" تهديد "

3421 Words
عادت للمنزل لتتفاجأ بابنة خالتها تجلس مع شقيقتها بحجرة الاستقبال، كانت رنيم شاردة وكأنها بوادٍ آخر بينما فِداء تجلس بجوارِها تحاول مُواساتها بكلِ الطُرق قطبت بين حاجبيها وهي تهتف بسعادة: -فِداء! ما هذهِ المفاجأة؟ انتفضت فِداء وهي تُردد بهمسٍ وجل: -لقد جاءت نغم اعتدلي. ابتسمت فِداء وهي تعانق نغم باشتياق وكذلك الأُخرى ماثلتها وهي تُردد: -لقد اشتقتُ إليك كثيراً يا فتاة أجابت الأُخرى وهي تجلس بجوارِها: -وأنا أيضاً.. هيا غيري ثيابكِ وتعالي لقد أحضر فارس الكثير مِن الطعام ابتسمت الأُخرى مُتسائلة: -هل فارس هنا؟ أومأت لها فِداء وهي تُجيب: -أجل قام بجلبي لهنا، كان لديهِ بعض الأعمال التي يجب عليهِ إنهائها ومن ثمّ قام بإحضار بعض الطعام لنا وأتاهُ عملاً آخر فاضطر للذهاب أعتقد بأنهُ على وشكِ العودة بأي وقتٍ الآن. حانت من نغم التفاتة نحو شقيقتها لتُقطب بين حاجبيها باستغراب مُتسائلة: -رنيم هل أنتِ بخير؟ التفتت لها شقيقتها وهي تبتسم بتوتر مُجيبة بينما تنهض مِن أمام شقيقتها: -أجل أنا بخير سأذهب للدراسة قليلاً هتفت بها نغم وهي تراها تبتعد مِن أمامها: -الآن اجلسي قليلاً مع فِداء؟ أوقفتها فِداء وهي تمزح: -لقد ضقت ذرعاً منها وحان وقتكِ الآن أنا أجلس معها منذُ الواحدة ظهراً، هيا غيري ثيابكِ وتعالي تناولي الطعام سأقوم بتسخينهُ لكِ. أومأت لها نغم لتتحرك مُبتعدة بينما توجهت الأُخرى إلى المطبخ مِن أجل القيام بما قالت، دقائق وصعد رنين جرس المنزل ليصعد معهُ وجيب قلب أُخرى تقبع بحجرتها تبكي بصمت وهي تعلم ماهية الطارق جيداً. توجهت فِداء نحو الباب لتقوم بفتحهِ وهي تعلم بأنها شقيقها هو الحاضر، دلف بتساؤل: -هل أتت؟ أومأت لهُ وهي تهتف: -تنهي صلاتها انتظر قليلاً سأضع لك الطعام معها، يجب عليك تناوله.. أنت لم تتناول جيداً أعلم هذا تن*د ليجلس على الأريكة بينما هي تقف على باب حجرتها تُحدق بهِ مِن الخلف وعينيها تتوسلانهِ المُسامحة. انتبهت لها فِداء لتشعر بالحزن لتتوجه نحو شقيقها وهي حاملةً الطعام بالتزامن مع خروج نغم مِن الحجرة وهي تبتسم بسعادة لتتوجه نحو فارس وهي تُعانقهُ بحفاوة، هو شقيقها هي فقط مِن الرضاعة خالتها قامت بإرضاعها هي لا غير مع ابنتها رشا التي تبلغ مِن العمر ما يناهز نغم.. الخامسة والعشرين ربت على ظهرها مرتين وهو يُردد بهدوء: -كيف حالكِ؟ ابتسمت مُجيبة: -بخيرٍ الحمد لله وأنت؟ جلست بجوارهِ على الأريكة وهي تشرع في تناول الطعام بنهم، لقد مرت بيومٍ عصيب لن تنساه وهي لم تتخاذل وتتنازل عن كبريائها -بخير كلمة واحدة هتف بها وهو يمد أناملهُ للطعام ليتناولهُ في صمت. توقف بالسيارة أمام منزلهِ الكبير ليترجل منها وهو يتحرك نحو الداخل بخُطاهُ السريعة الواسعة لتوقفهُ إحدى العاملات وهي تهتف: -سيد زين؟ انتبه لها لتُردف هي قائلة: -السيدة ريم أتت وهي تجلس بانتظاركَ بالداخل. انعقد حاجبيهِ وهو يتوجه نحو حجرة الاستقبال مُتمتماً: -حقاً؟ دلف للحجرة ليجدها أمامهُ بثيابها الأنيقة المكونةِ مِن حلة كلاسيكية رمادية وحذاءٍ عالٍ اسود تاركة الحرية لخصلاتها الشقراء.. هتف مُرحباً بهدوء: -مرحباً متى عدتِ؟ ما إن وجدتهُ أمامها وقد انتفضت لتركض نحوهُ وهي تعانقهُ بقوة وسط تمنعهِ واعتراضهِ مِن تصرفاتها التي في بعض الأحيان لا تناسبهُ أبداً. -زين لقد اشتقتُ لك؟ هتفت بها وهي تلف ذراعيها حولهُ إلا أنهُ تن*د بضيق وهو يمسك بيديها ليُبعدها بصمت وسط انتباهها هي لما حدث لتحاول تناسي الموضوع وهي تُردف: -لقد عدتُ الأمس كيف حالك؟ أومأ لها برأسهِ وهو يجلس أمامها على الأريكة واضعاً قدم فوق الأخرى بأريحية شديدة بينما هي تجلس على المقعد المقابل له: -بخير أنتِ كيف الحال؟ تن*دت بعمق وهي تلتقط كوب العصيرِ أمامها تتجرع منهُ بعضاً لتتحدث: -لقد هاتفني أبي منذ أسبوعٍ وأخبرني بأنهُ يريدني بموضوعٍ هام لذلك حاولت تنظيم عملي والعودة لرؤية ما يريد، ولكنني سأضطر للسفر بعد غدٍ ثانيةٍ لأنني لم أنهي عملي بعد أومأ بخفة وهو يتساءل: -كيف حال العمل؟ لقد أصبح اسمك يلمع عالمياً.. أهنئكِ رفعت حاجباً بخُيلاء وهي تهتف بثقة: -ابنة عمك ماذا تتوقع؟ ملوك السوق هذا يجري في دمائنا بفضل جدي رحمهُ الله تمتم بالرحمة لجدهِ ليقاطعهم مجيء سميرة مربيتهُ بثيابها المتواضعة المكونةِ مِن عباءة كحلية وحجابٍ مِن نفس اللون وهي تهتف بابتسامة حنونة: -زين ابني لقد أصبح العشاءُ جاهزاً أومأ لها الآخر لتهم هي بالانصراف دون أن تكترث لريم، فهي بالغالب لا تستسيغ هذهِ الفتاة بالمرة لتوقفها الثانية وهي تهتف بنزق: -ما بكِ سيدة سميرة ألا ترينني أم انكِ أصبحتِ كفيفة؟ زأر زين بقوة بها سخطاً على تطاولها: -ريم! انتفضت بقوة مِن صياحهِ بينما سميرة تن*دت بقلة حيلة وهي تمتم بالاستغفارِ بصوتٍ خافت ليتابع زين صياحهُ بغضب: -كيف تتحدثين مع الخالة بهذهِ الطريقة؟ اعتذري فوراً كزت الأُخرى على أسنانها غيظاً وهي تبتسم ابتسامة ناعمة زائفة حتى تحتوي غضبه: -أنا آسفة لم أقصد أبداً هي بالتأكيد تعلم بأنني أمزح أليس كذلك؟ هتفت بكلمتها الأخيرة وهي تنظر نحو سميرة بنصف عين لتلوي لها الثانية فمها بتهكم وهي تبتعد بعد أن ألقت لزين كلماتها الأخيرة بابتسامتها: -هيا ابني لا تتأخر.. هتف بها مُؤكداً: -لن أتأخر سأغير ثيابي وآتي ما إن ابتعدت وغابت عن الأنظار إلا وقد كان بلمح البصر أمام الثانية ليهتف بها بحدة مُحذراً: -اسمعي ريم، مَن يعملون بمنزلي لا أسمح لكِ بالسخرية منهم، هم ليسوا جماداً والأهم هذا منزلي أنا والوحيد الذي يحق لهُ التصرف بهِ كيفما شاء لذلك سخريتكِ وتكبركِ هذا حاولي التحكم بهم ولو قليلاً.. أما سميرة فهي خط أحمر عنده وقفِ هل فهمتي؟ ابتسمت لهُ بنعومة وهي تتحدث هامسةً: -بالتأكيد عزيزي كما تريد سيكون. تركها بدون إضافة كلمة أخرى ليصعد للأعلى وما إن اختفى عنها إلا وقد تلاشت ابتسامتها الناعمة ليحل محلها الحقد والغضب ليصطك فكيها ببعضهما وهي تهمس: -وغد.. يجعلني أعتذر لخادمة؟ يجب عليّ الإيقاع بهِ بأقرب وقت كما أخبرني والدي قصر التاجيّ كله لن يكون لأحد غيري. كانا يتناولان الطعام بنهم وهما يتبادلان الأحاديث سوياً أو بالأصح هي مَن تتحدث وهو المنصت المستمع دائماً، قليل الكلام. هكذا كما أخبرتك، صدقاً لا أعلم كيف استمر بهذا العمل حتى الآن؟ هتفت بها وهي تمضغ طعامها ليُجيب بهدوء واختصار: -لأنك تحبينه رفعت رأسها لأعلى وهي تهتف: -أعلم.. أعلم وهذهِ هي المُشكلة، يجبُ عليّ الحفاظ على كبريائي والذي لا ينفك يوسوس لي بالاستقالة وترك العمل لهذا البارد نظرت لهُ وهو يتناول قضمة مِن الشطيرة بيده لتُضيق بين عينيها وهي تُردف: -أتعلم أحياناً أشعر بأنهُ يشبهك في برودك الشديد هذا.. أقسم! توقف عن تناول الطعام وهو ينظر لها مِن طرفِ عينهِ شزراً لتتشنج تعابيرها استنكاراً وهي تهمس: -لا تنظر لي بهذهِ الطريقة أنت كلوحٍ مِن الثلج تماماً رفع أناملهُ ليقوم بجذب أطراف خصلاتها بقوة محذراً بكلمة واحدة: -اصمتي صرخت استياءً وهي تراهُ يعود لتناول الطعام بينما هي تهتف بعجز: -فارس لا أعلم ما الذي يجب عليّ فعله؟ لطالما حلمتُ بالعمل بهكذا مكان، ومِن الصعب للغاية تركهُ ومِن جهة أُخرى هذا البارد القاسي.. لا أعلم! أجابها بهدوءٍ مُحاولاً إعطاؤها بعض النصائح: -اسمعي نغم، لا تضعي برأسكِ كل ما يحدث ما يهمكِ فقط هو العمل، عملكِ افعليهِ على أكمل وجه لا تهتمي لما يقول ولا إلى ما يفعل.. تعلمي البرود، برودي الذي تتهكمين عليه هو ما تحتاجينه، لا تهتمي مُطلقاً لما يحاول استفزازكِ به، حاولي أن تُصبحي كالإنسان الآلي وكلما حاول الحديث معكِ بصلفٍ ابتسمي فقط أمام عينيهِ وسترين ما سيحدث تمعنت بكلماتهِ جيداً وهي تضيق عينيها خبثاً. على جهة أُخرى كان هناك زوج مِن الأعين البنيّة التي تقف على باب حجرتها تُراقب في صمت كل ما يحدث بينما عبراتها هي التي تُشاركها ألمها، كانت تنظر لما يحدث أمامها لتشعر بهذهِ القبضة التي تعتصر فؤادها بقوة. يتحدث بكل هذهِ الأريحية ويمزح مع شقيقتها، لطالما كان لنغم هذا الاستثناء هي لا تحقد على شقيقتها فهي تحبها وبقوة ولكن هي تريد أن تكون مكانها، أن تكون هي صاحبة هذا الاستثناء، أن تجد ولو القليل فقط مِن هذا الحب. لما يتعامل معها بهذهِ الطريقة؟ لما هي وحدها دوناً عن الجميع مَن تحظى بهذهِ المعاملة القاسية؟؟ شقيقاتهُ جميعهن يتعامل معهن بحنان وإن كان ظاهرهُ القسوة والشدة ونغم كذلك أما هي فبالفعل لا تجد سوى القسوة الحقيقية! مسحت عبراتها بقوة لتشعر بأنامل فِداء التي تحط على كتفها هامسةُ: -هونِ عليكِ رنيم همست الثانية مِن بين عبراتها دون أن تحرك عينيها بعيداً عنهما: -هل ترين كيف يعاملها فِداء ألا أستحق بعضاً مِن هذا الحب ما الذي قمتُ بفعلهِ حتى أنال الشدة والبأس؟ أليس هذا ظُلماً؟ هل يعتقد بأنني لا أملكُ قلباً حتى يتجبر عليا بهذهِ الطريقة كل ذنبي أنني أحبه! تن*دت الأخرى بحزن وهي لا تجد ما قد يواسيها بكل ما تشعر، بينما عينيها تحركتا أيضاً نحو الآخرين لتهمس بداخلها : -إلى متى أخي والله ستندم إن أضعتها كانا يجلسان على طاولةِ العشاء ليتناولا الطعام في صمت لتُقاطع ريم هذا الصمت وهي تتحدث مِن بين الطعام: -زين أريد طلب شئٍ منك؟ همهم بترقب دون أن ينظر إليها بينما هي تابعت: -الموضوع الذي أخبرني بهِ والدي بخصوص العمل، لقد وجدتهُ حزين لأنني لا أهتم به، يقول بأنهُ يترك عليك العبء وحدك ويتوجب عليّ المساعدة به لذلك أريد أن آتي معكَ للشركة وبدأ العمل معك. مط شفتيهِ وهو يمضغ الطعام مُوافقاً: -لا توجد مُشكلة، متى تريدين البدء؟ ابتسمت وهي تُجيب: -ليس الآن، لقد فاجأني بالخبر هذا دون أن أستطيع تنظيم وقتي، يجبُ عليا السفر مرة أخرى مِن أجل الاهتمام ببعض العمل بالخارج وإن استطعت تصفية البعض سأفعل، ربما بعد شهرين حتى أطمأن على إدارتهُ بالخارج ثم أعود.. وبمجرد عودتي سأبدأ معك فوراً أومأ برأسهِ وهو يكمل طعامهُ موافقاً: -كما تريدين ولكن لا أريد التكاسل فقط، العمل ثقيل ابتسمت وهي تتجرع بعضاً مِن العصير: -لا تقلق بهذا الشأن. ها قد بدأت خطوتها الأولى نحو هدفها لتبتسم بخبث وهي تنظر لهُ مِن طرفِ عينها بينما هو غافلاً عما يحدث وما يُحاك مِن وراءهِ. مرّ أسبوعاً بالكامل على ما حدث ورنيم تمكث بالبيت لا تخطو بقدميها أرض الجامعة بينما هناك واحداً عقلهُ على وشكِ التفاوت مِن عدم قدومها ومنذ ما حدث وهو يحاول بكل الطرق معرفة هوية هذا المجهول ولكن دونَ فائدة. بينما بالمنزل انتبهت نغم إلى ما يحدث وأن هناك خطباً ما بشقيقتها التي تتعلل بالمرض ولا تريد الذهاب للجامعة، جلست أمامها ليلاً وهي تحدق بها بتمعن بينما كانت رنيم تستذكر بعضاً مِن محاضراتها التي ترسلها لها نور عن طريق موقع التواصل الاجتماعي. انتبهت إلى نغم التي تحدق بها في صمت لتنزع الثانية عويناتها الطبية وهي تتساءل ببراءة: -ماذا هناك؟ تحدثت نغم مُتن*دة: -لا تظني أنني حمقاء ولست منتبهة لكِ، ما الذي حدث حتى تمكثين بالمنزل أسبوع ولا تريدين الذهاب للجامعة؟ توترت رنيم قليلاً لتقتنص نغم بعينيها رد فعل شقيقتها بينما الثانية تُجيب وهي تهرب بناظريها منها: -لا شئ نغم أنا فقط مُرهقة وأردت الراحة قليلاً أمسكت نغم بذقن رنيم وهي ترفع وجهها لها حتى تتمعن بقلبِ عينيها لتتحدث بلوم: -هل ستخفين الأمر عني إلى متى أخبريني ما الذي حدث؟ ألستُ شقيقتكِ التي تحبك هيا؟ تغضنت تعابير وجه رنيم حزناً لتحاول التماسك كلما تذكرت فارس لتكتفي بالحديث عما حدث لها دون أن تتطرق إلى شئٍ آخر: -هذا كل ما حدث! هتفت نغم بحدة: -أنتِ لستِ مُخطأة بشئٍ هما المخطئان، لا تحاولي الاستجابة لأحدهم حتى ولو مِن باب المساعدة الجامعة مليئة بالطلاب وتجنبيهم تماماً لا تحتكي بأحدهم وإن حدث وقام أحدهم بإساءةِ التصرف لك مرة أُخرى فقط أبلغيني ولا شأن لك بالباقي، ابتعدي فقط عن هذهِ القذارة وأنتِ يجبُ عليكِ العودة للجامعة، جلوسكِ هنا كان خاطئاً تثبتين الشبهة على حالكِ يجب عليكِ تحدي الجميع والعودة، أن تريهم بأن كل هذا كذب ومحض إشاعات.. فهمتي؟ أومأت لها رنيم وهي تُعانقها لتبادلها نغم العناق وهي تُربت على رأسها مُقبلةً لها. بالجامعة كانت نور تقف عند باب الدخول لتقع عينيها على رنيم القادمة نحوها وهي تبتسم ابتسامة باهتة لتُسرع نحوها نور وهي تعانقها لتبادلها رنيم كذلك. -رنيم كيف حالكِ الآن هل أنتِ بخير؟ هيا أريد التحدث معكِ كثيراً هيا لندخل أومأت لها رنيم وكلتاهما تتحركان نحو الداخل، لا زال هناك ساعة على المحاضرة القادمة.. جلست كلتاهما في الحدائق أرضاً لتتحدث نور بتساؤل ولهفة: -أخبريني ما الذي حدث؟ هيا.. لقد طلبتُ منكِ القدوم مُبكراً حتى نستطيع التحدث بأريحية. تن*دت رنيم بعمقٍ وهي تخبرها كل ما حدث بالتفصيل لتنتهي وقد انسابت القليل مِن عبراتها لتجففها بالمحارم الورقية بينما كانت نور تتمعن بقوة بحديثها وهي تُردد مرة أُخرى: -لو لم تعطيهم استجابة لما تعاركوا عليكِ ما الذي يقصد وا****ة؟ نظرت لرنيم لتعاود التساؤل: -وماذا بعد؟ هزت رأسها بالنفي وهي تتحدث بنبرة مُختنقة: -لا شئ، هو لم يعطيني فرصة واحدة للحديث أبداً يا نور، لقد رماني بسهامِ كلماتهِ التي قتلتني ثم انصرف. تحدثت نور بحدة: -لا رنيم، يجبُ عليكِ أن تتحدثي معهُ غصباً حتى وإن قررتِ أن تُرسلي لهُ مقطعاً صوتياً بكل ما حدث، إياكِ وأن تدعيهِ لوساوس إبليس هل تسمعين؟ تساءلت رنيم قائلة: -هل تعتقدين بأنهُ سيستمع إليّ؟ أصرت نور على حديثها: -حتى وإن لم يستمع إليكِ لا تتركيه ويجب عليكِ أن توضحي الصورة، لا تدعيهِ يظنكِ الشيطان وهو الملاك المخدوع.. هذا مِن حقكِ حبيبتي، القاتل يعطونهُ فرصة للتحدث وأنتِ لا تأخذينها؟ ابتلعت رنيم ريقها وهي تسأل: -إذاً ما الذي تريدين مني فعلهُ؟ تحدثت نور وهي تُمسك بالهاتف: -تمسكين بهاتفكِ هذا وترسلين لهُ كل ما حدث بالتفصيل في مقطع صوتي، استمع لكِ كان بها لم يستمع لقد وضحتِ وبررتِ. -أين كنتِ؟ صوتٌ تبغضهُ وبشدة تدمرت حياتها بسببهِ، عند هذهِ اللحظة ولن تصمت.. لقد كانت تستعد مِن أجل هذا التصادم، نهضت بعنف وهي تتحدث بحدة: -مِن الآن فصاعداً لا أريد رؤيتك ولا رؤية شعرة واحدة منك.. ابتعد عن حياتي وإلا أقسم بالله لن أمررها لك هتف باستنكارٍ وحدة: -هل كل هذا مِن أجل هذا الو*د ال.. قاطعتهُ بصفعة مُدويّة على وجههِ وهي تصيح بوجههِ لتجذب جميع الأنظار نحوهما: -إياك ونعتهُ بصفاتك أيها الحقير، أقسم بالله إن لم تبتعد عني سأجعلهُ يدفنك حياً.. أنا فقط المانع بينه وبينك، أنا فقط مَن أوقفهُ عنك ولكن إن حاولت أن تقترب مني مرة ثانية فانصت إلى رسالتهُ هذهِ لك سيقوم بنحر عنقك وتمزيق أشلائك لذلك ابتعد عني نهائياً حتى لا يصيبك مكروه، هل فهمت؟ أنهت كلماتها لتنصرف مُبتعدة هي ورفيقتها تاركةً له وهو يجحر بها بأعينهِ التي على وشك الخروج مِن مكانها بينما يشتعل بهِ اللهيب بقوة ليقوم بتحطيم الطاولات التي أمامهُ وهو يزأر عالياً بحدة: -لن أترككِ وشأنكِ أيتها الحقيرة وهذا لن أدعه وسأقلب الدنيا فوق رأسه. لأيام بنفسِ النَمط، لا يتوقف عن إرهاقها انصراف..انصراف.. انصراف، هذه الكلمة يسبقها أوامر لا تُعد، ليختتمها بطرده لها بإهانة.. لو كانت زوجة والده لما عذبها بهذه الطريقة؟ لما كل هذه الضغينة نحوها!ولكن لم يعد يهم لقد اعتادت على هذه المُعاملة الفجة. حاولت القيام بكل ما أمرها بهِ فارس ولكن، لا تنفك تفشل.. لا تعلم كيف عليها التسلح بالبرود وهي تواجه القطب الشماليّ نفسه؟ بالتأكيد ستفشل وبجدارة. الغريب بالأمر بأنها حينما تُراقبه في الخفاء تجد منه مُعاملة أُخرى أقل تواضعاً مع باقي المُوظفين، هذا ما يدفعها للجنون!! فهي لم تعد تترُك للسانها العنان كما السابق.. بل باتت حذرة في الكلام وفيما تتفوه به، إذاً لما ما زال يتعامل معها بهذه الطريقة لن تُنكر هناك بعض الأوقات التي لا تتعدى بها الثواني يكونَ وديعاً كالطفل...خاصةً حينما يتفوه بهذه ال نعم! الخاصةِ به...وديعاً كال ماذا؟ مباركٌ نغم لقد بات على وشك دفعكِ للجنون، لطمت بخفة على وجهها وهي على وشك البُكاء هامسةً بحنق: -سيقوم بقتلي مُبكراً أقسم ما الذي يُريده مني؟ لم تَكد تنتهي مِن سؤالها وقد قطع حبل أفكارها رنين جهازِ الاستقبال الخاص بها لتنفخ بضيق وهي تقوم بفتحه: -أجل سيد زين؟ -إلى مكتبي الآن جملة مُقتضبة لتتن*د بحنق وهي تنهض لتذهب من فورها له، طرقتين كما اعتادت أتبعها ولوجها بعملية هاتفة: -نعم سيدي؟ وقعت عينيها على امرأةً أنيقة تجلس أمام مكتبه بفستانها القصير والذي يصل لركبتيها كاشفاً بسخاءٍ عن جسدٍ ممشوق، خصلاتٍ نحاسية تستقر على أحد كتفيها وبعض مستحضراتِ التَجميل التي أَضفَت لمسةٍ ساحرة لتَجعلها ذات فتنة. أشار لها زين بالاقتراب وهو يُردِف مُعرفاً: -ريم التاجي ابنةُ عمي، ومالكة شركةِ التاجي للمستحضرات التَجميلية وأيضاً مِن ضِمن المُساهمين الأساسين بالمجموعة الآنسة نَغم مُديرة مكتبي أومأت نَغم برأسها بابتسامةٍ لطيفة مُتحدثة: -سُررت بلقائكِ سيدتي حدّقت بها ريم بنظرة باردة وهي تَكتفي فقط بإيماءةٍ صغيرة مِن رأسها أتبعتها بإهمالٍ واضِح وهي تُشيح بعينيها بعيداً، تشنجت تَعابير نَغم سَخطاً وهي تتحَدث بداخلها حِنقاً: -انظروا إلى هذا! ولما تتعالى هذهِ أيضاً؟ ألا يكفيني السيدُ مغرور الذي يرأسني لابد وأنّ التكبر وراثة بهذهِ العائلة -نغم... هل تُنصتين إليّ؟ هتف بها زين بحدة لتنتبه له وهي تتحدث بتوتر: -نعم...نعم سيدي أسمعُك! تابع الآخر بجدّية آمراً: -سنسافرُ غداً إلى شرم الشيخ، هناك مؤتمراً هاماً يخص المجموعة، قومي بتجهيز جوازِ سفرُكِ لأننا سنستقل الطائرة في تمامِ الساعةِ الثامنة صباحاً سأراكِ أمامي. جوازُ سَفر! هي لا تمتلك واحداً، بالحقيقةِ لم تَجد هناك داعياً لامتلاك واحداً لماذا؟ مَن تستقل الحافلات العامة التي يتزاحَم بها الشَعب ليست مُضطرة إلى أن يكونَ لديها واحداً. كانت على وشكِ التَحدُث مُوضحةً مُشكلتِها إلاّ أنّه قاطعها مُردفاً: -أحضري لي التقارير التي أخبرتكِ بجمعها بخصوص شركات المنشاوي أريدُ رؤيتها تن*دت بعمقٍ وهي تومأ بطاعةٍ لتتحرك مُبتعدة: -حسناً سيدي. ما إن خرجَت مِن حُجرةِ المَكتب وقد تحدثت ريمٍ بتهكمٍ واضح: -ما بال ذوقكِ يا زين أحقاً هذهِ هي مُديرة مكتبك الجَديدة؟ قطب بين حاجبيه بحدّة وهو يَرفع عينيه مِن بعض الأوراق مُتسائلاً: -ماذا تَقصدين؟ أَكملت بسُخريةٍ لاذعة وهي تَطرق بأناملها على طاولةِ المَكتب: -انظر إلى هيئتِها زين، ثيابٍ عادية ووشاحٍ على رأسها أحقاً هذه تليق لتكونَ مُساعدةً خاصة وواجهة لوريث التاجي؟ لم يُبدي أيةَ تعابيرَ على وجههِ مُطلقاً...فقط الجمود، قام بوضع ما بين يديه على الطاولة لينهض بهدوءٍ وهو يتوجه نحوَ حائط الزجاج الخاص بحجرته ليضع يديه في جيّبي بِنطالِهِ وهوَ يُحدّق بالخارج شارداً. ليُقاطعَهم بعد ثوانٍ طرقها على الباب ليسمح لها بالولوج، دلفت وهي تَحمل بين أناملها غايته لتقوم بوضعها على الطاولة هاتفةً بعملية: -التقاريرُ سيدي أيةِ أوامرِ أُخرى؟ نظر نحوها ليَجدها تُطالعَهُ ببعض التوتر، ضيق بين عينيه قليلاً وهو يلاحظ معالمها التي يَرتسمُ عليها القَلق ليَتحدثَ باقتضابٍ قائلاً: -أجل هناكَ أمرٌ آخر ريم انصرفي احتدت معالم ريم لتنظر نحوه بعصبية بينما رفعت نغم حاجبيها تعجباً مِن تصرفه لتتبعُها ابتسامةٍ مُتشفيةٍ منها نحو هذه الريم المَغرورة إلا أنها أخفتها في لمحِ البصر قبل أن يلحظَها أحد. هتفت ريم بغضب: -ماذا؟ عاد زين بناظريهِ نحو الزجاج ليُحدّقَ بالأُفق خارجاً: -أغلقِ البابَ خلفكِ اصطك فكيها ببعضهما وهي تنقل نظراتها نحو نغم التي تصنعت النَظر للسقفِ غيرَ مُبالية بما يَحدُث، نهضت بعنفٍ لتلتقطَ حقيبتها اليدوية وهي تَهتف بحنقٍ قبل أن تنصرف: -لن أتأخر غداً على موعد الطائرة، سأنتظرُكَ في تمام السابعةَ والنصف. تَحركَت لتنهب بخطواتِها الحادة مِن الأرض وهي تُلقي بنظرةٍ نارية نحو نغم التي حدّقت في إثرها مُتعجبة مِن هذهِ الضغينة نَحوها وكأنها ضِرّتها! -تحدثِ انتفضت على صوتهِ الغليظ وهو يهتف بها على حينِ غفلةٍ لتجدهُ أمامها على بُعدِ مِترٍ واحداً منها يقف ناظراً لها بواجهةٍ جليدية بينما يديه تتشابكان خلفَ ظهره. عقدت جَبينها بغيرِ فهمٍ مِن طلبهِ ليُتابع بحالتهِ التي لم تتغير إلاّ أنه أضاف فوق حديثه السابق: -تحدثِ ما الذي تُخفينَه عني؟ لا تُضيعي وَقتي لدينا عمل عَضت على شَفتيها مِن الداخل وهي تُسبِل جِفنَيها أرضاً بتوتر بينما أناملها تَقبِض على تنورتها الواسعة والتي تصلُ للكاحل في إشارةٍ واضحة لارتباكِها: -في الواقع سيدي ارتفع حاجبيه بترقبٍ في انتظار المَزيد، حسناً لقد كان حَدثهُ صحيحاً، ابتلعت رُمقها وهي تتحدث بأسفٍ وكأنها قد ارتكبت كارثة: -سيدي أعتذر ولكنني لا أستطيع الذهابَ معكَ غداً لا أمتلكُ جوازَ سفرٍ ولذلك لن أَتمَكن مِن مُرافقتكَ آسفة! كانت مُطأطئةً رأسها للأسفل ولذلك لم تتمَكن مِن رؤية عينيه المُبتسمة على حديثها، أخذ شهيقاً عميقاً وهو يتمعن قليلاً بها، أحياناً يراها بسيطة للغاية، أقل المشاكل الصغيرة بالنسبةِ لها تصبح كبيرة، لا يعلم ولكن في بعض الأحيان هناك وبالخفاء شئٌ ما يجذبه للإنصاتِ إليها. مراقبتها في الخفاء، التمعن بكل شاردةٍ تص*ر عنها، يشعر بأنها كالمغناطيس تجذب أنظارهُ بعفويتها، خاصةً حينما يستفزها يشعر بالانتشاء وهو يرى غضبها، هل أصبح ساديّ أم ماذا؟ اللعنة أفاق مِن شرودهِ عليها وهي لا تزال تتطلع بالأرض، ليرسم الحدّة على وجههِ وهو يتساءل : -ولما لم تُخبريني بذلك يا آنسة؟ رفعت عينيها له وهي تُقوِس حاجبيها أسفاً: -أعتذر سيدي كان يجبُ عليا إخبارُكَ ولكن.. ولكنني -ولكنّكِ ماذا؟ هتف بها وهو يرفع حاجباً بترقب، قوست شفتيها للأسفل كالأطفال وهي ترمش بجفنيها عدة مرات لترفع حدقتيها نحوهُ لتتحدث ببراءةٍ شديدة: -بالواقع سيدي...لقد خجلتُ كثيراً أن أتفوه بذلك أمام السيدة ريم! قطب بين حاجبيهِ باستغراب إلا أَنّ عُقدة جبينه قد اختفت ما إن حدث نفسهِ...بأنّها أصابت، فحديث ابنةَ عمه لم يُعجبَهُ البتّة، بل كان مُتعالياً وفيه سُخريةً لمَن تقفُ أمامه ربما إن تفوهَت نغم سابقاً بهذا لم تكُن ريم لتتركها دون سُخرية. ضيق بين عَينيه ليتساءل بخُبثٍ واستنكار وإن كان أَظهره كعادتهِ الصِلفة بارداً: -أتقصدينَ بأنّكِ لا تَخجلين مني لتتحدثّي بدونِ تقيّد معي؟ اتسعت عينيها بذعرٍ مِن استنتاجها بأن ما تدارَكهُ هو تقليلٍ مِنه: -لا لا سيدي لا أقصِد ذلك، لا أقصد أي تقليلٍ بحقِك بل كل ما أعنيهِ هو أنك رئيسي بالعمل ولن أخجل بتوضيح عجزي لَك أما السيدة ريم لا أستطيع، لا أعلم لماذا؟ أعتذر! أنهت كلماتها لتُعاود اخفاضَ عينيها أرضاً بينما هو تَحرك لخلفِ مكتبه وهو يُلقي بأوامرهِ التي لا تَقبل النقاش: -ستكونين أمام مقر المجموعةِ هنا الساعة الثامنة لتأتين معي، سنُسافرُ بالسيارة ولا داعي لإخبار أحدٍ بذلك الأمر، حتى سارة دعي كل الأمور تسير كما هي إن قمتِ بإخبارِهم فيمكنكِ الاعتبارُ بأنّني قبلتُ استقالتكِ مُسبقاً...انصراف! افترقت شفتيها قليلاً بغير استيعاب لتدور بعينيها المكان وكأنها تُعيد كلماته برأسها لتجفل على هتافهِ الحاد: -ألم أقل انصراف؟ أومأت برأسها مُسرعة لتُعاجل بالخروجِ مِن الحُجرة وهي تُغلق الباب خلفها بينما هو حدّثَ نفسهِ قليلاً بعصبية: -يجبُ عليكِ ضبُ لسانكِ يا ريم.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD