فتحت عينيها بصعوبة، ثم مسحت على وجهها بيدها وهي لاتزال مستلقية. اعتمدت على كلتا يديها لتجلس، ألقت نظرة حولها لتدرك أنها لاتزال وسط الصحراء، برفقة القافلة. تن*دت استسلاما، ثم رفعت عينيها إلى السماء تتأمل صفائها و نقاءها، رسمت شفتاها ابتسامة صغيرة، ثم أغلقت عينيها، لتستنشق بعد ذلك، هواء لم تستنشق أنقى منه من قبل.
همست لنفسها وهي لاتزال مغلقة العينين،
- على الأقل الهواء نقي هنا، و المكان هادئ!
فتحت عينيها لتتفحص ما بحولها.
كانت النار بالقرب من مكان نومها قد أُخمِدت، و أمتعة آزر في مكانها، لكنه لم يكن هناك. فأخذت تبحث عنه بعينيها، الى أن وجدته. كان يقف بعيدا، يدير ظهره لموقع القافلة. لتلاحظ بعد ذلك، أنه يركع، ثم يقف مستقيما مجددا، ثم يسجد.
ابتسمت و هي تراقبه، إلى أن انتهى من صلاته، فوقف عن مكانه، و جمع البساط الذي استعمله للصلاة، ليعود إلى حيث ترك متاعه. و ما ان انتبهت ليلى لعودته، حتى وقفت عن مكانها، و أخذت تجمع المكان الذي نامت فيه.
وقف آزر بالقرب من أمتعته، وهو يطوي البساط بين يديه،
- صباح الخير.
رفعت عينيها إليه، ثم ردت عليه،
- صباح الخير.
- هل نمت جيدا؟
- أظن ذلك. رغم أن عظامي تؤلمني بعض الشيء! لست معتادة على النوم على الأرض.
افتر ثغره عن ضحكة مكتومة، فبادلته بابتسامة ثم سألت،
- و أنت؟
- نمت جيدا.
تقدم خطوتين مترددتين نحوها، ثم مدّ لها بساطه،
- تفضلي.
نظرت إلى البساط، ثم إليه، دون أن تقول شيئا، فشرح قائلا،
- يمكنك.. استعماله للصلاة.
ابتسمت، ثم أخذت البساط منه.
- شكرا لك.
- لا عليك.
وضعت البساط بين أمتعتها ثم قالت،
- سأذهب لأتوضأ أولا.
أومأ ثم قدم لها جرة ماء،
- لقد دفئت الماء قبل قليل، أظنه لا يزالا دافئا.
أمسكت بالجرة وهي تشعر بالامتنان له،
- شكرا.. لك!
اكتفى بابتسامة ثم قال،
- سأنتظرك هنا، عند الأمتعة.
أومأت له، و أخذت معها الجرة، ثم غادرت موقفها باتجاه الصخور.
اتخذت مكانا خلفها، تفقد الوسط حولها لتتأكد من أنه آمن و مستور. ثم أخيرا وضعت الجرة على الأرض، خلعت عنها الرداء الشبيه بالمعطف، ثم العمامة لتتساقط خصلات شعرها الأ**د الطويل على كتفيها و جبينها، فجمعته إلى الخلف و ربطته بخصلاتها نفسها، ثم كشفت عن ذراعيها لتبدأ وضوءها.
همست لنفسها،
- كم أشتاق إلى الحمامات!
توقفت لبرهة لتتذكر كم كان كل شيء سهل في زمانها. ثم تمتمت في خيبة أمل قبل أن تبدأ بغسل يديها،
- كان علي أن أحذر و أنا أصنع تلك الصور في ذهني!
و ما ان انتهت، حتى أسرعت في اخفاء ما كشفته من جسدها، ارتدت الرداء، ثم العمامة حول رأسها و لفت ما انسدل منها حول عنقها. حملت الجرة، ثم خرجت من بين الصخور لتعود إلى حيث يتواجد أفراد القافلة.
و في طريقها، انتبهت لوجود خيمة كبيرة مقارنة بالخيم الأخرى، فتقدمت بضع خطوات لتتفحص الزركشة و الرسوم عليها. لكن سرعان ما تراجعت، عندما خرجت من الخيمة فتاة ظريفة الملامح، رشيقة القد، متوسطة الطول، ترتدي فستان طويل أزرق داكن، مزين برشوم فضية، و تغطي رأسها بثوب أزرق كلون الفستان. ليخرج من بعدها، فتا وسيم الوجه، مميز طول، مفتول العضلات بشكل بسيط و متناسق، يرتدي ثوبا عسكريا، و يحمل سيفا في حزامه. وقف الفتى قرب الخيمة، بينما غادرت الفتاة بخطا غاضبة و تعابير الانزعاج على وجهها. أخد الفتى ينادي و ما يشبه الحيرة يصاحب ملامحه الجميلة،
- "أندلس"، أرجوك.. عودي إلى هنا.
سكت لثوان معدودة، وهو يراقبها تبتعد عنه أكثر فأكثر.
فأغلق عينيه لثانية، و تن*د مستسلما، ثم نادى عليها مجددا،
- أندلس، توقفي. قلت توقفي.
توقفت الفتاة بعد أن ابتعدت كثيرا، طأطأت رأسها، و رفعت يدها إلى فمها، فبدت في عيني ليلى و كأنها تبكي. تقدم الفتى بضع خطوات نحوها ثم قال بنبرة متوترة و عيناه تغرغرتا دموعا،
- تعلمين أن ما باليد حيلة، يا أندلس. ماذا أفعل؟ ماذا نفعل؟
أجابته بصوت متعب، دون أن تلتفت إليه،
- لا شيء يا "أُبَيّ".. لا شيء! ما باليد حيلة.
تقدم أبيّ نحو أندلس، ثم قال بصوت هادئ،
- أندلس.. أنظري إلي.
لكنها لا تستجيب، لا تزال تدير له ظهرها، وهي تمسح الدموع عن وجهها. مد يده إلى ذراعها وهو يقترب منها، ثم سحبها اليه و ضمها إلى ص*ره. أغلق عينيه، و سمح أخيرا لدموعه بالسقوط.
و في تلك اللحظة، أزاحت ليلى عينيها بعيدا، ثم أسرعت و غادرت موقفها بعد أن حاولت استنتاج ما يحدث بين الاثنان، لكن دون جدوى. همست لنفسها متسائلة،
- ما الذي يحدث معهما يا ترى؟!
....
انطلقت القافلة، لتكمل طريقها متجهة نحو ضالتها.
كانت ليلى في الخلف على ظهر حصانها، و بجانبها آزر، يلحقان بالقافلة، وهما يتحدثان.
سألت ليلى في فضول،
- أ قلت ان بين المسافرين خيميائي؟!
- قال انه طبيب. و هو في رحلة بحث عن معلم يتعلم منه فنون الخيمياء. شرح قائلا بأنه حاول التعلم من الكتب لكن لم يكن ذلك كافيا.
سألت وهي تتفحص المسافرين واحدًا واحدًا.
- أي هو؟!
أشار إلى حصان أ**د، يركبه فتا شاب لم تتمكن من رؤية ملامحه، يرتدي سلهاما رماديا داكن.
- ذلك هو، قال ان اسمه "آرام".
- آرام! قد يساعدني إذا.
خيم ال**ت عليهما لمدة.
ليلى تفكر في أمر الخميائي، و آزر يتذكر ما أخبرته به ليلى، عن ا**ير الأمنيات، و كلامها عن قدومها من زمن آخر.
فتح شفتيه بعد تردد و هو يدرس ملامحها الشاردة،
- أ لاتزالين.. تظنين أن كل هذا خيال؟
التفتت إليه، ثم أجابت،
- لا أدري. أشعر بكل شيء، و كأنه حقيقة. لكن بعض الأحلام أيضا، نشعر بها و كأنها حقيقة! بل أحيانا يختلط الحلم بالذكريات، و نظنه ذكرى وقعت حقا!
- إذا، تظنين.. أنني أيضا.. من نسج خيالك؟
أطالت النظر إلى ملامحه المستفهمة، و هي تفكر في سؤاله،
- لا.. لا أدري! لا أظن.. ذلك!
- لا أريد أن أخيفك، لكن.. أنت في أرض حقيقية. في زمن حقيقي، و حولك بشر حقيقيون.
- المشكلة أنني لا أصدق أن ا**يرا يستطيع تحويل خيالي إلى حقيقة! التفسير الوحيد المنطقي الذي يستطيع عقلي تقبله هو أن السائل الذي تناولته، قد عبث بعقلي! فأصبحت لا أميز الحقيقة من الخيال!
- تفسير منطقي!
ثم ابتسم لها قبل أن يضيف قائلا،
- لكن لا أظنني شخصية خيالية!
ضحكت ضحكة صغيرة من ردة فعله، ثم **تت لمدة قبل أن تقول،
- لا أصدق.. أنك صدقت كلامي! لو أن أحدهم أخبرني بما أخبرتك به، لظننته مضطرب ال*قل!
- ربما يبدوا الأمر غير منطقي، لكنني.. أشعر بأنك تقولين الصدق!
و قبل ان يكمل كلامه، شعرت بألم أسفل بطنها. أنزلت يدها لتتحسس مكان الألم، و هي تضغط على شفتيها كتمانا للوجع.
انتبه آزر لألمها المفاجئ، فسألها،
- هل أنت بخير؟
أومأت،
- مجرد ألم بسيط ليس إلا.
ابتسمت لتُطمئنه، ثم أعادت نظرها إلى الطريق أمامها. لكن سرعان ما تشتت نظراتها، عندما اشتد الألم و أدركت سببه.
تسألت في نفسها و هي تبحث عن حل،
- ماذا أفعل الآن؟! ما هذه الورطة؟ ماذا أفعل؟!
.....
كانت الشمس على وشك الغروب عندما توقفت القافلة، بعد ان قطعت مسافة طويلة.
وقفت ليلى بالقرب من جوادها، منتظرة أن ينتهي الجميع من ربط أحصنتهم، لتربط حصانها من بعدهم. وهي واقفة بعيدا عن الأنظار، أخذت تتفقد ملابسها خوفا من أن تكون قد اتسخت. تمتمت لنفسها وهي تتفقد رداءها،
- أظن ان ملابسي بخي...
قاطعها وجود أثر دماء على ردائها، فاتسعت عيناها وهي تحاول اخفاء ما اتسخ من ثوبها. عندها سمعت صوتا ينادي مرارا،
- يا غلام! يا غلام!
فرفعت نظرها لتجد رجلا يشير اليها قائلا،
- نعم أنت، هيا اربط حصانك.
ابتلعت ريقها ثم أومأت دون أن تقول شيئا.
تقدمت نحو الأحصنة بخطا بطيئة و مرتبكة، تمسك لجام فرسها بيدها اليسرى، و يدها اليمنى تحاول اجاد حل للرداء. و ما ان وصلت إلى موقع ربط الأحصنة، حتى شعرت بدفئ سلهام يوضع على كتفيها، فالتفتت لتجد آزر بجانبها.
ابتسم لها ابتسامة صغيرة، ثم أسرع و أخذ لجام حصانها من يدها.
همس لها وهو يربت على رأس جوادها بلطف،
- سأربط حصانك. اذهبي لترتحي.
أومأت دون أن ترفع نظرها اليه، و انتظرت حتى غادر لتغلق عينيها و شعورها بالإحراج و الانزعاج من الموقف يأكلها ص*رها. لفت السلهام حولها، حملت أمتعتها ثم غادرت بحثا عن موقع مناسب لقضاء الليلة.
و في طريقها انتبهت إلى خيمة أندلس.
وقفت لمدة بالقرب من الخيمة و هي تفكر في طلب المساعدة من صاحبتها، لكنها تراجعت عن الفكرة. و ما ان ابتعدت بضع خطوات حتى سمعت صوت رجل يسأل،
- من أنتْ؟
ابتلعت ريقها، ثم التفتت الى صاحب الصوت، لتجد أُبي أمامها.
تقدم نحوها وهو يدرس ملامحها ثم ملابسها.
- لم تجبني! من تكون يا هذا؟ و ما الذي تفعله أمام هذه الخيمة؟
أخذت نفسا لتهدأ قلبها الخائف، ثم قالت في تلعثم،
- أنا.. مسافر. كنت فقط.. مارا من هنا.
رسمت شفتاها ابتسامة مرتبكة ثم أكملت قائلة،
- فأثار.. ت**يم الخيمة.. انتباهي.
عقد حاجبيه،
- ت**يم الخيمة؟
- النقوش.. و الرسوم...
قاطع تلعثمها غير مكترث لكلامها، و هو يدرس ملامح وجهها،
- ما اسمك؟
ابتلعت ريقها، و أطرقت برأسها وهي تفكر في اجابة.
انزل عينيه إلى يديها اللتان تمسكان السلهام، فانتبه إلى صغرهما، و الى الأظافر الأنثوية التي تفضح امرها. تفحص قدها الذي تمكنت من إخفاء شكله بملابسها، ثم رفع عينيه بحثا عن دليل آخر يؤكد صحة ظنه، لينتبه إلى ملامحها الأنثوية اللطيفة، و وجهها الذي لا أثر لشعر اللحية عليه، ثم سأل في نفس الوقت،
- من أنتِ؟
شعرت بقلبها يكاد يتوقف عندما سمعت سؤاله هذه المرة، و رفعت عينيها اليه محاولة اخفاء توترها.
سألها مجددا،
- أخبريني من أنتِ؟
تقدم نحوها خطوة ثم أضاف على سؤاله بصوت هادئ،
- لا تخافي.
أومأت له بعد ان قررت إخباره عن أمرها، ثم فتحت شفتيها لتتحدث، إلا أن ظهور آزر أمامها جعلها تطبق شفتيها مجددا.
تقدم آزر نحوهما و أبي يدرسه وهو يتحرك باتجاههما.
ما ان اقترب آزر منهما، سأل موجها سؤاله إلى ليلى،
- هل.. من مشكلة؟
هزت رأسها قائلة،
- لا عليك.
ثم أعادت عينيها الى أبي، لتقول،
- ظنك في محله! أنا.. فتاة، و اسمي ليلى.
سكتت لبرهة ثم أكملت،
- وقفت بالقرب من الخيمة أفكر.. في طلب المساعدة من صاحبتها. لكنني تراجعت غير راغبة في ازعاجها.
- و في ما حاجتك؟
- أرغب.. في مكان أتستر فيه حتى أغتسل.. و أغير ملابسي.
أومأ أبي متفهما، ثم قال،
- سأخبر سيدتي بالأمر.
أومأت ليلى، و نوع من الاستغراب صاحب ملامحها المطمئنة. ما كانت كلمة "سيدتي" تلك؟!
اتجه أبي إلى الخيمة، و ليلى واقفة تراقبه إلى أن دخل و اختفى عن ناظريها. عندها التفتت إلى آزر،
- آزر..
اقترب منها وهو يتفحص ملامحها،
- من الجيد أن...
قاطعته و هي تحاول التحديق بعينيه دون أن ترتبك،
- شكرا لك آزر، لكن.. أستطيع الاهتمام بنفسي.
استغرب قائلا،
- لا داعي.. للشكر!
تن*دت في نوع من الإستسلام،
- آزر.. لا أريد أن أكون عبئا على أحد.. كما أنه يزعجني تدخلك كل مرة..
عقد حاجبيه استغرابا،
- و لما.. تزعجك المساعدة.
- لأنها تجعلني أشعر و كأنني.. عديمة الفائدة.
- طلب المساعدة.. لا يعني أنك عديمة الفائدة!
- تعني ذلك بالنسبة لي!
هزّ آزر رأسه،
- لا أفهم معنى كلامك هذا! ها أنت ذا أمام خيمة و تطلبين المساعدة من صاحبتها!
أومأت ليلى ثم أجابت في نوع من البرودة،
- كل ما في الأمر.. أن مساعدة من رجل، تزعجني. خاصة و ان تكرر الأمر كثيرا.
- و.. لما؟!
- لأنني أشعر و كأنه يستهزئ بي!
- أنا لا أستهزئ بك!
- عادة ما يفعل الرجال ذلك!! "انها مجرد فتاة ضعيفة و تحتاج دائما لرجل بجانبها!" أم أنني أخطأت؟!
- لم أفكر هكذا يوما!
ما ان أكمل كلامه، حتى خرج أبي من الخيمة. أسرع نحو ليلى ثم قال،
- سيدتي ترحب بك في خيمتها. قالت انه يمكنك المكوث قدر ما تشائين.
تصنعت ليلى ابتسامة صغيرة ثم قالت،
- شكرا جزيلا لك.
اعادت نظرها إلى آزر ثم استأذنت،
- علي الذهاب الآن. سوف أعيد لك سلهامك حالما أنظفه.
أخذت خطوتين لتلحق بأُبيّ، لكن آزر أوقفها عندما أمسك مع**ها بلطف. فالتفتت اليه، منتظرة ما لديه ليقوله. التفت اليها لترى جدية في عينيه الحادتين لأول مرة.
أفلت مع**ها ليقول بصوت منخفض هادئ،
- لا أعلم شيئا عن الرجال الذين قابلتهم في حياتك. لكنني أعرف نفسي جيدا، مساعدتي لك كانت احتراما مني لك، و لم تكن استهزاء أبدا.
سكت عن الكلام لوهلة، ثم أضاف معتذرا، دون أن ي**ر اتصال عينيهما،
- أعتذر اذا.. ما بذر مني ما يزعجك.
أومأت ليلى بعد تردد، و الشعور بالذنب ينتشر في ص*رها بعد الكلام الذي سمعته منه، ثم استأذنت قائلة،
- عن إذنك. علي.. الذهاب.
ثم غادرت موقفها، متجهة نحو الخيمة.
....
دخلت لتتسع عيناها ذهولا مما رأته.
كانت أندلس تجلس على بساط مزركش، و أمامها صحن فيه أنواع مختلفة من الفاكهة، تنتظر من جاريتيها لانتهاء من تفريش الخيمة، بأجمل الأثواب و الوسادات المطرزة بمختلف التصاميم الأندلسية التقليدية القديمة.
وقفت أندلس عن مكانها بابتسامة لطيفة على وجهها، و هي في ثوب حريري مريح وردي اللون، و شعرها الأ**د الطويل، مسدول يزيد من جمالها.
- مرحبا بك في خيمتي. اسمي أندلس.
ابتسمت ليلى في ارتباك، لترد التحية قائلة،
- مساء الخير، آنسة أندلس.
- ناديني أندلس وحسب.
أومأت ليلى،
- شكرا لك على استضافتي.
- لا داعي للشكر أبدا!
ثم سألت،
- لم تخبريني، ما اسمك؟
- ليلى. اسمي ليلى.
- تشرفت بمعرفتك، ليلى.
- و أنا كذلك.. تشرفت بمعرفتك.
ابتسمت أندلس و اكتفت بإيماءة، ثم نادت على احدى الجاريتين، لتسرع إليها.
- سيدتي.
- هذه ليلى. أريد منك أن تساعديها و تخدميها الليلة.
- حاضر، سيدتي.
رفعت ليلى كلتا يديها كمن أكل حتى شبع و لم يعد للتحلية مكان في بطنه، ثم قالت،
- لا عليك.. لا داعي لذلك. سأخدم نفسي.
ابتسمت أندلس،
- مع ذلك، أنت ضيفة عندي و يجب علي أن أكرمك بقدر ما استطيع. هيا، دعي الجارية تساعدك.
....
بعد أن نظفت جسدها و ملابسها، و غيرت ثوبها بفستان، دعتها مستضيفتها لتشاركها طعام العشاء. تناولت الفتاتان ما قدم لهما من طعام، ثم جلستا تتحدثان، و الشموع حولهما، تضيء الخيمة بأسرها.
- من كان ذلك الفتى برفقتك؟
افتر ثغر ليلى عن ابتسامة صغيرة، و عيناها تتفحصان التفاحة بيدها،
- مسافر.. و اسمه آزر. تعرفت عليه خلال رحلتنا هذه.
- مسافر! ظننته يقربك.
هزت رأسها نفيا،
- لا تمدني به أية صلة قرابة. فقط.. ساعدني بضع مرات..
تن*دت في أسف،
- لكنني بدل أن أشكره.. غضبت منه.
- و لما.. غضبتي؟!
- لا أدري! لأنه ساعدني كثيرا.. فجعلني أشعر بأنني.. ضعيفة. و عندما رآني قبل قليل و أنا على تلك الحال، شعرت بالانزعاج من الأمر أكثر من ذي قبل.
ابتسمت أندلس،
- أظن أنك.. حساسة و حسب! فالأمر لا يستحق كل هذا الغضب. لكن لا بأس.
- صدقت! لم يكن الأمر يستحق ما فعلته و ما نطقت به في وجهه.
- لا عليك. انسي الأمر الآن، و أخبريني..
دنت أندلس من ليلى، ثم سألت في فضول،
- ما سبب سفرك؟ و تنكرك كفتى؟! أريد أن أسمع قصتك.
ابتسمت ليلى في ارتباك و هي تفكر في قصتها، تن*دت، ثم قررت سرد حكايتها، لكن دون أن تذكر أمر الإ**ير.
- بعد.. أن رفضت الزواج مرارا، ضغط علي والداي هذه المرة، و حاولا إجباري على الزواج بشخص لا اعرفه، و لا أُكن له أية مشاعر. و أخذت أمي تخطط للزفاف رغم أنني رفضت، فقررت.. أن أغادر البيت لمدة.
تغيرت ملامح أندلس من مبتسمة إلى قلقة،
- لكن.. أ لم تفكري في أمر والد*ك؟ سيحزنان على فراقك!
سكتت ليلى لبرهة قبل أن تجيب بنبرة باردة،
- لا أكترث لحزن من لا يكترث لسعادتي، و يجبرني على القيام بما أكره.. أيا يكن.
خيم ال**ت عليهما فجأة، و شعرت ليلى بالندم على ما تفوهت به. ضغطت على شفتيها، وهي تنتظر بفارغ الصبر كلمة من أندلس، و التي بدت شاردة في أمر حزين.
فتحت أندلس شفتيها، لتتحدث أخيرا بعد أن ترددت لوهلة،
- أنا.. ابنة تاجر أندلسي. و لقد أرسلني.. في هذه القافلة إلى مصر، لأتزوج كبير تجار مصر.
رفعت أندلس بصرها إلى ليلى، لتلتقي عيناها اللتان امتلأتا دموعا، بنظرات ليلى الشبه المصدومة. أخذت ابنة التاجر نفسا، ثم أخرجته لتصاحب أنفاسها رعشة ضعيفة،
- المشكلة أنني.. أحب أحدهم.. بل أعشقه.
سألت ليلى في تردد،
- ا.. أُبَيّ؟
أومأت أندلس ثم أكملت رواية قصتها،
- كان أُبيّ المساعد المفضل عند والدي، و كنت متأكدة من أنه سيقبله زوجا لي. لكنه رفض ذلك. مرت السنوات، و قررنا التعايش مع حقيقة أننا لسنا مقدرين لبعض. و الآن ، رغم أنني رفضت، أصر والدي على تزويجي برجل لا أعرفه، فلم أجد خيارا سوى طاعة أمره.
زفرت لتهدأ قلبها الذي أخذ يهتز انزعاجا و غضبا في ص*رها.
ثم أكملت على كلامها،
- اقترح علي أُبيّ أن نهرب معا، لكنني رفضت خوفا من أن أُحزن والداي بتصرفي. لكن.. بعد أن تركت الأندلس و قطعت تلك المسافة كلها إلى هنا، أدركت مدى تعاستي.
تساقطت الدموع من عينيها،
- تمنيت الموت مرارا، فذلك أهون عندي من القبول بما أكره.
سكتت عن الكلام وهي تحاول التقاط أنفاسها، و الدموع تتساقط دون توقف. اقتربت منها ليلى بعد أن تراجعت لمدة، ثم ضمتها إلى ص*رها، و همست لها،
- كل شيء سيكون بخير.. كل شيء سيكون بألف خير. فقط.. ثقي بأن قدرك بجانبك.
مسحت أندلس الدموع عن خديها، وهي لاتزال بين ذراعي ليلى. ثم قالت بصوت مرهق غلب عليه نحبها الصامت،
- يا ليتي فكرت في نفسي مثلك، و نجوت بحريتي و سعادتي. يا ليت..
......