل وأغلق الباب خلفه....
أسند فلاد ظهره على باب الغرفة بعد أن أغلقه خلفه ثم زفر بعض الهواء وتمتم
"يالها من عائلة مجنونة، لا أطيق إنتظار الصباح حتى أهرب من هنا"
ثم شعر برجفة تسري بجسده وهو يشعر بالبرودة، عقد جبينه وهو يحاول فرك ذراعيه ويده وكأنه يحاول أن يدخل الحرارة إليهما
"ماذا يافلاد هل جننت منذ متى وأنت تشعر بالبرودة أنت جسدك بارد كالثلج من الأساس و...."
ثم قطب جبينه وقال بصوت مسموع "بالطبع فأنا أتضور جوعاً"
وهنا جاءه صوت
"لم تعجبك شطائر هالة وقمت برميها أليس كذلك؟"
إتسعت عيني فلاد من المفاجأة ونظر في إتجاه الصوت...
**************
"هالة ألم أحذرك من أن أراكم معاً وحدكما"
صاح أمين والد هالة بإبنته ماأن دخل فلاد للغرفة، فردت هالة بصوت منخفض حتى لا تزعج فلاد
-"أبي نحن بالمنزل وجميعكم هنا، أيمن بالغرفة وأنت وأمي وهنّا هُنا، فكيف تقول أننا وحدنا" ثم قالت له: "عن إذنك ياأبي"
وتركته ودخلت لغرفتها فهز أمين رأسه يمينا ويسارا فهو يعرف إبنته، ستجد ألف سبب لإثبات وجهة نظرها، وبالرغم من خوفه عليها، لكنه أيضاً يعلم أن تلك الوظيفة هي حلمها التي كانت تسعى خلفه طوال عمرها، ولايريد أن يحزنها وفي كل الأحوال مادامت تحت نظره فلا توجد مشكلة ثم زفر بعض الهواء ودخل هو الأخر غرفته...
**********
-"لم تعجبك شطائر هالة وقمت برميها أليس كذلك؟" قال أيمن وهو لايزال نائم على سريره عندما سمع صوت فلاد وكلامه، فإقترب منه فلاد ونظر إليه والغرفة مظلمة فإعتدل أيمن في جلسته وهو يضحك وأكمل:
- "طعام هالة لا يمكنني حتى تذوقه، هي لا تستطيع طهو أي شىء ولا حتى عمل شطائر من أي شىء أعلم هذا فقد جربت الأمر"
عقد فلاد حاجبيه وهو ينظر لأيمن ثم جلس على السرير المقابل ومد يده وأضاء المصباح الكهربائي الصغير الموضوع على الكمود بين السريرين وقال:
"جربت ماذا؟!"
فنظر له أيمن وهو يبتسم:
"الأسوء من الشطائر، طعام أعدته أختي هالة"
نظر له فلاد بحيرة وقال له:
- "وهل هو سيء إلى هذا الحد؟ قد أكلت الشطائر ووجدتها جيدة"
فضحك أيمن ضحكة تهكمية، ثم عاد وإستلقى على سريره وهو يشبك يديه خلف رأسه وقال
"نعم صحيح! قد سمعتك وأنت تقول أنك تتضور جوعاً، لا داعي للكذب فأنا لن أخبرها لا تخف"
ضحك فلاد بدهشة وقال
"لا أخاف!"
فرد أيمن
"نعم لا تخف"
قهقه فلاد مرة أخرى وهز رأسه يمينا ويسارا وهو يضحك على كلام أيمن، وهنا وقع نظره على إحدى الروايات الموضوعة على الكمود بجانب المصباح....
كانت الشقة مقسمة لثلاثة غرف بالإضافة للصالة، غرفة لهالة وأختها هناء والثانية لإخوتها الذكور والثالثة غرفة والديها، لذا فمن الطبيعي أن ينام فلاد بغرفة إخوتها، والتي كانت تحتوي على أربعة أسرة، كل إثنان فوق بعضهما بنظام السرير ذو الدور الثاني، وبينهم كمود صغير عليه مصباح ومكتبين بأحد أركان الغرفة بالإضافة للعديد من الأرفف التي تحمل كتبهم الأربعة....
قطب فلاد حاجبيه ما أن وقع نظره على الرواية الموضوعة على الكمود فمد يده وأمسك بها ، كانت الرواية نادرة ومكتوبة باللغة الرومانية القديمة، وبالكاد تكون موجودة فقد قام بنفسه بتدمير معظم النسخ الخاصة بها فكيف وصلت إلى هنا....؟!.
أمسك بالرواية ببطء وراح يتصفحها بإنزعاج ليتأكد أنها هي، ثم رفع عينه عنها ونظر لأيمن وسأله:
- "ماهذا؟! هل هذه الرواية لك؟"
فنظر أيمن إليه وقال
"بالطبع لا، أنا بالكاد أقرأ العربية"
فسأله فلاد
"إذن لمن؟ لشريف؟"
فأجابه
"ولا شريف ولا مجدي ولا حتى عادل فجميعهم ليسوا مجانين إلى هذا الحد الذي يجعلهم يقرأون قصة خرافية مرعبة بل وأجنبية"
فسأله فلاد وقد بدأ صبره ينفذ:
-"إذاً لمن؟" فرد أيمن
-"لمن سوى للمجنونة الوحيدة بالمنزل"
نظر له فلاد بدهشة وقال وقد إتسعت عيناه ورفع حاجباه
"لهالة؟!"
فأجاب أيمن وهو لايزال مستلقي على سريره "نعم"...
احتاج فلاد لدقيقة ليستوعب مايحدث ويجد الكلام المناسب فهالة لم تتوقف لحظة عن مفاجئته حتى لو كانت غائبة لكن الى حد هذه الرواية! كيف؟.
عقد فلاد جبينه ثم قال وهو يتظاهر بالهدوء ليعرف قصة وجود هذه الرواية هنا:
- "أليس من الخطأ أن تنعت أختك الكبرى بالمجنونة؟" فجلس أيمن وقال له:
- "أنا لا أسبها، أنا أصف حالتها،...حسناً أخبرني هل هناك إنسان عاقل يشتري مثل هذه القصص الخرافية المرعبة بل والنادرة ويشتريها بثمن غال" ، رد فلاد: "ربما تحـ....." فقاطعه أيمن :
-"حسناً ربما تحب هذا النوع من القصص، لكن أخبرني هل من الطبيعي أنه في كل مرة تقرأها تجلس تبكي بشدة ويكاد قلبها يتوقف من شدة البكاء؟!"
فقال فلاد:
"ربما تشعـ.....ـ" فقاطعه أيمن:
- "وليس على الضحايا كما فهمت من شريف بل على البطل!".
قطب فلاد حاجبيه ثم إتسعت عيناه وقال في ذهول ودهشة:
- "تبكي على البطل؟! على من؟! دراكيولا ؟!" فرد أيمن بعد أن عاد وإستلقى على السرير:
- "نعم على دراكيولا وتقول أنه شاب مسكين فقد حبيبته، وأهله وأهلها وقفوا ضده، الجميع وبالنهاية فقد إنسانيته ثم تبكيه طوال الليل هل تصدق ذلك؟! حتى نامت فأخذ شريف منها الرواية، ألم أقل لك أنا أصفها فقط"
نظر فلاد قليلاً بدهشة إلى أيمن، ثم ضحك وهز رأسه يمينا ويسارا في حيرة من أمر هالة، فهي حقاً مجنونة هي ورد فعلها والشىء الغريب أن من بين تسعين مليون مصري لا يقابل سواها لتكون المسئولة عنه....
-"أيمن عفواً هل نمت؟"
سأل فلاد بعد أن جلس قليلاً وهو يبتسم ويفكر في شأن هالة، ونام أيمن على سريره وظهره لفلاد فرد أيمن دون أن يلتفت له
- "ليس بعد؟ أهناك شىء؟" فأجاب فلاد
- "نعم في الحقيقة لا أعلم على أي سرير ينبغي أن أنام" فرد أيمن
- "شريف ينام بالسرير الذي فوقي فإختر أنت أي من السريرين الأخرين" فأومأ فلاد برأسه بالإيجاب ثم قال
- "حسناً" ثم عاد وسأله "ولكن لمن هذه الأسرة وألن يتضايق أصحابها إن جاءوا ووجدوني نائم على إحداها؟" فرد أيمن أيضاً دون أن يلتفت
- "هذه لإخوتي ولن يأتي أحد من الأساس فمجدي يعمل بشرم ولا يأتي سوى مرة واحدة في الشهر وعادل.....عادل أستشهد في أحداث الثورة لذا لن يأتي أحد"
ثم جلس على سريره وأخذ غطاء النوم وغطى نفسه من رأسه لأخمص قدمه ونام...
إستلقى فلاد على السرير المقابل لأيمن ثم شابك ذراعيه خلف رأسه، وعقد جبينه بحزن ما أن علم بوفاة عادل أخو هالة، وعرف سبب دموعها وهي تتكلم معه عن ثورة 25 يناير خاصة وأن وفاة أخيها ليست منذ فترة طويلة، وفهم أيضاً سبب إرتدائهم الأ**د سواء هي أو والدتها ورويداً رويداً وجد نفسه بدأ يفكر فيها وفي كل ماحدث بينهم من أحداث كثيرة، فبالرغم من أنهم تقابلوا منذ ساعات فقط، لكنه بات يشعر بها قريبة منه أقرب حتى من أعز أصدقائه داكو، والغريب أنه لم يحاول أن يوقف نفسه عن التفكير فيها بل على الع** راح يتذكر تصرفها معه، وكيف كان رد فعلها على كل موقف يقوم به، ولا يعلم ما الذي جذب إنتباهه فيها، من المؤكد ليس جمالها وليس رقي أخلاقها وتعاملها فهي أبعد مايكون عن هذا، ربما لأنها هي الوحيدة منذ أن أصبح مصاص دماء التي وقفت أمامه وتحدته؟! لكن بالنهاية كانت مرشدته وحاولت أن ترضيه، لكن حتى في هذا كانت تملي شروطها عليه وبين هذا وذاك وجد نفسه يبتسم في كل لحظة يتذكرها فيها، وتتسع إبتسامته أكثر كلما تذكر ردة فعلها، والأكثر قصة تلك الرواية التي أغضبته في الماضي بشدة، لما أحدثته من رد فعل وكره الرأي العام له خاصة من الفتيات، مما دفعه لجمع النسخ وإحراقها جميعاً، لكنه مع ذلك لم يرى أبداً ماأخبره به أيمن عن تعاطفها معه وإن لم تره، وفي ظل هذا إذ بفلاد يسمع صوت زمجرة بداخله وكأن جسده يذكره بأنه لم يتناول شىء منذ مساء أمس.....
"آه" تمتم فلاد وهو يمسك معدته بعد أن جلس على السرير، ثم عقد حاجباه وأص*ر ذاك الصوت الذي يشبه فحيح الثعبان وحمداً لله على أن نوم أيمن ثقيل وإلا كان إستيقظ عليه، ودون أن يشعر سارت رجفة بجسد دراكيولا وبدأ يشتم رائحة الدماء التي حوله من كل جانب، وإلتقطت أذناه صوت قلب أيمن ونبضه في عروقه، فأغمض عيناه وضغط على قبضته بشدة وهو يحاول أن يتماسك لكن لم يمضي الكثير حتى، تملكت شهوته منه، وفتح عيونه التي تحولتا للأحمر ثم كشر عن أنيابه وأص*ر الصوت الذي يشبه فحيح الثعبان مرة أخرى، ونظر في إتجاه أيمن وفي أقل من الثانية كان قد أصبح بجواره ثم أزاح الغطاء عنه، فإعتدل أيمن ونام على ظهره فإبتسم دراكيولا ودار بل**نه على شفتيه ثم إقترب من عنقه لينقض عليه............
أوقفت طرقات الباب دراكيولا في المضي قُدما فيما كان يفعله، ثم سمع صوت والد هالة عبر الباب وهو يقول
"أيمن، سيد فلاد هل أنتما مستيقظين؟"
أسرع دراكيولا وقفز إلى سريره وتظاهر بالنوم، ودقيقة ودخل والد هالة الغرفة ثم إتجه نحو أيمن وقال وهو يضع الغطاء عليه
"يالك من فتى شقي حتى وأنت نائم"
ثم إلتفت لفلاد ووجده ينام على جانبه وظهره له دون غطاء، فهز والد هالة رأسه بأسى وقال وهو يأخذ الغطاء الأخر ويغطيه به
"ستمرض كثيراً ياإبني إذا إستمريت في الإستهتار بصحتك" ثم تن*د وأكمل "مسكين ليس له من يعتني به" ثم تركهم وخرج.
إتسعت عيون فلاد ما أن سمع صوت قرعات والد هالة على الباب، وقفز بسرعة مذهلة إلى سريره ونام على جانبه كي لا يرى والد هالة عيونه وأنيابه، وراح يحارب ليسيطر على جوعه، حتى لا تزمجر معدته كالمعتاد وألا يص*ر ذاك الصوت في وجود والد هالة حتى لاينكشف غطائه، لكن فجأة لاحت فكرة برأسه وهي لما لايحول والد هالة نفسه حينها، سيسهل الأمر كله عليه وبالفعل قرر القيام بالأمر وإلتفت بسرعة نحو والد هالة ليكون أول ضحاياه بمصر....
مع الأسف ويالا حظ فلاد العاسر فما أن إلتفت حتى وجده قد خرج من الغرفة، مغلقاً الباب خلفه فجلس فلاد على السرير ، وما أن هدأت شهوته قليلاً وعاد له عقله وتفكيره المنطقي في أنه لو تهور وقام بما نوى وإنقض على أمين، لكان صرخ أو شعر به أيمن وبالتالي المنزل كله وربما إضطر لفعل مذ*حة بهذا المنزل لأجل إسكاتهم فقط، وكان الأمر سيخرج عن السيطرة حينها وإنكشف الأمر وعادت حرب البشر ضد مصاصين الدماء، وإستخدموا كل أسلحتهم ضدهم، من ثوم ومياه مقدسة وصلبان إلى أخره، تلك الحرب التي بالكاد إستطاع إيقافها في الستينيات بإقناع البشر أن مصاصوا ليسوا سوى أسطورة وقصص خرافية .
إنتفض دراكيولا وجلس على سريره بسرعة يلتقط أنفاسه، ما أن خرج والد هالة من الغرفة وأغلق الباب ثم تمتم
"كان الأمر وشيكاً، ماذا لو دخل دون أن يقرع الباب ووجد الدماء على فمي أو..." ثم تن*د وقال "لضاع أمر التخفي من الأساس ولكان جيشهم هذا الذي أمسك بذمام الأمور في ساعات كان إتحد ضدي" ثم نفخ بعض الهواء مرة أخرى وعقد حاجبيه وهو يفكر ثم هز رأسه بالنفي وقال محدثاً نفسه "لا ليس من الصحيح أن يكون أيمن وجبتي لليوم" ثم نهض من على سريره وفتح النافذة ومنها إلى السطح...
وقف فلاد فوق سطح منزل هالة وهو يراقب الجميع، الشارع، المنازل، الأسطح الأخرى وحتى السماء فطائرات الجيش لا تهدأ، لكنه لم يستطع رغم أن بالشارع عدد غير قليل من الناس، لكن لايوجد واحد منهم تستطيع أن تظن أنه بمفرده، وجميعهم يعرفون بعضهم البعض وإذا ما غاب أحدهم فجأة سيعرفون بالأمر، لكن الظمأ والجوع يض*به بقوة، وهنا مرت طائرة للجيش وإقتربت كثيراً من السطح وكأنها تراقبه، فقطب فلاد جبينه بضيق وأسرع ودخل عشة للدجاج كانت على السطح، وما أن مرت الطائرة وبدأ فلاد يشعر بالأمان، حتى شعر بالظمأ أكثر وما عاد يحتمل ونظر إلى إحدى الدجاجات، ثم تمتم بضيق
"لم أفعلها طوال حياتي لا عندما كنت بشري ولا حتى بعد أن أصبحت مصاص دماء، كانت دماء ح*****ت ثم بشر" ثم أمسك بواحدة وقال بضيق وهو يكاد يبكي "لكن دجاج!" ثم أمسك برقبتها وإنقض عليها.
لم أكن أعلم مالذي ورطت نفسي به حتى الآن.......ولم أكن أدري لما تسمى بمقبرة الغزاة،.......حتى معظم مخلوقات الليل يخشونها ويضعون ألف حساب عند دخولهم أرضها
كل ماتبدو عليه دولة صغيرة،.... مربع بمنتصف الخريطة والزحام الشديد بوسطه تسوده الفوضى، حوله عدة تماثيل يقولون أنها لفراعنة عظام، وطبيعة ساحرة تزينها إلى جانب صحاري ممتدة ، تناقض غريب لكنه موجود، أما باقي خبرتي عنها أن شعبها يتخبط بفقره في حين تتمتع دول العالم بثرواته....
أخد فلاد الدجاجة النافقة وخبئها بعيداً عن منزل هالة والدموع بعينيه، ثم أخذ نفس عميق وأسرع وقفز سور السطح ومنه لماسورة بأحد الأركان المظلمة، ثم دخل عبر النافذة إلى الغرفة وإستلقى على سريره...
لم تكن بالطبع دماء الدجاجة كافية، بل وغير صالحة بالنسبة له، فهذه المرة الأولى له التي يتذوق فيها دماء للطير، وبالطبع يختلف كثيراً جداً عن الدماء البشرية التي إعتاد عليها لأكثر من عقدين، لكن في الوقت الراهن لم يجد سواها تكفي لتهدئة ظمئه الشديد، حتى يجد الفريسة المناسبة، كما أن طعمها جعله يريد أن يتقيأ من الأساس ولا يريد تذوق شىء أو حتى تناول أي طعام فقط يريد أن ينام وأن ينسى كل شىء وكل ماحدث له منذ أن جاء....مصر.
إستيقظ فلاد في صباح اليوم التالي على صوت ضوضاء وصياح عال ، وما أن فتح عيونه حتى أسرع نحو النافذة ليرى مايحدث، وإذ بالفعل إثنان يتشاجران وأن هناك شخص غريب عن المنطقة كان يحاول مضايقة أحد الفتيات التي تقطن هنا، بل وتبعها حتى وصلت هنا، فأوقفه بعض الشباب وراح كل منهم يصيح في وجه الأخر وإنفض الأمر على جعل هذا الشخص يمضي، وتحذيره من تكرار فعلته أو حتى يفكر في أن تطىء قدماه هذا المكان مرة أخرى، فضحك فلاد على الأمر وهو يهز رأسه متعجباً من طبع هذا الشعب الغريب، ثم إلتفت وترك النافذة ودخل...
إلتفت فلاد ولم يجد أيمن بالغرفة، فعلم أنه قد غط بنوم عميق ونام طويلاً، فتثائب وهو يفرد ذراعيه أمامه، ثم إتجه نحو الباب ليخرج لكن بمجرد أن إقترب من الباب حتى سمع مرة أخرى صوت صياح وضوضاء ولكن هذه المرة من أشخاص مختلفين تماماً....
- "أيمن أعطني الرواية، وكفاك مزاح"
صاحت هالة محذرة لأيمن وهو يقف أمام باب غرفة فلاد، فرد عليها هو أيضاً بصوت مرتفع
- "لاااااا شريف أخذها منك وحذرك من أن تأخذيها مرة أخرى"
فقالت له وهي غاضبة وتجز على أسنانها، وعيونها يتطاير منها الشرر من شدة الغضب
- لا شأن لك هذه روايتي وأنا سأخبر شريف"
فرد أيمن وهو يهز رأسه يمين ويسار بطريقة مستفذة ليثير غيظها
- "أنا من أخذها من الغرفة، وأنا من سيعيدها، وعندما يأتي شريف أخبريه إن أراد إعادتها لك فليفعل"
فصاحت به أكثر وكأنها تصرخ
- "أيمممممممممممن يكفي هذا إن لم تعطني إياها سأخبر أبي عما فعلته بالأمس بأوراقه" رفع أيمن حاجبه بغيظ وقال لها
- "هل تهدديني ياهالة"
ردت عليه بإبتسامة تحدي
- "نعم ياأيمن"
فعقد هو جبينه بغضب ثم قال
- "وأنا لا أخاف"
ثم أمسك بالرواية وبدأ يمزقها، عقدت هالة جبينها بغضب حتى أنها راحت تتنفس بسرعة وأمسكت بطفاية السجائر الكريستال وألقتها عليه...
إتسعت عيني أيمن وشهق شهقة صغيرة حتى فمه بات مفتوح، ما أن رأى هالة تمسك بطفاية السجائر الكريستال، ولأنه يعرف أخته جيداً وأنها ستقذفها عليه بالفعل، أسرع وركض من مكانه بسرعة لكن لم يعلم أن هناك من لا يعلم بالأمر من الأساس، ولم يرى مايجري من أحداث، فلم ينتبه للأمر وفتح الباب وكانت القذيفة من نصيبه هو......
صرخ فلاد ما أن فتح باب الغرفة ليجد الطفاية متجهة مباشرة نحوه، دون سابق إنذار، وبالرغم من أن فلاد لديه ردة فعل قوية وسريعة وشىء كهذا لكان أمسك به بكل سهولة، لكنه لم يتوقعه أبداً خصوصاً في هذه الشقة الصغيرة ...
"سيدي الكونت" صرخت هالة وإتسعت عيناها بفزع عندما وجدت أن الطفاية من نصيب فلاد الذي تلقاها بوجهه تماماً، فض*بت بيدها على فمها وهي مرتبكة لدقائق وهي تراه يضع يده على عينه والدماء تنزف فهرعت إليه ولحق بها أيمن ووالدتها.....
"كونت ، فلاد...دعني أرى أرجوك، ما الذي حدث ارجوك"
قالت هالة بقلق وهي تقف أمام فلاد وتحاول أن تزيح يده عن عينه، فصاح بها وهو يدفع يدها بعيداً عنه
"إبتعدي عني"
ثم تركها ودخل إلى الحمام بسرعة ورفع يده وراح يغسل وجهه
وقف فلاد أمام صنبور المياه الحمام وهو يحاول أن يتلمس الجرح بوجهه ويحاول تنظيفه بالمياه ثم نظر للمرآة المعلقة أعلى الصنبور، وإذ بطفاية السجائر قد أحدثت قطعاً (جرح عميق قليلاً) تحت عينيه وعند بداية عظمة خده ومع أن فلاد مثله مثل باقي مصاص الدماء تشفى جروحه بسرعة، لكنه بالفعل وفي ذات الوقت إنسان حتى أن إنعكاس وجهه ظاهراً بالمرآة والجرح يؤلمه للغاية...
"كونت فلاد أرجوك دعني أرى"
قالت هالة تترجاه ما أن لحقت بفلاد وهو يغسل وجهه من صنبور المياه، وأسرع أيمن ولحق بها وأعطها حقيبة الإسعافات الأولية
"أمسكي ياهالة"
فأخذتها هالة منه وقالت له
"سيدي الكونت أرجوك دعني أ"
فقاطعها منتهراً إياها
"قلت إبتعدي عني"
لكنها لم تستمع له وقالت وهي تحاول أن تزيح يده عن الجرح
"أرجوك سيدي لا تلمس الجرح حتى لايتلوث ودعنـ"
لكن الجرح حقاً كان يؤلمه، فصاح بها وهو يزيح يدها بقوة دفعتها وجعلتها تلتصق بالحائط حتى أن الحقيبة سقطت من يدها على الأرض
"إبتعدي عني يكفي ماحدث لي منذ أن رأيتك"
شعر أيمن بالخوف وخرج من الحمام راكضاً، أما هالة فنظرت له قليلاً وهي تشعر بالإحراج الشديد، خاصة وأن ظهرها قد آلمه قليلاً إثر دفعها وإرتطامها بالحائط، فإمتلأت عيناها بالدموع الحبيسة ثم إنحنت ببطأ وآمسكت بالحقيبة مرة أخرى ووقفت، ثم إبتلعت ريقها ووضعت الحقيبة على الحوض أمامه، وقالت له بصعوبة وهي تحاول أن تتماسك ولا تظهر آلمها ولادموعها
"حـ حسناً هاهي الحقيبة، وإن أردت أن يراك الطبيب فهناك واحد عيادته قريبة من هنا"
ثم همّت لتمضي، عقد فلاد جبينه ونظر إليها، وإذ بغصة بقلبه لايعرف سببها، لكنه لم يستطع تحمل رؤيتها في هذه الحالة، فأمسك بمع**ها ليوقفها وقال لها
"إنتظري" وأخذ نفساً وتماسك ثم نظر إليها وقال "ضمديه أنت" فنظرت له هي في دهشة وقالت "ماذا؟!"....
نظرت هالة بدهشة إلى فلاد لتغييره رأيه فجأة، لكنها إبتسمت بسرعة وقالت له
"بالطبع بالطبع تعال بسرعة"
ثم خرجوا من الحمام وجعلته يجلس على أحد المقاعد الخاصة بطاولة الطعام وجلست هي أيضاً مقا**ه، ثم فتحت الحقيبة ووضعتها على الطاولة، وأخذت قطعة من القطن وقبل أن تقترب منه لتمسح الدماء سألها
"هل ظهرك يؤلمك؟"
إبتسمت وأومأت برأسها بالإيجاب، ثم بدأت تمسح الدماء إستعداد لتضميد الجرح...
"سيدي الكونت أرجوك أرفع وجهك قليلاً حتى أستطيع أن أرى الجرح"
قالت هالة لفلاد لتجعله يرفع وجهه قليلاً، لكنه كان يخشى النظر إليها أو أن تتلاقى أعينهما مرة أخرى، خاصة مع قرب المسافة التي بينهم، فأشاح بنظره عنها نحو الأرض لكنها لم تستطع تضميد الجرح بهذه الطريقة فطلبت منه رفع وجهه، لكنه ظل يحاول التهرب منها فأمسكت بذقنه ورفعت وجهه هي..
"حسناً هذا جيد ، لا تقلق أنا قد أخذت دورة في الإسعافات الأولية بالنقابة لذا لا تقلق سأهتم به جيداً، وسيشفى سريعاً ولن يترك أثر أعدك"
قالت هالة وهي تضمد جرحه وكأنها وضعت عينيه تماماً بالوضع الأمثل ليراها فيه جميلة ساحرة جمالاً لايعرف ماسره
ظل فلاد يتأمل هالة دون كلام فما أن رفع وجهه ونظر بإتجاهها حتى وجد نفس الشعور الغريب يجتاحه نحوها مرة أخرى، وهذه المرة لم يستطيع أن يبعد نظره عنها مهما حاول، وكأن بالفعل لعنة قد أصبته وأن للعنة الفراعنة هذه وجود فإبتلع ريقه وإستسلم للأمر...
راح يتأملها، هي فقط! وكأن قلبه كان ينتظر أن تنظر عيناه لها ليحفظ ملامحها وعيونها وأنفها الصغير، فمها المرسوم وجهها الذي يجمع بين دائرة القمر وبيضاوية الأرض برسم مذهل ، كل شىء وكأنه يحاول أن يطبع صورتها بقلبه، وقد كان وفي لحظة أصبح بعالم أخر لايرى فيه سوى عيونها وملامحها، ولايسمع فيه سوى دقات قلبه وهمسات صوتها العذب الجميل وهي تحاول أن تخفف عن آلامه بكلماتها، حتى أنه نسى الآلم ولم ينتبه لما تقوله هالة بالفعل ....
ظل كونت فلاد ينظر لهالة في **ت وهو لايفهم مايحدث لكنه يشعر بسعادة إفتقدها منذ زمن طويل، سعادة قد نسى وجودها، سعادة دفنت مع حبيبته وظن أنها قد ذهبت للأبد ووجد نفسه أخيراً ينظر لها وهو يبتسم دون حتى أن يشعر هو بذلك......
"كونت فلاد قد إنتهيت....سيدي الكونت....سيدي الكونتـ"
قالت هالة لفلاد بعد أن إنتهت من تضميد الجرح لكنه لم يسمعها، ولم يجب وظل ينظر لها فأستمرت هي في مناداته حتى تلاقت عيناها بعينيه، وكأنها بدأت تقرأ مافيها وللحظة بدأت تشعر هي الأخرى بشىء غريب....
شعرت هالة بأن هناك شىء قد إخترق قلبها في تلك اللحظة، وكأن نظراته لها ماهي إلا رسائل يرسلها قلبه لقلبها وعيونه بها شىء مختلف شىء جعلها ت**ت، ولا تستطيع أن ترد الأمر وتوقفه كعادتها أو تشيح بوجهها وتبتعد عنه عن الأقل، لكن وجدت نفسها تنجذب إليه بل وتريد أن تعرفه أكثر، فإذ بها تبادله ال**ت، وتنظر لعيونه وذلك الشعور الغريب يبدأ في داخلها ليمهد لإجتياح قلبها هي الأخرى....
ظل الإثنان هكذا ولم ينتبه لهما أحد، لا والدتها لأنها كانت بالمطبخ تطهو طعام الغداء، ولا أيمن حيث ذهب ليلعب بأل**ب الفيديو، وأختها هنا أيضاً بدميتها، فلم ينتبه أي منهم لما يحدث وظلا الإثنان هكذا دون حركة أو همسة فقط ينظران لبعضهما البعض... حتى وصل..... والدها...
"هااالة! لماذا تجلسون هكذا"
إستيقظت هالة على صوت صياح والدها الغاضب وهو يدخل من الباب ومعه شريف، حيث كانت تجلس على المقعد أمام فلاد، ويجلس فلاد أمامها بالكرسي المقابل وظهره للباب فلم يرى والدها الجرح، مما أثار غضبه للغاية وجعله يصيح بهما وهو ينادي على هالة فإنتفض كلاهما واقفين وإلتفت فلاد إليه...
أوقف منظر الجرح بوجه فلاد غضب أمين وأسرع نحوه شريف بهلع...
"ياإلهي ما الذي حدث؟!"