سلمى كانت قلقة جدا فقد اختفت سجود فجأة و كأن الأرض انشقت و ابتلعتها ، مر أسبوع على اختفاء صديقتها ، و اكتشفت هذا منذ أيام حينما اتت معاتبة لسجود التي لم تسأل عنها ليومان ، لكن وجدت الباب مغلق و المنزل لا يوجد به أحد في البداية ظنت أنها في العمل و تأخرت و عادت في المساء و لم تجدهم أيضا و جواد لا يحضر للحضانة ، حتى أخيها السمج غير موجود ، فشعرت بإضطراب و خوف غير مبرر على صديقتها و عندما تدق على هاتفها تجده مغلق و هي لا تمتلك رقم ساجد لتساله فإحتارت ماذا تفعل و منذ أسبوع و هي تحاول الوصول لرفيقتها أو معرفة شئ عنها لكن من دون جدوى لذا كانت تحاول بإستمرار الإتصال بها علّا هاتفها يفتح و عندما اتتها رسالة مضمونها أن الرقم يعمل لم تصدق نفسها فبسرعة دقت عليها و مع اول جرس بدأ قلبها يقرع طبوله و الثانية لم يفتح الثالثة ردت عليها فتاة ليست بسجود و عندما سألتها عن سجود أخبرتها أنها في الاستراحة تصلي و سألتها لما هاتفها كان مغلق و عندما علمت سلمى السبب كاد أن يغمى عليها فقط قالت لها اخبريها أن سلمى تبعث لك سلامها و أغلقت ، سلمى صدمت و شعرت بحزن كبير كأنه شقيقها هي و ليس شقيق صديقتها فقط ، شعرت بالحزن على أختها التي ستكون منهارة و متعبة و كل هذا هي ليست معها و لم تستطع مواساتها ، شعرت بأنها سيئة جدا لأنها لم تكن مع صديقتها في مثل هذا الوقت لذا قررت أن تسافر و عندما أخبرت وائل بهذا قرر الذهاب معها فسجود أصبحت جزء منهم و أختا طيبة لهم و أيضا ساجد أصبح رفيقه و عليه أن يسنده في وقت مثل هذا ، و إن كان يريده صديقا عليه أن يستغل هذا الوقت ليثبت لساجد أنه يستحق صداقته و الصداقة تستحق مواقف مثل هذه و هو لن يتردد فقبل ساجد ، سجود اختهم الطيبة و عليهم الوقوف معها لذا حزم الأمر و غدا سيأخذ عطلة و يسافر بعدها هو و سلمى التي يعلم أنها لن يرتاح بالها إلا بعد أن تطمئن على صديقتها و يعلم إلى أي مدى هي تحب سجود و تحترمها .....
.
.
كانت سجود تدعو الله باكية مترجية بكل صدق أن ينجي اخيها و يشفيه ، تمنت من كل قلبها أن يستجيب الله لها و لكنها تثق في رب العالمين الذي لا يخذل عبدا رجاه و طلب منه بكل صدق فرحمة الله وسعت كل الكون و لن يخذلها الله فهي لجأت له وحده لا حول ولا قوة لنا كلنا إلا به هو رب العرش العظيم ، وجدت لمى قربها تمد يدها مواسية بكل رقة فسهيل ليس أخ السجود وحدها و إنما هو أيضا في قائمة إخوتها ، ارتباطها مع سجود هو رابط روحي قوي و ما يمس واحدة يمس الأخرى.... ،
أما ثائر كان ينظر لحبيبته التي لا يستطيع حتى أن يمد يده مواسيا لها ، عليه فقط أن ينظر لها تتألم و إلى صديقه الذي خسره و يرى حالته التي يرثى لها ، صحيح أنه لا يستطيع الاقتراب منهم لكنه سيبقى قربهم حتى و إن لم يغفروا له أبدا ، الآن بات يفهم معنى العلاقات و تقديرها و لن يضيع فرصة كما في السابق حتى لو آكل الندم كل روحه عليه الآن أن يخفف قسوة جريمته التي قام بها معهم ...
سكينة حين إستيقظت أصرت ان تبقى قرب تؤمها و لم يحاول أحد الضغط عليها لأن الطبيب حذرهم من هذا و لكن أخذت سجود منها وعد بأخذ ادويتها و علاجها حتى تتحسن و تقف قرب سهيل الذي لن يكون سعيد اذا استيقظ و لم يجدها أمامه لذا فعلت ما قالته لها سجود متأملة في رحمة الله على شقيقها و لطفه ...
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.............
.
.
كان الجميع جالسا في المشفى قرب غرفة الطوارئ عندما دخلت سلمى و وائل و حين أقتربت منهم رأتها سجود التي لم تستطع أن تحبس دموعها و صوتها الذي يمتلئ بالألم و لم تتمالك سلمى نفسها و هي تحتضن رفيقتها مواسية لها على مصيبتها و ذهب وائل إتجاه ساجد الذي كان يبدو عليه الضيق و الحزن ، مسك يده مواسيا مطمئنا فنظر له ساجد نظرة رجاء و اطمئنان و بادله وائل تلك النظرة بكل صدق و عانقه بقوة يواسيه و يحمل عنه من كتفيه كل الأسى و الألم ، أستغرب محمد من هذا فمنذ متى ساجد يطمئن لأحد و يثق به حتى ينظر له هذه النظرة و من هؤلاء و هذه الفتاة التي عانقت سجود بكل صدق ، سيعرف هذا بعد لحظات ، بعدها أمسك وائل يد سجود و اخذها في عناق و هي تبكي بقوة شديدة حتى الجميع بسبب بكائها لم يستطيعوا حبس دموعهم ، كان وائل يعانقها و هو يردد في أذنها كلمات الأمل و هو يقول : هذه الفتاة الجبانة التي تبكي بين يدي ليست اختي سجود القوية التي اعرفها ، اختي سجود تثق بالله و رحمته و رجائه و تعلم أن كل ما يأتي من الله خير ، سجود التي أعرفها تبعث الأمل في قلوب كل من يعرفها و ترسل باقات الحياة للكل فهل اليوم أصبحت جبانة ، هيا نصلي معا كما اعتدنا و ندعو بكل الصدق الله أن يلهمنا الصبر و السلوان .... ، ثم اخذها من يدها و نظر لساجد نظرة فهمها و بعدها محمد و الجميع أتى و رائه ثم توضوا و قاموا بالصلاة و الدعاء لله بكل ذرة إحساس و صدق فيهم ، بعد هذه الركعات شعر الكل براحة غريبة و رضا كبير ثم اخرج محمد من أحد جيوبه مصحفا أعطاه لسجود و قال لها أظنك نسيتي هذا الصديق بمنزلنا المرة السابقة فهمت ما يرمي له فإبتسمت له بكل حب و امتنان و صدق و عانقته و بدأت في التلاوة و حتى سلمى و لمى بدأن بالتلاوة معها ...
عرّف ساجد محمد على وائل و أخبره أنه صديقه و كان ساجد يخبره هذا بكل فخر ، و لكن محمد سعيد بوائل جدا ، و سعيد لأخيه الذي وجد رفيقا مثل وائل ، فالرجال مواقف و وائل رجلا بكل صفاته و تصرفاته و بعد ما قام به بات واثقا أن اختيار سجود كان في محله ..
لمى شعرت بغيرة شديدة من سلمى خصوصا أن ساجد أيضا بات يحبها كما يبدو و لكن نظرته مختلفة لها عن نظرته لها هو و سجود ، كانت نظرة لها كلام كثير و لكن هذا ليس وقته الآن ، لكن بعد رؤية ما حدث هي أيضا أعجبت بسلمى و شقيقها ، صحيح أنها لا تستلطفها كثيرا و لكن من أجل صديقتها ستتحمل ، لكن جذبها وائل بكل رجولته و شهامته و عمق صوته و طوله الفارع ، ماذا تفكر الآن هي ، هذا ليس وقته و ليس المكان المناسب لهذا ثم هي لمى ياسر و الكل يجري خلفها ، رثت على حال شقيقها الذي يبعث نظرات نارية نحو وائل الذي كان يواسي سجود و ساجد و شعر بالتهديد للنظرة الصادقة التي في عينيه نحو سجود و لكن لو دقق النظر هي نظرة بريئة مليئة بمشاعر الصداقة و الاخوة لا أكثر و لكن ماذا تقول هذا حال المحب عندما يغار على من يحب و يعشق .....
.
.
شعرت سلمى بشئ من الود ناحية سكينة التي تبدو في نفس عمرها فلم تتردد و جلست قربها و إبتسمت للفتاة التي بادلتها إبتسامة حزينة ، ثم مدت لها يدها بلطف قائلة انا سلمى ، فمدت لها سكينة يدها قائلة بتعب .. و انا سكينة .....، قالت سلمى انا صديقة اختك الهرمة سجود ، ضحكت سكينة بتعب و قالت : و انا شقيقتها الصغرى ... ، قالت سلمى : كيف حالك
فقالت سكينة بضعف : أنني بخير و انت
قالت سلمى : كما ترين بصحة قوية و هذا بفضل سجود و نهال
ضحكت سكينة و قالت : و ماذا فعلن
فقالت لها : يا صديقتي اعمل خادمة و حاضنة لأطفالهم من دون أجر
ضحكت سكينة و قالت : يجب أن ترفعي قضية هذا ليس جيدا في حقك
قالت لها سلمى باسمة : قلبي لا يطاوعن فأنا خادمة مخلصة
ضحكت سكينة من كل قلبها مع سلمى و استمتعت بالمحادثة معها ، شعرت براحة غريبة لأول مرة تتحدث بكل عفوية مع فتاة ، حتى أختها هي قليلة الكلام معها و تعزل نفسها هي و سهيل عن الجميع ، لذا شعرت بالود أيضا نحو سلمى التي بقيت تثرثر معها بكل عفوية ....
نظرت لمى بإبتسامة نحو سكينة التي ضحكت بعد دموع كثيرة وجدت سجود قربها تقول :
أليس لسلمى سحر كبير يجعل الكل يحبها
قالت لمى من دون وعي : مع أنني اغار منها لأنها سلبتك انت و ساجد إلا أنها حقا ساحرة ماهرة و بدأت استلطفها فسكينة تعيسة منذ أيام و هذه أول مرة تضحك مع فتاة أو أحد غير سهيل
ضحكت سجود و قالت : إذن صديقتي تغار علي
قالت لمى حانقة : تفاهتك هذه لن تتركيها لكن اعدك بعد مضي هذه الظروف سأربيك من جديد
ضحكت سجود و قالت : فليعين الله من يترتبط لك فهو سيكون في عداد الموتى ....
.
.
ثائر أقترب من محمد و هو يرمي رأسه أرضا و يقول : عاتبني فيما بعد و لا تسامحني أيضا إن اردت و لكن الأن دعني أقف معك يا صديقي فأنا بحاجة لك أكثر مما انت بحاجة لي ... ، لم يستطع محمد منع نفسه من البكاء و معانقة صديقه الذي إشتاق له كثير و كان يعلم بالرغم من الخلافات إلا أنه لن يتركه وحده و قد أثبت له هذا فمنذ دخول سهيل المشفى و هو لم يعد لداره لا هو و لا لمى المجنونة و لكن الأن كل شئ سيكون بخير..
نظرت لمى و سجود بدموع من بعيد لاخوتهم الذين يبدو أنهم تصالحو و قالت سجود : أخيرا بعد طول انتظار ، ا**قان
بدأ لمى معانقة سجود : غ*يان كيف تحملا هذا ، انا بالرغم من حماقتك لا استطيع تخيل يومي من دونك
ض*بتها سجود على كتفها و هي تضحك بدموع ممزوجة بالفرح و الحزن معا و راجية من قلبها رحمة الله التي تسع كل شئ
.
.
في المساء بفضل الله تم إخراج سهيل إلى غرفة عادية و هذا بعد استقرار حالته و لكن أخبرهم الطبيب بأنه لا يجب عليه ممارسة اي نوع من الرياضات في حياته فقد تعرضت عظامه لكثير من ال**ور الخطيرة و لولا ستر الله و رحمته لما نجي منها أبدا و عليهم الحرص أن يبقى على الأقل أسبوعان في المشفى و شهر في المنزل من دون حركة كثيرة حتى تشفى عظامه تماما و يعود تدريجيا لحياته الطبيعية ، فرح الجميع بهذا الخبر كثيرا و صلوا شكرا لله و حمدا له على هذه النعمة ...
بعدها تتالت الايام و بعد يومين عاد وائل الذي تأخر على عمله و سلمى التي تنتظرها دراسة بالكلية ، ودعوا الجميع و تبادلت سكينة و سلمى الأرقام للتواصل و وعدتها سلمى أن تقوم بزيارتهم مرة أخرى عندما يتم إخراج سهيل من المشفى و ستطمئن عليه كل يوم ، شعرت سجود ان الله رمى سلمى في طريقها لتكون طوق نجاة لشقيتها الصغرى من عقدة التواصل و لشقيقها من عقدة الثقة ، فلاحظت انفتاح سكينة معها و رحابة روحها و أيضا نظرات ساجد و حديثه مع سلمى الذي يقول من ورائه الكثير ...
.
.
نجود هي زوجة ساجد التي لا تطاق ، كانت تريد أن تسأل كيف أتى ساجد و سجود معا و لكن الوقت لم يكن مناسب و لكن الأمر زاد عند حده عند قدوم الفتاة و أخيها التي لم تحبهم و لاحظت نظرات زوجها العزيز نحو تلك الفتاة التي لم تستلطفها و بعد ذهابهم و التأكد من استقرار حالة سهيل قالت بكل وقاحة : يا ترى كيف أتيت انت و ساجد في نفس الوقت يا سجود ، ثم من هولاء الذين تجمعكم بعمل معرفة هل تقيمون بنفس المكان و تقومون بخداعنا ؟؟
هذه المرة رد عليها ساجد الذي انفعل من وقاحتها و كان يكتم في قلبه الكثير و قال بكل عصبية : أجل نقيم بنفس المكان هل لدى حضرتك اي مانع ، و اسكن معها بنفس المنزل و اتواجد بنفس المدينة و سأظل هناك إلى متى ما شئت إن أعجبك هذا ام لا ، و لن تكوني معي أبدا و لدي تصرف آخر معك بعد أن تنقضي هذه الظروف و إن أردت الشكوى لوالدتي التي ستدافع عنك هي أركض نحوها ، ثم نظر لوالدته نظرة ملئها العتاب و الخذلان و خرج ...
بعد هذا الكلام خافت نجود كثيرا و شعرت بالحرج ثم خرجت ، و لكن كانت والدته تشعر بالحزن و الندم فهي من اوصلت إبنها لهذه المرحلة و أخذت عهد على نفسها أن تعوض أبنائها عن كل ما قامت به فهي لن تتحمل فقدان أحدهم أبدا و ستجعلهم يسامحونها بإذن الله..