7-'العشاء الأخير'

1319 Words
لا تُعجبني. تلكَ القِلادة الذهبية لم تُعجبني فـحينما أنظُر للمرآة اشعُر بِالإنزعاج حين رؤيتها حول عُنقي. هي تُذكرني بِـأن شيئاً مُريباً يحدُثُ حولي وانا لا اعلم عنهُ شيئاً وكما يبدو فـلا يجب أن اعرِف كما لمح لي هادوين، إلا أن هذا يُزعجني عِندما يتعلق بِوالدتيّ. والدتي علّمتني كُل شيء وأحبتني بِصدق؛ لا اريد التفكير في أنها تُخفي اسرار كما تُرغمني القِلادة. عُدتُ بِذاكرتي لِما قبل القِلادة في حادثة السقوط. تجاهلتُ الخوف الذي تغلغل بِداخلي بِمُجرد إستعادة ذكرى الحادث وغرقتُ في التفكير عَن جُملة هادوين. "الموت يُلاحقكِ مُنذُ سنوات" هذا حدث. لكِن تلك المرة تحديداً كانت الأكثر خطورة، الأكثر خطورة وكأن الموت يُهددني بِإقتراب موعد رحيلي. ماذا إن لم يكُن سيّدي هُناك حينها؟ لا اُريد التفكير في هذا... غادرتُ مِرآتي ثُم غُرفتي بحثاً عن ماريا، اُريد مُناقشتها عَن ماضي الملائكة، فـإن كان هُناك من يعرف حقيقتهم جميعاً جيداً سَتكون ماريا؛ مَن عاشت معهم لأطول وقت. سِرتُ في الممر نحو السلالم العظيمة لَكِن صوتاً ما أوقف خطواتي قائِلاً: "آنستي! " إلتففتُ نحو الصوت المألوف لأرى لوثر، الرسام الأشقر ذو الشعر الطويل كـقامته التي خطى بِها نحوي مع ابتسامته الصفراء. "مِن المُدهش أن تستيقظِ مع غروب الشّمس، الطباخ أخبرنا أن هادوين طلب منّا عدم إزعاجكُما لأنكُما لم تناما طوال اللّيل. صباح الخيّر، شارلوت! " "صباح الخير"كانت نبرتي مُجردة مِن المشاعر أكثر مما توقعتُ، لكن حديثهُ جعلني أدرك أن هادوين لازال نائماً. "هل تبحثين عَن هادوين؟ " "في الحقيقة..ابحث عن ماريا" رفع حاجبيه في دهشة مُزيفة: "اصبحتِ صديقة لنا إذاً" "اعذُرني إذاً "كدت اتحرك لولا تحدثه: "لقد طلبتُ من ماريا تجهيز مرسمي، هي هُناك الآن" شككتُ في البداية ولا اعرف لِماذا، لكن لوثر يبدو لي كـأنهُ يكذب دوماً او يُناقِض نفسهُ. لكنّي لم ارغب في إظهار ريبتي مِنهُ لِذا تتبعتهُ نحو مرسمِه. كان مرسمه في الطابق الاول للقصر، ذو حائط زجاجي بِالكامل مُطِل على الحديقة الواسعة ذات مختلف الزهور والكثير من زهرة عباد الشّمس ليُذكرني مُجدداً بِـفان جوخ. يوجد مجموعة جوائز فوق المكتب بإحدى زوايا الغرفة مِن بينهم كأس ذهبيّة وبعض علب الألوان المختلفة والكثير من الأقلام مع لوحتين معلقتين بالجدار الخلفي لكن يخفيهم ستار أبيض. زارتنا أشعة شمس الغروب في أرجاء الغرفة لكنّها كانت مُحببة؛ مُجرد ضوء خافِت تسلل مِن بين الغيوم. القيتُ التحية على ماريا وبادلتني بِـسعادة كبيرة ثم تقدمت نحوي لتهمس في أذني: "تملكين قلادة جميلة، استعدي لِطلب لوثر أن يرسمكِ!"سخرت مُمازحة لأقهقه بينما لوثر جلس على كرسيه الخشبي المستدير امام لوحته وحدق بِنا في فضول. تركتْ ماريا مساحة بيننا مجدداً ثم قالت: "سأُنهي عملي وأزوركِ، انتظريني" أومأتُ بِـإبتسامة لها لِترحل. استل لوثر كُرسي كـخاصته قربهُ وأشار لي لأجلس وانصعتُ لأوامره عِندما أدركتُ أني لا املك ما اقوم بِه مع إنشغال ماريا ونوم هادوين. كانت لوحته بِالألوان الزيتية، تمكّنت من التعرف عليها بِسبب رائحتها النفاذة. لوحة لم يُرسم منها سوى القليل فقط إلا أني تمكنتُ مِن التعرف عليها بِسهولة كبيرة: "العشاء الأخير لِـدافينشي! تلك لوحة والدتي المُفضلة، لقد رسمتها عشرات المرات وفي كُل مرة تحرز بِها نتيجة أفضل ترمي بِالسابقة في القبو لتعلق الجديدة في غُرفتي" زفر ضحكة خافتة: "لهذا السبب لن اكره مُصادقتكِ" رفع وجهه للحائط امامه نحو لوحة دافنشي -العشاء الأخير- وعاد يستكمل رسمه مُقلداً لها في شرود بينما يتحدث: "مِن الغريب أنكِ بِتلك الثقافة مع حياة بسيطة في ايرلندا" "والدتي علمتني كُل شيء اعرفه، لقد كانت موهوبة بِشدّة.." "يُمكنني معرفة أنها كانت سيدة رائعة" "لقد كانت! " ارتسمت إبتسامته الصفراء وسأل: "هل يعرف هادوين؟ عَن والدتكِ؟ " "لقد اخبرتهُ في الليلة الماضية" تجمد جسده في وضعية الرسم بينما إبتسامته إختفت ودون أن ينظر لي اردف: "لقد ضحى بحياته تلك اللّيلة"نظر بعيناه الخضراء نحو عينايّ مُباشرةً مُسترسلاً"ألا يبدو هذا غريباً؟" أدركتُ أن لوثر يشعر كما أشعُر انا نحو هادوين فـفسرتُ لهُ: "هادوين يملك اسراراً، هذا واضِح" قهقه ساخراً بِخفة بينما أشاح بعيناه نحو اللوحة واستطرد: "اسرار؟"غرس فرشاته في صحن الالوان واستكمل حديثه: "هادوين فقد صوابه، اخبرتُكِ بِهذا سابقاً ولم تصدقيني؛ لكن كُوني واثِقة بأن وجودكِ قُربهُ يُزيدهُ جنوناً" نفذ صبري أثر حديثه السيء عن سيدي فـفرقتُ فاهي لإيقافه لِـيسبقني قائلاً: "الحياة هي حرب جوع؛ والإنسان لا يشبع! " "سيّدي هذ-" "هادوين مثلنا شارلوت، إن كان بريئاً لِما كان سقط من السماء، اما عما تلى السقوط فـقد كان الجنون بِعينه! هادوين مُذنِب وكثرِة ذنوبه جعلتهُ يفقد صوابه لم يعد يفهم الفضيلة والرذ*لة، لم يعد يعرف إن كان مذنباً أم بريئاً؛ انا مُتأكِد أنكِ لاحظتِ هذا، لكن هادوين يملك عقلاً يعرف انهُ مُذنِب وقلب مقتنع انهُ بريء! " كلماته أرغمتني على تذكر ما كرهتهُ ليلة البارحة كثيراً وهي نبرة صوت هادوين الصادقة في قوله انهُ مُذنِب كما قال بِها أنهُ بريء وض*بت القشعريرة جسدي إزاء تلك الذكرى. افهم ما يحاول لوثر قوله، هادوين لا يعرف نفسه، لا يعلم ذنوبه وبراءته.. نظرتُ للوثر مباشرةً بِملامحي المرتبكة في سؤالي: "ماذا عنك؟ " قهقه ساخراً مِن سؤالي: "يوجد هذا الشخص في مكان ما في العالم يحاول بِجهل أن يكون ملاكاً طاهِراً؛ سيُدفع لحافة الجنون ويموت وحيداً. انسان آخر تقبل ذنوبه وخطاياه عاش طويلاً ومات سعيداً، أيهما الافضل؟ البشر سيختاروا من بحث عن الطهارة طوال حياته؛ لكن اخبريني انتِ...كيف لشخص يعبد الوهم أن يكون افضل مِن شخص احب نفسهُ وذنوبها؟ حتى المثالية ليست مثاليّة، فَمَن انا لأسعى لِلقب الملاك كـعبد الوهم؟ "أشار لِهادوين بِوضوح في حديثه. خ*ف نظرةً لي ثم اكمل بِنبرة يأس: "أليسَ مِنَ الأفضل...أن نُحِب خطايانا؟ " هذا يتشابه مع حديثي ليلة البارحة، عِندما قُلتُ أن العيش دون حُلم أفضل مِن السعي لِما هو غير حقيقي في عالم لا يرحم وهذا السبب الذي جعلني عاجزة عن الحديث الآن. لوثر يشبهني في التشاؤم، إلا أن هادوين لم يشبهنا...لقد حاول كثيراً ألا يُذنِب حتّى أوشك على فقدان صوابِهِ. هل ملاكي بريء..؟ شعرتُ وكأن لوثر يعلم الكثير لذا سألتهُ: "كيف تعرِفون أن الموت يلاحقني؟ وهل تعرفوا السبب؟ " لازال شارداً في لوحته لكنه اجاب: "هذا جنون مِن أقاويل هادوين، حتّى إن كان هذا صحيحاً والموت يلاحقكِ إلا أننا لم نأخذ حديثهُ على محمل الجدّ يوم المقابلة، لقد اعتدنا حديثهُ عن الهراء بعد إنضمامه لِلأخوية سيون" قضبتُ حاجباي: "الأخوية؟ " بدا وكأنهُ قال شيئاً لا يجب عليه قولِه فـ**ت لدقيقة ثم أجاب: "انتِ جاهلة...شارلوت، جهلكِ هو ما سَيحميكِ، لا تتبعي فضولكِ. أحياناً ضوء المعرفة يُعمي والقليل مِن ظلام الجهل رحيم بِنا" أتمنى أن احصُل على إجابات مِن لوثر اكثر مما ارغب في سماع فلسفاتِه. رفع عيناهُ مِن صحن الألوان نحوي وقال: "سأرغب بأن ارسمكِ قريباً" إبتسمتُ بِخفة في تذكُر حديث ماريا وإمتناناً لِإنهاء حديثنا عن هادوين. لكن تلك اللحظة لم تستمر عندما خطر في بالي سؤالاً نطقتُ بِهِ دون تفكير: "هل حسدت شخصاً مِن قبل؟ هل سَيكون هذا ذنبك؟"لم اسأل بِطريقة صحيحة لكنهُ فهمني وأجاب: "سبب سقوطي مِن السماء هو الحسد والسبب الذي سيجعلني اُطرد مِنها للأبد هو ما سيدفعني الحسد لِلقيام بهِ، لقد حسدتُ مئات الأشخاص شارلوت؛ لكِن هل كتمتُ حسدي؟ أم جعلتهُ يتحكم بي؟ جواب هذا السؤال هو الحاسم. لنا جميعاً وليس لي فقط..." تغيرت تعابيرهُ لِـحُزن خافِت وكأنه إستعاد ذِكرى غير محببة وهذا ما أرغمتي على كبح فضولي لليوم، لكني شِبه واثقة أنهُ مهما كان الشيء الذي دفعهُ حسد لوثر للقيام بهِ فـهو نادِم رُبما هذا سبب استسلامهِ في العودة للسماء.. أوقف لوثر لوحته ل**ترة الغذاء وتجمعنا جميعاً حول الطاولة وهادوين كان الوحيد الغائب حينها؛ إزداد خوفي مُجدداً لكن وجود ماريا بِالغرفة طمأنني قليلاً. "أيها الو*د!! "زمجر أحدهم فـرفعتُ عيناي لِجايمس ذو الأعين الرمادية واللحية الخافتة يض*ب الطاولة بِقبضته ناظراً انطونيو الذي كما يبدو سرق قطعة من طعامه. تلك طبيعة نظير الغضب مع نظير الشراهة كما يبدو، لكن طبيعة جايمس تستمر بِإخافتي. ألفونس اطلق ضحكة مُزيفة عالية وحادثني: "هذا ما يحدث يومياً قبل مجيئكِ، لقد تظاهروا باللطف فـحسب بِسببكِ" جايمس زمجر: "لقد سمعتكُ! " الفونس كتم ضحكته واخفى وجهه عمن يكاد يفقد صوابه، ولوثر شارك: "انت مُزعج، جايمس! " "ماذا قُلت يا ذو الأربعة أعيُن؟! "زمجر مرة ثانية وأحسستُ وكأن الملائكة يتعمدون إغضابِه ليرتكب خطيئته امامي وهذا ما جعل إبتسامتي تتلاشى. "سيّدي! " ادار جايمس وجهه نحوي في تساؤل لكن تساؤل غاضِب واسترسلتُ: "فلتأخُذ طعامي، انا لستُ جائعة" ارتخت تعابيرهُ فجأة وبدا مشدوهاً قليلاً كما الآخرين فـعم الصّمت المطبق، وعندما لم يحرك جايمس قدر أنملة وقفتُ ودفعتُ بِصحني نحوهُ فوق الطاولة. "انتِ تبدين كـملاك أكثر مِنهُ"اوليفر الضخم سخر فـإنفجر الفونس ضاحكاً. لكن تلك المرة جايمس لم يغضب، لقد ابتسم لي بِصدق واومأ ثم أخذ الصحن. شعرتُ بِنظرات تخترقني فـنظرتُ نحو لوثر الذي ابتسم لي ابتسامته الصفراء ثم أشاح بِوجهه قبل أن اُبادِلهُ. ★★★★★★
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD