في صعيد مصر بعد ثلاث شهور
جلست فريدة تحت تعريشة العنب في حديقة الفيلا تستمتع بالهدوء الجميل والهواء النقي يدخل ص*رها مع إحساس عارم بالأمان والاطمئنان خاصة وولديها يلعبان أمامها بأل**بهما التي أغدقهم يزيد عليهما وكأنهما أولاده, آه كم يحبهما هذا الصعيدي المبطنة قسوته بحرائر الرقة والحنان, سيف وعمر هما قرة عينيها, دمعت عيناها تراقبهما يناكدان مربيتهما برميهما الكرة بعيداً لتهرول بإحضارها مراراً وتكراراً حتى لهثت من التعب فصاحت وهي تتهالك أرضاً جوارهم
"يا بوووووووي هلكتني يا سيف بيه وأنت كمان يا عمر بيه, بس آني راضية"
ضحكت فريدة قائلة:
"إنتِ لسة م**مة يا لوزة تنادي الولاد بكلمة بيه... يا بنتي أنا سمحالك ناديهم عمر وسيف بس"
وضعت لوزة كلتا يديها على رأسها صارخة برعب:
"يا لهو بالي.. يا لهو بالي يا ست هانم, داني لو عملت إكده كان يزيد بيه جطع راسي ول**ني كمان, عاوزاني أنادي البهوات الصغيرين بأساميهم إكده عادي, زي مايكونوا وِلد أي نفر من البلد, مش البهوات أولاد البهوات"
"إيه اللي بيحصُل ده, مالك يا بت يا لوزة صوتك جايب آخر الفيلا"
قفزت الفتاة من مكانها باحترام ترتجف:
"يزيد بيه, ولامؤاخذة يا سعاة البيه ما كنتش أجصد, كنت بلاعب البهوات الصغيرين وصوتي طلع غصب عني"
دق يزيد بعصاه في الأرض بصوت راعد:
"أنا مش جلت ميت مرة المساخر دي مش بحب اسمعها واصل"
هزت الفتاة رأسها بخنوع:
"أمرك يا يزيد بيه, مش هعمل إكده تاني أبداً ولو عملتها إجطع ل**ني من لغلوغه"
أشار لها بعصاه بازدراء:
"خدي بالك من البهوات الصغيرين, وانتبهي عليهم زين"
جلست الفتاة أرضاً جوارهم بينما اتجه ليجلس على المقعد الخيزراني جوار فريدة, لاحظ نظراتها المعجبة به ب**ت, لف عصاه بحركته المعتادة..
"كيفك يا فريدة؟ مالك ساكتة مش عوايدك"
ردت بابتسامة هادئة:
"اتعلمت درسي كويس, أستنى الإعصار لما يعدي وبعدين أتكلم وإلا, فرمني"
راقبته بانبهار وهو يقهقه ضاحكاً:
"أفهم من إكده إنك شايفاني زي الإعصار, ودي حاجة زينة ولا عفشة؟"
ردت باللهجة الصعيدي:
"لا حاجة زينة جوي"
**ت يتأملها بإعجاب أربكها فقطعت ضحكتها وهي تلهي نفسها بالنداء على الأولاد:
"سيف عمر, روحوا مع لوزة علشان تاخدوا حمام قبل الغدا, يالا يا لوزة وخدي بالك منهم بلييييييييز"
ردت لوزا وهي ترفع يدها في تحية عسكرية:
"أوك يا ستو الهانم"
بعد ذهاب الأولاد مع الخادمة:
"فريدة.."
التفتت بإحساس غريب راودها منذ قدومه والآن تأكدت منه وهو يناديها بهذه الطريقة:
"خير يا يزيد فيه حاجة"
"كنت عاوز أكلمك في موضوع, بس مش عارف أجولها لك كيف؟؟... اسمعي يا بنت الناس, حالك ده مش عاجبني واصل, وأنت معلجة إكده لا متجوزة ولا مطلجة, لازم نشوف حل لمشكلتك دي"
ردت بارتباك:
"وأنت بس إيه اللي تاعبك؟"
رد بحزم:
"أنا جررت أسافر أمريكا لجوزك ده, لازم أرسى معاه على بر"
شهقت بصوت مرعوب:
"لا... لا... لا...يا يزيد مش ممكن تعمل كده.. متهيأ لي دي مشكلتي أنا.. وأنا لوحدي حرية التصرف فيها"
رد بحكمة وإن لم يغب عنها ضيقه من اعتراضها لمساعدته:
"فريدة, أنت دلوكيت في حمايتي, ولازم جوزك يحس إن وراك رجالة, عياله دول ذنبهم إيه و..."
قاطعته بحدة:
"عامر هيطلقني يا يزيد, هو قال لي كده بنفسه, بس حصل له حادث وقف الإجراءات وأول ما صحته تكون كويسة هيكمل ويبعت لي أوراق الطلاق"
تن*د بطريقة أقلقتها فلم تعرف إن كانت تنهيدة راحة أو عدم رضا, التفت ناحيتها يحدجها بنظرة صقرية نفذت لروحها:
"وأنت عرفت منين كل المعلومات دي؟ كنت بتخابريه من ورايا إياك!"
تلاعبت نظرة حذرة بعينيها قائلة:
"يزيد... عامر ده جوزي وطبيعي أني أكلمه, بس أنا مكلمتوش, راما صحبتي هي اللي جابت لي أخباره, وأنت يهمك في إيه إذا كنت أكلمه ولا مكلموش؟؟"
أمال رأسه بنظرة ذئبية هذه المرة فاحتارت في هذا الرجل ونظراته الأكثر خطورة من الح*****ت المفترسة والطيور الجارحة, كان يتأمل عباءتها السوداء المطرزة, وطرحتها التي ترتديها فقط بناءاً على أوامره عندما تكون خارج الفيلا, حسب عاداتهم وتقاليدهم كما زعم, ولم تدري كم بدت جميلة في عينيه.
"الموضوع ده هنتكلمو فيه بعدين بعد ما توصلك أوراج طلاجك"
راقبته يدق بعصاه في الأرض وكأنه يعلن عن ذهابه ويمنعها من طرح التساؤلات الكثيرة التي تملأ عيناها السوداوان.
في اليوم التالي استيقظت على مفاجأة مرعبة.
"ستو هانم, ستو هانم اصحي يا ست شوفي مين جايينا؟"
رفعت الوسادة عن رأسها إذ كان لا يحلو لها النوم إلا وسادة فوق رأسها ووسادتين أسفلها, فتحت عيناها بصعوبة لترى خادمتها لوزة:
"لوزة, أنت بتصحيني ليه دلوقت, هي الساعة كام"
ردت الفتاة ضاحكة:
"وأنا اش عرفني يا ست هو أنا كنت بفهم في إيه يعني علشان أفهم في الساعة.."
صرخت فريدة متأوهة:
"اسكتي.. أنت ما صدقتي.. رغي.. رغي... رغي على الصبح, إيه ده فين الولاد؟"
صاحت الفتاة ضاحكة:
"ما هي دي المفاجأة اللي بصحيكي علشانها, الولاد مع بوهم"
لحظة **ت مرت لم تستوعب فيها فريدة ما سمعته فرفعت رأسها عن الوسادة وهي تستفسر:
"بتقولي الولاد مع مين؟.. أنا ماسمعتش"
"يوووه يا ستو هانم, بجولك البيه عمر والبيه سيف اسم النبي حارسهم وصاينهم مع بوهم.. سي عامر بيه"
وهنا جفت كل نقطة دم في وجهها وقفزت شاحبة كالأموات وهي تصرخ بالفتاة:
"أبوهم مين يا مجنونة أنت, أنت سبت الولاد مع مين؟ انطقي"
شهقت الفتاة مصدومة:
"والله أنا ماليش دعوة, باين عليه بيه محترم جوي, وهو جال لي أصحيكي, وهو هيجعد مع الولاد, وأكد لي إنه هو بوهم.. راجع توه من بلاد برة"
هزت رأسها بذهول وراحت تلف حول نفسها تبحث عن الباب حتى وجدته, شعرت بصعوبة كبيرة لتلتقط أنفاسها وقبل أن تدير المقبض سألتها الفتاه باندهاش:
"يا دي العيبة أنتي تنزلي إكده يا ست فريدة؟!"
نظرت لنفسها لتفاجأ بملابس النوم الشفافة, فأسرعت لعلاقة الثياب وسحبت أول عباءة وقعت تحت يديها وراحت تلبسها كيفما شاء, وركضت للخارج حتى لم تشعر بالطرحة التي ألقتها الفتاة على رأسها دون أن تشعر بها, كانت تركض كالمجذوبة لا تعرف فيم تفكر ومن هذا الرجل الذي ادعى أنه أبو أولادها.
وقفت على أبواب الحديقة الخلفية حيث أشارت لها لوزة, فرأت رجلاً من بعيد لم تبدو ملامحه واضحة فقد كان يرتدي بذلة رسمية, وشعره الطويل ذكرها بشبح كان يتلاعب بذكرياتها في أحد كوابيسها قديماً, تقدمت بأقدام خالية من العظام إلا من العزم لتبعد أي شر أو أذية عن أولادها, وقبل أن تقترب منه همست للوزة:
"فين يزيد؟"
ردت الفتاة بخوف وقد شعرت بشيء ما خطأ:
"سيدي يزيد بيه خرج من الفجرية زي عوايده ولسة معاودش"
"أوك... إجري هاتي الغفر بسرعة, الراجل ده أنا معرفوش, أنت لسة هتصوريني بسرعة"
وركضت الفتاة وتركت سيدتها تتقدم بحذر, كان ظهره لها, ويبدو لاهياً تماماً في اللعب مع الأطفال, وآخر خطوة لتقترب منه اتخذتها لتكون حائلاً بينه وبين أولادها, رفع رأسه حيث كان راكعاً ثم نهض ببطء قائلاً بابتسامة تذكرتها وصدمتها في نفس الوقت:
"إزيك يا فريدة, وحشتيني أنت و.. وولادي"
وضغط على كل حرف من حروف كلمته الأخيرة وكأنه يؤكد على شيء ما, حاولت **ب الوقت بالإنكار فردت بحدة:
"إنت مين وعاوز ايه؟"
رد مقهقهاً دون أن يتأثر بحدتها:
"أنا جوزك يا حبيبتي مش معقول تكوني نسيتيني, واحنا بينا ولدين, عمر وسيف عامر الأشرف, أنا أبوهم, ولا أنت عندك اعتراض"
شعرت بعالمها ينهار تحت قدميها وهي تقف في مواجهة أسوأ كوابيسها, ثم ردت بصوت مهترئ وقد شعرت أنها تقفز في هوة كابوس مظلم رهيب:
"أنت طلقتني"
هزة من رأسه أكدت أسوأ مخاوفها فأغمضت عيناها قائلة:
"أنت ملكش حاجة عندي, كنت مجرد وسيلة لتحقيق غاية بالنسبة لي.. أنت بعت وأنا اشتريت ودفعت الثمن, وأنت أخدته كاش بدون أي مشاعر الرجولة الفارغة اللي حضرتك جاي تفرضها بعضلاتك دلوقت وبكل بجاحة"
فتحت عيناها بقوة لتواجهه في جملتها الأخيرة, ورأته بفرحة الانتصار يهتز قليلاً ثم تماسك وهو يعيد الابتسامة الناعمة لشفتيه رغم توهج عيناه بنيران الغضب:
"وأنا مستعد أرجع لك كل قرش أخدته منك وترجعي لي أولادي"
ردت برنة استهزاء
"منين يا عامر بيه..آخر معلوماتي أن المغتربين كانوا بيلموا لك علشان تدفع أجرة المستشفى..."
اختفت الألوان من وجهه واشتد التحذير في عينيه ونظراته المظلمة تمسح وجهها الجميل المتجمد بألم..وللحظات استمر ال**ت حولهم ثقيل..اقترب خطوة فتراجعت للخلف وجسده يميل عليها بإنذار بالخطر, حاولت أن تتجاهل عرض كتفيه محولة عينيها من عينيه شاعرة بوجهها يتوهج كلنا زاد اقترابه منها لتتعقل عيناها رغماً عنها بياقة قميصه المفتوحة عند العنق حيث تشع بشرته تحت شعر أ**د غزير
وفجأة انقطع الصوت بصوته الجليدي الذي لا يمت بصلة لملامحه المتفجرة ألماً أكثر منه غضب..
"أيوة يا فريدة..المعلومات اللي وصلتك عني صحيحة..مكنتش أعرف انك متابعة أخباري"
صاحت بدفاع:
"كنت منتظرة أوراق الطلاق اللي حضرتك أخرتها وكان المفروض توصلني من أكتر من سنتين.."
أطرق برأسه ثم رفعها قائلاً بتحدي صارم وإن لم تغب عن عينيه نظرات الألم:
"أنا فعلاً زي ما أنت قلت, أصبحت لا أملك أي شئ..كل أموالي وممتلكاتي فقدتها في التلات سنين اللي فاتوا لظروف يمكن تعرفي بعضها ومش وارد نتكلم عنها دلوقت, بس اللي عاوزك تعرفيه كويس..إني لسة بملك دراعي...وبيه هقدر أرجع كل اللي راح مني...أنا اللي عملت الفلوس اللي ضاعت..وأقدر أعملها تاني...بس ولادي.."
ورقت نظراته وهو يتأملهم لاهيان عما يحدث بين أبويهم وأردف وهو يزدرد غصة في حلقه وقد تغير صوته مما أدهش فريدة:
"ولادي مش هتخلى عنهم ولو اضطريت أننا نعرض مشكلتنا على عمك عمر بيه الهواري, ولا ابن عمك يزيد بيه الهواري ونشوف رأيهم ايه في المشكلة دي وأنا راضي بالحل اللي يشيروا بيه"
صرخت بدون وعي وهي تتخيل أن يعرف يزيد أو عمها بحكايتها وكذبها, كم ستسقط من نظرهم, هم بأخلاقياتهم القديمة ومثلهم العالية.. تمتمت بذهول:
"أنت مجنون, هتدين نفسك قبل ما تديني"
قهقه ضاحكاً:
"في النهاية أنا الراجل مافيش حاجة تعيبني الدور والباقي على الهانم بنت الأصول, يا تري رأي عمك وابن عمك فيكي هيكون ايه لما يعرفوا أنت حملت بالولاد إزاي؟ وليه؟ وأنك فعلاً ما كنتيش عذراء قبل العملية, دي لوحدها تساوي شرف العيلة كلها؟"
صاحت بحدة:
"أنت عاو زايه بالظبط؟ تاخد كام وتحل عني؟"
رأى من خلف ظهرها ابن عمها مهرولاً نحوها والشر يتلاعب بكل حركة من حركاته ليهب لنجدتها فاقترب منها وجذبها من ذراعيها بخشونة فلم تستطع التصرف من المفاجأة, خاصة عندما لفها بذراعيه وانحنى عليها في عناق ساحق لم يمهلها حتى لتتنفس, ولم يبعدها إلا عندما سمعا صراخ يزيد الغاضب كالعادة:
"ايه اللي بيحصل ده!! إيه المساخر دي؟! إنت مين يا جدع أنت وإزاي تتجرأ على حريم البيت بالشكل ده؟!"
ابتعد عامر عن فريدة دون أن يفك قيد ذراعيه من حولها ونظر للصعيدي الغاضب بابتسامة:
"أهلاً يا عمدة, لازم أنت يزيد, ابن عم مراتي.. فريدة"
شهق يزيد متراجعاً يحدق بكليهما بريبة, بينما تجمدت فريدة في مكانها مذهولة حتى لم تحاول الابتعاد عن أحضان عامر, الذي انحنى والتقط طرحتها من على الأرض ووضعها على شعرها الحريري الأ**د ليثبت ملكيته أمام ابن عمها حامي الدماء والذي فهم حركته ف*نحنح قائلاً بصوته الأجش:
"جوزها ولا مش جوزها, المساخر دي يا حضرة تبجا في أوضة النوم مش في الشارع عياناً بياناً جدام الخلج"
رد عامر ضاحكاً بنظرات عابثة على وجه زوجته المحتقن احمراراً:
"سامحني يا عمدة.. فريدة كانت وحشاني موت ومقدرتش أمسك نفسي, بس أوعدك المرة الجاية كل حاجة هتكون في أوضة نومنا, مش كدة يا سولي يا حبيبتي"
رفعت رأسها ترمقه بعينيها المغرورقتان بالدموع ثم نفضت ذراعيه عنها ودفعته بحدة في ص*ره وركضت مبتعدة ولم تتوقف إلا داخل غرفتها.
وضعت يداها على فمها تكتم شهقتها ولم تتمالك نفسها فراحت تبكي كما لم تبكي من قبل, لقد انهارت كل أكاذيبها فوق رأسها, ولا تدري ما الذي يريده هذا الزوج المزعوم, ولكن من الواضح أنه لا ينوي أن يتركها أبداً, ترى ما هدفه وماذا يريد؟.
أسئلة كثيرة راحت تدور برأسها كالدوامات حتى تشنجت عندما تذكرت هذا العناق, كان قوياً جداً, لم تستطع نكران الموجة الهائلة من المشاعر التي اجتاحت جسدها وهي تستسلم لقبلته رغم إحساسها بوجود يزيد خلفها, ولكنها لم تتصور يوماً أن عناق أي رجل قد يثير فيها كل هذه المشاعر المتضاربة, فخيالها مهما طاف بها في أرض الأحلام ولكنه لم يصل بها لأرض الواقع أبداً, انتبهت على طرقات على الباب, فردت ب**ل لظنها أنها لوزة:
"أدخلي يا لوزة من امتى بتخبطي على الباب؟!"
شهقت عندما لم تجد لوزة إنما..
*****يتبع*******