شُدِهتُ!
بل كِدتُ احتضن الأرض مِن شدة الذهول.
عِندما سمعتُ عن ثراء هوفام لم اتخيل أني سأرى هذا المشهد؛ المكتبة التي بدت كـقصر آخر داخل القصر، مع سقفها العالي الذي يمتدّ للسماء حرفياً والجدران ذات النقوش الفيكتورية حول المكتبات التي تحتوي الجُدران من ذات اليمين واليسار بينما في الامام مباشرةً حائط مسطح زجاجي يطُل على الحديقة من مكاناً مرتفع مع شُرفة داخلية كبيرة في المنتصف.
منتصف المكتبة كان طاولة مستديرة مع كرسيين مُرِحيّن وبعض الشموع الخافتة التي أضاءت البقعة في المنتصف تعاوناً مع الشمعات المتفرقة الاخرى.
أفقتُ مِن ارض احلامي على هادوين يحدق بي مُتساءلاً عن تعبيراتي فَـضحكتُ تلقائياً:
"جميل، سيّدي؛ قمة الجمال.."قلتها بِالقليل من الحماس وليس الكثير فـتعبيراتي كانت كفيلة لإحراجي.
ربت على كتفي بِرفق مع ابتسامة خجولة قليلاً واصطحبني لِلجلسة التي بِالمُنتصف.
كانت الطاولة تحمل ثقل اوراق كثيرة وملفات بالية ورثة وكوب قهوة تم إرتشافهُ بِالكامِل.
"في الحقيقة...لا اعمل على كتاب حالياً تلك بعض المسودات الغير مكتملة، لِكتب نُشِرت أو كُتب لم تُنشر بعد"
استلتُ ما في القمة من اوراق بينما الحماس يحتل خلايا جسدي. حدقتُ بِأطراف الورقة البالية فأدركتُ قِدم المسودة وقد تكون صُنِعت قبل مولدي حتّى.
نقلتُ عينايّ لكلِماتُها:
«
11-21-12-42
شارلوت»
بحثتُ عن كلمات اخرى ولم أجِد سوى تلك الأرقام دون معنى واضِح، اعدتُ عينايّ نحوهُ مع ابتسامة اخف وتساؤل اكبر فسحب الورقة من بين يداي بِرفق وتعرف عليها.
عندما قرأها تغيرت تعابيره لِإبتسامة حزينة بِعُمق، عمق كـعمق المحيط الميت في عيناه:
"شارلوت، انتِ لا تحتاجي جواباً مِني في حين أنكِ ستفهمينها يوماً ما.."
لم يُرضيني جوابه فـسألتهُ:
"هل تعرفني، سيّدي؟ بِالطبع لا اقصد لقائُنا في ايرلاندا قبل خمس سنوات"
كبُرت ابتسامته وبلغت حُزناً أكثر عُمقاً، أشاح بِنظرِه عني مُجيباً بِنبرة اكثر جديّة:
"تلك مسودة لِكتاب أسيرة، البطلة تحمل ذات الاسم، شارلوت! "
تذكرتُ عقب حديثه كتابِه الأخير أسيرة واسم الشخصية الانثى الرئيسية بهِ المطابِق لِخاصّتي إلا أن هذا لم يؤثر بِشيء غير زيادة فضولي وارتيابي.
على كل حال قررتُ عدم التعمق بِالاستفسار أكثر فَكُنتُ مُتأكِدة أنهُ لن يُخبرني عما أتوقع سماعهُ وغير مُتأكِدة إن كان ما اود سماعهُ حقيقي أم لا.
"لِما اسميت كتابكَ أسيرة؟ "خطر في بالي هذا السؤال فرميتُ بِهِ مُباشرةً لأستعِد إنتباههُ عندما اعاد نظراته نحوي:
"الكتاب يتحدث عن حُرية البطلة؛ لأن البطلة ارادت دوماً بلوغ الحُرية، لكن نهايتهُ كانت حزينة لأنها لم تُحقق حلمها لذا ستبقى أسيرة للأبد"
هذا هو النوع الذي احبهُ مِن الكُتب، سيّدي. لم اخبرهُ بِهذا لسبب ما وسألني هو بِالمُقابِل:
"ما هو حُلمكِ..شارلوت؟ "
رغم أن سؤالهُ بدا عادياً إلا أني لوهلة تجمدتُ وعُقِد لِساني، رُبما لأنّي سأبقى أسيرة للأبد؟
طأطأتُ رأسي مُجيبة بِنبرة تكاد تُسمع:
"لا املك حُلماً سيدي"
تمكنتُ مِن تخمين تعابيره في تلك اللحظة وإن لم أراها، فـنبرة صوتِه المتعجبة كانت كافية لإخباري:
"فتاة قارئة ومُثقفة مثلكِ لا تملك حُلماً؟"
غريب، اعلم هذا سيّدي لكن جميع أحلامي بعيدة المنال..
"في الحقيقة سيّدي، كوني قارئة هو ما جعلني بلا حُلم، فَـالكُتب ساعدتني على رؤية العالم كما لن يراه الشخص العادي، وادركتُ أن عالمنا لا يمد للرحمة بِـأي صلة. لا اريد تضييع حياتي محاولة تحقيق رغبة غير حقيقية، عبدة لوهم.."
شعرتُ وكأنهُ فهم حديثي عن الحرب وليس الكُتب لِذا حاولتُ قلب الطاولة و رفعتُ عيناي لوجهه الذي ع** ضوء الشموع بينما يتأمل بيّ وسألتُ:
"ماذا عنكَ، سيّدي؟"
"العودة للسماء، هذا هو حُلمي قبل الأخير.."
لم يتردّد، وكان سؤالي غ*ياً بعض الشيء فماذا قد يتمنى ملاكاً سقط من السماء سوى العودة لها؟
لكن تلك الإجابة لم تُكفيني، رُبّما، فسألتُ مُجدداً:
"لِماذا؟ هل تشعُر أنكَ أسير في هذا العالم؟ سيّدي"
"الجميع عبد لِـمقدساتِه، شارلوت إن تخطى المجنون حدوده نحو ما يُقدسهُ الإنسان سَيتحول حينها لِـحيوان، روح بلا عقل، جسد تقوده المشاعر، المقدسات للانسان هي ما تدفعه لإرتكاب الخطايا، لهذا لن اكون عبداً لشيء، سأكون حراً!"
قطبتُ جبيني أثر تناقُض كلماتِه وسألتُ للتوضيح:
"لكنكَ تملك حلماً، ألا يجعلكَ هذا عبداً لحلمك بِـالعودة للسماء؟ "
بدا وكأنّه لم يفهم حديثي وقبض حاجبيه:
"أنّى لِمُذنِب أن يعود للسماء؟ "
في تلك اللّحظة أدركتُ أن شيئاً ما ليس صحيحاً وأن خطباً ما يحدُث لذا أصريتُ:
"لما تحلم بِالعودة للسماء إن كُنتَ تعترف الآن أنكَ مُذنِب؟ "
تخلى التساؤل عن ملامحهُ وبدا وكأنهُ يفهم حديثي الآن فأومئ:
"لكنّي غير مُذنِب، لهذا أود العودة للسماء! "
هادوين..
هذا يُخيفني.
اخذ ال**ت جولاته بيننا بينما نحدق في بعضنا بعضاً وكأننا مِن عالم مُختلف ولا نملك سبيلاً للتواصل؛ فـهادوين بات شخصاً آخر لِوهلة..
"سيّدي، هل أذنبت؟ "
ابتسم بِخفة ابتسامة ليست متكلفة واجاب:
"لا شارلوت، قد افقد صوابي ولا انسى مباديءّ"قالها بِذات الصدق الذي قال بهِ أنهُ مُذنِب فتركني بين الأمرين احادث نفسي.
غيرتُ الحديث أثر خوفي الذي عاد ولم احبذ أن احمل خوفاً لِهادوين الذي كان اكثرهم جمالاً لي، فسأكون حينها الخاسرة الوحيدة.
تحدثنا كثيراً جداً في الشُرفة عن مختلف الأمور ولم يُصادفني تناقض كما حدث ثانيةً بل بدا واضحاً كما اعتدهُ.
بزغ الفجر بين نسمات الهواء المُثلِجة وقد كان الحفل قد إنتهى وحديثي مع اميري لم ينتهي ولن ينتهي طالما حييتُ قربهُ فـبعد ساعات متواصلة من الحديث بعد مُنتصف الليل اصبح كـالشفاف أمامي وقد عرفتُ عنهُ كل ما رغبتُ بهِ.
هو ايضاً عرف عني الكثير، لقد كان مُتفاجئاً أن فتاة بسيطة كانت تملك هذا القدر من المواهب المتنوعة إلا أني شرحتُ لهُ كيف أن والدتي هي من علمتني كُل ما اعرفهُ واعتنت بي جيداً.
وصلنا لنقطة من الهدوء الجميل نُراقِب بها السماء التي شقتها اسهُم الشّمس البارِدة، كانت السماء تحيط بنا من كل صوب عدا اسفلنا وخلفنا حيثُ الغُرفة، تتدرج بِها الوان الفجر قبيل شروق الشمس بِدقائق.
شعري تراقص مع الهواء لأنتعش مِن جديد واسترخي اكثر فـيغلبُني نُعاس شديد. قد كانت أعيُننا حمراء بِفعل النعاس والإرهاق طوال الليل لكننا فضلنا مُشاهِدة الشمس تشرِق اكثر من النوم.
لم ارغب في قطع هذا الهدوء الجميل لكني لم اتمالك نفسي بِسبب طبيعتي الفضولية:
"مَن مِن الملائِكة لازال بريء؟ سيّدي "
نقل بصره نحوي بينما يستند بمرفقيه فوق السور الذي جلستُ فوقهُ، ثم نظر لعيناي مباشرةً وأجاب:
"مِنَ المُفترض أن واحداً مِنا فقط سيعود للسماء؛ هذا الملاك سيكون آخر بريء بيننا، ولأنكِ تمكنتِ مِن رؤية أجنحتنا فَـهذا يعني أنهُ لم يتبقى سوى بريء واحد، دوركِ هو اكتشافهُ"
"ولِماذا انا تحديداً؟"
بدا متردداً قليلاً لكنهُ أجابني:
"شرط عودتنا للسماء، لا. بل الطريقة التي سنعود بها للسماء تطلب شاهِد على براءة الملاك وهذا الشاهد هو مَن ستعمل عليه لعنة لوسيفر -الفونس- التي وضعها في معزوفة هزّة الشيطان في حُلم تارتيني. انتِ هي الشاهِدة، شارلوت، لِماذا؟ انا ايضاً لا اعرف.."
كنتُ اعلم انهُ لا يكذب لكني كنتُ متأكدة ايضاً انهُ يُخفي شيئاً وقد كان غموضه مبالغ فيه عِندما يتعلق الأمر بِيّ وهذا أزعجبني قليلاً.
"كيف سأثبت براءة الملاك؟ "
تن*د تنهيدة عميقة وأشاح بنظره نحو السماء:
"تلك ليست مُهمتكِ، الشرط يتطلب وجودكِ كـشاهدة لكن الإثبات ليس بكِ فقط. يوجد شرطين آخرين، شارلوت"
"ما هما؟ "كنتُ اُبالغ بِفضولي لكن تهربه مِن الإجابة دفعني للقيام بِهذا.
"اشياء بحث عنها آرثر والأخوية سيون يعرفونها ودافنشي رسم لها، هذه الأمور لا تتعلق بكِ، لا تغرسي نفسكِ في هذا، الحقيقة لم تكُن يوماً جميلة!"
سمعتُ صوتاً تحتي كان السبب في إنهاء هادوين حديثهُ فـنظر كِلانا نحو احد اعمدة السور تحديداً الذي اجلس فوقهُ ينشق وترتسم به شقوق فـيهتز لأفقد توازني أثر اهتزازِه.
شعرتُ بِجسدي يندفع نحو الهواء وتمكنتُ مِن الشعور بِالعلو مِن الطابق الثاني بيني وبين الأرض وقد كان جسدي يطوف أبعد عن هادوين أكثر فأكثر ونبضات قلبي تتباطأ.
تدور في عقلي تلك المرات التي كُنتُ بِها على حافة الموت وبطريقةً ما نجوتُ حتّى اليوم.
اغمضتُ عينايّ حين شعرتُ بِيدان تُحيطان بِـخصري ثم جُثّة ضخمة تُعانق خاصّتي انقلب جسدي ليكون جسدي هادوين تحتي وأقرب لِلأرض.
إمتلئت عينايّ بِالدموع عِندما إجتاحني خوفاً مُفاجِئاً وترتعد اطرافي فَـتشبثتُ بِقميص هادوين بِـأصابعي ودفنتُ بِوجهي في عنقهُ.
شعرتُ بِيده تُربِت على رأسي لأفتح عينايّ بِدهشة وعندما فتحتها سمعتُ صوت إرتطام وتباطأت سُرعة سقوطنا ثم سمعتُ هادوين يتأوه بِـقوة ليُصيبني الذعر أضعافاً.
لم تمر ثانية حتّى استقرينا على الأرض، حُصِرتُ حينها بين مئات التساؤلات التشاؤمية التي أرغمتني على إغماض عينايّ حتّى اسمع صوت هادوين على الأقل.
لكن لا صوت..
وبعد أن كان خوفي هو سبب تجمُدي، اضحى سبباً يدفعني لفتح عينايّ والإطمئنان على سيّدي، فـشرعتُ بِالنظر نحوهُ لاهثة ومذعورة لأرى إبتسامة مُرهقة فوق محياهُ تُطمئنني.
"سيّدي..."إهتزاز نبرتي اجبرني على ال**ت فـتجمعت دموعي وحاوطتهُ بِذراعيّ وكأني والدة قابلت ابنها بعد سنواته في الجيش.
"ياليتكِ ناديتيني بِأسمي في تلك اللحظة على الأقل!"تذمر مُمازِحاً فـإنفطر قلبي أكثر لكني تمالكتُ نفسي بطريقةٍ ما وفصلتُ العناق.
رفعتُ عينايّ لِلأرضية بعيداً عن هادوين ببضع مترات فـأبصرتُ العامود الصخري مُحطماً ومتفتت لِذرات وقد كانت الصخور قد تحطمت لكن كِلانا وصل بِسلام.
اشعر بِالكهرباء تسير في عروقي أثر الخوف الذي لم يغادرني حتّى الآن بينما عبارة هادوين تتردد في عقلي:
"الموت يلاحقكِ مُنذُ سنوات، إن خرجتِ ستموتين!"
هل للأمر علاقة بِـالملائكة وكوني شرطاً كـشاهدة على براءة الملاك الأخير..؟
تذكرتُ إرتطامنا بِجسد صلب الذي كان سبباً في تخفيف قوة السقوط ووصولنا بِسلام فـرفعتُ عيناي نحو هيكل القصر فرأيتُ تماثيل قليلة في أماكن متفرقة لملائكة، تبرز من القصر، بعضها بأجنحة وبعضها بدون لكن جميعهم أما يحملون سيوفاً او رماح.
ربتتُ على كتف هادوين بينما اسأل بِـقلق لم أتمكن مِن إخفائه:
"هل تتألم؟ هل أنتَ بِخير؟! "
إستقام بِجذعه بينما تعابير وجهه تشتد ضيقاً وظهره غير مستقيم فـأدركتُ انهُ أُصاب ليعاودني الذعر لكن بِـشكل أخف:
"سيّدي، ابقى هُنا! لا تتحرك سأُنادي أحدهم!!"
كدتُ أقف لولا تقيده لـرسغي:
"توقفِ شارلوت، انا بخير، انا فقط أنزِف يُمكنكِ مُساعدتي في إيقاف النزيف دون مُساعدة أحدهِم"
لم اكُن راضية، فَـلم ارغب بالسماح لهُ بِالسير ولو لخطوة واحدة بِتلك الإصابة لكنهُ كان مُصِراً لِلغاية لِذا اضطررتُ لِلموافقة.
دخلنا القصر وقد كان فارغاً تماماً من الأرواح إلا الطباخ الذي كان قد إستيقظ تواً لِتحضير الفطور للسيد انطونيو قبل إستيقاظه، لقد قال أن التحضير لفطور انطونيو سيتطلب منهُ ساعات دون مساعدة ماريا التي لازالت نائمة.
ارشدني هادوين لغرفته بينما يستند علي نحوها وعندما أدركناها أدركتُ أن إنطباعي عنهُ لم يُخطئ يوماً، فقد كانت نظيفة بِشدة وبها مكتبة صغيرة للكتب ومكتب امام النافذة عليه آلة كِتابة عتيقة، جوها كان مُريحاً وهادِئاً بِجمال.
اخبرني عن موقع حقيبة الإسعافات الأولية فـأحضرتها وعندما عدتُ ما رأيتهُ كان كفيلاً لِسلب أحرفي وتجميد جسدي.
لم أكن املك طاقة كافية لِلإستفسار أكثر او تلقي اموراً مريبة ترغمني على توخي الحذر مِن سيّدي، لكن هذا كان مبالغ بهِ.
لقد كان قد خلع قميصه بالفعل وقابلني بظهره العاري، إلا ان ظهرِه لم يكُن مُصاب بِكدمة حول جُرح نازِف أثر التمثال فحسب، بل كان هُناك الكثير مِن آثار الجَلد على بشرته الثلجية.
ترددتُ لوهلة قبل أن استقر في موضع خلف ظهره فوق السرير وبدا وكأنهُ لا يمانع إن رأيتُ جروحِه.
سيتهرب مِن الإجابة كـطبيعته، أيوجد جدوى لِأسأل حتّى؟
اطلقتُ تنهيدة لتهدئة كياني قبل الشروع في تجفيف دمائه، لم يص*ر أي تأوه أو تأثير يدل على تألمهُ طوال مُهمتي، وكأنهُ أعتاد الألم كما تخبرني الندبات بِبشرته.
"لِما انقذتني؟ سيّدي "
"ولِما لا؟ "
"لقد اخبرتني أن الانسان عبد لمقدساته، وانت تملك حُلماً؛ لكنكَ لم تأبه بِتحقيق حُلمكَ وضحيت بِحياتك لِإنقاذي، هل ينسى الإنسان مقدساته؟ أم انكَ لم تكُن جديّ في حلمكَ بِالعودة؟ "
مرت دقيقة **ت قبل أن يجيب:
"ألم اخبركِ انهُ حُلمي قبل الأخير؟ حلمي الأخير هو ما دفعني لِهذا. ورُبما انتِ مُحقة، الأحلام مجرد وهم...يبدو اني سأتمسك بِـأوهامي للأبد حتّى أفقِد عقلي، شارلوت"
"أنى لكَ أن تعرف بأن الموت يلاحقني؟"
عقب عن سؤالي **ت اكثر من الدقيقة السابقة بكثير حتّى شعرتُ أنهُ لن يجاوب إلا انهُ بتر شكوكي:
"الشاهدة سيلاحقها الموت"
لازالت إجاباته مُبهمة ولازال خوفي يتزايد..
اندفع بعيداً عنّي ووقف مُرتدياً قميصهُ فـأخبرته أني لم انتهى بعد وقال أن هذا لا يهم، اخبرني أنهُ هناك ما هو اكثر أهمية الآن وذهب نحو مكتبه الذي يقع امام النافذة العملاقة اخرج مفتاحاً مِن جيب بنطاله وفتح احد الادراج بهِ ثم اخرج عُلبة مُربعة الشكل، سوداء اللون مع نقوش ذهبية تشبه الخاصة بِالعصر الفيكتوري ما قبل الحرب.
كان الصندوق كبير بعض الشيء بِحجم راحة اليد المفتوحة ويملك مفتحاً كان مع هادوين ايضاً وفتح بهِ الصندوق ليظهر ضوء الشمس الذي انع** على ما بداخله.
قِلادة ذهبية عريضة مرصعة بِالألماس والفضة مع دائرة بِالمنتصف تتوسطها نقطة حمراء صغيرة، توحي بِالوطن العربي قديماً وكأنها من بابل.
وقف امامي وبدا متردداً لدقيقة قبل أن يقول ما يملكه:
"قبل خمس سنوات، في لقائُنا الأول، رأيتُ والدتكِ قد رحلت تاركة هذا ال*قد في يدها؛ شعرتُ لِوهلة أنهُ يعني الكثير لها لِذا حرصتُ على الاعتناء بهِ حتّى لقائُنا التالي، وأظُن أن الوقت قد حان"
أشار لي لأقف فإنصعتُ لأوامِرهُ بينما عينايّ لم تغادر القلادة، كيف كانت آخر ما امسكت بهِ؟ كيف عنى الكثير ولم يسبق لي رؤيتها سوى الآن؟
شيئاً مُريباً يستمر بالحدوث إلا أني لا اتوصل لِحقيقة.
إتجه هادوين خلفي ورفع القلادة امام وجهي لتستقر بِبرودتها فوق عنقي ويرتجف جسدي أثر برودتها القاسية بينما رفعتُ شعري بِيداي ليتمكن هادوين مِن إغلاقه حول عنقي دون أن ينتظر رد فعلي مني.
لقد إشتقتُ لِوالدتي بِشدّة وانا سأكون الأكثر سعادةً في حين كانت تلك القلادة حقاً تعني الكثير لها؛ لكن جهلي عن حقيقتها يجعلني مُرتابة كثيراً.
★★★★★★